الفصل 11 | من 17 فصل

رواية نزيف الجدران الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سيد داود المطعنى

المشاهدات
19
كلمة
1,499
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

عصام في غرفته يحمل هموم الدنيا فوق رأسه. يأبى إلا أن يرافق زملائه إلى رفح لأداء واجبه، ويخشى أن يتأثر والده بعصيانه، ليصبح بين نارين، لا يعرف كيف يهتدي إلى سبيل.

كيف يعتذر عن قرار النقل، وهو قرار من القيادة العامة لا يحتمل المناقشة، ولا يستطيع ضابط تقديم التماس في هذا الأمر ويضحي بسمعته في العسكرية حتى إحالته للتقاعد، ولا يستطيع أن يتحدى والده الذي لم يتأخر عنه يومًا حتى وصل به إلى تلك الدرجة، ولم يتخل عنه حتى بعد تعيينه ضابطًا بالقوات المسلحة، فقد جهز له شقته في وسط العاصمة ليتزوج بها، وخصص له مبلغًا ماليًا ضخمًا لنفقات زواجه ولتأمين مستقبله بعد الزواج.

كيف يخالفه الآن وهو الأب الحنون الذي يخشى على ولده السقوط في المهالك. ينظر للسماء، ينتظر التدبير. هل يعصي قادته ويتخلى عن واجبه، أم يعصي والده ويتركه في نار القلق حتى انتهاء المهمة بالنجاح أو الرحيل عن الحياة. يا لها من معادلة صعبة تلك التي وضعه فيها والده، ويا له من حلم قاسٍ ذلك الذي اقتحم حياتهم ليقلبها رأسًا على عقب، ويضع الأولاد مخيرين بين طمأنة والدهم بالتنازل عن أحلامهم وطموحاتهم أو الاستمتاع بحياتهم.

لم يخرج عصام لموعد زميله ماجد الذي وقع عليه الاختيار مثله للسفر إلى سيناء، بل أنه طلب ماجد ليزوره في البيت حتى يحكي له ما يريد، يطلب منه المشورة، يشاركه الرأي، قد يصل معه إلى حل يرتاح إليه. ــ دبرني يا ماجد، أنا هتشل مش عارف أعمل إيه. ــ اعمل اللي يمليه عليك ضميرك يا عصام، بس خليك عارف مخالفة قرار زي ده عاقبته إيه. ــ وبابا يا ماجد!

بابا ممكن تجراله حاجة لو أنا خالفت رأيه، خصوصًا الحلم المفزع ده اللي شافه وخلّاه خايف من كل حاجة. ــ وانت هتبني مستقبلك على أحلام والدك، ده واجبك قبل ما يكون شغلك يا عصام. ــ هو أنا ينفع أقدم التماس ع القرار ده. ــ هتبقى مسخرة بين زمايلك مدى الحياة، وكل ضابط في مصر ليه أم وأب بيخافوا عليه، وفيه غيرك عندهم أولاد يا عصام، يعني موقفهم أصعب من موقفك، وأنا بصراحة مش هفيدك في موضوع زي ده.

لم يجد عصام عند صديقه ماجد حلاً لتلك المشكلة، فقرر هنا أن يقبل يد والده ويخبره أنه سيرفض قرار النقل وأنه قرر العودة لكتيبته في التل الكبير، ولن يذهب إلى رفح أبدًا. كانت فكرة رائعة تجعله يرضي والده، ويلتحق بزملائه في رفح. يا لها من فكرة جعلته أكثر هدوءًا وانشراحًا، فدخل إلى غرفته مسرعًا ليكتب تلك الرسالة قبل ذهابه إلى المعسكر حتى يسلمها يدًا بيد للواء عبدالمجيد، فلا وقت هناك لكتابتها.

أمسك بالقلم وفكر قليلاً في صيغة تلين عاطفة والده لو قرأها بعد رحيله،

قال فيها: "والدي العزيز، وأستاذي في تلك الحياة، أنا لم أكتب إليك الآن لأعتذر لك عن مخالفتي لرأيك وتصميمي على اللحاق بزملائي في رفح، فقد تعلمت منك ألا أعتذر عن قرار صائب اتخذته أبدًا، ولكني يا أبي كنت أعلم مدى خوفك على حياتي، ولم تفكر لحظة واحدة أن موتي في سبيل الله أعظم من حياة ستنتهي لا محالة، وأنت لا تبخل عليَّ بتلك النهاية التي يتمناها كل مؤمن. كم كنت أتمنى أن أحتضنك وأودعك وأنت تعلم تمامًا أني ذاهب إلى مصيري،

لأموت في أقاصي البلاد، لأفدي بلادي بروحي ودمائي، وأفديها بأجمل شيء لي في الوجود، وهي تلك اللحظات التي أقضيها معك. لا تعاتبني في حزنك يا والدي، وعش سعيدًا يا من قدمت للبلاد روحًا ترخص من نفسها فداءً لأمنها وسلامتها. ابنك وصديقك وأخيك الصغير عصام".

أطبق عصام تلك الرسالة ووضعها في جيب حقيبته، وترك الحقيبة بالغرفة وخرج إلى الصالة، فوجد والده سارحًا أمام التلفاز وهو يرتشف فنجانًا من القهوة، وكان التلفاز على إحدى القنوات الإخبارية المصرية تنقل الأحداث الجارية في رفح وتمشيط الجيش لبعض الأماكن هناك. ــ أنا هخرج شوية يا بابا، وراجع. ــ تعالي شوف كده الجيش بيعمل تمشيط لبعض المناطق الإرهابية في رفح. ــ ربنا يعينهم يا بابا. ــ تعالي شوف كده نتيجة العمليات دي إيه.

ــ ما أنا عارف يا بابا، هخرج ساعة كده وأرجع أدردش مع حضرتك. ــ يا عصام! ــ نعم يا بابا. ــ تطلع فكرة رفح دي من دماغك، وتشوف لها أي تصرف. ــ حاضر يا بابا حاضر، بعد إذن حضرتك. خرج عصام، وعينا سعد تراقبه بخوف شديد، وارتشف رشفة من فنجانه ونظر في التلفاز.

راندا في غرفتها حائرة، تود أن تخبر والدها بذلك الخبر السار، الذي فاجأها به زياد بعد الخروج من الجامعة، حتى يستريح قلبه من ذلك الأمر، ويطرد قلقه على عصام من رأسه، لكنها لا تعرف كيف ستكون حالته الآن، قد تسمع منه ما تكره.

لو وازنت راندا بين السعادة التي قد تدخلها على قلب أبيها بخبر زياد، والحزن الذي يملأ قلبه بسبب عصام، لرجحت كفة الحزن والقلق والتوتر الذين يتحكمان فيه، ذلك الحزن الذي لا يجليه سوى خبر مضاد وهو إلغاء قرار نقل عصام إلى رفح. يا لها من مسكينة، كانت تتمنى أن ترى من زياد ما يسعدها، حتى تأتي طائرة لأبيها تشاركه فرحتها، ولكن وشم الشقاء منقوشٌ على جبينها، لا يفارقها.

تأتي طائرة ليستوقفها غم أكبر من فرحها، لتعرقل فرحتها حالة من الحزن العام تخيم على أرجاء المنزل، وتصيب كل وجوه الأسرة. ما الذي ينبغي أن تفعله تلك الفتاة التي تراقب والدها من ثقب باب الغرفة، وترى هموم الدنيا تتناثر أمام عينيه وحول أنفه وفوق رأسه، فترسم تلك الصورة الكئيبة على وجهه. ما الذي ينبغي أن تفعله راندا الآن حتى تمرر ذلك الخبر على مسامع والدها من بين كل تلك الهموم.

فتحت هاتفها المحمول واتصلت بعصام وأخبرته بتلك التفاصيل، وعرفت منه أنه بالخارج الآن. ــ يا عصام أنا نفسي أحكي لبابا، وهو مشغول بسببك ومتضايق جدًا، أرجوك تريحه. ــ حاضر يا راندا، أنا ساعة بالظبط وهـرجع، اطلعي له انتي دلوقتي، وقولي له إنك كلمتيني وإني هعمل المستحيل عشان مسافرش رفح، واللواء عبدالمجيد وعدني إنه هيتصرف. ــ بجد يا عصام الكلام ده؟

ــ أيوة بجد يا راندا، وبعد كده احكي له الحوار بتاعك ده وأنا هرجع أشارككم الفرحة. ــ ربنا يخليك يا عصام، ده بابا هيفرح جدًا. أغلقت راندا هاتفها وخرجت إلى الصالة حيث والدها السارح أمام التلفاز، وأسرعت ناحيته تقبله. ــ عندي خبرين كل واحد فيهم بمليون جنيه يا بابا. ــ يااااه للدرجة دي يا راندا؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...