ظلت نظراتها المرتبكة عالقة على زوجها، تقرأ تعبيرات وجهه المرعبة وتحاول تخمين ردة فعله عندما تقترب منه وتصبح بين يديه. نفس الصوت الذي صرخ عليها بالأمس أن تخدعه بانقطاع الشبكة كان يصرخ عليها الآن أن تفر هاربة منه، ولكن ذلك مستحيل. ستكون النتائج وخيمة.
أخذت نفسًا عميقًا وازدردت ريقها بتوتر. ثم تقدمت بخطوة تقدمها وخطوة تأخرها. ومع سيرها المتردد والبطيء، وصلت أخيرًا له ووقفت أمامه تنظر في ملامحه الغريبة التي تشهدها لأول مرة، وهذا كان أكثر ما يرعبها منه. رسمت بسمة مضطربة على ثغرها وهي تتطلع له محاولة تلطيف الأجواء قليلًا. لكنه كما هو. حتى هتف أخيرًا بصوت يثير الرهبة وهو يستدير ليستقل بمقعده: "اركبي." ترددت وردت عليه محاولة الاعتراض، تخترع حجة واهية
وكاذبة لتفر من بين براثنه: "بلال، أنا في واحدة صحبتي مستنياني ومتفقين نخرج مع بعض، مش عايزة أتأخر عليها." وليتها لم تتحدث والتزمت الصمت، فحتى كذبتها أثارت جنونه أكثر. صاح بها من داخل السيارة بعصبية: "اركبي ياحور." انتفضت على أثر صرخته وركبت بسرعة دون أي نقاش. فوجدته يكمل صياحه المرعب: "متفقة مع صحبتك!! .. وطالعين مع بعض؟ اصلك متچوزة رچل كنبة بتطلعي وتدخلي على هواكي حتى من غير ما تقوليلي وتاخدي أذني."
كانت ساكنة تمامًا تحاول السيطرة على نفسها المرتعدة ولا تجيبه أبدًا، تستمع لتوبيخه بصمت دون أن تنظر له حتى. بينما هو فانطلق بالسيارة يشق بها الطرقات سريعًا. بعد دقائق قصيرة سألته بفضول وصوت خافت: "احنا رايحين فين؟ التفت لها وطالعها بعين حمار كالدم ويجيبها بخشونة: "چهنم الحمرا."
ومرة أخرى تسكت دون جدال، رغم أن تود الصراخ به والبكاء، لكنها تحاول الصمود قدر الإمكان. مرت دقائق طويلة حتى توقفت سيارته على جانب طريق سريع ومن جانبها مجموعة من الأشجار وخلفها المياه. كان الطريق هادئ لا يوجد به أحد سوى حركة السيارات القليلة. تحدثت هي أخيرًا متمتمة بصوت يغلبه البكاء: "انت جايبني في الطريق الفاضي ده عشان تزعق وتتعصب براحتك عليا!! بلال بنبرة محتقنة من فرط الغيظ: "مين اللي كنتي بتتكلمي معاه امبارح؟
كانت تتوقع سؤاله وتنتظره وقد جهزت الرد عليه حتى فقالت: "ده مروان ابن عمي كان مسافر ورجع من السفر وشفته امبارح بالصدفة وهو نازل من عندنا." أكمل وهو يجز على أسنانه كلما يتذكر حديثهم وطريقتها معه: "وانتي واخدة على مروان ده قوي إكده ولا إيه عاد؟ ردت حور بخفوت وهي تحاول التحكم بدموعها دون أن تنظر له: "مروان زي اخويا وهو بيعتبرني أخته الصغيرة." انتفض جسدها على أثر صيحته الجهورية بها الممتلئة بالغيرة والغضب:
"مفيش حاچة اسمها اخوكي أنتي دلوك متچوزة يعني يبقى في حدود بينك وبين أي راچل غريب عنك، لكن اللي سمعته امبارح ده قسمًا بالله يا حور لو.... انفعلت رغمًا عنها وصاحت به باكية: "هتعمل إيه يعني وبعدين انا معملتش حاچة، كنت بتكلم معاه عادي." هاج أكثر وزاد جموحه الضعفين بعد صياحها به فاسكتها بصوته الرجولي: "انتي مقولتيش حاجة واصل وانتي بتترچيه يطلع يقعد معاكي فوق وتحكوا ولا هو وبيوعدك أنه هياچي تاني ويشوفك ياغالــيـة."
أكد على حروف كلمته الأخيرة ليثبت لها أنه سمع كل كلمة تفوه بها وبالأخص وصفه لها بأنها غاليته. ثم تابع بانفعال هادر جعلها تنتفض في مقعدها: "ولما اكلمك بتشتغليني وتستعبطي عليا وتقفلي السكة في وشي قال مش سمعاني ومش بتردي عليا لما ارن عليكي، كل ده ومعملتيش حاچة!! انهمرت دموعها بصمت وهي تطرق رأسها أرضًا تحاول التحكم بصوت شهقاتها. بينما هو فقد أعمى الغضب عينيه ولم يهتم لأمرها وتابع صياحه وهو يلقي عليها تحذيراته
الحقيقية بجموح قاسي ومرعب: "أول وآخر مرة ياحور اللي حصل ده يتكرر صدقيني المرة الچاية مش هتعچبك ردة فعلي واصل، وحذاري اعرف بس أنك اتكلمتي مع واد عمك ده بالطريقة اللي سمعتها امبارح مفهوم ولا لا." صاحت به باكية بقوة وهي تدفن وجهها بين كفيها وتبكي بصوت مرتفع وجسدها يرتجف مع كل شهقة والأخرى: "فاهمة يابلال.. خلاص كفاية.. انا آسفة ارتحت كدا!
ثم فتحت باب مقعدها ونزلت من السيارة تنوي عبر الشارع والذهاب للجهة الأخرى حيث الأشجار والمياه. كانت في حالة مزرية واندفعت نحو الطريق تعبره دون أن تنتبه لحركة السيارات به. بينما هو فخرج من السيارة مفزوعًا عندما رأى سيارة مسرعة تتجه نحوها فهرول خلفها يصرخ بها بزعر لكي تقف: "حــــور."
لم تجيبه وكانت كالمغيبة لا تشعر بشيء. وعندما التفتت برأسها للجانب ورأت السيارة مسرعة نحوها والسائق يطلق صافرات الانذار العالية. تصلبت بأرضها وصاب قدماها شلل مؤقت ناتج عن الصدمة لم يمكنها من الحركة. وللحظة ظنت نفسها ميتة لا محال.
لكن فجأة وجدت ذراع يجذبها بعنف عن الطريق لتسقط بين ذراعيه وينتشلها من الصدمة التي استحوذت عليها. وباللحظة التالية فورًا كانت السيارة تعبر مسرعة من جانبهم. استقرت بين ذراعين بلال وهو يضمها بقوة ويديه ترتجف حتى أن نبضات قلبه كانت تسمعها في أذنها من فرط عنفها. لم يبعدها عن ذراعيه لوقت طويل نسبيًا وكأنه يخشى من تركها مجددًا فمنذ قليل كان سيفقدها للأبد. ولم يكن حالها أفضل منه فحتى هي جسدها كان يرتجف بعنف بين ذراعيه.
أبعدها عنه أخيرًا ليصيح بها موبخًا إياها بعصبية وخوف: "إيه الچنان اللي عملتيه ده! شفتيها ترتجف بقوة من الفزع وأجابته بصوت مبحوح وهي تمسك بيده لتسند عليه: "بلال دخلني العربية أنا حاسة أن رجلي مش شايلاني من الخضة." حاوطها بذراعيه فورًا وفتح باب السيارة الخلفي وساعدها على الدخول واستقل هو بجوارها بالمقعد الخلف واغلق الباب ثم هتف لها بعتاب شديد ونبرة مفعمة بالغرام:
"حرام عليكي ده أنا مكنتش حاسس بروحي وبقيت اچري عليكي كيف المچنون، ليه بتعملي إكده بس ياحور.. أنا عمري ما كنت هسامح نفسي لو كان چرالك حاچة." تطلعت إليه بعينين دامعة ولامعة بالحب والامتنان وشعور الآمان. لا تعرف كيف تجرأت وارتمت بين ذراعيه تعانقه بقوة وهي تبكي. فلف هو ذراعيه حولها وضمها إليه بقوة وبشفتيه أمطرها بوابل من قبلاته فوق رأسها وهو يهمس لها بحنو: "اهدى أنا چارك أهو انسى ومتفكريش في اللي حصل." تمتمت بصوت ضعيف
ومكتوم وهي داخل أحضانه: "متتعصبش عليا تاني أنا كنت خايفة منك أوي." ابتسم لها بعشق وعاد يقبلها من رأسها مجددًا هامسًا بصوت رجولي يذهب العقل: "حقك عليا متزعليش أنا اتعصبت ومكنتش شايف قصادي بس اوعدك أني بعد إكده هحاول أتمالك أعصابي وانتي كمان توعديني تسمعي الكلام واللي حُصل ده ميتكررش تاني." أبعدها عنه بلطف وأخذ يحدق في وجهها الغارق بالدموع وينتظر منها سماع الرد. فهزت رأسها له بالموافقة وقالت في رقة جميلة: "حاضر اوعدك."
اتسعت بسمته أكثر وراح يرفع أنامله يمسح عبراتها. وهي تجفل نظرها أرضًا خجلًا منه فقد فاقت من حالة الصدمة التي كانت تستحوذ عليها وتملكها الخجل الشديد من مجرد فكرة أنها كانت كل هذا الوقت بين ذراعيه باحضانه. واتسعت عينيها بذهول عندما وجدته ينحني عليها بعدما انتهي من مسح دموعها وطبع قبلة دافئة فوق وجنتها وهي يبتسم ويهمس لها غامزًا بخبث: "حابة نقعد شوية مع بعض ونطلع نقعد على البحر ولا عاوزة تروحي البيت؟
هزت رأسها بالرفض فورًا في استحياء شديد دون أن تجرؤ على رفع عينيها بخاصته وهمست: "لا وديني البيت." قهقه بقوة عليها بعدما فهم ارتباكها منه وخجلها وقال وهو يمسك بكفها الناعم ويقبل ظاهره: "ماشي ياحوريت." سحبت كفها من قبضته بخجل شديد وهي تميل بوجهها للجهة الأخرى تخفي بسمتها المستحية عن أنظاره. بينما هو فخرج من المقعد الخلفي واستقل بمقعده الامامي المخصص للقيادة لينطلق مسرعًا عائدًا بها للمنزل. *** داخل منزل خليل صفوان.
وثب "على" واقفًا وهو يصيح منفعلًا بآسيا: "انا مليش اخوات بنات وعيلة صفوان معدش عندها بنات اسمها خلود يا آسيا." لم يهز صياحه بها شعرة واحدة منها بل كانت تجلس بكل ثبات واستقامت واقفة هي الأخرى ترد عليه بحكمة محاولة إقناعه: "يا على أنا مش بقولك سامحها، بس صدقني اختك لو ملحقتهاش الحيوان اللي متچوزاه ده هيخلص عليها." على بعينان نارية وهو دماؤه تغلي بعروقه كلما يتذكر فعلة شقيقته الفاضحة ليرد على آسيا بقسوة غير مباليًا:
"يلا اهو يبقى عمل اللي مقدرناش نعمله، مش هو ده اللي حطت راسنا في الطين وچابتلنا العار بسببه." تنفست آسيا الصعداء بقلة حيلة وتقدمت نحوه خطوة تهتف له برزانة محاولة تلين قلبه على شقيقته: "يا على والله أنا لما روحت وشوفتها رغم كل اللي عملته معايا صعبت عليا قوي يعني اللي بيعمله فيها ده ميرضيش أي بني آدم، بيعذبها ودلوك حابسها من غير وكل ولا شرب عشان حاولت تهرب منه." اتسعت عينيه بدهشة وراح يسألها بحدة:
"روحتي وشوفتيها كيف يعني.. أنتي روحتي بيت الـ***** ده يا آسيا." لوت فمها بإحراج وهزت رأسها له بالإيجاب فانفجر بها صائحًا بعصبية: "وانتي إيه اللي يوديكي هناك وكيف تدخلي بيته، انتي اتخبلتي في نافوخك." صاحت به آسيا بنفاذ صبر في جدية: "مش وقته الكلام في الحديت ده دلوك.. اللي حُصل حُصل وخلاص.. خلينا في موضوعنا هتساعد اختك؟ أجابها بنفس القسوة والجفاء فكل ما قالته لم يحرك أي شيء بقلبه تجاهها ولم يطفأ نيران صدره:
"سبق وقولتلك أنا مليش اخوات ومتچبيش سيرتها قصادي تاني واصل." كان سيهم بالانصراف فلحقت به واوقفته وهي تترجاه تحاول للمرة الأخيرة استمالة مشاعره:
"يا على أنت عمرك ما كنت قاسي إكده، وكان روحك في خلود، انا مش هقدر اتكلم مع أبوك هو كيف ما أنت شايف هربان وچدي عمره ما هيسامحها، مفيش حد هيبقى حنين عليها اكتر منك أنا متأكدة أنك لساتك بتحبها مهما عملت هتفضل اختك وأنا مش بقولك انسى اللي عملته، على الأقل انقذها من يد الحيوان ده وهي ندمانة على اللي عملته والله." صرخ بها منفعلًا دون أن يبدو عليه أي تأثر:
"آسيا قولتلك قفلي على سيرتها معاوزش اسمع أي حاچة عنها، خليها تعيش مع الـ**** اللي ضيعت روحها وخسرت ناسها وغضبت ربها عشانه ولو عرفت تفلت منه قبل ما يموتها يبقى حظها حلو، وأنتي حذاري تتواصلي معاها تاني ولا تكلميها."
أنهى عباراته واندفع لخارج الغرفة لكنه اصطدم بغزل عندما فتح الباب وكان يبدو عليها أنها استمعت لحديثهم كله فكانت تحدق به بمشاعر مختلطة ما بين الغضب والخوف. وهو رمقها بنظرة مميتة قبل أن يعبر من چوارها وينطلق ليغادر المنزل بأكمله. أسرعت غزل ودخلت لآسيا التي كانت تقف وتزم شفتيها بيأس وراحت تسألها بدهشة: "آسيا هو عمي منصور معاه بنت اسمها خلود فعلا وأخت على؟
طالعتها آسيا بوجه عابس دون أن تجيب عليها وكانت الأخرى تنظر لها بفضول تنتظر سماع الرد بل والقصة كاملة منها. ما الذي فعلته تلك الفتاة لتجعل الجميع يكرهها بهذا الشكل ولا يهتم بأمرها ولا يذكر اسمها حتى، ولماذا عمها هارب!! *** داخل منزل جلال.
كانت فريال تجلس بالصالة فوق الأريكة المقابلة للتلفاز وعيناها تشاهد الشاشة لكن عقلها شارد بزوجها الذي خرج بصباح اليوم للعمل دون أن ينظر بوجهها وكان منزعج منها. وهي الآن تجلس بذلك المنزل الكبير وحيدة بعد ذهاب أولادها المدرسة. راحت تضع يدها فوق بطنها تتحدث مع ابنتها بعبوس: "حتى لو أنا غلطانة وزودتها مع أبوكي بس هو كمان غلطان ومينفعش يفضل مداري على عمه إكده كتير." سكتت للحظة ثم تابعت حديثها مع ابنتها متمتمة بحزن:
"هو فاكر أني مش هاممني حاجة غير حق أبويا بس أنا خايفة عليه هو اكتر، لو الحكومة عرفت أنه مداري على مكانه هيتمسك، أبوكي عنيد وأنا تعبت معاه اعمل إيه بس! سالت دمعة متمردة فوق وجنتها وقالت بصوت مبحوح: "طلع الصبح من غير ما يبص في وشي حتي.. يرضيكي اللي عمله ده." أصدرت شهقة بسيطة بدهشة وألم عندما شعرت بحركة ابنتها في بطنها وضربها بقدمها الصغيرة وكأنها تسمعها وتجيب عليها فقالت فريال باستغراب:
"ايه متقوليش أنك عايزاني اصالحه، لا مش هتكلم معاه بعد اللي عمله الصبح." استمرت الصغيرة في لكم أمها بقدمها فهتفت فريال بألم وغضب بعد نفاذ صبر: "أوف خلاص لم ياچي هتكلم معاه بس لكن مش هصالحه." ولكن الصغيرة لم تتوقف عن اللكم فتأففت فريال بغيظ واستقامت واقفة من مكانها عل تلك الشقية تتوقف عن الحركة وبالفعل بعد لحظات قصيرة هدأت أخيرًا.
سمعت صوت الباب ينفتح فمالت برأسها نحو الباب لتنظر له وهو يدخل ثم ينزع حذائه بجانب الباب ويلقي عليها تحية السلام دون أن ينظر لها ويتجه نحو غرفته بالداخل. فاستشاطت غيظًا أكثر وزاد حزنها وبسرعة البرق اندفعت خلفه ووقفت بجواره الخزانة تستند عليها بذراعها وتراقبه وهو يبدل ملابسه متجاهلًا إياها فهتفت تسأله: "احضرلك الغدا دلوك ولا شوية؟ أجابها بإيجاز دون أن ينظر بوجهها:
"مش عاوز.. شبعان اتغدي أنتي والعيال لما يچوا من المدرسة." لوت فمها وهي تحاول التحكم بانفعالاتها وسألته مجددًا بفضول: "أنت چيت بدري ليه النهاردة في حاجة ولا إيه! عليها بنفس النبرة السابقة: "خلصت الشغل في المعرض وچيت يافريال، إيه التحقيق ده!! تحركت وتقدمت نحوه بعبوس وهي تقول بعتاب: "مش بعاتبك أنا بسألك يعني چزاتي أني مهتمة بيك وأنت حتى مش بتبص في وشي وبتكلمني من تحت الضرس." أخذ نفسًا عميقًا مستغفرًا ربه ثم
نظر في وجهها وقال بهدوء: "اديني بصيت اتبسطتي إكده." امتلأت عيناها بالعبرات واقتربت منه أكثر حتى أصبحت شبه ملتصقة به ومدت يدها لتمسك بكفه الكبير وتنظر في عينيه متمتمة في حزن ونعومة: "طيب متزعلش مني أنا امبارح زوتها شوية، بس أنا كنت خايفة عليك والله مش موضوع حق أبويا بس، احنا اتفقنا مش هنقلب في القديم ونخلي حاجة تأثر على علاقتنا تاني."
طالت نظرات جلال الجامدة وهي تتطلعه بتلك الأعين الساحرة. فخر مستسلمًا ورفع أنامله يمسح على وجهها وشعرها بحنو متمتمًا في بسمة دافئة: "مش زعلان منك." زَمت شفتيها بعبوس وعدم اقتناع وتجيبه: "لا لسا باين عليك أنك زعلان." ضحك بخفة وقال مغلوبًا: "طب اثبتلك كيف أني مش زعلان."
هزت كتفيها ورفعتهم للأعلى بجهل ودلال وهي تمط شفتيها فزدادت ابتسامته اتساعًا وانحنى عليها يوزع قبلاته على وجهها كله وسط همسه الغرامي لها وهو يضحك لتبتسم هي برضا وحب وتركته يقبلها دون أن تمنعه حتى توقف هو وابتعد عنها لينظر في عينيها الفرحة ويقول لها مبتسمًا: "چهزي نفسك أنتي والعيال عشان شوية بليل هننزل نكمل عفش البيت وننقي اللي ناقص."
أومأت له بالموافقة وراحت ترمي عليه تعانقه بحرارة وهذه المرة كانت هي من تغدقه بقبلاتها الناعمة والحميمية فأغلق عينيه وترك روحه تنعم بجمال قبلاتها الرقيقة على بشرته الرجولية الغليظة. *** داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة آسيا بمنزل خليل صفوان.
أصرت غزل على سماع الحكاية كاملة من آسيا ومنعتها من الرحيل قبل أن تعرف ماذا حدث لعمها وكذلك ابنته. وبعد وقت طويل نسبيًا من الحديث وانتهاء آسيا من سرد كل شيء لغزل كانت الأخرى تحدق بها بذهول وعدم تصديق لما تسمعه أذنيها وصاحت بصدمة: "OMG ( يا الهي ) انتي بتقولي إيه يا آسيا." سكتت للحظة تحاول استيعاب كم الصدمات التي تلقتها للتو وعادت تهتف لآسيا بدهشة:
"يعني عمي خليل اللي هو your dad قتله ابو جوزك اللي أنتي اتجوزتيه غصب ومكنتيش بتحبيه وعشتي معاهم في نفس البيت ودلوقتي عمي منصور اخد حق أخوه زي ما انتي بتقولي وقتل أبو جوزك! .. وجوزك وعيتله والبوليس بيدوروا على عمي منصور! طالعتها آسيا بجمود تام دون أن تظهر أي تعبير مما جعل غزل تهب واقفة منفعلة وتصيح بانفعال:
"انتوا فاكرين نفسكم إيه المفروض أن في شرطة وفي police هو اللي بيسجن ويعدم وياخد الحق، لكن تقتلوا في بعض ازاي هي animal barn!! .. وبعدين ايه تار ده انتوا لا يمكن تكونوا طبيعين انتوا متوحشين وأنا هرجع امريكا عند dady فورًا." تنهدت آسيا الصعداء بنفاذ صبر واستقامت واقفة ثم اقتربت من غزل بنظرات مهيبة وتطلعت لها بحدة وهمست:
"اسمعي ياحلوة أنا صُح حبيتك بس ده ميعنيش أنك تغلطي في الكل إكده وفي ناسك، انتي اتربيتي وعيشتي في بلاد برا ومتعرفيس حاجة واصل لا عن مصر ولا الصعيد بالأخص وكل اللي شوفتيه وعرفتيه ولا حاجة قصاد اللي لسا معرفتهوش، هتقعدي وسطينا يبقى تتعايشي وتتقبلي عيلتك المتوحشة كيف ما بتقولي عنها لو مش عاجبك يبقى اتفضلي ارجعي لأبوكي." أظهرت غزل على أنيابها الشرسة ونظرت لآسيا بغضب واكملت صياح:
"انتي بتدافعي عنهم وهما كانوا هيقتلوكي انتي وخلود، عملتوا كل ده معاها ورمتوها كأنها ملهاش أهل لواحد بيعذبها بس عشان حبته وهو خدعها ودلوقتي لما بتطلبي من الهمجي البربري ده اللي اسمه " علي" بيقولك ما عنديش أخوات دول بجد ما عندهمش mercy." تابعت آسيا بنفس نظراتها ونبرتها المخيفة:
"إهنه مفيش حاجة عندنا اسمها بنت تحب وتمشي مع راچل في الحرام، في حاجة اسمها اللي عاوزك بيدخل البيت من بابه ويطلب يدك قصاد الكل، غير إكده تبقى البت چابت العار لناسها كلهم وعقابها كيف ما حصل مع خلود وكانوا هيعملوا معايا." ضحكت غزل مستهزئة الفكر المتخلف والرجعي من وجهة نظرها وقالت لآسيا بقوة: "يعني أنا على كدا لو عرفوا أني عندي boyfriend هيعملوا معايا زي خلود."
اتسعت عيني آسيا مندهشة ورفعت حاجبها وهي تحدق بابنة عمها في صمت حتى قالت لها في الأخير بحكمة وهي تربت على كتفها: "بصي ياغزل انتي لساتك متعرفيش حاجة عنينا يابت العم، ونصيحة اعتبريها من أخت اقطعي علاقتك بيه احسن ولو مش عايزة براحتك أنا مليش صالح بيكي كل واحد هو عارف هو بيعمل إيه كويس قوي، بس بلاش تچيبي سيرة قصاد چدك ولا "علي" على موضوع البوي فريند ده لمصلحتك." ابتعدت عنها والتقطت حقيبتها وقالت لها بابتسامة طبيعية:
"انا همشي عشان اتأخرت وعمران زمانه على وصول، ومتنسيش نصيحتي هااا." تابعتها غزل بضيق وهي تغادر الغرفة وتتركها وحيدة، وداخلها قد اقسمت أنها لن تبقى معهم بهذا المنزل أبدًا أكثر من ذلك وستعود لوالدها في أمريكا فورًا. *** داخل منزل ابراهيم الصاوي بعد عودة آسيا وتبدليها لملابسها.
كانت تجلس بالصالة الكبيرة على الأريكة وتريح ظهرها على ظهر الأريكة لتظهر بطنها المرتفعة بوضوح أكثر وكان بيدها صحن من السلطة تأكل منه بكل بطء وهي نظراتها عالقة على منى التي تتحرك ذهابًا وإيابًا من المطبخ للصالة تساعد إخلاص في تحضير الطعام وأعمال المنزل. كانت أعين آسيا نارية على منى وهي تراقبها بشر متوعد وكأنها تخبرها أنها مازالت بالمنزل الآن لأنها فقط أرادت ذلك.
هناك بعض البشر لا يجب التعامل معهم بآدمية لأنك إذا فعلت ستصبح فريسة سهلة بين أنيابهم، ومنى من بين هؤلاء البشر، لذلك آسيا ستتبع أسلوبها المتوحش في الحرب حتى تلتهم فريستها هي أولًا. استقامت واقفة وهي تبتسم بشيطانية بعدما انتهت من صحن السلطة خاصتها واتجهت نحو المطبخ وهي تتصنع الود واللطف، وتقول لأخلاص وهي تنضم لهم لتساعدهم في أعمالهم: "هاتي ياحماتي اساعدك." منعت إخلاص بضيق هاتفة:
"لا شكرًا معوزاش منك حاجة اطلعي على اوضتك ملكيش صالح بحاجة أنا منى بتساعدني." التفتت آسيا تجاه منى ورنقتها بنظرة قذفت الرعب في قلب الأخرى، لكن سرعان ما عادت تبتسم بعطف مزيف وتقول: "لا منى تساعدك كيف دي ضيفة لازم تقعد وترتاح، بعدين أنتي مش شايفة وشها كيف مفهوش حتة سليمة ياحرام، هي محتاچة ترتاح وتحط مراهم وعلاج لوشها قبل ما الحالة تسوء، مش إكده ولا إيه يامنى؟!
كانت منى تحدق لآسيا في حقد ونقم شديد وإخلاص رغم خوفها لكنها التزمت الصمت ولم تتمكن من الاعتراض بالأخص عندما تابعت آسيا بحزم: "بعدين ميصحش تفضلي أنتي واقفة في المطبخ إكده والضيفة بتساعدك ومرت ولدك قاعدة، ولا أنتي عاد مش معتبراني مرت ولدك وواحدة من البيت."
لوت إخلاص فمها مغتاظة والتزمت الصمت وتركت آسيا تساعدهم، وسط نظراتهم النارية هي ومنى لبعضهم البعض. جلسوا على الطاولة الصغيرة وهم يقومون بقطف اوراق " الملوخية " الخضراء، فتحدثت آسيا بنظرة ماكرة كلها كيد لمنى وإخلاص: "معلش عاد أنا صحيت متأخر النهاردة وبعدين روحت بيت أبوي وملحقتش اساعدكم من الصبح بدري بس أصل أنا وعمران فضلنا الليل كله امبارح سهرانين." لاحظت خنق منى واستنكار إخلاص فتابعت آسيا بنفس الأسلوب
المستفز الذي يثير الجنون: "ربنا ما يحرمني منه واصل المعلم چوزي وحبيبي، الليل كله كان بيراضيني ويصالحني ويقولي أنه ميقدرش على بعدي ولو غبت عنه ساعة واحدة بس بوحشه." لاحظت الغيظ على معالم منى فتابعت بغل مكتوم وهي تحاول الحفاظ على هدوئها وثباتها المزيف ونظراتها عالقة على إخلاص ومنى:
"أصل عمران مش بيسمح لحد واصل أنه ياچي عليا ولا يزعلني ويأذيني ولو عداها في مرة فده بس كان عشان طيبة قلبه وأنه مشايفش الحقيقة، اللي مسيرها تتكشف وكل واحد المفروض يجهز روحه للي هيعمله وهيحصل من دلوك." اضطربت إخلاص بعدما أدركت أنها تلقي بتلمحياتها وتهديداتها عليها، فمدت يدها تلتقط كوب الماء لتشرب منه لكن المياه علقت بحلقها وأخذت تسعل بقوة فابتسمت آسيا بخبث وراحت تربت فوق ظهرها بلطف متمتمة:
"اسم الله عليكي ياحماتي اشربي اشربي مايه." أما منى فقد استشاطت وفاض كيلها من آسيا ولم تعد تتحملها فاستقامت واقفة تنوي الابتعاد عنهم تمامًا لكن آسيا استغلت فرصة عبورها من جوارها وفردت قدمها بالأرض لتتعثر منى أثناء سيرها وتسقط على قدمها ويرتفع صوت صراخها المتألم فتثب إخلاص واقفة وتسرع نحوها تسألها ماذا بها وآسيا تتابعهم بشر وابتسامة شيطانية ثم استقامت واقفة وقالت بتصنع الاهتمام مع أن نظراتها تقول
العكس وكانت كلها شماتة: "ألف سلامة يامنى ياحبيبتي أنا عندي مرهم زين قوي مسكن للألم هروح اچبلك منه عشان تحطيه قبل ما تورم." ثم ولتها ظهرها وسارت لخارج المطبخ بكل عنجهية وعدم اكتراث تاركة منى تصرخ من الألم وإخلاص تحاول معالجتها، بينما كانت في طريقها لغرفتها بالأعلى رأت عمران الذي وصل للتو كان يتجه نحو المطبخ بعدما سمع صوت منى فأسرعت نحوه وامسكت بذراعه توقفه هاتفة: "رايح وين؟! عمران بحدة:
"رايح اشوف في إيه، مش ده صوت منى!! آسيا بنظرة قوية وجبارة: "أه صوتها بس هي كانت بتكلم أمها في التلفون واتخانقوا وبتبكي وتزعق عشان إكده صوتها عالي، سيبك منها أنت مالك بيها!! رفع عمران حاجبه وهو يطالع زوجته بشك وعدم اقتناع فوجدها تجذبه معها لغرفتهم بالأعلى هاتفة: "تعالي معايا عاوزاك اتكلم معاك ضروري." ضيق عينيه باستغراب منها وقال وهو يحاول جذب يده من قبضتها: "طيب سيبي يدي مالك يا آسيا هو أنا ههرب منك!
لم تكترث له واحكمت قبضتها على يده أكثر وهي مستمرة في جذبه معها للاعلى، لا إراديًا ابتسم مغلوبًا منها وسار معها باستسلام حتى وصلوا لغرفتهم. *** اتجهت رحاب نحو غرفتها بعدما سمعت صوت رنين الهاتف، جذبت الهاتف من فوق الفراش وتطلعت في شاشته لتقرأ اسم المتصل لكنه كان مجهول وبلا اسم فغضنت حاجبيها باستغراب وأجابت في حزم: "الو مين معايا." وصل بأذنها صوت بشار وهو يهتف: "كيفك يارحاب؟ تلعثمت بالبداية وتسارعت دقات
قلبها فردت عليها بذهول: "بشار!! .. أنا كويسة الحمدلله أنت اخدت رقمي من مين؟ بشار بنبرة جادة وهادئة: "أنا واقف في الشارع اللي ورا بيتكم لو تقدري تطلعي عايز اتكلم معاكي يارحاب." قطعت الصوت واستحوذتها الدهشة حتى هتفت بعدم فهم: "شارع إيه وواقف ليه يابشار أنا مش فاهمة حاجة، هو في حاجة حُصلت ولا إيه؟! سمعت تنهيدته الطويلة في الهاتف وهو يجيب بلهجة رجولية:
"مفيش حاجة يارحاب أنا قولتلك عايز اتكلم معاكي، يلا البسي واطلعي أنا مستنيكي." صمتت للحظات مترددة ما بين توتر وفرحة وخجل وعدم فهم لسبب رغبته في التحدث معها وتساؤلها حول الأمر الذي يريد محادثتها فيه، لكنها ردت بالنهاية عليه: "حاضر خمس دقائق واچيلك." أنهى الاتصال معها بينما هي فظلت تحدق في الهاتف بذهول وابتسامة ثغرها تملأ وجهها كله، وبسرعة البرق اندفعت نحو خزانتها تخرج ملابسها لكي تجهز وتذهب له.
بالخارج ظل بشار لدقائق طويلة بانتظارها داخل سيارته حتى رآها أخيرًا وهي تتجه نحوه بخفة كالفراشة وتبتسم برقة فبادلها الابتسامة حتى وصلت له واستقلت بجواره في السيارة وهي تسأله بخجل: "عامل إيه؟ بشار مبتسمًا بود: "في نعمة الحمدلله." رددت خلفه "الحمدلله" وهي مازالت محتفظة ببسمتها بينما هو فاختفت تدريجيًا حتى راح يسألها باهتمام: "رحاب انتي كنتي قاعدة امبارح في الوكالة صُح؟
تلعثمت عند ذكره الأمس واكتفت بهز رأسها بالإيجاب فسمعت سؤالًا آخر كان أكثر جراءة من السابق: "طيب ليه مشيتي لما سمعتيني وأنا بكلم مريم! ازدردت ريقها بتوتر رغم الضيق الذي تملكها عند ذكره لاسم خطيبته وردت عليه بثبات مزيف: "انا مسمعتش حاجة وحتى لو سمعتك ايه اللي هيخليني امشي، واحد وبيكلم خطيبته أنا مالي عاد! مال بشار بوجهه عليها ليقترب منها أكثر وتصبح أنظاره أكثر دقة وتركيزًا على عيناها وهو يسألها وكأنه ينتظر
سماع إجابة معينة منها: "ما أنا برضوا بقول إكده، إيه اللي يخليكي تمشي بعد ما تسمعي كلامي مع خطيبتي إلا لو كان في سبب." اضطربت من نظراته وخجلت فردت بصوت خافت وهي تتفادى النظر لوجهه: "قصدك إيه؟! ابتسم لا إراديًا ورد بنظرة دافئة وهو يضحك: "ولا حاجة أنا اخدت چوابي خلاص." رحاب بخنق وغيظ منه بعدما ابتعد عنها وهو يضحك بمتعة: "چواب إيه وبعدين أنت چايبني إهنه ليه عشان تسأل السؤال ده!!
.. هو ده الموضوع المهم يعني اللي عايز تتحدت فيه معايا! هتف وهو مازال محافظًا على بسمته المستمتعة: "لا أنا كنت عاوز أتأكد من حاجة واتأكدت." كانت لا تشعر بقدميها من فرط التوتر ودقات قلبها في تزايد مستمر فانفعلت وهتفت بخجل شديد وضيق: "أنا ماشية يابشار." أوقفها هاتفًا بجدية وهو يضحك: "استنى رايحة وين.. خطيبك عمل حاجة تاني كلمك أو ضايقك؟ رحاب بدلال امتزج بغيظها منه: "ملكش صالح، سلام."
أنهت عبارتها واندفعت لخارج السيارة تعود للمنزل وهي تتلفت برأسها للخلف وتنظر له داخل السيارة فتراه يراقبها وهو يضحك بمتعة فتبتسم هي أيضًا رغمًا عنها. *** داخل منزل ابراهيم الصاوي تحديدًا بغرفة عمران وآسيا. أغلقت آسيا الباب خلفها بعد دخولهم واستدار لها عمران يطالعها بحيرة ونظرة ثاقبة، فوجدها تقف ساكنة دون أن تقول أي شيء وتحدقه بنظرات زائغة فسألها بثقة وهو يبتسم:
"هاا عاوزة تتكلمي في إيه معايا، عرفتي غلطك أخيرًا وحابة تعتذري! رمقته شزرًا واندفعت نحوه ثائرة وهي تهتف: "اتأكد إني مش هعتذر منك غير لما تعرف أنت غلطك الأول لأنك لغاية دلوك أنت مش مدرك اللي عملته معايا ومنشف راسك حتى مش عاوز تحاول تصدقني بس غصب عنك هنشوف وتعرف إني كنت على حق."
تأملها الصامت بها وجمود تعابير وجهه ثم ولاها ظهره دون أن يجيب عليها معبرًا عن انزعاجه من كلامها وأنه لم يعجبه، وتحرك بخطوات هادئة تجاه الخزانة ليبدأ في تبديل ملابسه دون أن يتفوه ببنت شفة معها فإذا تحدث سينشب شجار جديد بينهم وهو في غنى عنه الآن.
أما هي فلم تكترث لصمته كثيرًا يكفيها أنه معها بالغرفة ولن يغادر، فوجود تلك السحلية "منى" يجعلها تشتعل من الغيرة وتريد سجنه معها بالغرفة اليوم كله حتى يأتي معاد عمله مرة أخرى، لا تريده أن يلتقى معها وجهًا لوجه أبدًا. ولكن كيف تجعله يرغب في البقاء معها بالغرفة اليوم كله وهي حتى لا تبتسم في وجهه ودومًا تجادله، بالطبع سينفر منها ويتركها ويخرج لتلك السحلية، لولا فقط خطتها لما كانت تركتها تظل بهذا المنزل لحظة واحدة لكنها تحتاجها للأسف.
بعدما دخل الحمام ليأخذ حمامًا دافيء، جلست هي على الفراش بشرود تفكر في طريقة فعالة لتبقيه معها بالغرفة، اقترح عليها عقلها فكرة تصنع المرض ولكنه ليس ساذجًا وسيكشف حيلتها بالتأكيد، وإذا حاولت استخدام الإجبار منه لن يجدي بنفع أبدًا وستنعكس نتائجه بالسلب. هتفت بحيرة وهتف: "امال إيه طيب؟!
بعد دقائق طويلة نسبيًا خرج من الحمام وبعدما انتهى من تجفيف شعره قاد خطواته باتجاه باب الغرفة، فوثبت واقفة بزعر وهرولت نحوه لتقف حائل بينه وبين الباب وهي تنظر له وتهتف بجدية: "رايح وين؟! عمران رافعًا حاجبه بتعجب: "طالع أوضة الجلوس فوق يا آسيا مالك؟! همست بصوت منخفض لا يسمع في غيظ: "اوضة الجلوس عشان السحلية دي تستغل الفرصة وتجري تطلع وراك وتتلزق فيك." رفعت رأسها له وتطلعت في وجهه بحزم وهي تقول دون وعي توجه له الأوامر:
"لا مش هتطلع." ازدادت رفعة حاجبه وتحولت نظراته للحدة وهو يرد عليها بخشونة: "قولتي إيه؟! تنحنحت بارتباك وبسرعة تداركت الموقف وراحت تضع يدها فوق بطنها وتصدر تأوهًا متألمًا مزيف فتبدلت تعبيرات وجهه للقلق والاهتمام وهو يسألها: "مالك؟ مدت يدها وجذبت كفه الكبير تضعه على بطنها وهي تنظر له وتقول بحماس وسط تعبيرات الألم المزيفة على وجهها: "ولدك بيتحرك جامد وبيضرب برجلي، حط يدك إكده وحس بحركته."
لمعت عينيه في لحظة ووضع يده بكل رفق يحاول استشعار أي حركة منه ولكن لا يوجد، فنظر لها بعبث وقال في عين انطفأ بريقها: "مفيش حركة أنا مش حاسس بحاحة! أمسكت بيدها وغيرت مكانها وهي تقول له بدهشة وجدية: "كيف يعني ركز يا عمران اهو بيتحرك أنا حاسة بيه." حاول التركيز كما طلبت منه ولكن النتيجة صفر أيضًا فقال بخنق: "مفيش حاجة يا آسيا أنتي بتشتغليني عشان مطلعش! مالت برأسها للجانب وهمست بيأس وضيق:
"اووف هو مفيش حاجة بتخيل عليه واصل، كيف بيفهم معرفش!! عندما عادت برأسها له ونظرت له وجدته يتطلعها بقوة ويبدو أنه سمع همسها المنخفض فابتسمت له ببلاهة وقررت تنفيذ الخطة ب واستخدام دلالها وأنوثتها، ستضطر أن تضع جدالهم وعنادهم وغضبها منه جانبًا الآن. زَمت شفتيها للأمام في عبوس وقالت له بحزن: "الصراحة مش عاوزة اقعد لحالي حاسة روحي مخنوقة قوي وداخلة على حالة اكتئاب والزعل والاكتئاب غلط على الحامل وبيأثر على العيل."
رأته يتأملها وعلى ثغره بسمة خفية تؤكد فهمه لحيلتها البائسة ولكنه لم تكترث وتابعت بنظرات استعطاف كله براءة وأنوثة: "ههون عليك يامعلم تسيبني أنا وولدك واحنا مكتئبين وزهقانين." التزم الصمت للمرة الثانية لكن هذه المرة ظهرت بسمته بوضوح أكثر وعينيه لمعت بوميض الحب لا إراديًا، مما جعلها ترقص فرحًا من الداخل ودون تفكير مالت عليه ولثمت وجنته ولحيته بعدة قبلات متتالية في غرام ثم قالت بحماس:
"إيه رأيك اعملك المساچ اللي بتحبه وبيريحك أنت أكيد راجع تعبان من الشغل ومحتاج ترتاح." قهقه رغمًا عنه على تصرفاتها الطفولية ومحاولاتها الممتعة بالنسبة له وهي تقنعه للبقاء معها، ويؤسفه القول أنه رغم فهمه لها سقط في فخ سحرها وذاب أمام نظراتها الأنثوية المستعطفة والمدللة، فوجد لسانه يتحدث دون وعي في عين تفيض حبًا: "ماشي ياغزال."
ظهر شبح بسمتها الساحرة على وجهها كله، ثم تابعته وهو ينزع عنه ملابسه ليبقى عاري الصدر ولا يرتدي سوى بنطال فقط، واقترب من الفراش ليتمدد فوقه على بطنه ويترك يديها الناعمة تتولى مهمة تدليك ظهره وجسده لتخفيف الألم عنه، وعندما اقتربت يدها من كتفيه لتدلكهم وجدته يلتقط كفها ويجذبه لثغره يلثم باطنه بعدة قبلات متتالية في نظرات رجولية مغرمة تذهب العقل وتذيب القلوب. ***
بتمام الساعة العاشرة مساءًا داخل وكالة عائلة ابراهيم الصاوي كان يجلس عمران بمفرده عندما اقتحم عليه الوكالة رجل مسن تقريبًا من نفس سن والده، ملامح وجه صارمة ومريبة، ونظراته كلها شر ووعيد. جلس عمران بكل أريحية وتيه وهو ينظر له مبتسمًا ويقول في لهجة ساخرة: "أهلًا يامعلم صابر نورت الوكالة كلها." ابتسم له صابر باستهزاء وخنق من طريقة ترحيبه الغير مهذبة به وقال بغلظة:
"شكل ابراهيم الله يرحمه نسى يعلمك كيف ترحب بالضيوف ياعمران." أظلمت عيني عمران وبلحظة وثب واقفًا وضرب بقبضة يده القوية على سطح المكتب هاتفًا في أعين مخيفة: "معلم عمران.. وبعدين ضيوف إيه هو أنت غريب ولا إيه! صرخ صابر على أسنانه مغتاظًا ثم هتف بحدة ونظرة لا تمزح أبدًا:
"مش موضوعنا يااامــعلـم.. خلينا في الأهم أنا چيتلك بنفسي عشان نكمل حديتنا واشوفك بنفسي واعرض عليك تخلص باقي حساب أبوك ولو حابب تكمل معانا في الشغل ولا لا." عمران بصوت رجولي مخيف ونظرات نارية لا تقبل الجدال والنقاش: "وأنا سبق ورديت عليك ولو حابب تسمع مني تاني مفيش مانع، أنا مليش في الشغل الحرام واللي كان ليك فلوس عنده راح لرحمة الله لكن أنا ملكش حاجة عندي." ابتسم صابر ساخرًا وقد اشتدت حدة نظراته وأصبحت ملتهبة:
"وأنت وأبوك إيه مش واحد يامعلم، يعني فلوسه هي فلوسك وأنا ليا باقي حساب عند أبوك ومفيش غيرك اللي هيدفع." مسح عمران على وجهه متأففًا بنفاذ صبر ثم قال بغضب حقيقي: "وأنا قولتلك ملكش حاجة عندي ومش هدفع حاجة تحب اقولهالك كيف عشان تفهم." رفع صابر حاجبيه باستنكار وقد ظهر في عينيه لهيب الشر الحقيقي والوعيد وهو يرد على عمران بلهجة مريبة:
"أنا فهمت زين يامعلم عمران، بس شكلك أنت اللي لساتك مفهمتنيش وطالما مصمم إنك متدفعش يبقى أنا هفهمك بطريقتي، أنا مكنتش حابب تبقى العلاقة بينا إكده وتفتح بينا طاقة من جهنم بس أنت اللي أچبرتني." لم يكترث عمران لتهديداته وظل يتمعنه ببرود تام وعدم اهتمام حتى وجده يستدير ويرحل هو ورجاله فقال له بصوت رجولي قوي: "نورتنا يامعلم ياريت متكررهاش تاني."
التفت له صابر وابتسم بسخرية وأعين تكن له الشر والثأر ثم اشاح بنظره وأكمل طريقه. *** داخل منزل سمير. فتح الباب لها الباب أخيرًا ليدخل ويطمئن عليها ليس حبًا واهتمامًا بها ولكن ليتأكد أنها مازالت على قيد الحياة، وكان يحمل معه طعامًا وماء لها. فور دخوله وحدها ملقية على الأرض وعيناها مفتوحة تحدق في الفراغ بانطفاء وكأنها جسد بلا روح. لم يشفق عليها ولم يكترث لأمرها حتى فقال لها وهو يضع الطعام أمامها على الأرض صائحًا:
"رغم أنك متستحقيش حاجة بس عشان متچرالكش حاجة واتدبس فيكي اكترا." اعتدلت فورًا وهبتت جالسة وهي تحدثه شزرًا بنظرة كلها غل ونقم لم يراه في عينيها من قبل أبدًا، كانت نظراتها تتحدث وتتوعد له ولا يمكنه إنكار أنها قلق منها قليلًا فراح يصيح بها بقسوة: "اطفحي يلا."
وعندما استدار وولاها ظهره ليرحل وثبت هي واقفة والتقطت زجاجة المياه الفارغة الموجودة بجوارها وركضت خلفه ونزلت بها بكل قوة فوق رأسه لتتهشم وتتناثر الزجاجة على رأسه ويسقط هو بعدها على الأرض والدماء تسيل منه على الأرض.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!