الفصل 7 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
17
كلمة
3,900
وقت القراءة
20 د
التقدم في الرواية 19%
حجم الخط: 18

عندما دخلت جليلة الغرفة، كان جلال قد وصل إلى المنزل. وعندما دخل غرفته ورأى أمه تقف بجوار الباب تحدق في الحقائب بتعبيرات يستحوذها الذهول، أخذ نفسًا عميقًا وتنحنح خلفها بنبرته الرجولية ليجذب انتباهها لوجوده. التفتت هي بجسدها للخلف فورًا واستقرت نظراتها المتألمة عليه لبرهة من الوقت قبل أن تسأله: "إيه الشنط دي يا چلال؟ تقدم نحوها بخطوات هادئة وهو يجيب بجدية: "بكرى الصبح هنقل أنا وعيالي ومراتي على شقتي ياما."

رغم أنها كانت تتوقع ذلك الرد، لكن عند سماعه اختلف كثيرًا وكأنه صابها في مقتل. اتسعت عينيها وأدمعت، وراحت تهرول نحوه وتمسك بيده تترجاه:

"لو هتمشي عشان اللي حصل وأني دخلت منيرة حقك عليا يا ولدي. أنا والله ما كان في نيتي أعمل مشاكل بينك وبين مراتك أبدًا. معقول أنا هبقى عايزة واحدة سحارة وعقربة كيف منيرة دي ترجعلك تاني بعد اللي عملته فيك وكنت هتروح فيها بسبب السحر والأعمال اللي كانت بتعملها. أنا بس دخلتها عشان أشوفها عايزة تقول إيه وكنت هطردها بعدين، لكن ورحمة أبوك الغالي ما كان في نيتي حاجة وحشة."

قالت عبارتها الأخيرة وقد انهارت في البكاء العنيف. انفطر قلبه لبكائها وحن عليها، فراح يمسح فوق ذراعها ورأسها بحنو متمتمًا: "أنا عارف ياما ومش همشي بسببك.. لكن أنا مش مرتاح هنا في البيت وكل يوم في مشكلة مختلفة وأنا عايز أرتاح مع مراتي وعيالي. وعايز أشوف فريال واخدة راحتها في بيتها. أنا حرمتها من حقها ده من وقت جوازنا وعمرها ما حست إنها ليها مملكة خاصة بيها ولا أنا كنت عارف أتمتع وأنبسط معاها ومع عيالي."

التفتت جليلة بلهفة محاولة إقناعه وسط دموعها التي تنهمر دون توقف: "طب أنا أوعدك مفيش حد هيضايقك أنت وفريال واصل وخدوا راحتكم يا ولدي بس خليك جاري أبوس يدك." تنهد جلال بقلة حيلة وعاد يهتف بجدية محاولة شرح وجهة نظره لها بوضوح أكثر:

"ياما ملوش علاقة بحد. أنا بقولك أنا مش مرتاح وعايز آخد راحتي في بيتي لوحدي. بزيادة عاد وأنا اللي أبوس يدك ما تعملي حاجة وخلينا على الأقل أقضي الليلة اللي فاضلة ليا هنا مرتاح وانقل على شقتي وأنا مبسوط مش متعكنن." ظهر الجمود فجأة على معالم جليلة ونظرات العتاب كانت في عينيها، ثم قالت له بغضب ولهجة صارمة: "فريال هي اللي عايزة تنقل وحطتها في دماغك صح." تبدلت ملامحه من السكون والدفء للانزعاج ليقول بحدة:

"فريال ملهاش صالح ياما. أنا اللي قولت لها وأنا اللي عايز. هي لا قالت عايزة شقة ولا عايزة تنقل. كله أنا اللي عملته." ابتعدت وتراجعت خطوة للخلف وهي ترمقه بشجن وتقول في يأس: "يعني أنت خلاص مصمم وهتهملني." فرد ذراعه وضمها إليه في حنان وقبَّل رأسها ثم أردف: "مقدرش أهملك يا ست الكل. وأنا مش رايح آخر الدنيا وكل يوم هاجي أطمن عليكي وأقعد معاكي شوية. كفاية بما عاد عشان خاطري أنا مش هقدر أمشي وأنتي زعلانة ومش راضية كده."

توقفت عن البكاء أخيرًا ورغم عدم رضاها التام عن رحيله، لكنها التزمت الصمت وتقبلت الأمر الواقع. فوجدته يبتسم ويعود يقبل رأسها من جديد. *** بعد انتهاء حفل الخطبة بينما كان الجميع يرحل تدريجيًا، كانت آسيا تقف في الزاوية في انتظار وصول فريال ليرحلوا ليعودوا معًا للمنزل. لكنها انتفضت على أثر صوت غليظ من خلفها يهتف: "واقفة كده ليه يلا تعالي هوصلك البيت." التفتت خلفها بعدما ميزت الصوت الرجولي الذي كان لزوجها وقالت له بهدوء:

"أنا هرجع مع فريال." عمران بجدية: "فريال هترجع مع أمي والباقي.. يلا هتقعدي واقفة كده كتير ولا إيه! تنهدت الصعداء مغلوبة وهزت رأسها له بالموافقة ثم سارت خلفه باتجاه السيارة وهي تبتسم كلما تتذكر مشهد الغرفة وهم معًا وكيف لم يتمكن من الصمود أمامها وخر مستسلمًا أمام شوقه لها وقبَّلها.

فتحت باب السيارة واستقلت بجانبه في المقعد المجاور له. انطلق بالسيارة وهو يشق بها الطرق والصمت كان سيد الموقف بينهم. تارة هو يختلس النظرات إليها دون أن تلاحظه وتارة هي. ومع طول الطريق وضعت رأسها على المقعد واسترخت تمامًا فغطت في ثبات هادئ.

عندما توقفت السيارة أمام منزل خليل صفوان، راح يتمعنها بعينان مهمومة. لو تعرف ما الذي يعانيه داخله الآن وصراعه الذي لا ينتهي بأي شكل. يرغب في العودة بها لمنزلهم حتى لو رغمًا عنها، لكن كلماتها الأخيرة بيوم زيارة الطبيب مازالت عالقة بذهنه ولم ينساها. جرحته وزاد امتعاضه منها. لكنها مهما تفعل لا تنجح في جعل ذلك القلب يغضب منها ويظل ينبض بعشقها ويصرخ من عذاب شوقه لها. أخذ نفسًا عميقًا وانحنى عليها يهتف في صوت رخيم:

"آسيا فوقي، احنا وصلنا." لم يحصل على ردة فعل منها ولم تتحرك فكانت غاطة في نوم عميق. ابتسم لا إراديًا واقترب منها أكثر ليهمس في أذنها ببحته الرجولية التي تذهب العقل: "يا غزالي." ظهرت بسمة غرامية على ثغرها وسط نعاسها ومالت برأسها لجهته وهي تبتسم ومغلقة عيناها. فقد ظنته حلم مما يعني أنها لم تفق بعد بشكل كامل. وجدها ترفع ذراعيها دون وعي وتلفها حول رقبته وتنحني عليه لتعانقه وهي تردد بصوت يكاد يُسمع بصعوبة

من تأثير النعاس عليها: "عمران." رفع حاجبه بتعجب وقد ازدادت ابتسامته اتساعًا وبقى ساكنًا دون حركة يتركها متشبثة به وتعانقه بقوة. لحظات قصيرة وفتحت عيناها تدريجيًا وكأن عقرب لدغتها انتفضت بعيدًا عنه وهي ترمقه مندهشة وتقول بخمول وصوت ضعيف: "إيه ده.. في إيه؟ رأت على وجهه بسمة عابثة كلها مكر وهو يجيبها باستمتاع: "حمدلله على السلامة يا غزال، وصلنا!

طالعته ببلاهة لثواني وكأنها مازالت حتى الآن لم تدرك ما حدث للتو. وراحت ترفع أناملها تفرك عينيها وتمسح على وجهها ثم تسأله بصوت خافت يظهر عليه الإحراج من معانقتها له: "هو أنا نايمة من بدري." رأته يكتفي بابتسامته الخبيثة دون إجابة عليها. فحاولت تفادي النظر إليه وعندما أدركت أن لا مفر منه فنظرت له وقالت بضيق وخجل: "بتبصلي كده ليه أنا كنت نايمة ومش حاسة بروحي على فكرة." لاحت في عيناه نظرة شيطانية ماكرة وهتف غامزًا:

"وأنا كمان مكنتش حاسس بروحي في الفرح. كده نبقى متعادلين." أشاحت بوجهها عنه ثانية للجهة الأخرى وهي تبتسم بنفاذ صبر ثم نظرت له وقالت في جدية: "متقدرش تنكر إنك اشتقتلي بس مش عايز تعترف إنك غلطان في حقي وظلمتني." اختفت بسمته ورد عليها بامتعاض حقيقي: "وهو إني ميحقليش أزعل بعد اللي عملتيه وقولتيه ليا في العربية يوم الدكتور." زمت شفتيها وهتفت بحزن وهي تتمنع عنه بدلال:

"يحقلك بس أنا كمان يحقلي. ولغاية ما تدرك غلطك وتقرر تعتذر أنا في بيت أبويا يا معلم." أنهت عبارتها وفتحت الباب السيارة لتنزل لكنه قبض على ذراعها يوقفها بنبرة منزعجة: "رايحة فين؟! ردت عليه بكل هدوء وهي تبتسم: "تعبت ومحتاجة أرتاح.. تصبح على خير." لوى فمه وهو يصر على أسنانه بغيظ منها ثم ترك يدها مجبرًا واخذ يتابعها وهي تدخل لمنزل والدها وداخله يشتعل من نيران الغضب والشوق معًا. ***

بتمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. خرجت غزل من المطبخ بعدما انتهت من تحضير كوب عصير من الليمون البارد لها وكانت في طريقها للصالون لتجلس به وحدها بينما تشرب مشروبها بتلذذ. بعد خلود الكل للنوم أصبح المنزل هادئ.

تسمرت بأرضها باضطراب عندما وصلت للصالون ورأت "علي" يجلس على الأريكة ويبدو أنه هو أيضًا مثلها كان بحاجة لمزيد من الاسترخاء في الهدوء بعيدًا عن الضجيج في هذا الليل. تردد وخجلت من الجلوس وبينما كانت على وشك الاستدارة والعودة لغرفتها أوقفها صوته الغليظ سامحًا لها بنبرة بدت لأول مرة طبيعية ومهذبة: "تعالي اقعدي ماشية ليه؟ التفتت له برأسها وابتسمت في تكلف تجيبه: "مش حابة أزعجك أنا هطلع أقعد في my room."

أخذ علي نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا قبل أن يسألها بنبرة بدت مهتمة ولكنها أحستها لا مبالية ويتصنع الاهتمام: "انتي قولتي اسمك إيه؟ رفعت حاجبها باستنكار وقد تبدلت ملامحها الغيظ لاجئين في شراسة جميلة: "أنا مقولتلش أصلًا من الأول عشان تحاول تفتكره دلوقتي، واسمي غزل! رأت على ثغره بسمة نصر وكأنه يحتفل بداخله أنه نجح في إزعاجها. فاشتعلت كيدًا منه وعنادًا قررت الجلوس لكي تزعجه هي أيضًا كما يفعل ذلك المزعج.

جلست على الأريكة المجاورة لتلك التي يجلس عليها، ومر عليهم وقت طويل وهم يلتزمون الصمت حتى سمعته يسألها بكل تحضر عكس تصرفاته السابقة معها: "وانتي عاد خلصتي دراسة ولا لسا بتدرسي؟ طالعته بطرف عينيها في خنق وردت عليه في مضض: "خلصت السنة دي كانت the last year." هز رأسه وهو يمط شفتيه ببرود ويجيب متعمدًا إثارة جنونها: "امممم لسه أنتِ عيلة يعني." لم يفشل في جعلها تستشيط وتهتف بغضب:

"أنا مش طفلة، أنا عندي 22 سنة وبعدين ده جسم طفلة ولا شكل طفلة." اخفض نظره لجسدها يتفحصها بتدقيق وهز رأسه بالرفض وهو مستمر في تمعنها وسط همسه: "لا طبعًا كل ده جسم طفلة كيف!! لمست شيء غير مريح في تمتمته التي لا تسمعها فراحت تسأله بحدة: "what did you said?" ابتعد بنظراته عن جسدها وتطلع في وجهها بابتسامة سمجة مجيبًا: "قلت كل خير يا غندورة." تأففت بنفاذ صبر وقالت له في غيظ حقيقي: "مين غندورة.. قولتلك اسمي غزل."

رفع حاجبه ورد مبتسمًا: "والفرق إيه مهو الاتنين نفس المعنى." زمت شفتيها بانزعاج وقالت وهي تهم بالوقوف: "أنت واضح أنك مصمم تعصبني أنا غلطانة إني قعدت معاك." زم شفتيه بعدم حيلة وهو يقول في استغراب متصنعًا البراءة: "يعني هو نتكلم زين مش عاجب نتكلم عفش مش عاجب! سكتت للحظات وهي تحاول استيعاب من هو "زين" ومن "عفش" محاولة ربط الجملة ببعضها فقالت له في النهاية مغلوبة: "ممكن تتكلم مصري عشان مش فاهمة أنت بتقول إيه!!

ضحك لا إراديًا ورد عليها ساخرًا: "ليه وهو أنا بتكلم إيه افغنستاني!! لوت فمها في تعابير وجه متقرفة تدل على عدم إعجابها بمزحته السخيفة: "أشكرك على المحادثة اللطيفة دي كانت جلسة قصيرة أتمنى متتكررش تاني، تصبح على خير." تمت ضحكته بصعوبة وحافظ على تعابيره الباردة ليرد عليها وهي تتجه لغرفتها بصوت مرتفع قليلًا متعمدًا إزعاجها: "وانتي من أهله يا غندورة." التفتت له برأسها ورمقته بنارية ثم أشاحت بوجهها

وهي تتأفف وتهمس بسخط شديد: "اوووف بني آدم مش طبيعي." *** بمكان آخر تحديدًا بمنزل حور أخيرًا جلست هي وبلال بمفردهم. رغم أنها كانت تحاول الهرب منه قدر الإمكان، لكن لا مفر وفي النهاية وجدت نفسها في الغرفة معه وحيدة.

استمرت في التلفت حولها وتفقد السقف وتفحصه وكأنها تراه للوهلة الأولى. كانت تقريبًا تنظر على كل شيء إلا وجهه وهو يتابعها بصمت منتظر منها أن تدرك أنه موجود بجوارها ولديه وجه يمكنها النظر إليه إذا أرادت فهو ليس شفافًا! انحنى عليها وهمس بالقرب من أذنها في مرح: "حور طمنيني عليكي انتي شيفاني طيب ولا إيه أنا حاسس نفسي غير مرئي! التفتت له وانتفضت مفزوعة واجابته بتعلثم: "أيوه شيفاك طبعًا يابلال في إيه؟! تصنع الدهشة وهو يجيبها:

"صح والله شيفاني.. طب قولي شيفاني من وين بالظبط يمكن أشوف نفسي معاكي، في انهي ركن في الأوضة يعني شيفاني قاعد فيه مثلا بما إنك مسبتيش حتة مبصتيش عليها غير مكاني." ضحكت بصمت في خجل وراحت تهتف مغلوبة: "بس بقى يا بلال بلاش رخامة." ابتسم لضحكتها وتمتم بفرحة: "أيوه كده اضحكي يا عروسة، فكي واتكلمي معايا."

أطرقت رأسها أرضًا وقد تلونت وجنتيها بالأحمر من فرط الحياء أما هو فقد مد يديه ليمسك بكفيها ويحتضنهم بين يديه ثم يرفع واحدًا تلو الآخر لشفتيه يقبل ظاهره وهو يثبت نظراته على عينيها الزائغة. شعر بارتعاشة جسدها فور ملامسة شفتيه لبشرتها الناعمة فازدادت ابتسامته اتساعًا والح عليه قبله العاشق أن يتجرأ أكثر فالآن لم يعد هناك شيء يعيقه بعدما أصبحت زوجته. اقترب منها ينوي خطف قبلة سريعة لكنها انتفضت وابتعدت بسرعة متقهقرة للخلف وراحت

تهتف له بارتباك شديد: "لو قربتلي هنده على بابا." أضاق عينيه بذهول وراح يقول لها بجدية: "بابا إيه هو أنا هاكل منك حتة." هزت رأسها بالنفي وهي تقول بلهجة طفولية من فرط اضطرابها: "لا أنا عارفة أنت كنت عايز تعمل إيه! هتف مازحًا وهو يضحك: "يبقى أكيد كمان عرفتي أن غرضي شريف." أصبحت كالبندورة من فرط الاستحياء وراحت تهمس له بتوتر: "بلال والله أعيط." مسح على وجهه مستغفرًا ربه وهي زفر بنفاذ صبر ويتمتم:

"يارب صبرني ادي آخرة اللي يتجوز طفلة، أحلفلك بإيه إني بقيت جوزك دلوقتي خلاص ده حتى لسه البصمة في صباعك." رجته والأطفال وهي تبتسم ببلاهة أضحكته: "معلش معلش خدني على قد عقلي واعتبرني هبلة ولسه مستوعبتش اللي حصل، أنت جوزي دلوقتي ماشي بس ممكن نقعد مؤدبين وزي الناس المتحضرة." تجمدت تعابير وجهه وتحولت للغيظ منها وهو يقول بتهكم مجيبًا عليها:

"أنا تملكني الفضول أعرف الناس المتحضرة دي كيف بتقعد مع مراتهم.. ممكن تحكيلي يابنك المعرفة والثقافة؟ قهقهت عاليًا رغمًا عنها وردت بعدما اعتدلت في جلستها وجلست التربيعة أمامه وهي تشرح له ما طلب بكل حماس ومرح: "يعني مثلا بيفضلوا يتكلموا عن حصل إيه في الخطوبة وكتب الكتاب ويضحكوا ويهزروا ويقولوا خططهم لتجهيز شقتهم وفرحهم و...

توقفت عن الكلام عندما رأته يستمع إليها وهو يهز رأسه بكل عدم مبالاة ويتصنع الاهتمام بكلماتها ثمينة المعنى كما تظن هي. قرأته يسأله بكل برود يؤكد على أن ما قالته للتو لم يكترث له بمقدار ذرة: "خلصتي؟ .. أيوه أنا إمتى هاخدها برضوا؟ حور بعدم فهم: "هي إيه دي؟! رد بجرأة ووقاحة صدمتها: "البوسة! لكزته في كتفه بقوة مغتاظة وهي تصيح به بخجل شديد: "إيه الوقاحة دي يا بلال أنا ما كنت أعرف إنك كده، صدمتني فيك!

رفع يده يحك مؤخرة رأسه بعدما مال برأسه بعيدًا عنها وتمتم مغلوبًا وهو يهز رأسه في إيماءات متتالية: "اتصدمتي فيا!! .. امممم هي باينة من أولها." التفت لها ثانية وقال لها بابتسامة متكلفة محاولًا اخفاء غيظه: "بقولك إيه ياحبيبتي معندكمش ليمون؟ حور بإيجاب واستغراب من سؤاله: "آه عندنا ليه؟!! بلال وهو مازال محتفظًا ببسمته المريبة: "طب ما تقومي تعمليلي كوباية أحسن أنا حاسس إني بدأت أفقد أعصابي ومحتاج حاجة تهديني."

غضنت حاجبيها بحيرة من أمره وقلق بسيط فوجدته يحثها على النهوض وهو يدفعها للنهوض بلطف ويبتسم لها بحب. ففعلت بصمت وهي لا تتوقف عن التحديق به بتعجب واتجهت للمطبخ لكي تحضر له كوب من عصير الليمون كما طلب منها! *** صباح اليوم التالي داخل منزل إبراهيم الصاوي. اتجه عمران لغرفة أمه مباشرة بعدما رأى منى تجلس في الصالون منذ الصباح وترتدي ملابس منزلية مما يوضح أنها ليست ذاهبة ثانية.

طرق الباب وفتح الباب ثم دخل فرأى إخلاص تؤدي صلاة الظهر. جلس على طرف السرير ينتظر إنهاء صلاتها ثم هتف لها بغضب: "منى بتعمل إيه هنا ياما.. أنا مش قولت مش هتدخل وتقعد هنا تاني." استقامت إخلاص واقفة من فوق المصلاة والتقطتها من فوق الأرض وطوتها ثم وضعتها على ظهر المقعد وقالت لابنها بهدوء تام: "أنا اللي طلبت منها تيجي يا ولدي." صح عمران منفعلًا:

"أنا مش بسأل مين اللي قالها تيجي.. أنا كان كلامي واضح لما قولت مش هتقعد هنا تاني ياما وأنتي كسرتي كلمتي ومعملتيش حساب ليا." اقتربت منه بسرعة وقالت بحنو محاولة امتصاص غضبه واقناعه ببقائها: "لا يا ولدي أنا مقدرش أكسر كلمتك أبدًا، بس أنت شايف صحتي بقت كيف الحمدلله ومش بقدر أعمل مجهود كبير واختك حامل وتعبانة ومش هتقدر تقعد جاري وحتى مراتك مش قاعدة فأنا طلبت منها تقعد جاري يومين بس واهي تساعدني وتشيل عني شوية." عمران

بنفاذ صبر وصوت جهوري مخيف: "أما أنا مش عايز مشاكل ووجع راس ولا عايزها." أمسكت بيده وهي تتوسله محاولة استعطافه: "يا ولدي عشان خاطري وافق، هي مش هتقرب منك واصل وهتبقى قاعدة جاري طول الوقت وكلها يومين وتمشي، ولو على المشاكل متقلقش مفيش أي حاجة هتحصل ومراتك مش قاعدة ولغاية ما ترجع هتكون منى مشيت من زمان.. متكسرش بخاطري عاد وخليها قاعدة معايا اليومين دول أنا محتاجاها."

طال تمعنه للنظر في وجه أمه ونظرة الرجاء التي بعينيها جعلته يلين وتهدأ ثورته قليلًا ليجيبها في النهاية بحزم وضيق: "طيب ياما بس يومين بالظبط وترجع بيتهم." ابتسمت إخلاص بفرحة وعينان ممتلئة نصر وشيطانية: "حاضر يا حبيبي متقلقش يومين بالتمام هتمشي." أصدر تأففًا حارًا باستياء واستدار وغادر الغرفة ليتركها تسعد وتحتفل بأولى انتصاراتها على آسيا. ***

على الجانب الآخر داخل غرفة آسيا، وجدت فريال تقتحم عليها الغرفة وتدخل وعلى وجهها قسمات لا تبشر بالخير. فضيقت آسيا عيناها وقالت لها متعجبة: "انتوا لسه ما مشيتوش أنا قولت دول مشيوا من زمان." اندفعت فريال نحوها مسرعة وهي تقول بإيجاز: "ماشيين دلوقتي بس سيبك مني واسمعي اللي هقوله." أصغت آسيا أذنيها لتسمع ما تريد قوله لها فقالت فريال بانزعاج وجدية تامة:

"أمي اتصلت بيا تطمن عليا وبالصدفة وقعت في الكلام وقالت أن منى في البيت." فغرت آسيا عيناها وشفتيها بصدمة تردد: "بيت إيه؟ فريال بنبرة مرتفعة بعض الشيء: "في بيت أبويا يا آسيا يعني بيت مين واللي فهمته أنها رايحة تقعد فترة هناك مش زيارة كام ساعة وماشية." أظلمت عيني آسيا وتحولت ملامحها لأخرى كلها شر وحقد وأخذت تهمس بابتسامة مخيفة: "تقعد فترة.. آه السحلية رجعت للموت برجليها."

وباللحظة التالية فورًا دون تفكير كانت تندفع نحو خزانتها وتخرج حقيبة ملابسها وتبدأ في دي ملابسها بها بطريقة عشوائية. هتفت فريال بدهشة وعدم استيعاب: "هتعملي إيه؟! آسيا بابتسامة تحمل وعد شيطاني: "هنضف البيت من الحشرات واعلق السحلية من زورها على باب البيت عشان تبقى عبرة لبقية السحالي." ضحكت فريال لا إراديًا رغمًا عنها واقتربت من آسياها تردف برزانة:

"طيب اهدي يا آسيا هترجعي البيت بشنطتك وكيف هتشيليها لوحدك وانتي حامل وتعبانة كده." التفتت لها ورمقتها بنارية هاتفة: "هدحرجها قصادي على الأرض يا فريال حلو كده." حاولت كبح ضحكاتها وهتفت بصوت رخيم: "اسمعي الكلام طيب الأول واهدي." انفجرت آسيا بشكل مرعب وكأنها تحولت بلحظة لشبح عاد لينتقم ولن يرحم أحد: "ملكيش صالح بيا يا فريال سبيني أعمل اللي عايزاه."

فهمت فريال أنها أخذت قرارها ولن تتراجع وفي الغالب منى ستصبح مع الأموات عندما تصل لهم. تمتمت في جدية: "طيب هبعت معاكي معاذ وعمار يشيلوا منك الشنطة لغاية البيت." لم تجبها أكثر بل لم تسمعها من الأساس فقد كان عقلها مشغول بتلك الأفعى أو السحلية كما تسميها التي استغلت عدم وجودها لتتودد لزوجها وتقترب منه. ***

بعد مرور ساعة تقريبًا داخل منزل إبراهيم الصاوي اتجهت منى للباب لكي تفتح بعدما سمعت صوت الرنين العنيف، ولم تكن تدرك ما الذي ينتظرها خلف ذلك الباب. ربما لو علمت لما خطت خطوة نحوه. وقفت وامسكت بالمقبض لتديره وتجذب الباب عليها فتجمدت ملامحها عندما رأت آسيا أمامها وتبتسم له بطريقة مريبة وتقول بمزح لم يكن الهدف منه الضحك أبدًا: "سبحان الله أول مرة أشوف سحلية بتفتح الباب!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...