الفصل 8 | من 36 فصل

رواية و بالعشق اهتدي الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق

المشاهدات
19
كلمة
7,165
وقت القراءة
36 د
التقدم في الرواية 22%
حجم الخط: 18

ابتلعت منى الإهانة في جوفها رغم اشتعالها من الداخل وظلت تحدق بآسيا في غل وضغينة. وبالمقابل كانت الأخرى تتمعّنها ببسمة مريبة ونظرات مليئة بالشر، ثم فجأة وقفت بكل شموخ وانحنت لتمسك بحقيبتها وتدفع منى من طريقها بكل عنف لتدخل وهي تجر حقيبتها خلفها هاتفة: _أنتي ربنا بيحبك قوي عشان فتحتيلي الباب بنفسك

_عقدت منى ذراعيها أسفل صدرها وراحت تتطلّع لآسيا بكل ثقة وقرف مما جعلها تضحك بقوة عليها وتدريجيًا تتلاشى ضحكتها للتحوّل لوجه شيطاني مرعب بالأخص عندما هتفت منى بشجاعة ستكلّفها الكثير: _مشكلتك أنك شايفة روحك محدش بيقدر عليكي يا آسيا بس أنتي غلطانة _آسيا ببسمة متوعّدة: _طب ما تاجي نشوف كلامك ولا كلامي اللي صح _وبظرف لحظة انحنت للأمام عند قدميها ونزعت حذاءها العالي وقد ارتدته خصوصًا لها،

ثم التقطته بين يدها وأخذت تقترب منها وهي ممسكة به.. لا إراديًا كانت منى تتقهقر للخلف وترمق آسيا بعينين متسعّتين عندما سمعتها تهمس باستهزاء ونبرة فظة: _شايفة الجزمة دي لا مؤاخذة اشتريتها مخصوص عشان أدعس بيها السحالي واقطم رقبتهم بيها _حاولت منى البقاء صامدة دون حركة رغم أنها ترتجف من الداخل وكانت مستعدّة لأي هجوم لكن باغتتها آسيا بحركة غير متوقّعة وهي جذبها من حجابها بكل بقوة وصفعها فوق وجنتها بكل عنف صائحة بها:

_هو أنا عشان مش قاعدة افتكرني روحك تتعرّفي تقرّبي من جوزي يا سحلية _حاولت منى دفعها بعيدًا عنها لكن آسيا كانت تحكم قبضتها عليها جيّدًا، وتمكّنت من إسقاطها فوق الأرض وجلست فوقها وبيد جذبتها من شعرها وباليد الأخرى نزلت عليها بالضربات المتتالية بحذاء الكعب العالي الخاصّ بها وسط صراخ منى وهي تحاول دفع آسيا عنها وتفادي ضرباتها بينما الأخرى فكانت لا تتوقّف وتفرّغ بها شحنة غيظها بكل شماتة وسعادة وهي تصرخ بها:

_دي عشان تعرفي بس أنا بتعامل مع الجراد والسحالي اللي كيفك ازاي، ده أنا هعملك عاهة مستديمة يا خطّافة الرجالة _أخذت منى تصرخ بكل ما تبقى لديها من صوت: _يا مرت خالي الحقيني.. عـمـران _التهبت نظرات آسيا وتحوّلت لجمرة من النيران المشتعلة عندما وجدتها تصرخ باسم زوجها وتستنجد به لينقذها من بين براثنها، وجدت نفسها دون وعي تزيد من ضربها الهستيري وهي تصرخ بها:

_عمران ايه يا **** .. هو هينجّدك مني يعني، صدقيني ما في مخلوق هيعرف ينجّدك مني الليلة دي.. أنا أمّا ربّيتك يا **** يا خرّابة البيوت مبقاش آسيا بت خليل صفوان _تجمّع جميع من بالمنزل مفزوعًا وهم يركضون على أثر الصراخ المرتفع لمنى،

أما هي فقد استطاعت أخيرًا بإعجوبة الفرار من بين مخالب تلك المتوحّشة ودفعتها من فوقها فسقطت آسيا على الأرض ولحسن الحظ أنها لم تتألم أو تتأذّى وبسرعة البرق هبَت واقفة تنزع حذاء القدم الأخرى وتلتفت خلفها لتلقيه على منى التي تركض بعيدًا عنها تنوي إصابتها به لتكسر أضلاعها لكن وجدت الحذاء سقط بين يدي عمران الذي وصل للتو ويقف منذهلًا ومنى راحت تقف خلفه تحتمي به،

مما زاد من هيجان آسيا عليها وراحت تركض نحوها وهي تصرخ بها تنوي جذبها من شعرها بعيدًا عنه: _ده أنا هنحلّك شعرك في يدي وهاكلك بسنّاني يا ****، بعدي من وراه _تلقاها عمران قبل أن تلتقط منى من خلفه بذراعها وكبّلها بذراعيه يلفّهم حول ظهرها ويضمّها إليه ليمنعها من الوصول لها،

ولكن ذلك لم يشل حركتها كاملة فقد كانت كالثور الهائج الذي لا يرى أمامه وأخذت تصرخ بها وتلوّح بيدها من جانب كتف عمران وهي بين ذراعيه تمامًا بحضنه وتصرخ بمنى التي أخذت تتقهقر للخلف خوفًا منها: _تعالي بترجّعي لورا ليه.. قربي مني عشان أجيبك تحت رجلي واكسرلك ضلوعك كلها يا سحلية _أسرعت نحوها إخلاص لتجذبها من ذراعها وتضمّها لصدرها تتفحّصها بزعر بعدما رأت منظرها وهيئتها المزرية،

فقد كانت ملابسها وحجابها مبدّدين ووجهها مليء بالخدوش الطويلة وكأن قطّة مفترسة هجمت عليها ولم ترحمها من مخالبها الحادّة، جذبها معها الأعلى فصاحت آسيا بغضب: _وخداها على وين دي مش هتقعْد أهنا دقيقة واحدة _كان بلال يقف من الأعلى يشاهد زوجة أخيه وهو يبتسم عليها، رغم أنه أشفق على منى قليلًا لكنها استحقت.. وعفّاف تشاهد بذهول وسط ضحكها المكتوم مثل بلال، ولم يكن لبشار وعبد العزيز نصيب من مشاهدة ذلك الفيلم الأكشن.

انحنى عمران على أذن آسيا يهتف لها بجدّية: _خلاص يا آسيا مش مكفيكي اللي عملتيه فيها، اثبتي واهدي _لم تكترث له وكانت ما زالت تتلوّى بين ذراعيه كالأفعى تحاول الهروب لتجذب منى من شعرها ثانية لكنه عاد يهتف لها بحدّة هذه المرّة: _آسيا قولت بزيادة.. يلا تعالي على الأوضة فوق _أفلتها من بين ذراعيه ببطء حتى لا تهرب وأبعدها عن صدره ثم قبض على ذراعها وجذبها معه للأعلى عنوّة،

رغم نظراتها الناريّة له وكأنها تقول له أن سأتفرّغ لك بعدما أنتهي من تلك السحلية. وصلوا لغرفتهم وفتح الباب ليدفعها هو أولًا للداخل بلطف ويدخل خلفها ويغلق الباب فيجدها تنفجر بها صائحة: _أمّك جابتها صُح؟ .. وأنت مقولتش حاجة ووافقت وقولت أصْل آسيا مش قاعدة هتعرف من وين _رآها يقف أمامها بثبات انفعالي غريب وتعبيرات جامدة لا تحمل أي مشاعر فاستاءت أكثر واقتربت منه أكثر تكمّل صياحها المرتفع بغيرة حارقة:

_ولا عشان أنا مرجّعتش معاك وقولتلك مش هرجّع كنت ناوي تطلّقني ووافقت تقعّدها عشان تتجوز السحلية دي، أو ممكن تكون ناوي تتجوز عليّا كمان من غير ما تطلّقني _لا يزال يحتفظ بتعبيراته وبروده المستفزّ دون أن يجيب عليها بحرف واحد، هو حتى لا يفتح فمه فأصبح وجهها كلّه أحمر من فرط العصبيّة والغيرة وهي تراه يتجاهلها ويقف أمامها كلوح الثلج حتى لا يصرخ ويتشاجَر معها كعادته، فوجدت نفسها دون وعي تصرخ به بهستيريا وهي تدفعه

بعنف وتلكمه فوق صدره: _ما ترد عليّا ساكت إكده ليه.. رد عليّا! _انتفضت رعبًا عندما وجدته يقبض على يديها بقوّة ليوقّف ضربها له، وظنّت أنها أيقظت الوحش وقد تمنّت أن يصرخ بها حتّى وها هو سيفعل لكنه صدمها بسؤاله الذي يشبه تعابير وجه تمامًا: _رجّعتي ليه؟ _هدأت ثورتها بفعل الدهشة من سؤاله الغير متوقّع وارتَخَت عضلاتها المتشنّجة والتزَمَت الصمت للحظات لا تعرف لماذا تجيبه وبالنهاية قرّرت الإجابة بسؤال آخر في غيظ:

_قاعدة إهنا في البيت من إمتى؟! _فهم أنها تقصد منى فلاح في عينيه التهكّم وابتسامة تكاد لا تُرى على ثغره ظهرت قبل أن يهتف ببحة رجوليّة مميّزة وهو ينظر في عينيها بعمق: _لو أعرف أن غيرتك ومنى هيخلّوكي ترجّعي جَرّي إكده على ملّي وشك أوّل ما تعرفي كنت أنا اللي جبتها، ومستنّيتش أمّي لما تجيبها _اشتعلت غيظًا وصاحت به ثانية وهي تجذب يديها من قبضته: _أنت اللي جبتها ده إيه.. البتّ دي مش هتقعْد إهنا ولا ساعة كمان

_كان بروده غريب لها حيث وجدته يبتَعِد عنها بخطواته الهادئة ويتجه نحو الخزانة يفتحها ليخرج ملابس له لكي يستحم ويرد بكلّ بساطة متعمّدًا إثارة غيرتها أكثر: _أنا مليش صالح بحوارات الحريم دي ومشاكلهم، الرجالة مبتدخلش فيها.. أنتي مش عاوزها تقعْد اهي قصادك وابقي اطْرَدِيها بنفسك _اندفعت نحوه ثائرة وهي تهتف: _كيف يعني ملكش صالح.. أنت اللي هتمشّيها يا عمران _هَزَ رأسه بالرفض وهو يبتسم لها باستمتاع ويقول:

_لا أنا مبعرفش أطْرَد حد من بيتي.. وبعدين مش أنتي اللي غيرتك عليّا هتجنّنك يلا وريني همّتك عاد يا غزال _اشتعلت غيظًا منه وصاحت به بقسوة وهي تضحك يدها على بطنها المنتفخة: _أنا مش غيرانة عليك.. أنا بحافظ على بيتي عشان ولدي اللي جاي ده ميتربّاش بعيد عن أبوه _سَخَفْضَ نظره لبطنها وابتسم ثم مدّ كفه هو الآخر يتحسّس عليها بحنٍو متمْتَمًا في نظرة قويّة ومنزعجة:

_ولما كنتي بتقولي مش راجعة معاك ومش عاوزاك ومش حاسّة بالأمان معاك كان ولدك مش موجود في بطنك ولا إيه؟!! .. ولا دلوقتي بس افتكرتي أن في بينا عيل هيجي للدنيا بعد كام شهر ومحتاج يتربّى جَوّا أبوه _التزَمَت الصمت رَغْمًا عنها ولم تجد ما تجيب عليه به أمّا هو فتركها واتجَه نحو الحمّام لتشتعل غيظًا وغيرة أكثر وهتفت متوعّدة له: _ماشي يا عمران بكرة نشوف مين اللي غلطان صُح

_اتجَهَت لتجلس على الفراش وهي تفكّر بطريقة تدفع بها منى خارج المنزل، لكن فجأة قذفت بعقلها فكرة شيطانيّة جعلتها تغيّر خطّتها تمامًا وتقرّر السماح لمنى بالبقاء. *** بمكان آخر كان جلال يقف أمام باب منزله الجديد ويفتّش في جيبه عن المفتاح بينما أولاده الأثنين يقفون بجواره ويتطلّعون له بلهفة وحماس فلا يطيقون الانتظار حتّى يدخلوا لمنازلهم الجديد ويروا الأثاث الذي اشتراه والدهم، هتف عمّار الصغير بعدم صبر:

_يلا يا بوي عاد طلّع المفتاح عشان ندخل! _عثر جلال على المفتاح بجيبه لكنه واصَل التفتيش الكاذب وهو يمثّل أمامهم أنه لم يجده وتحوّلت تعبيراته للضيْق والانزعاج المزيّف وهو يبحث في جيبه بقوّة ثم يقول بجدّيّة: _المفتاح مش لاقيه! _صاح معاذ بصدمة: _مش لاقيه ازاي!! .. كيف هندخل دلوقتي

_حتّى أن فريال صابَها القلق عندما علِمَت بضياع المفتاح لكنّها وجدَتْه يلتفت لها ويسألها بخنق شديد لكن في عينَيْها نظرة فهَمَتْها جيّدًا جعلَتْها تفهم حيلَتَه: _دوري في شنطتك يمكن أكون أدّتهالك يا فريال مش معقول أكون نسيته.. ده شكله وقع مني! _اتّسَعَتْ عَيْنَي الصّغيرَيْنِ بدهشة بعدما قال إنّ المفتاح ربنا سقط منه،

وبسرعة البرق ظهر العبوس والحزن على محياهِمْ وجلسوا بجانب الباب على الأرض وهم يضعون يديهم على وجَنتَيْهِمْ ويهمس عمّار بيأس: _ضاع المفتاح إكده هنرجع بيت جدّي تاني _القَتْ فريال نظرة على أولادها وهي تكْتُمْ ضحكاتها ثم نظرَتْ لجلال بعدما انتهَتْ من بحثها المزيّف في حقيبتها وقالَتْ: _لا مش معايا _التفت هو بطرف عينه نحو أطفاله وعلى ثغره ابتسامة أبويّة عابِثَة ثم أخرج يده بالمفتاح من جيبه وهو يلوّح به أمامهم صائحًا:

_لقينا المفتاح! _وثَبُوا معًا في نفس اللحظة واقفين وهم يصرخون فرحًا فَنَهَتْهُمْ فريال فورًا وطالَبَتْ إخفاض صوتهم حتّى لا يسبّبوا الإزعاج للجيران، بينما جلال فوضع المفتاح في القفل وفتحه ثم دَفَعَ الباب للداخل بهدوء ودخل وهو يتمْتَمْ بالبسملة وفعَلَتْ فريال مثلَهُ أمّا الصّغار فقد اندَفَعُوا للداخل ركْضًا وهم يضحكون ويتجولون بالمنزل كلّه،

انتظَرْ جلال دخول فريال وبدَأَ في حمل الحقائب الكثيرة وإدْخَالْها واحدة تلو الأخرى ثم أغلَقَ الباب بعدما انتهَى، وجدَ فريال كما هي تقف متصَلْبَة بأرْضِهَا دون حركة تتأمَّلْ المنزل بعينَيْنِ دامِعَتَيْنِ فاقْتَرَبَ منها ولفّ ذراعَهُ حول كَتْفَيْهَا من الخَلْفِ وانْحَنَى يقبِّل جانب رأسها هامِسًا لها بغَرَامْ: _بقيتي في مملكتك خلاص

_مَالَتْ بوجهِهَا نَحْوَهُ وطَالَعْتْهُ بعَيْنٍ تَفِيضْ بالدُّمُوعْ وسط هَمْسِهَا النَّاعِمْ وصَوْتِهَا الَّذِي بَعْلَقْهُ البُكَاءْ من فَرْطْ سَعَادَتِهَا: _أنا مش مصدّقة يا جلال.. أنت من وقت ما قولتلي وأنا كنت حاطّة يدي على قلبي خايفة حاجة تحصل ومننقلش أو أمّك تعمل حاجة عشان تمنعنا، أنا كنت فاقدة الأمل أنّنا نقعد في بيت وحدّنا بعد كلّ المشاكل اللي مرّينا بيها دي

_أَدَارَهَا لتَكُونْ في مُوَاجَهَتِهِ مُبَاشَرَةً وَمَدَّ أَنَامِلَهُ يَمْسَحْ دُمُوعَهَا بِحُبٍّ مُتَمْتِمًا فِي نَبْرَةٍ رَجُولِيَّةٍ دَافِئَةْ: _أنا وَعَدْتْكِ وَوَفَيْتْ بِوَعْدِي، أنا ظَلَمْتْكِ كَتِيرْ قَوِيْ مَعَايَا وَأَنْتِي المَفْرُوضْ كُنْتِي تَكُونِي فِي الْبَيْتْ دَهْ مِنْ زَمَانْ بَسْ أَنَا الْلِي اتَّأَخَّرْتْ

_ارْتَمَتْ بَيْنَ ذِرَاعَيْهِ تُعَانِقْهُ بِقُوَّةْ وَهِيَ تَقْبِلْ رَأْسَهُ وَرَقْبَتَهُ بِغَرَامْ بَيْنَ عَبْرَاتِهَا الَّتِي بَدَأَتْ فِي الْاِنْهِمَارْ مُجْدَدًا، ضَمَّهَا لَهُ أَكْثَرْ وَهُوَ يَهْمِسْ فِي أُذُنْهَا بِمَرْحْ لِيُضْحِكْهَا:

_مِشْ وَقْتْ الْبُكَا دَلْوَقْتِيْ عَادْ اَحْنَا فِيْ أَحْلَامْ مُحْتَاجِيْنْ نُحَقِّقْهَا وَجَايْ لَحْظَةْ، وَأَوْلُهُمْ إِنِّيْ هَنْزِلْ أَرُوحْ أَجِيْبْ طَلَبَاتْ الْوَقْلْ عَشَانْ تَعْمِلِيْلَنَا غَدَا مِنْ يَدْكِ الْحْلْوَةْ دِيْ _ضَحِكَتْ بِخَفَّةْ وَابْتَعَدَتْ بِرَأْسِهَا عَنْ كَتْفِهِ لِتَقُولْ بِرِقَّةْ وَحَمَاسْ: _وَأَنْتَ هَتْسَاعِدْنِيْ

_أَجَابَهَا بِنَفْسْ الْمَرْحْ وَهُوَ يُبَادِلْهَا الْضَّحِكْ لَكِنَّْهُ بِلَهْجَةْ مَاكِرَةْ: _بَسْ بَسْ مِنْ عُيُونِيْ الْجَوْزْ.. بَسْ مَفِيْشْ حَاجَةْ بِبَلَاشْ _رَفَعَتْ حَاجِبْهَا مُنْدَهِشَةْ مِنْ اسْتِغْلَالْهُ الْمَوْقِفْ وَهِيَ تَبْتَسِمْ لَهُ بِلُؤْمْ مُمَاثِلْ وَتَهْتِفْ: _وَالْتَّمْنْ إِيهْ عَادْ يَا سَيْدْيْ جَلَالْ _غَمَزْ لَهَا بِعَيْنِهِ فِيْ خُبْثْ وَهُوَ يَهْمِسْ بِصَوْتْ مُنْخَفِضْ:

_يَعْنِيْ نَسْتَعِيْدْ لَيْلَةْ مِنْ لَيَالِيْ الْغَرَامْ بَعْدْ مَا الْعِيَالْ دُولْ يِنَامُوا، وانتِ كلك مفهومية عادي. هقهقت بقوة وكادت أن تجيب عليه لولا صوت معاذ القوي وهو يصيح من الداخل: _يا بوي تعالوا بسرعة عاوز أوريكم حاجة _لوى فمه جلال بقلة حيلة وهو يجيب عليه: _جايين خلاص مش لازم الزعير ده _ارتفعت ضحكة فريال وهي تسبقه بخطواتها نحو غرفة أولادها لترى ما الذي يريدون أن يعرضوه عليهم.... ***

توقفت السيارة الأجرة أمام البناية وخرجت منها حور بعدما دفعت الأجرة وكانت تتحدث في الهاتف مع بلال وتضحك بسبب مزاحه معها. عبرت الطريق وقادت خطواتها باتجاه بوابة البناية وهي تجيب على بلال الذي يسألها باهتمام: _وصلتِ ولا لسا؟ _ردت برقة تذهب العقل: _وصلت أنا خلاص دخلت مدخل العمارة

_دسّت يدها في الحقيبة تبحث عن المفتاح وهي تنظر داخلها وتتحدث مع بلال بنفس الوقت، فاصطدمت فجأة بشاب طويل وأصدرت شهقة عالية فزعة وعندما رفعت رأسها ونظرت له اتسعت عيناها بدهشة وصاحت بعدم تصديق وهي تضحك: _مروان!! _ابتسم لها بعذوبة وهو يقول لها مازحًا: _حظي حلو أني لحقت وشوفتك يا عروسة _فرحتها برؤيته أنستها زوجها الذي تتحدث معه في الهاتف، وأجابت عليه من بين ضحكها بسعادة غامرة: _أنت جيت إمتى؟ _مروان بنبرة رخيمة:

_إمبارح وقولت آجي أسلم عليكم وعلى عمي _ظهر العبوس على وجهها وهي تهتف له بحزم: _اوعى تقول إنك ماشي تاني! _ابتسم وهز رأسه بالنفي وهو يجيبها: _لا ما خدتش أجازة حلوة وهقعد شوية _تهلّلت أساريرها وقالت له بحماس وتلقائية: _طيب أنت رايح فين أنا ملحقتش أقعد معاك تعالى نطلع فوق ونقعد

_كان بلال يستمع للحديث الذي يدور بينها وبين ذلك الرجل الذي لا يعرفه ويجز على أسنانه بغضب مخيف ويتوعد لها، أنا هي فكانت تتجاهله تمامًا وقد نسيته بالفعل واستمعت لرد مروان وهو يقول بلطف: _لا خليها مرة تانية عشان معايا مشوار مهم دلوقتي ومستعجل _زمت حور شفتيها بحزن وردت عليه عابسة: _لا بطل رخامة يا مروان بجد، هو الواحد بيشوفك كل قد إيه يا جدع _ضحك بخفة وقال بدفء ليرضيها:

_متقلقيش هاجي تاني أنا بقولك لسا قاعد شوية، يلا بقى عايزة حاجة مني قبل ما أمشي يا غالية _ابتسمت له بصفاء وقالت برقة وهي تهز رأسها بالنفي مودعة إياه: _لا عايزة سلامتك، ابقى تعالى تاني يا مروان _أما هو فأما لها بالموافقة وهو يسير مبتعدًا عنها يغادر المبنى بأكمله ويستقل بسيارته ذات الموديل الحديث.

وعندما التفتت وكادت تكمل طريقها للأعلى حيث منزلها تسمّرت بأرضها فور تذكّرها بلال، رفعت الهاتف الذي بيدها ورأت الاتصال ما زال مفتوحًا فوضعت يدها على فمها تكتم شهقتها المرتعدة.

دار بذهنها في اللحظة ألف سيناريو مرعب ستشهده منه بسبب نسيانها له وحديثها التلقائي المغلّف بالضحك والمرح مع ابن عمها، أخذت تفكر كيف تتصرف وتجيب عليه لكن خوفها كان يستحوذ عليها أكثر وبالنهاية وجدت طريقة لتهرب من العاصفة المميتة التي على الهاتف، فرفعت الهاتف على أذنها وهي تهمس بصوت مرتعش: _بلال _انفجر بها كالقنبلة الموقوتة صائحًا: _أتِّي تحمدي ربك أنك مش قصادي دلوقتي وإلا كـ...

_ارتعدت أكثر وبسرعة قذفت في عقلها حل وأخذت تهتف بتمثيل وصوت يبدو عليه الاضطراب: _ألو.. بلال.. أنت سامعني.. أنا مش سامعة حاجة خالص.. بلال _صرخ بها منفعلًا: _أنتِ هتستعبطِي يا حور _انتفضت خوفًا من صرخته واكملت خدعتها رغم معرفتها أنها ستزيد الأمر سوءًا لكنه أفضل من تلقي توبيخه وسخطه المرعب الآن: _بلال أنا مش سمعتك.. بص أنت لو سامعني أنا هقفل وشوية هتصل بيك تاني تكون الشبكة ظبطت

_ولم تمهله اللحظة ليواصل الصياح بها وبسرعة أنهت الاتصال وهي تاخذ أنفاسها السريعة باضطراب وتهمس بخوف بعدما أدركت فعلتها وأنها أغلقت الهاتف بوجهه: _ده أنا هتعلّق، مش بعيد يشرب من دمي لما يشوفني، يا مامي أعمل إيه! _وقفت للحظات وهي تتخيل سيناريوهات مرعبة في عقلها قد تحدث عندما يراها أو يتحدث إليها ثانية وبسرعة هرولت مسرعة للدرج تصعد لمنزلهم.

أما هو فأخذ يحدّق في شاشة الهاتف بعدما أغلقت في وجهه، وقد تشنّجت عضلاته بطريقة مرعبة فمن جهة يشتعل غضبًا من عدم معرفته لذلك الرجل وطريقة تحدّثها التلقائية معه ووصفه الأخير لها بأنها "غاليته" والحاحها عليه بالصعود معها للمنزل ليتحدثوا ومن جهة أخرى خدعة الشبكة السخيفة لكي تجد عذرًا وتتهرب منه وكأنها تحدّث طفل صغير، وكل هذا بكفّة وأغلاقها الاتصال بوجهه دون إكمال حديثه بكفّة أخرى. ***

بمكان آخر تحديدًا بالعطارة الخاصة بعائلة الصاوي، استغلت رحاب فرصة ذهاب والدتها للعطارة لرؤية أخيها (عبد العزيز)

والتحدّث معه حول بعض الأمور وذهبت معها فورًا دون تفكير، رغبة منها في رؤية بشار فقد انتابها شعور غريب امتزج بين الشوق والحماس لرؤيته، وربما كانت هذه المرة الأولى التي يداهمها مثل ذلك الشعور ولم تدفنه في ثناياها بل تركت العنان لنفسها ولقلبها لينعم بقربه، ولماذا تدفنه وهي الآن فارغة ولا يوجد بإصبعها خاتمًا يقيّدها.

دخلوا العطارة وعانقت فتحية شقيقها أولًا في حب وفعلت بعدها رحاب المثل ليضمّها خالها بكل حنان، ثم جلست على أحد المقاعد البعيدة نسبيًا عنهم وعيناها تتجول بكل مكان بحثًا عن سبب مجيئها لهنا لكن لا أثر له فتبدّد حماسها وظهر العبوس على وجهها ودون وعي وجدت نفسها تسأل خالها: _إمال بشار مش قاعد ولا إيه يا خالي؟! _التفت لها يطالعها باستغراب لسؤالها عن ابنه بهذا الاهتمام وقال لها بهدوء:

_قاعد جوا في الأوضة بيخلّص شوية حسابات، أنتِ عاوزاه في حاجة ولا إيه؟! _ارتبكت بشدة بعدما لاحظت نظراته لها هو وأمها وهزّت رأسها بالنفي مسرعة تجيب بخفوت محاولة التصرّف بطبيعية: _لا هعوزه في إيه.. أنا بسأل عادي عشان أول مرة أشوفك قاعد لحالك يعني في العطارة

_هز رأسه لها بتفهّم رغم أن فتحية لم تصدّق ابنتها بشكل كامل وكانت تشعر بأن هناك شيء تخفيه عنها، التزمت رحاب السكون التام حتى لا تلفت أنظارهم لها أبدًا وبعد تقريبًا عشر دقائق استقامت واقفة وهي تخبرهم أنها ذاهبة للحمام. هبّت واقفة وأسرعت نحو الحمام لكن فور اختفائها عن أنظارهم غيّرت اتجاهها وتحرّكت باتجاه غرفة بشار وعندما وصلت أمام الباب توقفت متردّدة بخجل ماذا تفعل، هل تطرق أم تذهب؟

.. وعندما حسمت قرارها بالطرق وانحنت على الباب وهي تطرق سمعت صوته يتحدّث في الهاتف مع فتاة ويقول: _مينفعش أنا سبق وقولتلك رأيي في الموضوع ده _صمت بعد عبارته للحظات حتى عاد يجيب بحدّة وقد أوضح هويّة تلك الفتاة أخيرًا: _وبعدين عاد يا مريم هنعيدوا ونزيدوا كتير!! _صمت مرة أخرى ليردّف هذه المرة لكن بنبرة دافئة: _لا طبعًا أنا معاوزش أزعلك وميهنش عليّا، بس مش كل حاجة هوافقك عليها وأنتِ لازم تفهمي ده

_كانت على ثغر رحاب بسمة ناعمة قبل أن تسمع حديثه مع خطيبته لكن بالنهاية اختفت تلك البسمة وأصبحت عابسة ومنزعجة، وبالأخص عندما سمعت عبارته الأخيرة وهو يجيب عليها بنبرة رخيمة وجميلة: _خلاص يا مريم متزعليش لو ده اللي هيبسّطك اعمليه أنا موافق، مبسوطة إكده يا عماش

_اشتعلت رحاب بالغيرة وحقدًا على تلك الفتاة لا تعرف السبب لكن سخطها وغيرتها جعلها لا تنتبه لما خلفها عندما تراجعت وقرّرت الرحيل فاصطدمت بعبوّة زجاجيّة بالأرض وسقطت محدّثة ضجيجًا مرتفعًا جعل بشار يعتدل في جلسته مضيّقًا عينيه بحيرة وقوع وبسرعة أنهى الاتصال مع مريم واستقام واقفًا ليتجه للباب ويفتحه ولكنه لم يجد أحد وفقط رأى الزجاجة متهشّمة على الأرض، قاد خطواته للخارج فوجد والده وعمّته يتحدّثون غضّن حاجبيه ورحّب بعمّته ثم سأل والده بتعجّب:

_هو كان في حد جوا يا بوي؟ _أجابه عبد العزيز دون اهتمام بسبب انشغاله بالحديث مع شقيقته: _أه بنت عمّتك رحاب دخلت الحمام جوا وطلعت دلوقتي ومشيت _تبدّلت تعبيرات وجه بشار من الحيرة للدهشة والضيق وبخفّة النظر اندفع للخارج ليلحق بها ولحسن الحظ أن كل من فتحية وعبد العزيز لم ينتبهوا له بسبب حديثهم المهم.

خرج بشار خلفها ولحق بها فوجدها تسير بخطوات سريعة وغاضبة تسلك طريق العودة لمنزلها، كانت قد ابتعدت عنه بمسافة طويلة وحتى لو حاول لن يلحق بها، فرفع يده لشعره الغزير يمسح عليه وهو يتأفّف بخنق ولا يزيح عينيه عنها حتى اختفت عن أنظاره تمامًا فاستدار وعاد للعطارة مجددًا. *** بتمام الساعة الحادية عشر قبل منتصف الليل....

فتح عمران باب غرفته ودخل ثم أغلقه ببطء وعندما استقر نظره على الفراش وجدها نائمة بثبات، لمعت عينيه بوميض الغرام وارتفعت بسمته تزيّن ثغره ليشرق وجهه كله سعادة وراحة، حتى لو كانت علاقتهم مضطربة لكن يكفيه أن يعود كل ليلة ويجدها تنتظره، بالأيام السابقة كان لا يطيق تحمّل دخول الغرفة حتى وخصوصًا ليلًا لعمه بغيابها، فقد خلّفت فراغًا بشعًا بنفسه ولا ينوي تكرار نفس الشعور أبدًا.

نزع عنه حذائه وتقدّم نحوها بخطوات متريّثة حتى لا يزعجها في نومها ثم صعد بجوارها على الفراش واستقرّت عينيه أول شيء على بطنها المرتفعة فمدّ كفه وأخذ يتحسّسها بحنان وشوق لطفله وولي عهده، انحنى على بطنها وأخذ يلثّمها بعدة قبلات متتالية وأنامله مستمرّة في التحسّس عليها بين قبلاته، فتحت عيناها عندما شعرت به وقالت له بجدّية: _بتعمل إيه؟ _رفع رأسه عن بطنها وقال لها بنبرة جافّة قليلًا يتصنّع عدم الاكتراث بأمرها:

_بطمّن على ولدي واسلم عليه.. إيه عندك مانع!! _استقامت جالسة وهي تبعده عنها هاتفة بغيظ منه: _أه عندي أنت مش شايف إني نايمة وبعدين بتقرّب مني ليه! _اقترب بوجهه منها وقال في حزم ونظرات أربكتها: _أنا لو عاوز أقرّب منك مش هتمنّعيني، يعني مش بمزاجك _اشتاطت غيظًا منه وقالت وهي تجذب وسادتها وتعبى واقفة هاتفة بتحدّي وهي تتجه نحو الأريكة الصغيرة: _تمام يبقى نام لوحدك عاد على السرير من إهنه ورايحة

_اتّسعت عيني عمران وهو يتابعها تتجه حقًا نحو الأريكة وتمدّد جسدها عليها، هل كان ينتظر عودتها بفارغ الصبر لتتركه يكمّل نوم وحيدًا على الفراش وتنام هي على الأريكة، بالتأكيد لن يسمح لها حتى لو لن تطلب الأمر الإجبار. هتف عمران بغضب يحاول التحجّج بطفله وحملها حتى لا يظهر لها رغبته الشّديدة بها: _هتنامي كيف عندك.. الكنبة صغيرة ومش هترتاحي ببطنك.. تعالي إهنه على السرير بلاش شغل عيال _ردّت آسيا ببرود مستفز وهي ترفض متعمّدة

حتى تزعجه أكثر: _لا أنا مرتاحة ملكش صالح بيا نام أنت واتهنّى بالسرير كله لحالك _جزّ على أسنانه مغتاظًا وهو يحاول الحفاظ على ثباته الانفعالي ويقول لها بنبرة محذّرة: _اسمعي الكلام وبلاش نشفّن الراس ده.. والكلمة اللي أقولها تتنفّذ _انتشت وهي ترى غضبه المحتقن ومحاولاته البائسة في التحكّم بنفسه لكنها لن تتركه حتى تخرجه عن إطار ثباته المزيّف لترى ما الذي سيفعله بها، فقالت بتمنّع وقرف مقصود:

_إيه أنت حتى دي عاوز تغصّبني فيها.. مش عاوزة أنام جارك أنا حرّة _نجحت في إنفجار بركانه ووجدته يقِل واقفًا وهو ثائرًا ويندفع نحوها باستياء فخافت قليلًا ومالَت يدَيْها للخلف على ظهر الأريكة، حتى شعرت به يحملها بين ذراعيه ويقول: _لو على الغصب لسه ما غصبتكيش على حاجة بس شكلي هغصبك دلوقتي _راحت تصرخ بصوت مرتفع محاولة التحرّر من ذراعيه فأسكتها بصرخته المخيفة: _اقفلِي خشمك ومسمعش صوتك واصلّ

_سكتّت مجبرة خوفًا منه حتى وجدته يضعها على الفراش برفق فهمت بالفرار هي لكنه أقْبَضَ عليها وهو يكبّل ذراعيها ويشلّ حركتها بجسده ليمنعها من الحركة: _قسمًا بالله لو فكّرتِي تقومي لأكون رابطك إهنه في السرير _تطلّعت في عينيه المتوهّجة بنيران الغضب الحقيقي وشعرت أنه لا يمزح وقد يفعلها حقًا إن حاولت الفرار، انتابها الضحك على منظره وأنها أوصلته لتلك الحالة لكنها تمالكت أعصابها وارتخَت أعصابها وهي تقول له باستسلام:

_طيب خلاص مش هتحرّك سيب يدي في إيه _نظر في عينيها بتدقيق يحاول التأكّد من صدق كلماتها ففعلت هي وهزّت رأسها له بصدق لتأكّد له فترك يدها وابتعد عنها وفور ابتعاده عنها استقامت واقفة وهرولت مسرعة نحو الحمام تفر من بين براثنه، سمعت صوته من الخارج يصرخ عليها مستاءً: _لما تطلعي يا آسيا هو انتي هتروحي مني فين! _انفجرت ضاحكة بالداخل عليه، وكانت تحاول كتم صوت ضحكاتها بصعوبة، وراحت تجيبه باستمتاع:

_متعصبش نفسك يا معلم، أخاف عليك لتجرالك حاجة وأنا وولدك محتاجينك _لحظة بالظبط، وباغتها بحركة مفاجأة منه عندما فتح باب الحمام ودخل، فانتفضت هي للخلف وراحت ترفع سبابتها في وجهه تهتف محذرة وهي تحاول منع ضحكتها من الظهور: _لا بقولك إيه، أنا مش عاوزة تهور، والله أصرخ والم عليك الخلق كلها وأقول إنك بتعذبني _رفع حاجبه بتهكم وقال بنبرة متوعدة وعين ماكرة: _هو أنتي لسا شوفتي تهور.. ده أنا هعلمك الأدب من أول وجديد يا غزال

_أخذت تتقهقر للخلف حتى اصطدمت بحائط الحمام، وعندما وصل لها وحملها رغمًا عنها، أنطلقت منها ضحكة لا إرادية وهي تدفعه وتتمنع عنه صائحة بأنها لا تريده، لكن تعبيراتها وضحكها يقول العكس... *** داخل منزل خليل صفوان... كانت غزل تجلس بغرفتها وتتصفح على هاتفها وسائل التواصل الاجتماعي، وكل شيء كان جميلًا وهادئ حتى لمحت شيئًا كبيرًا يركض بالغرفة واختبأ بوابة صغيرة خلف الخزانة.

ارتعدت وانكمشت على نفسها في الفراش وهي تنظر للزاوية التي اختبأ خلفها وتحاول تخمين نوع ذلك الشيء وماذا قد يكون.

حاولت إقناع عقلها بأنها تتوهم وتشجعت لكي تقوم وتتأكد بعينها ماذا يكون، كانت تقدم خطوة وتأخر الخطوة من فرط رعبها، وبعد وقت أخيرًا وصلت للخزانة ووقفت بجسدها بعيدًا نسبيًا فقط مدت رأسها خلف الخزانة لتنظر، فإذا بعيناها تتسع صدمة عندما رأت فأر كبير وينظر لها في الظلام، فانتفضت واقفة وأخذت تصرخ بهستيريا واندفعت لخارج لغرفتها ركضًا لا تعرف لأين تذهب لكن يكفيها أن تفر هاربة من ذلك الفأر.

اصطدمت بشدة بـ"علي" وهي تركض وكادت أن تسقط من قوة الاصطدام، لكنه أمسكها وهو يحدقها مندهشًا فوجدها تبتعد عنه وتصرخ برعب: _mouse .. mouse _هتف برزانة ولهجة حازمة يحاول فهم منها ما الذي حدث: _اهدي في إيه.. فار إيه ده؟! _قالت له وهي ترتجف خوفًا وقد امتلأت عيناها بالدموع: _في فار في أوضتي شوفته and he looks to me بطريقة مرعبة أوي.. please يا علي طلعه i'm very scard

_لا إراديًا انحرفت عينيه على جسدها ورأى ملابسها التي كانت عبارة عن ملابس نوم، ترتدي ثوب حريري لونه أسود يصل لفخذيها وبحمالات رفيعة وينزل بفتحة مثلثية عند صدرها، فاتسعت عينيه بذهول واحتقنت نظراته لها وتشنجت عضلات وجهه فصاح بها بغضب: _ادخلي استري نفسك إيه اللي لابساه ده وطالعة بيه _انتفضت فزعًا على أثر صرخته بها وقالت له مسرعة بدموع وهي تتوسله:

_okay.. okay هغير هدومي واوعدك مش هلبس أي حاجة وحشة تاني بس please طلعه الأول انا مش هقدر ادخل الأوضة وهو موجود impossiple _أظلمت عينيه أكثر وهتف محذرًا إياها بلهجة جافة: _ادخلي البسي حاجة واستري جسمك بدل ما قسمًا بالله ادخلك بنفسي وابقي خلي الفار يتعشى بيكي جوا _رمقته بنارية وصاحت به مغتاظة وهي تبكي: _أنت بني آدم معندكش mercy وأنا غلطانة أني طلبت منك help هروح الأوضة عند طنط إنصاف

_قبض على ذراعها بعدما تحركت خطوتين بالظبط وجذبها صارخًا بها: _رايحة وين أنتي عاوزة تتمشي في البيت بقميص النوم اللي لبساه ده وتخبطي على أمي وأبويا إكده، صدقيني لو جدي ولا أبويا شافك هتقولي علي والفار ارحم، اتحركي يلا وغوري على الأوضة البسي أي حاجة _حاولت نزع قبضته عن ذراعها وتنفيذ ما قالته وهو الذهاب لأمه، فاستشاط منها غيظًا وجذبها معها عنوة نحو غرفتها وهو يهتف:

_احمدي ربك أن جدي مش قاعد ومفيش غيري، أنتي عاوزة تتربى من أول وجديد _صرخت به وهي تتلوى في سيرها معه: _سيب إيدي يا متخلف يا همجي _التفت لها وطالعها بنظرة مرعبة لا تبشر بالخير أبدًا، ثم دفعها داخل غرفتها بقسوة وصاح بها محذرًا بلهجة لا تمزح: _عشان لسانك الطويل هتفضلي في أوضتك وهتنامي جوا الفار ولو شفت رجلك بس عتبت برا عتبة الأوضة هكسرهالك، سامعة ولا لا

_ولم يمهلها اللحظة للاعتراض حيث أغلق الباب وتركها وحيدة بالداخل وهي ترتجف وتبكي وتصرخ به تسبه وتشتمته بالإنجليزية، حاول هو كبح نفسه عنها بصعوبة حتى لا يقبض على رقبتها ويخنقها وقال بعصبية وهو يستدير ليبتعد بخطواته عن غرفتها: _الخير خسارة فيكي.. خليكي إكده وحدك عشان تبقى تتربى زين وتلمي لسانك _بعدما ابتعد بخطوات بعيدة نسبيًا عنها سمع صراخها المرتفع وهي تستنجد به ببكاء: _عـلـي

_توقف وهو يلوى فمه ما بين صراع تجاهلها لتتعلم التربية وبين قلبه الذي لم يطاوعه وأنه أشفق عليها، وبالنهاية أثر صوت قلبه فالتفت وعاد لها، وعندما فتح الباب وجدها جالسة على الأرض وتبكي وترتجف بعنف، تسمر بأرضه بذهول واسرع نحوها يجثو أمامها يسألها: _في إيه؟! _هتفت بصوت متقطع وبكاء هستيري: _he tou..ch ..me لمس رجلي ومعرفش راح فين

_لام نفسه بشدة عندما رأى حالتها المزرية التي تمزق القلب، فابتعد عنها وتجول بالغرفة يبحث بكل بقعة وكل جزء بالغرفة عنه لكن لا أثر له، وعندما لمح النافذة مفتوحة خمن أنه قد يكون هرب، فعاد لها مجددًا وقال بدفء محاولًا تهدئتها: _غزل خلاص اهدي طلع.. الفار طلع من الشباك ملوش أثر في الأوضة واصلر _رفعت رأسها ليرى وجهها الغارق بالدموع وعيناها الحمراء وشفتيها ترتجف بعنف ثم التفتت حولها بارتعاش وهي تقول له: _بجد مشي من الأوضة

_هز رأسه لها بالإيجاب وهو يتمعنها بينما هي فور استعادة وعيها وقوتها رمقته شزرًا وصاحت به بنقم وغضب: _أنت سبتي وأنا قولتلك خايفة، لو كنت ساعدتني مكنش ده هيحصل _هتف لها بحدة وغضب: _وأنتي لو كنتي سمعتي الكلام ودخلتي لبستي أي حاجة كنت هساعدك لكن لسانك الطويل هو اللي جايبلك _استقامت واقفة ودفعته بعنف وغضب صائحة: _اطلع برا مش عايزة منك حاجة أنت إنسان معدوم الأحساس أصلًا _علي بتهكم:

_ما كنتي بتصرخي بعلو صوتك دلوقتي وتقولي يا "علي" .. لما جيت واتأكدتي أن مفيش فار مش عاوزة حاجة مني _قالت له محذرة إياه بسخط: _اطلع بدل ما اصرخ واصحي الكل _انحنى عليها وهمس أمام وجهها مباشرة بنبرة أربكتها ونظرة شيطانية: _عارفة أنا هطلع بس مش عشان خايف منك لا عشان معنديش استعداد اتدبس فيكي لو حد جيه وشافني معاكي في الأوضة وأنتي بقميص النوم ده

_ثم ابتعد عنها واستدار وقاد خطواته للخارج ثم التفت لها برأسه وهو يقول لها عابثًا بخبث: _ابقي استحمي وادعكي رجلك زين، أصل احنا الفيران عندنا عندها خرد معدي، الحقي نفسك قبل ما تلاقي روحك مصابة بداء الفار وده ملوش علاج وبعدها بتلات أيام بتتكلي على الله _بعدما كانت ترمقه شزرًا بسبب عباراته الفظة تحولت للرعب بعد ما قاله بالأخير وفورًا اندفعت نحو الحمام لستحم فور رحيله... *** داخل منزل جلال وفريال الجديد...

كانت تجلس فريال بين ذراعي جلال وهو يحاوطها بذراع والذراع الآخر يمسك هاتفه ويقلب بين صور الأثاث وهي تشاهد معه، وفجأة صاحت: _ارجع يا جلال على صورة الانتريه اللي فات ده _عاد الصورة السابقة وأخذ يدقق النظر فيه فقالت له بحماس: _إيه رأيك فيه حلو مش إكده؟ _رد عليها بعدم اقتناع: _لو أنتي عاجبك خلاص نخلي النقاش يعمله _نظرت لتعبيراته الجامدة وقالت بعبوس:

_لا طبعًا هو بيتي وحدي لازم يكون عاجبك أنت كمان، خلاص نشوف واحد تاني ويعجبنا احنا الاتنين _لم يعترض واكتفى بابتسامته له وهو يقبل شعرها ثم عاد يقلب بين الصور حتى استقروا على واحد أخيرًا ونال إعجابهم هم الاثنين. فرغبت هي في الانتقال إلى بقية أثاث المنزل وهو خزانة غرفتهم وغرفة الأطفال لكنه أغلق الهاتف وقال بخنق: _لا مش وقته عاد كفاية إكده النهاردة نكمل بكرا _فريال معترضة بعبوس:

_يا جلال بكرا إيه خلينا نخلص النهاردة كله.. احنا كل يوم هتفضل ننقي حاجة!! _ألقى بالهاتف بعيدًا وأخذ يقترب منها بشوق متمتمًا: _هنقي كل حاجة وزي ما أنتي عاوزة بس نخلص موضوعنا الأهم

_ضحكت بخفة وهي تقترب منه أيضًا وتبتسم بحب ثم لفت ذراعيها حول رقبته، وبينما كانوا على وشك الاندماج معًا في لحظاتهم الخاصة، صدح صوت رنين هاتف جلال تجاهله ولم يبتعد عن زوجته، لكن مع الرنة الثانية ابتعد منزعجًا، وعندما التقط الهاتف ونظر لشاشته قرأ اسم عمه وعبس، وجها هي فور رؤيتها لاسم منصور. بينما هو فتنهد مغلوبًا واستقام واقفًا وابتعد ليتجه للشرفة يتحدث معه، وبعد لحظات عاد لها وهو غاضب فقالت له بانزعاج حقيقي:

_جلال أنت عارف مكان عمك فين صح؟ _رد عليها بخنق وإيجاز: _لا مش عارف يا فريال _فريال بعصبية: _لا عارف متكدبش عليا، مداري عليه ليه وهو مسيره هيتمسك لو ملقتهوش الحكومة عمران هيلاقيه مش هينفد بعملته وقتله لأبويا _جلال بنظرة نارية: _طب ما أنتي أبوكي نفد رغم أنه قتل أبوي وسط الخلق كله _صاحت منفعلة بعينان دامعة: _وفي الآخر إيه اخدتوا بتاركم وقتلتوه برضو _جلال بعين ملتهبة وصوت مخيف: _عشان ده حق ربنا وحقنا

_مالت برأسها للجهة الأخرى بعيدًا عنه وهي تبكي بصمت بينما هو فمسح على وجهه متأففًا بنفاذ صبر واستدار ليغادر الغرفة بأكملها ويتركها وحيدة... *** بصباح اليوم التالي داخل منزل خليل صفوان... عادت آسيا لمنزل والدها ولكن لهدف آخر وهو الاجتماع بـ"علي" والتحدث معه. جلست بغرفة الجلوس الكبيرة تنتظر وصوله، وفور وصوله قال لها مبتسمًا بعذوبة: _خير يا آسيا طلبتيني على ملى وشي إكده ليه؟!

_أخذت نفسًا عميقًا لتتشجع وتبدأ في الأمر الذي تريده، حاولت البقاء صامدة والتصدي لأي عواصف ستواجهها منه عندما تبدأ حديثها فقط، قالت له بخفوت: _بص أنا عاوزاك تحاول تفضل هادي لغاية ما اخلص كلامي واصل وتسمعني يعني متتعصبش _ضيق عينيه بعدم فهم واستغراب وقال لها بلهجة جادة: _قولي يا آسيا في إيه علطول مش لازم المقدمة دي _أخذت نفسًا عميقًا وأطلقت زفيرًا متهملا قبل أن تهمس بكلمة واحدة كانت قادرة على إشعال فتيل النيران في صدره:

_خلود _*** على الجهة الأخرى بمنزل الصاوي... أسرع بشار خلف منى وأوقفها مناديًا عليها: _منى استني _توقفت واستدارت بجسدها للخلف لتتطلع ببشار باستفهام، وعندما وصل لها ووقف أمامها سمعته يقول بلهجة قوية: _عاوز رقم رحاب منك _رفعت حاجبها بدهشة ولاحظت ابتسامة ماكرة على ثغرها وهي تقعد ذراعيها أسفل صدرها وتسأله بعينان شيطانية: _وأنت عاوز رقم رحاب ليه عاد يا بشار؟! _***

خرجت حور من الجامعة بعدما انتهت من محاضرتها وكانت في طريقها للشارع العمومي لكي تستقل بسيارة أجرة تأخذها للمنزل، لكنها تسمرت بأرضها عندما رأت زوجها ينتظرها بجانب الرصيف وهو يقف يستند على السيارة بظهره ويدس يديه في جيبي بنطاله ويطالعها بأعين مرعبة...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...