ذهب المدير مع العم إبراهيم إلى مكان الجسم الغريب، ورفعه إليه ونظر فيه بدقة. عاد إلى المكتب مسرعًا واتصل بالشرطة وأخبرهم بالأمر، وناشدهم سرعة الحضور. قام بإخلاء المبنى بشكل كامل من الطلاب والمعلمين. امتلأ الشارع بالناس، وحضرت سيارات الشرطة، وسيارات الإطفاء الضخمة والصغيرة، وسيارات الإسعاف. تم رفع حالة الطوارئ القصوى بحضور قيادات أمنية من مختلف الأجهزة بوزارة الداخلية.
ارتدى خبراء المفرقعات الملابس المخصصة للتعامل مع تلك الحالات. طلبوا من العم إبراهيم مرافقتهم للداخل، ولكنه أصر على الرفض. "أنا مليش دعوي، هي ورا أوضة الموسيقى يا باشا." "يعني هم هيعرفوا أوضة الموسيقى فين، ادخل معاهم يلا متضيعش وقت." "يا باشا أنا مش هدخل، ولو عايزين تفصلوني افصلوني، عايزين تعتقلوني اعتقلوني، بس والله ما أروح للخطر، أهو المدير عارف المكان ويدخل معاكم."
"أنا عندي أولاد، مش هروح للموت برجلي، أنا كويس إنني واقف على رجليا، وقدرت أخلي المبنى من الطلاب حفاظًا على الأرواح." "حد من الأساتذة يكون قلبه جامد يدخل يا جماعة، الوقت مش في صالحنا." "أنا هدخل معاهم يا سيادة العقيد." "حضرتك مدرس هنا؟ "أنا مدرس اللغة العربية، هدخل أوريهم المكان وأخرج بسرعة." "شاكرين تعاونك، اتفضلوا يا حضرات."
دخل المعلم وخلفه خبراء المفرقعات، حتى وصلوا بهم إلى مكان الجسم الغريب، وأشار لهم على الغرفة. رأوا تلك الكتلة الغريبة وانحنى أحدهم ليمسكها بيده. خرج معلم اللغة العربية مسرعًا إلى الخارج، فسأله العقيد: "الخبراء شافوا الجسم المتبلغ عنه؟ "شافوه، وبدأوا يتعاملوا معاه." "ربنا يستر، ربنا يستر."
بدأ الخوف يرتسم على وجوه المحيطين، وبعض الناس يحاولون الابتعاد عن المكان قدر المستطاع. تراهم مترددين بين الخوف على الحياة، والفضول لمعرفة ما هذا الجسم الغريب. الكل يراقب بوابة المدرسة، ينتظرون خروج الخبراء سالمين، أو حتى يرتقبون صوت الانفجارات تدوي في سماء المكان، واشتعال النيران بالمبنى.
ما هي إلا خمس دقائق حتى خرج الخبراء يضحكون بصوت عالٍ، وهم يمسكون ذلك الجزء الغريب، والذي رأوا أنه مجموعة من المسامير الناعمة ملفوفة في عدة ورقات، ومحاطة بأكياس لاصقة حتى لا تتساقط، ومغلق عليها ذلك الكيس الأسود في شكل مستدير، مما جعل الكتلة مدببة توخز من يمسكها. تعجب الجميع من ذلك الأمر الغريب، ولم يتعرفوا على صاحب تلك المسامير، من وضعها بهذا الشكل خلف غرفة الموسيقى بالمدرسة.
أنكر جميع الطلاب والمعلمون صلتهم بتلك المسامير، أو حتى رؤيتهم لأي شخص يلقي بها في الفناء. لم يكن من رجال الشرطة سوى الانصراف. شعر مدير المدرسة بالحرج الشديد من ذلك الموقف، إلا أن جميع الحضور أشادوا بحسن تصرفه وسرعة إرساله استغاثة للشرطة لإنقاذ الموقف، فماذا لو كان ذلك الجسم الغريب قنبلة موقوتة أو شيء قابل للانفجار.
كان اليوم مريرًا على رائف وزملائه، فمن الصعب أن يتعرض الأطفال لذلك الموقف الذي لا تمحوه الحياة من ذاكرتهم مهما طالت. اجتمعت الأسرة على المائدة عصرًا، وقد عادت سمر من المدرسة، وكذلك رائف وراندا، يتناولون وجبة الغداء، يتبادلون النظرات فيما بينهم. كان سعد ينظر إليهم نظرات متألمة، كمن يودعهم بعينين خائفتين، تنظران إلى فلذات كبده، وعقله سارح في مصيرهم بعد وفاته تاركهم في دنياهم بمفردهم.
وراندا تنظر إليه نظرات مشفقة عليه، لا تحب أن ترى والدها كذلك دون أن يبتسم كعادته، كيف يستسلم بهذا الشكل لرؤية ليلية عابرة، والدنيا كلها ترى في نومها أحلامًا شرسة من مطاردات عفاريت لهم، أو صراعهم مع الكلاب المفترسة، أو فقدانهم في الغابة، أو رؤية جثث الموتى في الأحلام، ولكنها لا تتحقق على أرض الواقع، فماذا أصاب والدهم المحامي المخضرم ليتأثر بهذا الشكل.
وسمر تراقب شفتي والدها، لعله يتكلم أو يبتسم، أو ترسل أي إشارة لها تشجعها على فتح الموضوع، لتطلب منه الموافقة على ذهابها في رحلة إلى دير سانت كاترين وكذلك جبل الطور مع معلمة التاريخ ومشرف المدرسة، لكن سعد يجلس بينهم جسدًا، بلا روح. رائف ينقل عينيه بين الوجوه، يود أن يكسر ذلك الصمت الذي أصاب المكان، فوجه كلامه إلى راندا: "عارفة يا راندا النهاردة كان عندنا خبراء مفرقعات في المدرسة." انتبه سعد لرائف، ونظر فيه بدهشة.
"مفرقعات! ليه؟ كانوا بيعملوا إيه عندكم؟ "العامل والمدير شافوا حاجة زي القنبلة وأخلوا المبنى من الناس واتصلوا بالشرطة، وجات الإسعاف والمطافي ومصر كلها كانت في المدرسة." "ها وبعدين؟ "طلعت مسامير صغيرة جدًا، ملفوفة في الكيس." "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم." "المدير كان فاكرها قنبلة." "الحمد لله إنك بخير يا رائف." "أنا بصراحة كان نفسي تكون قنبلة، بحب أتفرج على الحاجات دي."
"قنبلة إيه يا ولد، إياك تقول كده تاني، هي أي حاجة عندك فيلم أكشن." "ده مخه على قده يا بابا، مش مستوعب اللي بيقوله." "بابا! "إيه يا سمر، وإنتي كانت عندك مفرقعات؟ "لا يا بابا، أنا عايز أستأذن حضرتك أروح الرحلة مع المدرسة." "وماله يا بابا روحي الرحلة مع المدرسة، عايزة كام فلوس؟ "المشكلة مش في الفلوس يا بابا." "المشكلة فين يا سمر؟ "المشكلة إن الرحلة في جبل الطور وفي دير سانت كاترين." "في سيناء يعني؟
"أيوة يا بابا في سيناء." بدأ وجه سعد يميل للتغير وينظر في وجه سمر يراقب حركاتها، يخشى أن يرفض لها طلبًا يصيبها بحالة من الحزن، فبادرته هي بقولها: "الفصل كله هيروح يا بابا، وطور سيناء بعيد خالص من المشاكل اللي حضرتك خايف منها." "بس الطور بعيد جدًا يا سمر، وإنتي عارفة إني مقدرش على غيابك أكتر من يومين." "بس هكون سعيدة جدًا يا بابا لو رحت، هكون سعيدة جدًا." "طيب ممكن تسيبيني النهاردة أفكر وأرد عليكي."
"ما دمت هتفكر يبقى هتوافق يا بابا، هي الرحلة هتطلع الأسبوع الجاي لو الإدارة وافقت عليها." "وأنا هرد عليكي بكرة الصبح على الفطار يا سمر، من عينيا حبيبة بابا." "ربنا يخليك ليا يا بابا." "وإنتي يا راندا مش عايزة تحكي لي على حاجة؟ "حاجة زي إيه يا بابا؟ "يومياتك في الجامعة." تهربت راندا بعينيها من والدها ودققت النظر في طبق الأرز أمامها وهي في قمة الخجل. "لا أبدًا يا بابا، ده حتى اليوم كان عادي جدًا."
"امممممممممم شكله مش عادي يا عيون بابا، عمومًا هعرف." لم يكن رائف يعرف سر خجل راندا من سؤال والدها بهذا الشكل، حتى سمر تعجبت، كيف تتهرب راندا من نظرات والدها وهو يسألها عن يومياتها في الجامعة. وكان سعد هو الأذكى فقد فهم أنها تذكرت شيئًا جعلها تخجل من ذلك السؤال، فلم يكرره عليها حتى لا يضعها في موقف محرج يضطرها للقيام.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!