اتسعت عيني غزل بصدمة بعدما سمعت اسم الرجل الذي يريد الزواج منها. تقولها إنصاف بكل بساطة وفخر وكأن الأمر طبيعيًا، وهي لا تدري ما يجول بذهن غزل الآن. "علي" كان آخر رجل تتوقع أنه سيرغب بها بعد كل الشجارات والجدالات التي بينهم. هما تمامًا كقطبين متنافرين، هو بالشرق وهي بالغرب. بل أن السؤال الحقيقي الآن كيف يريد الزواج منها؟ هل هو من طلب هذا أم أمه تقترح مجرد اقتراح دون أن يعرف ابنها؟ وإن كان هو الذي طلب.. فلماذا؟
فاقت من صدمتها بعد لحظات طويلة وتطلعت في إنصاف بعدم استيعاب، ثم انطلقت منها ضحكة عالية وردت باستهزاء: "no way.. أنتي أكيد بتهزري ياطنط إنصاف صح؟ تعجب إنصاف من ضحكها وسخريتها فردت عليها بكل جدية: "وهو الحديت ده فيه هزار!! إيه اللي بيضحكك عاد؟!! اتسعت عيني غزل بعدم تصديق بعدما أكدت لها أن الأمر جاد ولا تمزح. فضحكت بصمت تحاول استيعاب ما يحدث، ثم راحت تسألها بفضول وعدم فهم:
"ثانية واحدة ياطنط معلش، هو علي ميعرفش بالكلام ده صح وانتي لسا هتفتاحيه فيه وانتي بس بتعرضي عليا وبتشوفي رأى مقدمًا قبل ما تتكلمي معاه، right؟ كان دور إنصاف هذه المرة حيث انطلقت قهقهتها عاليًا على سذاجة تلك الفتاة وعفويتها. ثم اجابتها وسط ضحكتها بازدراء:
"وهو ينفع نتكلم مع العروسة من غير ما يكون العريس عارف يابت، انا معرفش أنتي كنتي عايشة كيف في أمريكا ولا إيه عاداتكم هناك عاد، بس إهنه ياغالية العريس يا أما حد من ناسه بيرشح العروسة ليه وبيشوفها وبعدين بنكلم العروسة وهي تشوفه كمان وناخد رأيها يا أما بيكون هو شافها وعچبته وبيروح يقول لناسه أنه عاوزها كيف ما حُصل مع ولدي دلوك." عباراتها الأخيرة جعلت غزل ترمش بعينيها عدة مرات في دهشة، ثم سألتها سؤال
ساذج لتتأكد مما سمعته: "يعني أنتي قصدك أن "علي" هو اللي طلب منك أنك تتكلمي معايا وتاخدي رأي؟!! إنصاف بنفاذ صبر وهي تضحك: "أيوة امال هيكون مين يعني، أنتي مالك إكده بقى فهمك على قدك يابت؟!! عادت تسأل مرة أخرى بكل بلاهة: "معقول يعني هو اللي عاوز يتجوزني؟! ضربت إنصاف كف على كف مغلوبًا ومتعجبة منها مرددة بصوت مسموع: "لا حول ولا قوة إلا بالله.. أنا عارفة أن ولدي وسيم مش لدرچة تتصدمي إكده يعني."
مالت غزل بوجهها للجهة الأخرى واتغنست في صدمتها تفكر بالأمر من جميع جوانبه، وتحاول تخمين سبب طلبه الزواج منها. وكلما تقذف في ذهنها احتمالية أو فكرة إعجابه بها وحبه لها تحركها فورًا رافضة تصديقها. فهي لم تكن تتخيل أبدًا أن "علي" يكن لها المشاعر في قلبه وكانت دائمًا تنظر له على أنه لا يستلطفها ويكرهها. قطع حبل أفكارها صوت إنصاف وهي تسألها بحماس وابتسامة عريضة: "هااا قولتي إيه يا عروسة نقول مبروك ولا إيه؟
انتفضت في جلستها كالتي لدغتها عقرب وردت على إنصاف بسرعة في ارتباك وخجل: "لا لا لا مبروك إيه.. أنا لسا هفكر وممكن أرفض كمان." تجهم وجه إنصاف فورًا واختفت بسمتها مندهشة من ردها. ثم اجابتها بقوة بعد لحظات من الصمت وهي تهب واقفة وتمسح على ذراعها:
"طيب فكري براحتك ياحبيبتي، بس خليكي عارفة أنك مهما تلفي وتدوري مش هتلاقي راچل احسن من ولدي يصونك ويحبك ويحافظ عليكي، وأهو القريب احسن من الغريب وده واد عمك ومن دمك ومحدش هيخاف عليكي زيه." أنهت إنصاف كلماتها ثم استدارت وسارت لخارج الغرفة تترك غزل وحدها غارقة في تفكيرها ومحاولاتها لاستيعاب ما حدث للتو، لا تفكر في رد بالموافقة أو الرفض الآن بل تحاول أن تدرك الأمر أولًا ومن ثم تفكر كيف ستتصرف. ***
بمكان آخر داخل منزل حور. تقدمت إلى والدها بخطواتها المرتبطة بعدما طلب منها أن تشاركهم في جلستهم. فاقتربت حتى جلست بجواره على الأريكة ثم رفعت رأسها ونظرت لابن عمتها "عمرو" بخزي وضيق. أما هو فكان يتفادي النظر إليها وكأنه لا يراها غير مكترثًا بالموقف الذي تركها فيه أمام والدها. كانت هي متيقنة من أنه أخبر والدها بما حدث عندما رأت تعبيرات وجه والدها المنزعجة. وما هي إلا لحظات معدودة حتى سمعت صوت والدها وهو يقول بحزم بسيط:
"عمرو حكالي على اللي حصل." أطرقت حور رأسها بإحراج وقلق من رد فعل والدها. بينما أبيها فتابع بضيق: "مهما كان تصرف عمرو إيه بس هو بيعتبرك زي أخته وكان مهتم لأمرك وعشان كدا معجبهوش اللي شافه وهو معجبنيش أنا حتى." تشجعت ورفعت رأسها تجيب على والدها بنبرة مهذبة وسط نظراتها المحتقنة لعمرو: "طيب يابابا ممكن نتكلم جوا وحدنا وأنا هشرحلك وافهمك كل حاجة لاني مش حابة اتكلم قدام حد في حاجة حساسة زي كدا تخصني أنا وجوزي."
ضغطت بقوة على كلمة "جوزي" أمام عمرو لتظهر له حزمها وانزعاجه الحقيقي منه. أما والدها فالتفت برأسه إلى عمرو الذي هب واقفًا فورًا بعد سماعه تلك العبرات من حور وقال لخاله: "طيب ياخالي انا هستأذن بقى عايز حاجة منيرد والد حور بدفء: "خليك يابني اتعشى معانا." عمرو مبتسمًا بلطف: "لا مرة تاني أن شاء الله وكمان عشان حور تاخد راحتها في الكلام معاك." هز رأسها بالموافقة وودع ابن أخته بعينيه مبتسمًا له. أما حور فقد استقامت واقفة
وقالت لوالدها على عجالة: "لحظة يابابا أنا هروح اقول لعمرو حاجة وارجعلك." لم يهمل والدها الفرصة ليعترض أو يسألها عن ماذا تريد أن تتحدث مع ابن عمتها. اندفعت خلف عمرو مسرعة ونادت عليه عند باب المنزل بالضبط قبل أن يفتحه وينصرف: "عمرو استنى." توقف على أثر صوتها والتفت لها ليقف بكل ثبات وشموخ ينظر لها بثقة منتظرًا أن تبدأ في الحديث. أما هي فرمقته بغيظ وقالت بخزي:
"تعرف أنت نزلت من نظري أوي بعد اللي عملته ده، بجد لو كان في خاطر ليك عندي للعشرة اللي بينا وأنك ابن عمتي وكنا في يوم من الأيام اكتر من اصحاب فحتى دي خسرتها." أجابها بغل وغيرة: "خسرتها ليه عشان عرفتك غلطك وكنت خايف عليكي." صاحت بعصبية في أول جملة لكن سرعان ما تحكمت في نظرتها حتى لا تصل لمسامع أحد من عائلتها:
"خايف عليا من إيه.. ده جوزي بعدين أنت مالك نقعد في شقتنا ولا في الشارع حتى أنا مش صغيرة وعارفة الصح من الغلط، ولو في حد ليه الحق أنه يعرفني غلطي فهو بابا مش أنت، وبعدين متضحكش على نفسك وعليا أنا مش عبيطة وفاهمة أوي أنت عملت كدا ليه.. قال خايف عليا!! تبدلت تعابير وجهه بعد عباراتها الأخيرة لكنه تصرف ببرود واجابها ضاحكًا بسخرية: "اللي بتفكري فيه ده مش صح ومتحطيش الخرفات دي في عقلك."
ضحكت باستهزاء وهي في قمة انفعالها، ولأول مرة تشهر عن أنيابها الشرسة وتقول بنظرة نارية وكلها تحدي:
"بابا اللي أنت جاي تشتكيله عشان تعمل مشاكل بيني وبين جوزي وهو فاكر انك بتعتبرني زي اختك وخايف عليا، لو عرف أن أنت كل همك أنك تخرب بيني وبين بلال بسبب حقدك وغيرتك أني وافقتش عليك لما اتقدمتلي.. هيقول إيه، صدقني أنا مش عايزة اعمل مشاكل واجيب سيرة لبابا ولا بلال حتى أن أنت بتعمل كدا ليه فبلاش أنت اللي تبدأ المشاكل وتضطرني اتصرف تصرف مش لطيف ياعمرو." ابتسم بسخرية رغم غيظه من تهديدها الصريح له: "أنتي بتهدديني كمان؟!
حور بكل ثبات وقوة: "لا أنا مش بهددك أنا بحذرك وبعرفك عواقب تصرفاتك دي إيه، صدقني بلال أنا حوشته عنك بالعافية النهاردة فمتضطرنيش احكيله واحكي لبابا على كل حاجة." مسح على وجهه بغيظ ثم تأفف بقوة وقال بعصبية: "قولتلك أنا مفيش حاجة من ناحيتي وكل ده خرفات، ومتخافيش مش هتضطري تحكي لحد حاجة.. أنا غلطان إني فكرت فيكي وحبيت اوعيكي، اعملي اللي تعمليه انا مليش دعوة بيكي بعد كدا تاني."
أنهى عباراته ثم التفت بجسده تجاه الباب وفتحه لينصرف وترد هي من خلفه بصوت مسموع في حنق: "ياريت برضوا يكون أفضل." *** داخل منزل إبراهيم الصاوي.
فتح بلال الباب ثم دخل وهو يحمل بين يديه حقيبة ملابس زوجة أخيه وافسح الطريق لها لكي تدخل. دخلت آسيا وهي تحمل ابنها الصغير في حضنها وكان جميع العائلة بالصالة. وفور رؤية إخلاص لبلال وثبت واقفة بلهفة لتسأله عن حال ابنها وتطمئن عليه، لكنها تجمدت عندما رأت آسيا تدخل خلفه. نقل بلال نظره بين زوجة أبيه وأمه وعمه في جدية ثم قال موضحًا لهم الأمر عندما رأوا حقيبة ملابس آسيا في يده وصابهم الفزع:
"متقلقوش عمران بس طلب مني اجيب آسيا هي وسليم إهنه عشان يبقوا في آمان ويطمن عليهم." كانت آسيا في عالم آخر تنظر لابنها وعيناها غارقة بدموع الندم وهي لا تتوقف عن لوم واتهام نفسها بأنها السبب في سجن زوجها؛ لأنها لم تحذره واخفت عليه ما تعرفه. فاقت على صوت عبد العزيز وهو يقول لها بلطف: "تعالي يابنتي خشي واقفة عندك إكده ليه؟!
تحركت آسيا باتجاه الأريكة وجلست عليها وهي شاردة الذهن ولم تكترث بإخلاص بذرة واحدة فـ همها يكفيها. أما إخلاص فبرغم حنقها من آسيا وكرهها لها المستمر إلا أنها لم تصدر أي ردة فعل لأجل ابنها. فقد عزمت النية وأخذت عهدًا على نفسها أن تعامل زوجته بكل حسنة لكي يسامحها ولا تخسره مجددًا. نظر عبد العزيز لبلال الذي اقترب وجلس بجوار أمه وهو يتنفس الصعداء بضيق. وقبل أن يسأله سبقته إخلاص وهي تسأله بخوف ودموع في عينيها:
"أخوك عامل إيه يابلال، طمني وقولي أنه هيطلع منه." نظر لها وقال مبتسمًا بثقة وهدوء: "متقلقيش يامرت أبويا هيطلع أن شاء الله يومين بالكتير ويرچعلنا." ضيق عبد العزيز عينيه باستغراب من ثقة بلال التامة وهو يتحدث وشك بأن هناك أمور خفية لا يعرفها. فراح يهتف لبلال بصوت غليظ: "تعالي يابلال في اوضة الجلوس ورايا عاوزك في كلمتين." أجابه بكل طواعية قبل أن يستقيم واقفًا: "حاضر ياعمي."
كانت عفاف تنظر لآسيا الجالسة بجوارها من الجهة الآخرى وقالت لها بجفاء نابع من حقدها عليها: "قومي يابت خليل ريحي في أوضة چوزك فوق ونومي ولدك على السرير، متقلقيش مهو بلال قالك هيطلع منها."
صمت قاتل لمدة خمس ثواني مر بينهم وهم في انتظار الرد من آسيا. التي كانت كفتيل قنبلة تنتظر أن يشعلها أحد لتنفجر بالجميع. إن وافقت ودخلت ذلك المنزل مجددًا فهو فقط لخاطر زوجها وهو في محنته حتى لا يكون بين الحوائط الأربعة منشغل بها وبابنه. لكن يبدو أنها سيتحتم عليها أن تشهر عن ردائها الشرير أمام هؤلاء الوحوش حتى لا يلتهموها. فالحزن والضعف الذي أظهرته للتو لن يجلب لها سوى المتاعب.
التفتت فجأة بوجهها إلى عفاف والذي كان يشبه وجه الأشباح تمامًا بسبب تعبيراتها المرعبة. وراحت تجيب على عفاف منذرة إياها بصوت مريب: "ميغركش الحال اللي أنا فيه ياعفاف وحزني على چوزي، لساتني آسيا زي ما أنا، يعني تيچي عندي تقفي وتحطي مية خط، والكلام للكل مش ليكي وحدك أنا إهنه ليومين بس لغاية ما يطلع چوزي وبعدين هرچع بيتي.. فحاولوا متتعاملوش معايا واصل لغاية ما امشيه."
هبت إخلاص واقفة وتجاهلت كلماتها حتى لا تخلف وعدها مع نفسها وتدخل في شجار معها. ثم اقترب من آسيا وانحنت تهم بحمل حفيدها لكن آسيا ضمت ابنها لحضنها بتلقائية تحميه من جدته. التي نظرت لها بغضب وقالت: "چرا إيه يا آسيا هاتي واد ولدي اشيله.. اتوحشته، أنتي هتحرميني منه ولا إيه، مش كفاية حرمتيني من أبوهم." مدت آسيا يدها بابنها تعطيه لجدته وهي ترد عليها مبتسمة بسخرية وقوة:
"لا أنا محرمتش حد من حاچة.. أنتي اللي حرمتي نفسك من ولدك بعمايلك." إخلاص بحنق ووجه عابس: "خلاص عاد اللي فات مات معدش له لزمة نقلب في القديم دلوك وولدي في المصيبة دي، اطلعي ريحي وأنا هقعد مع سليم شوية وبعدين هطلعه ليكي." ردت آسيا بعناد ونظرة حادة: "لا أنا مبعرفش أنام من غير ما يكون ولدي چاري، هستناكي لغاية ما تشبعي منه وبعدين اخده معايا فوق على اوضتي وننام أنا وهو."
رمقتها إخلاص بغيظ أنها لا تستأمنها على حفيدها وكأنها ستأذيه ولا تريد أن تتركه معها وحده. لكنها للمرة الثانية تتمالك أعصابها ولم تبدي ردة فعل بل تصرفت بلامبالاة وجلست على المقعد وهي تحمل حفيدها بين ذراعيها وراحت تقبله بحب وحنان وتحدثه وهي تضحك وسعيدة برؤيته. في حين أن عفاف وآسيا كانوا يتبادلون النظرات النارية فيما بينهم. *** داخل غرفة خلود بمنزل خليل صفوان.
منذ أن وصلت للمنزل وهي بغرفتها لم تخرج منها، وكل من يريدها يدخل لها ولكنها لا تخرج. مشاعر ما بين الخوف والخجل من النظر في وجه عائلتها وبالأخص جدها وأخيها كانت تسيطر عليها. والآن هي شاردة الذهن تفكر فيما سيحدث وكيف سيتصرف أخوها مع زوجها وكيف ستتخلص منه. وبين كل هذا كان قلقها على مروان يمزق قلبها، والرعب يستحوذها من أن يخبره سمير بكل شيء. تفكر في الاتصال به والاطمئنان عليها وتخبره بأنها بخير ولكنها تخشى أن تكون كذبتها قد انكشفت.
حسمت قرارها بالنهاية وقررت الاتصال به فشوقها وخوفها عليه كان أكثر من أي شعور آخر. التقطت هاتفها وآجرت اتصال به ثم وضعت الهاتف على أذنها تسمع صوت الرنين في انتظار الرد منه. وبعد طول انتظار آخيرًا وصلها صوته المتلهف وهو يجيبها: "خلود فينك كل ده أنا كنت هتجنن من القلق عليكي ومش عارف اوصلك." رغم اضطراب نبضات قلبها من مجرد سماع صوته إلا أنها ابتسمت بحب على كلماته واعترافه بقلقه عليها. فردت عليه برقة:
"أنا بخير الحمدلله يامروان متقلقش أنت عامل إيه طمني عليك؟ أجابها متنهدًا براحة: "الحمدلله تمام.. انتي في بيت أهلك؟ ردت خلود بالإيجاب ثم سألته بعبوس: "أيوة.. مفيش أي أخبار عنه؟! مروان بغضب شديد ووعيد: "مفيش.. بس متقلقيش مش هنستنى لغاية ما نخلص أوراق القضية ولا غيره.. هخليه يطلقك غصب عنه ويجي برجله على المأذون ويرمي عليكي يمين الطلاق وتاخدي حقك تالت ومتلت منه كمان." تهللت أسراريرها ورغم استغرابها إلا أنها قالت بحماس:
"صُح يامروان.. كيف هتعمل إكده طيب؟ مروان بنبرة رجولية حانية: "ملكيش دعوة بقى أنتي.. هو مش ابن عمي للأسف أنا عارف هخليه يطلقك ازاي ال**** ده، بس محتاج منك تخليني اقابل اخوكي واتكلم معاه عشان افهمه اللي اعمله ويكون عارف انا بعمل إيه، طالما بقوا موجودين دلوقتي فلازم اهلك يكونوا على علم واخد رأيهم الأول." ألزمت شفتيها بعبوس عند ذكره أخيها وقالت له بتوتر:
"اقوله كيف يامروان بس.. "علي" من وقت اللي حُصل في الفندق وهو مش حابك واصل ومقدرش أجيب سيرتك قصاده تاني." يضحك بخفة وأجابها بمرح مبتسمًا: "ليه كل ده بس.. على العموم ياستي متخافيش قوليلوا بس اني كلمتك واصريت عليكي تخليني أكلمه ولما اشوفه أنا هبقى اخليه يحبني، وفهميه أنا عايزه ليها." أخذت نفسًا عميقًا مغلوبة ثم أجابته بالموافقة: "حاضر يامروان بكرا هكلمه واديك رقمه تكلمه وتتفقوا وتتقابلو." مروان بصوت رزين:
"تمام زي الفل هستنى مكالمة منك بكرا." خلود بنعومة: "أن شاء الله.. تصبح على خير." رد بنبرة دافئة تضمر في ثناياها الحب والاهتمام: "وانتي من أهله.. خلي بالك من نفسك ياخلود." ابتسمت بخجل ثم أجابته في خفوت: "حاضر.. يلا سلام." ودعها ولم يرد أن ينهي هو الاتصال بل انتظرها أن تنهيها هي. ثم انزل الهاتف من على أذنه وهو ينظر لشاشات ويتنهد بشوق وعينان تلمع بوميض العشق وهو يتمتم: "شقلبتي حالي ومبقتش عارف اتحكم في قلبي ياخلود." ***
داخل منزل جلال.
فتحت فريال عيناها في الظلام بعدما استيقظت من نومها في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل. مدت يدها بجوارها على الفراش تطمئن بوجود زوجها بجوارها ولكن وجدت يدها تسقط في الفراغ على الفراش. فضيقت عيناها باستغراب وبسرعة راحت تمد يدها لتشعل إضاءة الغرفة وتضغط على الزر فتنير الإضاءة الغرفة كلها. راحت تلتفت فريال حولها تبحث عن جلال الذي لا أثر له، لا تعرف لماذا انقبض قلبها خوفًا كطفلة صغيرة تركها والدها ورحل. استقامت من فراشها واقفة واتجهت إلى الحمام ثم طرقت عدة طرقات خفيفة
وسط صوتها وهي تنادي عليه: "چلال أنت في الحمام؟
لم يصلها رد منه ففتحت الباب ووجدت الحمام فارغ. ازداد قلقها أكثر واندفعت بسرعة للخارج تذهب أولًا لغرفة أولادها تطمئن عليهم. لا تعرف ماذا يحدث لها منذ أن فقدت طفلتها ولكنها أصبح لديها هوس الفقد والخوف من أن تفقد أحد أفراد عائلتها ثانية. فتحت باب غرفة الأولاد فوجدتهم نائمين في أفرشتهم بعمق، فتنهدت الصعداء براحة وأغلقت الباب مجددًا في حذر حتى لا توقظهم. ثم اتجهت إلى الصالة لتبحث عن زوجها وهي تصيح منادية عليه بصوت عالي نسبيًا:
"چلال أنت فين؟! بحثت عنه في المنزل كله ولم تجده، فتسارعت نبضات قلبها وانفاسها أصبحت غير منتظمة. تفكر بقلق إلى أين ذهب في هذا الوقت من الليل، فقد كان بجوارها بعدما تناولوا عشائهم وهي نامت بين ذراعيه. ماذا حدث وجعله يخرج من المنزل في هذا الوقت المتأخر.
عادت إلى الصالة مجددًا بعدما تأكدت أنه ليس بالمنزل وجلست على الأريكة وراحت تدفن وجهها بين كفيها تطلق زفيرًا حارًا بتوتر. وقدميها تهتز بعنف دون توقف من فرط قلقها عليه، أما عقلها لا يتأني لحظة في خلق سيناريوهات مرعبة عن سبب خروجه فجأة دون أن يخبرها.
مرت دقائق طويلة حوالي خمسة عشر دقيقة تقريبًا وهي على وضعها تنتظره بعدما اتصلت به ولم يجيبها. كانت الدقائق تمر كالسيوف التي تمزق قلبها ولكنها حاولت بث الطمأنينة لصدرها بأن كل شيء على ما يرام وسيعود الآن. وبالفعل سمعت صوت باب المنزل ينفتح فوثبت واقفة بلهفة وهرولت بسرعة إليه لتجده يدخل من الباب وهو يحمل بين يديه أكياس مختلفة لا تعرف ماذا تحتوي بداخلها، وكان ينزع حذائه بجوار الباب قبل أن يرفع نظره لها بعدما
انتبه لوجودها وقال بتعجب: "أنتي صحيتي امتى؟! كانت تقف على بعد أمتار منه وتنظر له صامتة بعينان دامعة من فرط القلق الذي كانت تشعر به للتو قبل وصوله. فغضن حاجبيه باستغراب من نظراتها وسكونها الغريب وعندما رأى الدموع في عينيها تقدم إليها فورًا بفزع خوفًا من أن يكون حدث شيء في غيابه وراح يسألها باهتمام: "مالك يافريال أنتي والعيال بخير؟! هزت رأسها له بالإيجاب ثم سألته بصوت مبحوح: "أنت كنت فين؟ أجابها بدفء ونظرة استغراب:
"في بضاعة وصلت المعرض ونزلت أشيك عليها وجبت شوية طلبات معايا أنا وچايانهم." مرت دموعها فوق وجنتيها رغمًا عنها وردت معاتبة إياه بحزن: "وليه مصحتنيش وقولتلي أنا قلقت قوي عليك لما مقلتكش چاري ولا في البيت." ضمه بسرعة لصدره وأخذ يقبّل رأسها وشعرها بحب ويجيبها بأسف وحزن جميل: "حقك عليا أنا مكنتش عاوز اصحيكي من نومك، أصله مشوار سريع وراچع تاني." ردت بصوت ضعيف وهي تتشبث به وبملابسه:
"خوفت لما ملاقتكش چاري ولا في البيت واللي طمني شوية أني لقيت العيال نايمين في اوضتهم." ابتسم عليها وقال وهو يشدد من ضمه لها مداعبًا إياها: "هكون روحت وين يعني يافريالي، متقلقيش مش هتعرفي تخلصي مني واصل." لزقته برفق في صدره ثم أجابته بضيق تعنفه برقة: "متقولش إكده ربنا ما يحرمني منك أبدًا." اتسعت بسمته العاشقة ثم انحنى عليها ولثم وجنتيها بقبلة حميمية، ثم قال لها بحزم بسيط: "يلا عاد تعالي عشان تكملي نومك وترتاح."
هزت رأسها له بالموافقة وسارت معه إلى غرفتهم بينما هو فكان عقله شارد يفكر في عمران بعدما عرف آخر التطورات التي حدثت معه. حمد ربه أن زوجته لم يصلها الخبر حتى الآن ولم يخبرها أحد فهي ليست في وضع يحتمل أن تسمع أي أخبار سيئة جديدة. *** عودة لمنزل حور بعد رحيل عمرو. عادت هي مرة أخرى لوالدها لتكمل حديثها معه. ثم جلست بجواره على الأريكة فسألها بحدة: "قولتي إيه لابن عمتك؟! ردت حور بغضب بسيط محاولة التحكم
بنبرة صوتها أمام والدها: "قولتله أنه ملوش حق يتدخل في تفاصيل زي كدا بيني وبين جوزي يابابا." صاح والدها بعصبية وصرامة: "ناقص تقوليلي أنا كمان مليش حق أتدخل بينك وبين جوزي." أجفلت رأسها أرضًا بأدب وردت في صوت خافت معتذرة: "مقصدش يابابا طبعًا بس أنا قصدي على عمرو إيه دخله وليه يعمل مشاكل بيني وبين بلال." هتف أبيها بصوت رجولي حازم:
"هو ده كل اللي هامك أن متحصلش مشاكل ومش هامك أن اللي عملتيه غلط وكان المفروض تبلغيني قبلها إنك رايحة الشقة حتى لو ده جوزك." دافعت عن نفسها محاولة توضيح الأمر له: "يابابا والله روحت بس اشوف الألوان الاخيرة اللي عملها وأنا اللي طلبت منه كمان يوديني أشوفها ومقعدناش يدوبك خمس دقايق ونزلنا." مسح أبيها على وجهه متأففًا بنفاذ صبر ثم أخذ نفسًا عميقًا وحاول امتصاص غضبه قبل أن يكمل حديثه مع ابنته ويقول
بحزم في نبرة هادئة وحكيمة: "يابنتي أنا مقولتش حاجة أنا عارف أنه جوزك ومفيش حاجة حرام وعارف بلال أنه ابن حلال وراجل وإلا عمري ما كنت هجوزك ليه، بس الأصول أصول وهو أكيد عارف الكلام ده.. مدام لسا الفرح متمش يبقى مينفعش من الأصول أنكم تروحوا الشقة وحدكم برضوا." تنهدت مغلوبة واردفت بطاعة تامة لوالدها وهي تعتذر بأدب: "حاضر يابابا أنا آسفة، أنا كل اللي كان معصبني بس هو عمرو وتدخله في اللي ملوش فيه."
ابتسم لها بحنو ثم مسح على ذراعها بحب أبوي صادق وقال في صوت رخيم: "معلش يابنتي هو برضوا بيعزك ويهمه مصلحتك عشان كدا كلمك واتكلم معايا." مالت بوجهه للجانب لتهمس بصوت مسموع ساخرة وهي تضحك: "اه تهمه مصلحتي أوي فعلا." ثم نظرت لأبيها وقالت مبتسمة بلطف: "طيب يابابا أنا هقوم ادخل اوضتي وانام محتاج حاجة مني تاني؟ "لا ياحبيبتي تصبحي على خير روحي." "وانت من أهله."
تجهت إلى غرفتها ثم دخلت واغلق الباب خلفها ووقفت مستندة بظهرها على الباب وهي تزفر بصوت عالي ودموعها تقف على أعتاب عينيها تنتظر الإشارة للسقوط. توبيخ والدها لها وموقف عمرو وشجاره مع زوجها، كل هذا كان ثقيل عليها ولم تتحمله. صمدت للحظات معدودة لكنها انهارت في النهاية باكية كطفلة صغيرة تلقت التوبيخ للتو من والديها. اتجهت إلى فراشها والتقطت هاتفها لتتصل بزوجها وهي تبكي بحرقة فوصلها صوته المغرم يقول:
"وحشتيني ياحوريتي في الكام ساعة دول." سمع صوت شهيقها وبكائها دون أن تجيبه فغضن حاجبيه بحيرة وسألها بقلق: "مالك ياحور في حد عملك حاچة ولا إيه؟!! ردت عليه بصوت مبحوح كطفلة صغيرة متذمرة: "بلال احنا امتى هنتجوز بقى أنا زهقت! استحوذت عليه الدهشة للحظات من ردها غير المتوقع، ثم انطلقت ضحكته المرتفعة وراح يجيبها مازحًا: "أنتي بتبكي عشان إكده!!! حور بعبوس شديد: "أيوة." هتف بخبث وجرأة متغزلًا بها:
"إيه للدرچادي مش قادرة تتحملي بعدي خلاص، صدقيني حتى أن نفسي أنا أخدك على شقتنا واحبسك چوا ويبقوا يوروني هيعرفوا يخدوكي كيف مني." قالت بحنق وشوق يظهر بشدة في صوتها: "طيب امتى بقى هنعمل فرحنا؟! رد بلال بضيق وقلة حيلة:
"في مشكلة كدا حصلت النهاردة مع عمران هحلها وهاچي اقعد مع أبوكي ونحدد المعاد.. انتي عارفة اللي حصل مع فريال خلانا نأجل شوية بس خلاص ان شاء الله ده آخر معاد ولو حصل ايه هنعملوه الفرح ده.. أن شاء الله ندخل سكوتي حتى عشان أنا مبقتش قادر استحمل تاني خلاص." اختفى العبوس من وجهها وابتسمت بفرحة ثم قالت له بحماس: "تمام وأنا منتظراك." بلال بنبرة شك وصوت رجولي حازم:
"بس أنتي متأكدة أن مفيش حاجة حُصلت.. أصل مش حور اللي اعرفها اللي تقول إكده إلا لو في حاجة كبيرة حُصلت." أجابت بالنفي في رقة: "لا هيكون في إيه حصل يعني متقلقش أنا بس كنت مخنوقة ونفسي نعمل فرحنا ونبقى أنا وأنت مع بعض في بيتنا." تنهد بقوة مطولًا في عدم اقتناع ثم سألها للمرة الثانية بدقة أكثر في تحديد الأمر الذي قد يكون ازعجها: "واد عمتك ده عمل حاجة تاني ضايقتك ولا إيه! ارتبكت عند ذكره "لعمرو" وقالت
بسرعة في اضطراب وهي تضحك: "لا لا عمرو إيه اللي يضايقني ده موضوع وعدى خلاص مفيش حاجة صدقني." رد بلال باستسلام رغم أنه لم يقتنع بشكل كلي لكلامها: "ماشي ياحور." فقررت مجرى الحديث فورًا وراحت تتبادل معه أطراف الحديث في أمور مختلفة حتى تنسى حزنها وأيضًا لكي لا تجعله يفكر في "عمرو". كانت تحاول تفادي المشاكل الذي قد يقع فيها زوجها بسبب غضبه وبسبب ذلك المتطفل ابن عمتها. *** بصباح اليوم التالي.
توقف بشار بسيارته بأحد المناطق المكتظة بالسكان، وتحديدًا توقف أمام أحد المخازن التابعة للمعلم صابر. فتح بلال باب السيارة أولًا ونزل منها ثم تبعه بشار فالتفت بلال برأسه للخلف إليه وسأله بجدية بعدما رأى رجالهم مصطفين أمام باب المخزن يحرسوه: "الرچالة خلصوا كل حاجة صُح؟
هز بشار رأسه بالإيجاب ثم اتجهوا هما الأثنين إلى المخزن، فافسح لهم الرجال الطريق بعدما رحبوا بهم وفتحوا الباب. عندما دخلوا وجدوا رجال صابر وعماله مكبلين بالحبال في الأرض. ابتسم بلال بنظرة شيطانية أما بشار فلم يبدي أي ردة فعل واتجه إلى أقرب مقعد ليجلس عليه بكل ثقة دون أن يحيد بنظره عن هؤلاء الشباب الذي اقترب منهم بلال وراح يقول ضاحكًا بشر:
"إيه يا**** منك له.. خايفين إكده ليه امال انتوا عاوزين تعملوا العملة وتنفدوا بچلدكم." أحدهم وهو يرتجف من الخوف: "يامعلم بلال والله احنا ما لينا دعوة ده المعلم صابر هو اللي خطط لكل حاجة واحنا عبد مأمور عنده إهنه، أحب على رچلك ما تبلغ عننا الحكومة." انتصب بلال في وقفته وهو يرمقهم مبتسمًا بعدم رحمة وقال بعدم مبالغة وهو يقترب من بشار ليجلس بجواره: "هو خطط وانتوا نفذتوا." ثم نظر لبشار وسأله بجدية:
"صاحب الليلة دي كلها وينه؟ التفت له بشار وابتسم ثم هتف بتريث: "زمانه چاي دلوك.. اتقل." رد بلال بكل أريحية قبل أن يصبح مناديًا على أحد رجالهم: "وماله التقل صنعة برضوا، ياعـبـدالفتاح." جاء الرجل فورًا على أثر صياح بلال عليه فقال له بلال مبتسمًا: "اعملنا كوبايتين شاي خلينا نظبط دماغنا إكده لغاية ما يوصل صابر الـ*****."
هز رأسه موافقًا وذهب ليحضر لهم كأسين من الشاي وبعد دقائق معدودة قدمه لهم واخذ كل منهم يشرب بثبات انفعالي وبرود غريب، حتى وصل صابر الذي اقتحم المخزن وهو يصيح بغضب: "إيه اللي بيحُصل إهنه ده؟!!! تسمر صابر بأرضه عندما رأى رجاله مكبلين في الأرض بالحبال وكل من بشار وبلال يجلسون على مقاعده يضعون قدم فوق الأخرى. ليسمع جملة ترحيب من بلال بابتسامة شيطانية: "أهلًا يامعلم، إكده برضوا تتأخر على ضيفوك مش من الأصول دي برضوا."
صاح بهم صابر منفعلًا في صوت جهوري: "انتوا بتعملوا إيه إهنه في مخزني." استقام بشار واقفًا ليردف بصوت رجولي مهيب دون أن يظهر على وجهه أي ابتسامة: "كان ليك أمانة عندينا ورچعنهالك." ثم آشار بعينه على صناديق السمك الذي ارسلها لمخزنهم. فتبدلت تعابير صابر للزعر وتابع بشار حديثه مبتسمًا بغل: "عيبك أنك رميت الصنارة في مكان ممنوع فيه الصيد يامعلم، ونسيت أن الصيد ده شغلانتا احنا." ابتسم صابر ساخرًا رغم الخوف الذي استحوذت وقال
بعدم اكتراث وثبات مزيف: "وانتوا دلوك ناويين تبلغوا عني صُح." اقترب منه بلال حتى وقف أمامه مباشرة وقال بعين مشتعلة بنيران الثأر: "عليك نور وباتصال واحد بس تكون الحكومة إهنه إلا لو نفذت طلباتنا." نقل صابر نظره بين بشار وبلال بغيظ ثم سألهم بامتعاض: "وهي إيه طلباتكم؟ بلال بنبرة مخيفة: "تبعت واحد من صبيانك الـ**** دول للقسم ويقول أنه هو اللي حط الصناديق لعمران في المخزن." ضحك صابر باستهزاء وقال بثقة وغرور:
"انا مبتهددش يا ولد ابراهيم وأعلى ما خيلكم اركبوه." ثم استدار واتجه إلى باب المخزن ينوي الرحيل لكن اعترض طريقه رجال بشار وبلال. فتوقف واغلق عينيه وهو يجز على أسنانه ثم التفت لهم مجددًا وصاح بجهورية: "بلاش تلعبوا معايا بالنار انتوا مش قدي." لم يبالي بشار به وأشار لعينه لأحد رجالهم أن يجري اتصال بالشرطة وعندما رفع الرجل هاتفه ينوي الاتصال قال صابر مستسملًا بغيظ: "ماشي هبعت حد من صبياني القسم عشان يشيل الليلة."
بلال بنظرة تضمر في ثناياها كل الشر والغدر: "إكده تبقى بتفكر صُح.. قصادك دقيقة تنقي واحد منهم وتبعته القسم ولغاية ما يوصل ويشهد ونتأكد أن المعلم هيطلع نبقى سعتها نهملك مع امانتك ونمشي." التفت صابر لرجاله واقترب على إذن واحد منهم وهمس في أذنه بكلمات لم يسمعها أحد ثم راح يفك وثاقه ويشير له بأن يذهب. اقترب منه بشار بعدما رحل الشاب وهمس لصابر بصوت مرعب يحذره ويهدده دون أن يعرف له جفن:
"صدقني ياصابر أي حركة غدر منك إكده أو إكده مش هتاخد في يدي غلوة ومش هستنى الحكومة لما تيچي ده أنا هقتلك وادفنك إهنه مع الصناديق بتاعتك، عمران لو مطلعش من السچن كيف ما دخل روحك هتودع الدنيا." نظر له صابر مبتسمًا بمكر ولا مبالاة دون أن يجيب. أما بلال فقد أشار لأثنين من رجالهم أن يلحقوا بذلك الشاب إلى القسم ويتأكدوا أنه أدلى بإفادته وأن كل شيء يسير كما خططوا بالضبط.
طال انتظارهم لمدة ساعة تقريبًا حتى وصل لبلال اتصال من رجاله الذين ذهبوا خلف الشاب فأجاب بلال فورًا ونظره ثبات على صابر: "هااا إيه الأخبار؟ رد عليه الرجل مبتسمًا بثقة: "اطمن يابشمهندش.. كل حاجة زي الفل الواد ده دخل شهد وهو اللي اتمسك وشال الليلة واللي وصلنا دلوك أنه خلاص كلها ساعة ولا اتنين بالكتير والمعلم عمران يطلع لغاية ما يخلصوا شوية الإجراءات الأخيرة." التفت بلال لبشار وهو يبتسم باتساع ثم اغلق
للاتصال وقال في شموخ وثقة: "المعلم طالع." تنهد بشار الصعداء براحة وفرحة ثم نظر لصابر وقال بخبث: "نهملك احنا عاد دلوك عشان توزع الصناديق دي على حبايبك وتتصرف فيهم." ثم تركه واتجه لخارج المخزن وبلال يسير خلفه. وفور مغادرتهم للمخزن انحنى بلال على أذن أحد الرجال وهمس له بحدة: "اتصل بالحكومة ومحدش منكم يتحرك من إهنه لغاية ما توصل واوعاكم يهرب منكم."
هز الرجل رأسه بالموافقة ممتثلًا لأوامر بلال، الذي استقل بالسيارة بجوار بشار وانطلقوا في طريقهم للقسم لينتظروا خروج عمران. *** داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بالطابق الرابع فوق السطح.
كانت غزل تجلس على الأريكة الخشبية بالسطح وفوقها مباشرة السماء تنظر لها بتأمل وهي شاردة تفكر في عرض الزواج الذي عُرض عليها بالأمس. تائهة ولا تعرف كيف تتصرف ولا بماذا ترد عليهم. ترفض وتكون تصرفت بالمنطق أم توافق وتسمع لذلك الهمس الغريب الذي يقلبها.
وسط شرودها وجدت فجأة "علي" يصعد على الدرج وهو يتحدث في الهاتف ويبدو أنه سيكمل حديثه في السطح هنا. فارتبكت بشدة وفورًا استقامت واقفة واسرعت لتغادر قبل أن ينهي حديثه حتى لا تضطر أن تكون في مواجهة مخجلة معه. أما هو فتعجب من فزعها واحركتها السريعة وهي تنوي الرحيل لمجرد أن رأته. ما أن عبرت بجواره حتى قبض على ذراعها ليوقفها رغمًا عنها ويشير لها بعينيه أن تقف دون حركة. حاولت التملص من قبضته وهي تنوي التحدث بغضب لكي يتركها فرمقها بنظرة محذرة ومرعبة أن تصمت لأنه يتحدث في الهاتف، فسكتت مجبرة وهي تلوي فمها باقتضاب حتى سمعته أخيرًا ينهي حديثه هاتفًا:
"تمام نبقى نكمل كلامنا بعدين ونشوف الميزانية كام.. سلام." فور أن أنهى الاتصال صاحت به مغتاظة: "أنت ماسك إيدي كدا ليه سيبني عايزة امشي!! علي مبتسمًا بخبث: "وأنتي خدتي بعضك وچريتي إكده ليه أول ما شوفتيني وكأنك شوفتي عفريت." ردت بثبات متصنع وقوة: "وأنا هجري ليه.. عادي زهقت من القعدة وحبيت انزل اوضتي تاني فيها مشكلة دي! رفع حاجبيه بلؤم وهمس لها بعبث: "اممممم.. يعني مش عشان مكسوفة مني مثلًا؟!
تسارعت نبضات قلبها خجلًا وارتباكًا وقالت بتلعثم: "نـ..عم وأنا اتكسف منك ليه.. أكيد لا طبعًا، ممكن بقى تسيب إيدي." قهقه بخفة على توترها وخجلها الذي يشهده لأول مرة وقال غامزًا لها بجرأة متعمدًا أن يزيد من ذلك الخجل الجميل: "امممم.. طيب قولتي إيه ياعروسة ولا لساتك بتفكري؟ رغم خجلها إلا اغتاظت بشدة من جرأته معها وهتفت بغضب: "عروسة إيه!! .. ده الموضوع طلع بجد بقى.. أنتي أكيد مش طبيعي." رد مستنكرًا ردها الساذج:
"هي المواضيع دي بيبقى فيها هزار وأنا معرفش ولا إيه؟! أشاحت بوجهها للجهة الأخرى وهي تتألف بنفاذ صبر ثم عادت له وقالت بجدية وحدة: "علي فوق أنت أصلًا دائمًا بتتخانق معايا ومش بيعجبك لبسي ولا طريقتي ولا اسلوبي ولا أي حاجة عايز تتجوزني ازاي وليه أصلًا؟! هتف بكل بساطة وبرود وهو يضحك: "نصيب عاد ياغندورة هتقولي إيه! غزل بنفاذ صبر وغيظ محاولة أن تجعله يتراجع عن قراره: "ياربي ارحمني.. طيب ولبسي اللي مش بيعجبك."
غمز له بنظرة جعلت القشعريرة تسير في جسدها كله من الخجل وقال مبتسمًا بثقة: "لا متقلقيش ما أنتي هتوبي على يدي أن شاء الله ومش هتلبسي قمصان النوم دي غير ليا أنا بس." اتسعت عينها بصدمة من رده الجرئ وسرعان ما تحول خجلها ووجها الأحمر من فرط الأستحياء إلى غضب وصاحت به: "أنت قليل الأدب وأنا مش هتجوزك ومش موافقة." أنهت توبيخها الصريح له وابتعدت عنه تنزل الدرج ثائرة ومسرعة فتسمعه يقول وهو يضحك بتحدٍ: "هتوافقي ياغزل وهتچوزك."
*** داخل منزل جلال. كانت فريال تجلس بشرفة غرفتها وشاردة الذهن وملامح وجهها مهمومة. لم تشعر بخطوات جلال من خلفها الذي اقترب منها وجلس على المقعد المجاور منها ثم لف ذراعه حول كتفيها وهمس لها بحب: "سرحانة في إيه ياروح قلبي." التفتت له فريال وقالت بقلق وعينان ضائعة: "العيال اتأخروا في المدرسة ليه ياچلال؟ تلاشت ابتسامته بعد سؤالها وحالتها التي أصبحت تمزق قلبه من الحزن ثم رد عليها برزانة:
"لا ياحبيبتي متأخروش هما يدوب لسا طالعين وتلاقيهم في الطريق متقلقيش." أرتاحت قليلًا لكنها سألته لتطمئن أكثر: "انت كلمت معاذ واتصلت بيه يعني؟ جلال مبتسمًا ليبث الطمأنينة في قلبها: "اه كلمته اطمني وهو وعمار كويسين وچايين في الطريق." ابتسمت وهي تهز رأسها له بإيجاب وراحة. بينما هو فانحنى عليها ولثم شعرها بقبلة دافئة ثم انحنى على أذنها وهمس لها: "بحبك يافريالي."
ظهر شبح ابتسامتها العاطفية على ثغرها والتفتت له ترنقه بعينان تهيمان عشقًا ثم مالت عليه ولثمت جانب ثغره بقبلة تعبر عن مشاعرها تجاهه وهي تهمس: "وأنا كمان بحبك قوي." طال نظراته العاشقة وتأمله لها حتى قال غامزًا بمرح: "أنا ظبط كل حاجة وبكرا هنطلع رحلة كدا في مرسى مطروح نقضي يومين حلوين احنا والعيال ونشم نفسنا إيه رأيك؟ عبست ملامحها وقالت برفض بسيط: "لا مليش نفس ياچلال اطلع واتفسح انا إكده زي الفل صدقني." رد عليها مازحًا
بكل سلاسة وحب: "بس أنا مش زي الفل ياستي وعاوز اطلع اقضي يومين حلوين مع مرتي وعيالي واتبسط معاهم." تنهدت الصعداء بقلة حيلة وقالت في ضيق: "طيب ومدرسة العيال وشغلك ياچلال." جلال ببساطة تامة: "يغيبوا أسبوع من المدرسة أنا اتكلمت مع المدرسين والمديرة في المدرسة وفهمتها كل حاجة، وشغلي ملكيش صالح بيه أنا مظبط كل حاجة." صمتت للحظات تفكر في الأمر ثم راحت تهز رأسها بالنفي مجددًا وقالت له رافضة:
"لا لا ياچلال الغيها أنا مش عاوزة اروح مكانه." هتف بجدية وجزم بسيط: "الغي إيه خلاص أنا اخدت القرار وبكرا أن شاء الله هنسافر، مش عاوز اسمع أي اعتراض عاد." أصدرت تأففًا قوي بنفاذ صبر منه ثم لوت فمها كدليل على استسلامها لزوجها ورغبته التي تفهم سببه منها جيدًا وهو أن يخرجها من حالة الحزن التي دفنت نفسها فيها وينسيها همها. *** في منزل مريم تحديدًا داخل غرفتها.
كانت جالسة فوق فراشها شاردة تفكر في ذكرياتها مع بشار قبل الحادث. تتذكر تعامله معها وتصرفاته التي كانت تتعجب منها وتشكي دومًا وشقيقتها أنه يعاملها ببرود وكانت تصبرها وتبرر له بأنه ربما يكون غير معتاد عليها وأن تعطيه بعض الوقت. ولكنها أصبحت تفهم كل شيء الآن. أدركت أنها كانت المغفلة والساذجة في تلك العلاقة. سرحت أكثر وتذكرت حديثها مع رحاب في المستشفى الذي كان كالآتي. مريم باستغراب من سؤالها:
"محكليش عنك إزاي انا اول مرة اشوفك وأعرف أنك بنت عمته أصلًا." رحاب بخبث وهي تضحك: "أه يعني محكليش أني حبيبته وكنا المفروض هنتچوز." اتسعت عيني مريم بدهشة وتحولت تعبيراتها للحظة وهي تقول: "نعم حبيبته ده إيه.. أنتي جاية تستعبطي عليا؟! قهقهت رحاب بكل برود أعصاب وأجابتها بغرور وغل:
"لا دي الحقيقة ياحبيبتي أن أنتي كنتي مغفلة وبشار مكنش بيحبك من الأساس ولا عاوزك ده خطبك بس عشان ينساني بيكي عشان كنت مخطوبة ودلوك لما فسخت الخطوبة هو رچعلي تاني وكنا هنتچوز لولا الحادث اللي عملتيه ده." كانت مريم تستمع لحديثها بذهول وعدم استيعاب ثم راحت تهز رأسها بالنفي تقول رافضة التصديق: "لا أنتي كدابة بشار ميعملش كدا أبدًا." رحاب بابتسامة جانبية شيطانية:
"لا يعمل ياحلوة وعاوزة تعرفي الكبيرة كمان.. يوم الحادث هو كان رايح يقابلك عشان يفسخ الخطوبة وبعد كدا نتچوز انا وهو ومش بعيد يكون هو مكمل معاكي بس دلوك شفقة على حالك مش اكتر، يعني اوعاكي تصدقي أنه بيحبك والكلام ده، بشار بيحبني أنا بس." أغلقت مريم عيناها بعدما شعرت بأن دموعها ستنهمر فوق وجنتيها من قسوة ما تسمعه من كلمات وحقيقة مريرة وصاحت برحاب في عصبية: "اطلعي برا فورًا اطلعي بـــرا."
فاقت مريم من شروطها ودموعها على وجنتيها غزيرة. تشعر بالقهر وأن كرامتها قد تم دعسها بالأقدام. هل حقًا في ذلك اليوم كان ينوي الأنفصال عنها. هي عبرت الطريق متلهفة لتصل له بفرحة وسعادة وكانت ستخسر حياتها بسببه وهو كان يريد أن ينفصل عنها وكان يكذب عليها ويخونها. إلى متى سيستمر كذبه عليها حتى وهي تحاول أن تجعله يتحدث الآن يكذب، لكنها تعرف جيدًا كيف ستثأر لكرامتها المهدرة. *** بمكان آخر مختلف داخل السجن.
كان عمران في انتظار مرسوم الخروج والإفراج قبل أن يدخل أحد الشباب على الغرفة الذي بقى فيها ليلة الأمس. عرف عمران فورًا أنه أحد رجال صابر فابتسم له بنظرة نارية ولم يتفوه ببنت شفة. أما ذلك الشاب ففور مغادرة العسكري الغرفة وإغلاقه للباب اقترب من عمران وقال له بحقد: "ازيك يامعلم." رَمقه عمران بطرف عينه في عدم اكتراث له ثم تجاهله كأنه لم يسمعه. أما الآخر فكان هذا هو ما يريده حيث صاح بعمران في غضب ولهجة فظة:
"چرا إيه يامعلم أنا بكلمك ما ترد عليا." رَمقه عمران بنظرة مميتة ثم هل واقفًا وقبض على ياقة قميصه يجذبه منها ويهتف له بصوت رجولي مرعب: "شكلك إكده عطشان على روحك، اقف قصادي زين ومتنساش نفسك وأنت بتكلمني يا****." دفع الشاب عمران بكل قوة لديه ثم انحنى على قدمه بالأسفل وأخرج من حذائه
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!