الفصل 4 | من 17 فصل

رواية نزيف الجدران الفصل الرابع 4 - بقلم سيد داود المطعنى

المشاهدات
19
كلمة
1,428
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 24%
حجم الخط: 18

في مسجد البراء بن مالك، فرغ الدكتور رفعت نصر من صلاة الظهر بالمصلين، فتقدم إليه الأستاذ صادق المحامي يصافحه ويربت على كتفه. "حرمًا يا شيخ رفعت." "جمعًا إن شاء الله يا أستاذ صادق، أخبار المحامي صاحبك إيه؟ "صاحبي ده بيوقف حياته على الأحلام، وعامل لها هوس ولغوص وكل حاجة، ده خلانا نسيب قضايا نا في المحكمة ونرجع بدري بسببه." "والله المبدأ ده غلط، أنا مستغرب إزاي محامي كبير واسمه لامع ويؤمن بالكلام ده."

"تقول إيه بقى يا مولانا، بس قول لي بالله عليك، إيه تفسيرك للحلم؟ "هاهاهاهاهاها، حتى أنت يا أستاذ صادق." "حلفتك بالله من غير ما تتهرب يا دكتور رفعت، إيه التفسير الحقيقي للحلم أو الواضح." "بص يا متر، أنا شايفه فعلًا ممكن يكون المقصود به البلد والحاصل فيها، وممكن هو أو حد من أولاده يتعرض للقتل جراء هجوم إرهابي من اللي تفشى في بلادنا ده، وطبعًا كلامي ده مش مقياس، كذب المنجمون ولو صدقوا."

"تصدق إن معاه ولد ظابط في الجيش ورتبته رائد كمان؟ "ربنا يبارك فيه ويحفظه، يا ريت ما نأولش تفسيراتنا على أشخاص، لأن ده هيبقى تدخل في علم الغيب وده خط أحمر." "نعوذ بالله من التدخل في علم الغيب، لكن أنا بحاول أقرب لك التفسير." "نسأل الله إن تكون دي مجرد شكوك، وربنا يحفظ له بيته وأولاده." "اللهم آمين يا شيخ رفعت، اللهم آمين."

قام صادق من جوار الشيخ رفعت، وعاد إلى بيته مخطوف الذهن، وقد تغيرت ملامحه، وبدأ وجهه يميل إلى الاصفرار، واتخذت عيونه لونًا غير اللون البارق الذي يجملها، وأيقن أن سعد محق في تخوفاته كلها. انصرف صادق وقد تولد لديه يقين أن تفسير الحلم يرمي إلى عصام وحروب الجيش ضد الإرهاب، بل كان يخشى أن يصاب عصام بأذى في حياته فيدمر ذلك الأمر حياة سعد، إن لم يقضِ عليها.

كانت الحياة الدراسية تسير بشكل منتظم في فصل سمر بالصف الثالث الثانوي، وكانت في قمة تركيزها مع معلمة التاريخ التي اقترحت عليهم الخروج في رحلة لجبل الطور ودير سانت كاترين في سيناء، لقضاء وقت ممتع، والاطلاع على الأماكن التاريخية عن قرب. "قلتوا إيه يا ولاد، إيه رأيكم في الرحلة؟ "أنا موافق." "وااااو! يا ريت يا ميس مني." "أنا موافقة." "وأنا، وأنا، وأنا، وأنا."

"يبقى اتفقنا، كلنا موافقين، وأنا هجيب لكم موافقة إدارة المدرسة والإدارة التعليمية، وتبقى رحلة ترفيهية ثقافية." كانت سمر من أكثر الطلاب سعادة بتلك الرحلة، فهي تعشق الحضارة المصرية، تحب أن ترى بعينيها وتلمس بيديها كل ذرة تراب أو رمل شاهدة على التاريخ العريق لتلك البلد العظيمة. "بس يا ميس مني الإرهاب بيضرب في سيناء اليومين دول." "الإرهاب في أماكن معينة في رفح، إيه اللي هيوديه جبل الطور ودير سانت كاترين."

"هي مش سيناء كلها واحد." "أيوة.. بس سيناء دي مش قرية ولا مدينة صغيرة.. سيناء دي محافظتين شمال وجنوب." "أنا نفسي أموت أروح معاكم يا ميس مني، بس يا ترى أهالينا هيرضوا لنا نروح هناك." "يا ابني أنت وهو مالكم في إيه، انتوا ليه محسسيني إن الإرهاب منتشر كإنه جيش جرار بيحاربنا في سيناء، دي عصابات زي أي عصابات منتشرة في أي حتة، وكمان بعيد في الصحراء، لكن منطقة الطور أمان جدًا زي القاهرة والإسكندرية وباقي مصر."

"سيبك منه يا ميس مني احنا موافقين." "أيوة موافقين." "موافقين." ابتسمت سمر وهي في قمة سعادتها، ونظرت لها الميس مني تتعجب من عدم تفاعلها بالفرحة مع الجميع، رغم أنها أبدت موافقتها. "إيه يا سمر، مش فرحانة زيهم ولا إيه؟ "لا طبعًا يا ميس منى، فرحانة جدًا، بس بفكر هقول لبابا إيه؟ "بابا ده تسيبيه عليا لو رفض." "هو مش هيرفض المبدأ نفسه، هو هيرفض سيناء وكده انتي فاهمة يا ميس."

"يا دي سيناء، طب أنا بسحب اقتراحي، وانتوا تفكروا مع نفسكم وتشوفوا الشغب ده فين في سيناء، وشوفوا جبل الطور جاي فين، وبعد كده قرروا." "لا يا ميس ما تسحبيش الاقتراح، موافقين موافقين موافقين."

سمر تلك النسمة الغالية على قلب أبيها، والتي يخشى عليها من عثرة قدميها على الأرض، تلك الزهرة التي تذكره بزوجته التي أعطتها كل ملامحها فأضاءتها ببهجتها، تلك البهجة التي انطفأت بوفاة الأم، فأضحت ملامح سمر ذكرى خالدة، وابنة محببة، لا يستطيع أبوها البعد عنها للحظة واحدة، بل لا يتحمل إصابتها برشح الأنف عقب الإصابة بإنفلونزا الشتاء.

هل يا ترى يقبل سعد خروجها في رحلة إلى سيناء، رغم علمه بأن طور سيناء ودير سانت كاترين بعيدين كل البعد عن الأماكن المتوترة، هل يتحمل سفرها إلى هناك، هذا هو السؤال الذي يتردد في رأس سمر دون إجابة تصبر بها نفسها. لم تكن الأجواء هادئة أو مطمئنة في مدرسة رائف، بعد حالة الذعر التي أصابتهم في الحصة الثالثة، الجميع كان خائفًا ينتظر الموت في أي لحظة.

كان العم إبراهيم عامل المدرسة، يتجول خلف المبنى ليجمع الأوراق التي يقذفها الطلبة المهملون من نوافذ الفصول، وهو كعادته يقوم بجمعها بعد الحصة الثالثة حتى يبدو الفناء نظيفًا كما بدأ نظيفًا مع بداية اليوم الدراسي.

فرأى جسمًا غريبًا خلف غرفة الموسيقى، كان مستدير الشكل، ومغلفًا بكيس أسود، انحنى إليه العم إبراهيم، وأمسك به، وضغط عليه بيديه، فشعر بألم من شيء مدبب فألقى به على الأرض من شدة ألم الوخزة، وجرى بعيدًا حيث مكتب مدير المدرسة. "الحق يا حضرة المدير، يا مدير، يا مدير." "في إيه يا إبراهيم، مالك بتنهج كده حصل إيه؟ "في جسم غريب ورا أوضة الموسيقى، الإرهابيين حطوه عايزين يفجروها."

"إيه الكلام الفارغ اللي انت بتقوله ده، فين الجسم ده؟ "ورا أوضة الموسيقى يا مدير، كان هينفجر في وشي لولا إني رميته والله." "طب تعالي وريهولي."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...