داخل المقهى حيث يجلس كل من مروان و "علي" حول إحدى الطاولات الصغيرة وأمام كل واحد منهم كأس شاي صغير الحجم. بعد مرور دقيقتين تقريبًا منذ وصول مروان، رفع "علي" الكأس لفمه وارتشف رشفة من الشاي ثم أنزله ونظر لمروان يقول بخشونة: _طلبت تقابلني وتتكلم معايا وأنا سامعك أهوا. أخذ مروان نفسًا عميق قبل أن يبدأ حديثه بسؤال استفتاحي:
_خلود بلغتك وقالتلك إني كنت موكل محامي عشان تتطلق من سمير، وده كان قبل ما أعرف أنه ابن عمي. ودلوقتي طلبت أقابلك عشان أتكلم معاك في النقطة دي؟ هز "علي" رأسه بالإيجاب مجيبًا على سؤاله. فرجع مروان يأخذ نفسًا مرة أخرى ويطلقه زفيرًا متهللًا، ثم مال للأمام على "علي" واستند بساعديه على سطح الطاولة وقال بجدية:
_أنا متأكد أنك مستحيل ترجع أختك للبني آدم ده تاني، وزي ما هي عايزة تطلق منه، أنت كمان عايز تطلقها. وأنا أقدر من غير حوارات كتير ومحامين وغيره أخليه يطلقها وتاخد حقوقها منه كاملة. طالت نظرة "علي" المستفهمة لمروان ثم سأله باهتمام ملحوظ في نبرته ونظراته: _كيف؟ مروان بابتسامة جانبية خبيثة:
_تقدر تقول همسكه من إيده اللي بتوجعه. بس أنا قولت أبلغك الأول وأخد رأيك وأشوفك موافق ولا لأ أني أتدخل وأساعدكم. وليك عليا أنه في ظرف يوم مش يومين كمان يكون مستنيكم عند باب المأذون عشان يطلقها. حدق "علي" بنظرة ثاقبة للحظات، وتعابير وجهه تبدلت من الاهتمام والفضول الذي كان قبل قليل لحدة وغلظة، يتطلع لمروان بشك واستفهام حتى سأله بغضب مكتوم: _وأنت بتعمل كل ده ليه، وإيه اللي يخليك تدخل في مشاكل مع ناسك؟
رفع مروان يده ومسح على وجهه متنهدًا ثم أجاب برزانة: _اسمع يا "علي" أنا مقدر كويس أوي نظرتك ليا وعدم ثقتك، والصراحة عندك حق، أنا لو مكانك هبقى كده وأكتر. بس ربنا يشهد عليا، أختك أنا مكنش في نيتي حاجة من أول ما قابلتها غير أني أساعدها لما حسيت أنها فعلًا مظلومة وملهاش حد زي ما قالتلي. التهبت نيران "علي" وبدأ الشر يتطاير في عينيه وظهر بوضوح عندما مال على مروان وقال بنظرة نارية: _وبعدين إيه نيتك اتغيرت؟
رد مروان بكل هدوء وحكمة: _لأ لسا زي ما هي. الفرق اللي مش هخبيه عليك أن خلود معزتها زادت عندي واصراري على أني أساعدها وأخلصها من سمير زاد كمان، وخصوصًا بعد ما عرفت أنه ابن عمي. رفع "علي" يده على وجهه ومسح عليه نزولًا للحيته مطلقًا زفيرًا حارًا. رغم الغضب الذي يستحوذة إلا أنه تحكم به بمهارة وتصرف بهدوء مرعب وهو يوجه تحذيراته لمروان:
_طيب اسمعني أنت عاد يابشمهندس، لو فاكر أنك هتضحك عليا بالكلمتين دول وأنا هصدقك كيف العبيط تبقى لا مؤاخذة أنت اللي مش عارف تحبكها صُح عليا. أنا فاهمك وفاهم أختي زين وعارف اللي داير فمتضحكش عليا وتقولي نيتك صافية. عشان أنا فاهم نيتك زي قوي. بس تقدر تقول إكده هسوق العبط قصادك وأعمل نفسي مصدقك وأنك عاوز تساعدها صُح وأنا هقدر الخدمة اللي كنت عاوز تقدمها لنا على طبق من دهب وهشكرك على تفكيرك كمان. بس الحمدلله إحنا مش محتاجين لخدمات حد، رجالتنا مخلصتش يعني، ولما نحتاج نعلم على حد بنعلم عليه زين.
أنهى "علي" كلامه وهي واقفًا كدليل على إنهاء المقابلة ورغبته في الرحيل. فهب مروان هو الآخر واقفًا وقال بجدية ولهجة قوية: _علي أنا مكنش قصدي كدا أنت فهمتني غلط. أنا عارف ومتأكد أنك تقدر تطلق أختك منه. بس أنا كمان عارف ابن عمي وأنه ***** وشيطان وهيعملكم مشاكل كتير لغاية ما يطلقها. عشان كدا عرضت عليك المساعدة لأني هخليه يطلقها بكل سهولة ودون أي مشاكل. ابتسم "علي" بثقة وراح يربت على كتف مروان بامتنان متصنع وهو يجيبه:
_تسلم يابشمهندس، أنا لو احتجتك في أي حاجة هبقى أكلمك. لوى مروان فمه بحنق بينما "علي" فتوقف والتفت بعدما ابتعد بخطواته عن مروان وعاد له مجددًا يوجه له تحذيراته الثانية التي كانت مريبة:
_أنت شكلك إكده ابن ناس ومحترم يامروان وأنا مش عاوز أدخل في مشاكل معاك خصوصًا إنك قدمت معروف لأختي وحميتها. أنا اتكلمت معاك وفهمتك إني فاهم زين أنت بتفكر إزاي. أتمنى عاد تتصرف على هذا الأساس. لأنك أكيد فاهم أننا صعايدة ودمنا حامي يعني خليك بعيد عن خلود وشغل الاتصالات والمكالمات ده مينفعش. لو عاوز تقولها حاجة رقم تليفوني معاك تقدر تكلمني أنا. وبعدين أنت شكلك إكده لسه متعرفش حاجة واصل ونصيحتي ليك خليك بعيد عن الموضوع ده لأن فيه حاجات أنت متعرفهاش في القصة دي.
سمر مروان بأرضه مندهشًا بعد كلمات "علي" وتابعه بنظراته وهو يبتعد عنه ويغادر المقهى بأكمله. وبعقله لا يدور سوى سؤال واحد (ماهي الأسرار والأشياء التي لا يعرفها عن خلود وابن عمه؟
داخل سيارة بشار، كانت رحاب تنقل نظرها بين الطريق أمامها وبينه تراقب تعابير وجهه المريبة. تملكها الشك والخوف منه وتأكدت أن ظنونها حول عودتها له خاطئة وربما هو ينوي لها عقاب عسير الآن، ولكن المرعب أكثر أنها لا تعرف لأي سبب هو غاضب منها وماذا سيفعل وإلى أين سيأخذها؟ خرج صوت رحاب المضطرب وهي تسأله: _بشار أنت واخدني وين.. وليه متعصب إكده؟ التفت لها ورمقها بقسوة ثم قال:
_واخدك عند أبوكي عشان هو اللي يربيكي زين طالما عمتي معرفتك. كان دلو من الماء البارد سكبه فوق جسدها حيث انتفضت في مقعده عند ذكره والدها. راحت تصيح به بسرعة متوسلة إياه برعب: _لا أبوس إيدك يا بشار متودنيش لأبويا أنت عارفه صعب وقاسي كيف. قولي بس أنا عملت إيه وأنا هعتذر منك وأعملك كل اللي أنت عاوزه، بس بالله عليك ما توصل أي حاجة لأبويا وتعمل مشاكل. صرخ بها بصوت جهوري نفضها في مقعدها:
_والمشاكل اللي عملتيها ليا ده أنتي هتحليها كمان!!! أدركت أنه يتحدث عن خطيبته، وأن علاقتهم فسدت بسبب ما قالته لها وربما تكون قد تركته أيضًا بما أنه غاضب لهذه الدرجة. تلألأت الدموع في عينيها خوفًا من أبيها الذي سيأخذها إليه ويخبره بكل شيء وراحت تمسك بذراع بشار وهو يقود وتتوسله ببكاء حتى لو كان صعب عليها أن تتوسله بهذه الطريقة لكنها فعلت لكي تنقذ نفسها من بطش والدها: _بشار متخدنيش لأبويا وغلاوة مريم عندك!
ارتدت للأمام على أثر توقف السيارة فجأة بعد جملتها ونظر لها بعصبية صائحًا: _متجيبش سيرة مريم على لسانك. انهارت باكية وهي تهز رأسها بالموافقة خوفًا منه. بينما هو فراقب انهيارها وبكائها وللحظة أشفق عليها وشعر بحجم الخطأ الذي كان سيرتكبه إذا أخذها لوالدها منعدم الرحمة. رفع يده ومسح على وجهه متأففًا بغيظ ثم نظر لها باشمئزاز وقال لها:
_مع كل تصرف بتعمليه بتنزلي من نظري أكتر وأكتر يارحاب، وبتثبتيلي قد إيه أنا كنت مغفل وغبي أني حبيتك، وبحمد ربنا أنه كشفلي حقيقتك قبل ما اتخدع فيكي أكتر وأتجوزك وأتخلي عن مريم. رفعت نظرها لها وقالت بعينان دامعة: _أنا بحبك يابشار والله. غلت دماؤه في عروقه وانفجر بها صارخًا:
_بزيادة كذب عاد.. ملعون أبو الحب اللي بتحبهولي، بتحبيني وتستغفليني وترجعي تكلمي خطيبك الو**** ده، بتحبيني وبتاخديني كوبري عشان تعملي روحك مظلومة من خطيبك وأني أنا اللي دايب في حبك وعاوزك. أنا لغاية دلوقت مش عارف دماغي كانت فين لما كنت مهووس بيكي. أجهشت في البكاء بصوت مرتفع وراحت تدافع عن نفسها وتكذب من جديد: _لأ أنا مرجعتش أكلمه عشان عاوزاه أنا كنت عاوزة أخليك تغير عليا وترجعلي.
ضحك بشار بصمت في استهزاء مما قالته، ما زالت تظنه أحمق وسيصدق تلك الترهات. نظر لها وقال بخزي وقرف: _أنتي عاوزة إيه مني مكفكيش اللي عملتيه فيا والعذاب اللي عذبتيهولي طول السنين اللي فاتت وأنتي كنتي عارفة أني بحبك ومكملة مع خطيبك الو*** ده عشان فلوسه بس. ودلوقتي شوفتي السعادة كتيرة عليا وخربتي بيني وبين مريم بعد ما حبيتها هي كمان. وكأن عقرب لدغتها حيث انتفضت وراحت تصيح به بالرفض التام لهذه الحقيقة:
_لأ أنت مش بتحبها، أنت بتحبني أنا. قاطعها بنظرة مميتة وقال وهو يهددها دون رحمة أو شفقة:
_بحبها يارحاب وهتجوزها، وأنتي قدرتي تخليني أكرهك بسبب عمايلك. وأقسم بالله لو حاولت بس تقربي من مريم وتخربي بينا تاني ساعتها مش هيهمني حاجة وهقول للكل على عمايلك مش أبوكي بس. حطي عقلك في راسك تعرفي خلاصك. بلاش تخليني أوريكي وشي العفش ولساني الزفر. لو عندك شوية من الحياء وشوية كرامة هتخافي على روحك مني وهتبعدي عني وعن خطيبتي أو قولي مرتي المستقبلية.
كانت تتطلع إليه فاغرة عيناها وشفتيها بصدمة من تهديداته القاسية والصريحة لها، ولم تلبث لتفق من صدمة كلماته حتى بلغتها بعبارة أخرى وهو يقول بعدم مبالاة دون أن ينظر لوجهها: _يلا انزلي من العربية. رحاب بذهول وعدم استيعاب لما قاله: _انزل من العربية!! .. انزل أروح وين؟! التفت لها ورمقها بحدة يقول بنقم حقيقي في نظراته لها: _ترجعي البيت، ولا أنتي فاكرة أني كمان هرجعك البيت بعد كل ده. انتي احمدي ربك أني مخدتكيش لأبوكي.
كان ذلك التصرف إهانة حقيقية منه لها، وألمها بشدة حيث نظرت له بانكسار وقالت في أسى واستسلام بعدما قررت التخلي عنه والحفاظ على ما تبقى من كرامتها:
_ماشي يابشار هنزل. هقولك حاجة واحدة قبل ما أمشي بس. أنا صحيح غلطانة في حاجات كتير بس كنت بحبك وحبي ليك خلاني أعمل كل ده. عمومًا أنا هحافظ على اللي باقيلي وهبعد عنك وعن خطيبتك مش هجبرك تتجوزني ولا تحبني. كل حاجة انتهت من اللحظة دي ومن هنا ورايح أنت ابن خالي وبس. وحقك عليا سامحني لو كنت السبب أنك تخسر مريم.
أنهت حديثها ثم فتحت باب السيارة ونزلت وراحت تقف على جانب الطريق في انتظار سيارة أجرة لكي تأخذها للمنزل. أما هو فرد بغيظ ووعيد نابع من تمسكه وحبه: _مخسرتهاش ولا عمري هخسرها، مش انتي اللي تخليني أخسرها يارحاب. داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة خلود....
سمعت خلود صوت طرق الباب فسمحت للطارق فورًا بالدخول ظنًا منها أنها أمها أو أخيها لأن لا أحد يدخل عليها غرفتها سواهم. لكن انفتح الباب ببطء وظهر من خلفه جسد جميل وناعم بملابس غريبة ومتحررة لا ترتديها النساء هنا أبدًا، وعلى وجهها ابتسامة رقيقة مثلها وهي تنظر لخلود وتسأله بأدب: _ممكن أدخل؟
نظرت لها خلود بتعجب فهي تقريبًا لم ترى تلك الفتاة سوى مرة واحدة عندما وصلت المنزل مع أخيها ولم تسأل حتى من هي ولم تهتم لأمرها. لكن اتضح الآن لها أنها تعيش معهم بالمنزل فسألتها: _أنتي مين؟!! غزل مبتسمة بعذوبة ومرح: _طيب ممكن أدخل الأول وبعدين أفهمك أنا مين! هزت خلود رأسها بالموافقة رغم نظراتها الحائرة لغزل وتفحصها لملابسها وهيئتها التي لا تشبههم أبدًا. أما غزل فاقتربت منها وجلست بجوارها على الفراش ثم بدأت حديثها
بالسؤال عن حالها في لطف: _عاملة إيه؟ أجابت خلود وهي ما زالت تتفحص جسد غزل وملابسها: _كويسة الحمدلله. تنهدت غزل مبتسمة وهي تكبت ضحكتها على نظرات خلود وقالت لها مازحة: _نظراتك دي أجمل وأرحم بكتير من النظرات اللي كانت على وش أخوكي وجدو وجلال لما شافوني أول مرة. رددت خلود خلفها باستغراب وعدم فهم: _جدو!!! بسطت غزل كفها أمام خلود في دعوة للمصافحة والترحيب وهي تقول لها بحماس:
_أنا غزل بنت عمتك ورد. انتي هتعرفيني وتفتكري ماما ولا لا I don't know، بس عمومًا أنا كنت عايشة مع بابا في أمريكا وجيت هنا مصر من فترة وقاعدة في البيت. رفعت خلود حاجبها مندهشة بعدما اكتشفت أن تلك الفتاة ابنة عمتها. ثم نظرت ليدها وراحت هي أيضًا تمد يدها وتصافحها بسؤال لم يكن في محله: _وانتي مش هترجعي تاني يعني خلاص؟! غضنت غزل حاجبيها بتعجب من سؤالها لكنها ضحكت وتصرفت بلطف مازحة:
_إيه هو أنتي زهقتي مني من قبل ما تتعرفي عليا ومش عايزاني أقعد معاكم يا خلود؟ ابتسمت لها خلود بنقاء وقالت بدفء: _انتي عارفة اسمي كمان!! .. لأ أنا مش قصدي يعني بس استغربت إنك جيتي فجأة، يعني إيه اللي يخليكي تسيبي أمريكا وتيجي هنا مصر وفي الصعيد كمان! زمخت غزل شفتيها بعبوس وقالت في ضيق:
_تقدري تقولي الظروف أجبرتني. أنا ماما طبعًا متوفية من وأنا صغيرة وبابا دلوقتي قرر يتجوز وأنا متقبلتش الفكرة ورفضت أني أعيش معاه هو ومراته وقررت أني أجي أعيش مع جدو هنا واتفقت معاه أني هسافر أمريكا زيارات أشوفه. هزت خلود رأسها بتفهم وهي تبتسم لغزل التي قالت لها بنظرة كلها دفء: _تعرفي أنا فرحت أوي لما شوفت "علي" جايبك معاه، محدش كان متوقع أن "علي" يعمل حاجة زي كدا وياخد الخطوة دي.
رمقتها خلود باستغراب وقلق من كلماتها التي تدل على أنها تعرف قصتها. تفهمت غزل نظراتها وقالت لها مبتسمة تشرح لها الأمر: _أنا عارفة كل حاجة يعني آسيا حكتلي عنك، وحتى أني مكنتش موافقة ولا عاجبني أبدًا اللي عملوه معاكي. انتي حتى لو غلطتي مينفعش يسبوكي مع إنسان مريض زي ده وخصوصًا إنك ندمتي على غلطك. بس الحمدلله أن ربنا خلصك منه وأخوكي معاكي دلوقتي وقريب تتطلقي منه إن شاء الله كمان.
رددت خلود "يارب" من صميم قلبها ثم نظرت لغزل ورفعت حاجبها وقالت لها مبتسمة: _سيبك مني أنا مبحبش أتكلم في الموضوع ده كتير كيف ما قولتي من كتر ندمي على غلطي وذنبي مبحبش حتى أفتكره. احكيلي أنتِ عاد جدو والرجالة اللي في البيت كيف سايبنك باللبس ده. ضحكت غزل وقالت مازحة:
_كنت منتظرة السؤال ده منك على فكرة.. بصي هما مش عاجبهم بس محدش قادر يتدخل أو هو مفيش غير "علي" بس اللي بيتدخل ومش عاجبه وجدو رغم أنه مش عاجبه بس قرر يسيبني على راحتي. لكن أعتقد هو سايبني كدا مؤقتًا الآن. بادلته خلود الضحك وهتفت: _دي معجزة أنه سايبنك كده أصلًا، لكن هو "علي" بيتدخل ليه وإيه ليه عشان ميعجبهوش لبسك!
لوت غزل فمها باستحياء بسيط من أن تخبرها بنية شقيقها وقبل أن تجيب قطع حديثها صوت طرق الباب الذي لحقه فتحه وظهور "علي" من خلفه. توقف متسمرًا بتعجب بعدما رأى غزل مع أخته وسألها بجدية: _أنتي بتعملي إيه هنا؟! غزل ببساطة شديدة وثقة: _زي ما أنت شايف قاعدة مع خلود بتعرف عليها وبنتكلم. تقدم نحوهم بخطواته ونظراته المغتاظة من غزل لعدم موافقتها على طلبه للزواج منها حتى الآن وقال وهو يجز على أسنانه:
_آه وانتي ما شاء الله اجتماعية مع الخلق كلها ولطيفة معاهم. رسمت ابتسامة صفراء على وجهها وردت عليه ببرود: _Sure عندك شك في كدا. تمالك أعصابه بصعوبة وقال وهو يطلق زفيرًا حارًا: _طيب اطلعي يا غزل استنيني برا وأنا هوريكي عندي شك ولا لأ.
التفتت غزل لخلود التي كانت تتابع الحديث الدائر بينهم بعدم فهم وحيرة. فابتسمت لها وودعتها بنظراتها ثم استقامت واقفة وتحركت باتجاه الباب لتغادر. لكن أثناء مرورها من جانبه توقفت وهمست له بصوت لم يسمعه سواهم في دلع متعمد لإثارة جنونه: _استمر في معاملتك ليا بهذا الشكل عشان أنا أفضل مصممة على رفضي. يرفع يده ومسح على وجهه متأففًا بغيظ وهو يرد بصوت منخفض ومحتقن: _يارب الصبر من عندك.
ضحكت غزل بتلذذ وخبث ثم ابتعدت عنه ورحلت لتتركه مع خلود التي كانت تراقبهم بشك واستغراب. لكنها قررت التريث وستعرف ما الذي يدور بينهم فيما بعد، وراحت تسأل أخيها بلهفة حاولت عدم إظهارها: _قابلت مروان يا "علي"؟ علي بنظرة صارمة وهو يوجه تحذيراته لها:
_آه قابلته وقولتله مش محتاجين المساعدة الحمدلله. ونبهت عليه زي ما هنبه عليكي دلوقت يا خلود. من هنا ورايح مفيش المكالمات والاتصالات اللي بينكم دي. هو لو عاوز حاجة يتصل بيا أنا. متفكرنيش مش فاهم ولا مغفل أنا فاهمك كويس وفاهمه. اعتبره أول وآخر تحذير لأن المرة الجاية مش هيكون كلام كيف ما بتكلم معاكي كده. لأ هيبقى فعل ومش هيعجبك. بزيادة اللي عملتيه قبل سابق مش هنرجع نعيد الكرة من أول وجديد.
هزت خلود رأسها بالموافقة امتثالًا لأوامره رغم عينيها الممتلئة بالدموع لعدم ثقته بها وخوفه من أن ترتكب نفس الخطأ مجددًا وتنجرف وراء مشاعرها تجاه مروان، وتحذيره لها بأن هذه المرة سيكون العقاب حياتها. داخل منزل عمران الصاوي......
وصلت آسيا إلى الباب لتفتح وعلى وجهها ابتسامة مشرقة تستقبل بها زوجها بعد عودته من العمل. جذبت الباب نحوها وهي ما زالت محتفظة ببسمتها التي سرعان ما تلاشت فورًا عندما رأت "سمير" أمامها. تسارعت نبضات قلبها خوفًا من ذلك المعتوه أن يحاول أذيتها هي وابنها لكنها لم تشعره بذلك ووقفت بكل ثبات وهتفت بغضب: _انت بتعمل إيه هنا وكيف عرفت بيتي! سمير مبتسمًا ببرود مستفز: _مش هيغلب عليا أعرف بيت المعلم عمران بقدره يعني يا آسيا.
قاطعته شزرًا وقالت له بغيظ محذرة إياه: _طب كويس أنك عارف أنه بيت عمران، اتكل على الله من هنا لو باقي على روحك. رد ببرود أكثر وهو ما زال محتفظًا ببسمته: _هأكل على الله متقلقيش. أنتي سبق وحرضتي مرتي على الهرب وهربت وأنا سكت. ودلوقتي روحتي وقولتي لأخوها عشان يطلقها مني، مع إني حذرتك ونبهت عليكي ملكيش صالح بخلود وابعدي عنها يا آسيا. ابتسمت آسيا بتشفي وفرحة إن "علي" أخذ خطوة ووقف بصف شقيقته وقالت لسمير بعدم اكتراث:
_طب كويس أن واد عمي نقذ أخته من يدك. اختفت بسمة سمير وقال لها بغل وحقد مرعب: _هو مش انتي اللي كنتي السبب في جوازنا برضه؟ عاوزة تخلصيها مني ليه دلوقتي؟ فكرك أني هطلقها وأسيبها عشان تروح لمروان؟ خلود بتاعتي وملكي أنا بس. آسيا بثقة وغضب: _هطلقها غصب عنك.. وامشي يلا من هنا. سمير بنظرة شيطانية كلها وعيد وتوضح نواياه السيئة قال وهو يتقدم إليها ينوي دخول المنزل:
_امشي ده إيه.. مش قبل ما ترجعيلي مرتي كيف ما كنتي السبب أنهم ياخدوها مني. ارتعدت آسيا خوفًا منه عندما وجدته يتقدم نحوها وفجأة سمعت صوت صراخ ابنها، فارتجفت أكثر عندما رأت نظراته التي اخترقت للداخل من حيث يأتي صوت سليم وهو يبتسم بخبث. راحت بسرعة تغلق الباب في وجهه تصرخ به: _امشي من هنا يا سمير وإلا والله العظيم أتصل بعمران وهيخلص عليك. وضع قدمه بين الباب ليمنع غلقه وقال مبتسمًا بلؤم وشر:
_انتي خايفة كده ليه ده أنا هدخل بس أشوف الواد اللي بيبكي ده. أدركت أنه يحاول اقتحام المنزل عليها، ورغم خوفها لكنها أظهرت قوتها وجبروتها عندما التقطت عصاة صغيرة كانت بجوار الباب وغرزتها في قدمه التي كان يحاول بها إغلاق الباب فاطلق هو صرخة متألمة وسحب قدمه فورًا كرد فعل على الألم، فأغلقت هي الباب بسرعة بالمفتاح لتسمعه يقول لها من الخارج متوعدًا:
_ماشي يا آسيا ورحمة أمي ما هسيبك إلا لما ترجعلي خلود كيف ما خلتيهم ياخدوها مني.
كانت تقف خلف الباب بالداخل وممسكة بالمفتاح وهي تتنفس بسرعة وارتعاش وصوت بكاء صغيرها لا يتوقف، أما سمير فقد نزل الدرج ثائرًا ليصطدم بعمران أمامه الذي نظر لها باستغراب على تعجله وغضبه الشديد. أما سمير فرمق عمران مبتسمًا بخبث ثم ابتعد من أمامه وغادر، ليلتفت عمران خلفه يراقب سمير وهو ينزل الدرج بنظرات ثاقبة ومتعجبة من ابتسامته المريبة له، لكنه لم يهتم كثيرًا له وظنه مجنون أو معتوه وأكمل طريقه لمنزله. وقف أمام باب الشقة وطرق عدة طرقات فيأتيه صوت زوجته المرتعد
من الداخل وهي تصيح: _أقسم بالله لو ممشيت من هنا لاتصل بالبوليس. غضن عمران حاجبيه بتعجب وقلق من ردها فهتف بسرعة بصوته الغليظ: _افتحي يا آسيا أنا عمران! وكأن الله أرسله لها بالوقت المناسب، ردت روحها إليها وفتحت الباب بتلهف وهي تهمس باحتياج: _عمران. ثم ارتمت عليه تعانقه بقوة وتتشبث بجلبابه الصعيدي. كانت تحتاج لملاذها الآمن وها هي بين يديه الآن تلقي عن صدرها شعور الخوف والقلق الذي كان يستحوذها للتو. أما هو
فهتف باهتمام ووحدة يسألها: _هو مين ده اللي كان هنا وهتتصلي بالبوليس يجيه؟ ابتعدت عنه وهي تتفادى النظر لوجهه باضطراب وخوف من أن تخبره بالحقيقة فتواجه جموحه وسخطه المرعب، وقررت أن تكذب عليه وتقنعه برد يخالف الحقيقة: _أصل كان فيه واحد غريب كده شغال يرن الجرس وأنا خوفت منه وقولتله هتصل بالبوليس عشان يمشي افتكرتك هو لما رنيت. عمران بنظرة مرعبة وغاضبة: _مين ده أصلًا وبيرن على الباب ليه ويعرفك منين؟ آسيا بارتباك ملحوظ
وانزعاج من أسلوبه الفظ: _هو إيه اللي يعرفني منين يا عمران، وأنا إيه عرفني أنا معرفهوش أصلًا اهو تلاقيه واحد سافل ومش محترم بيرن على الأبواب وخلاص. عمران بصوت غليظ يقذف الرعب في البدن: _أنا شوفت واحد أنا وطالع وكان بيبصلي ويضحك يعني باين عليه قوي أنه يعرفني. تلعثمت وردت مبتسمة برقة محاولة تغيير الموضوع:
_آه تلاقيه هو. بس صدقني ده شكله واحد مجنون أصلًا أنت هتاخد على واحد مجنون. المهم تعالي يلا ادخل وغير هدومك لغاية ما أحضرلك الغداء. قاطعها عمران بنظرة جعلت قلبها يرتجف خوفًا منه، ثم سمعت صوته الرجولي المميت الذي لا ينم عن خير أبدًا: _قصادك عشر دقايق أكون أنا دخلت وغيرت هدومي، لو ملقتكيش عندي في الأوضة وبتقوليلي مين ده وكان بيعمل إيه هنا. ساعتها متلومنيش على اللي هعمله معاكي فاهمة ولا لأ.. فــاهــــمــة؟
انتفضت فزعًا على أثر صرخته الأخيرة بها وهزت رأسها له بالموافقة فورًا دون أي جدال أو كلمة أخرى، بينما هو فاندفع للداخل إلى غرفته وهو مشتعل من الغيظ والغضب. بمدينة مرسى مطروح تحديدًا على شاطيء البحر......
كانت فريال جالسة على أحد مقاعد الاسترخاء الطويلة أمام البحر على الشاطئ، وتراقب زوجها وأولادها وهم في المياه. كان معاذ يسبح بمفرده وعمار مع والده الذي يعلمه السباحة. كانت تراقب تفاعلات عمار المضحكة مع والده وخوفه من المياه وتشبثه بأبيه خوفًا من الغرق. كانت تسمع توسلاته الكوميدية لأبيه لكي ينهي هذا التدريب ويتركه يلعب في المياه على الشط دون أن يسبح كأخيه الكبير، لكن جلال كان مُصر أن يعلمه السباحة. وبين كل دقيقة والأخرى يرفع نظره إلى فريال يطمئن عليها فيجدها تضحك على ابنها. بتلك الأثناء خرج معاذ من المياه ليستريح قليلًا وجلس بجوار أمه بعدما التقط المنشفة ولفها حول صدره وراح يتابع أخيه الصغير وأبيه بجوار أمه ويضحك عاليًا على أخيه.
التقطت عين فريال بالصدفة البحتة نظرات ثلاث فتيات يتهامسون ويضحكون مع بعضهم وهم ينظرون لزوجها. كانت عيونهم تلمع بالإعجاب وهم يحدقون ويتأملون جلال بكل وقاحة وجرأة، فرفعت عينيها عن تلك الفتاة وراحت تنظر لزوجها محاولة فهم ما الذي جذبهم إليه، ربما لأنه زوجها ومعتادة عليه لا تركز كثيرًا في كل شيء لكن عندما تفحصته بتدقيق أنه يرتدي سروال قصير من اللون الأسود وعاري الصدر مما أبرز فتولة عضلاته وجسده الرياضي، رغم أنه لا يمارس الرياضة لكن جسده قوي ورياضي بشكل مثير. كل هذا كان مع بشرته البرونزية واشعة الشمس التي تضرب عليه تجعله أكثر إثارة.
اشتعلت نيران الغيرة في صدر فريال وعادت تنظر للفتيات بنارية وهم ما زالوا لا يزيحون أنظارهم عن زوجها ويتهامسون ويتغزلون به، فمالت فريال على معاذ وقالت له بحدة: _روح انده أبوك وقوله أمي بتقولك كفاية هي تعبت وعاوزة تطلع الأوضة. زم معاذ شفتيه بعبوس وقال بحزن متوسلًا أمه: _ليه ياما خلينا كمان شوية عشان خاطري. فريال بعصبية ونظرة صارمة: _معاذ اسمع الكلام، قوم يلا انده أبوك.
تأفف الصغير بيأس ثم هب واقفًا واتجه نحو أبيه ممتثلًا لأوامر أمه، وعندما وصل له داخل المياه وانحنى على أذنه وهمس له بما قالته له فريال، رفع جلال نظره وحدق بها بقلق ثم خرج من الماء فورًا هو والأولاد. في تلك اللحظة كانت فريال عيناها ثابتة على الفتيات تراقبهم وهم يتابعون زوجها في خطواته إليها. كانت على وشك أن تهب واقفة وتنقض عليهم وتلقنهم درسًا لن ينسوه بعدما طفح كيلها لكن وصول جلال إليها وجلوسه بجوارها وهو يحتضن كفيها وينظر
في عينيها باهتمام وحنو: _مالك يافريالي أنتي كويسة؟ ردت فريال بنبرة متقضبة: _كويسة بس زهقت وتعبت من القعدة عاوزة أطلع أريح في الأوضة، يلا بينا. ضيق عينيه باستغراب من تعابيرها المنزعجة ولن يلبث ليسألها ماذا حدث ولماذا غاضبة حتى وجدتها تلتقط المنشفة وتلفها حول صدره بإحكام كأنها تخفيه عن الأنظار وتقول مغتاظة بغضب: _حط ده على كتفك كده، أنت منزلتش الماية بالتيشرت بتاعك ليه؟! جلال متعجبًا تصرفاتها المريبة وانفعالها عليه:
_مالك يافريال متعصبة كده ليه؟!! فريال بمضض محاولة التصرف بطبيعية: _مليش، بغطيك أحسن تستهوي وتتعب. لوى فمه بنفاذ صبر وحنق من أسلوبها لكنه لم يغضب عليها وتمالك أعصابه ثم استقام واقفًا وقال بخشونة: _طيب قومي يلا عشان نطلع أوضتنا طالما عاوزة تطلعي.
استقامت واقفة فورًا دون أي اعتراض، لتجده يسبقها هو والأولاد إلى الفندق وهي لحقت بهم بعدما التفتت برأسها والقت نظرة ملتهبة ومخيفة على الفتيات فزاحوا نظراتهم عنها وعن جلال فور إدراكهم أنها انتبهت لهم.
داخل إحدى متاجر فساتين الزفاف كانت تقف حور بجوار شقيقتها والتي تساعدها في اختيار فستان زفاف الذي لم يتبقى عليه سوى أيامًا معدودة. بعد وقت طويل من البحث والتفكير والتردد وهي ما زالت لا تجد ما تريده أو شيئًا يناسب ذوقها، توقفت هي وشقيقتها خارج المتجر بعدما خرجت منه وتأففت بعُبوس شديد وقالت منفعلة: _وبعدين بقى أنا زهقت ومش لاقية حاجة عجبتني والفرح خلاص بعد كام يوم أعمل إيه؟ ردت عليها شقيقتها برفق وحب متمتمة
في نبرة مفعمة بالأمل: _هتعملي إيه يعني ياحور هنكمل لف إحنا لسه في أتيليات كتير مروحناهاش وإن شاء الله هنلاقي فستان يعجبك. زَمَت حور شفتيها بيأس وأخذت تفكر في متجر جيد يمكنها أن تجد فيه الفستان الذي تريده، لكن قطع حبل أفكارها صوت رنين هاتفها وعندما نظرت لهاتفها رأت اسم زوجها ولم تتردد في الإجابة وأن تشكو له بحزن أنها لا تستطيع شراء فستان زفافهم. ابتعدت عنها شقيقتها بضع خطوات لكي تتمكن من التحدث مع زوجها براحة وراحت
حور تهتف لبلال بحزن شديد: _بلال كويس أنك اتصلت. ضيق عينيه باستغراب وسألها بقلق: _ليه في حاجة حصلت معاكي ولا إيه؟ أجابته في صوت شبه باكي من فرط الحزن: _أيوه من الصبح بلف أنا وأختي عشان فستان الفرح ومش لاقية حاجة عجبتني قربت أخلص كل الأتيليات اللي أعرفها. ضحك بلال بدفء واجابها في غرام:
_وانتي هو ده اللي مزعلك كده، جيتي في جمل يعني ولا تزعلي روحك ياحوريتي، أنا أعرف واحد صاحبي معاه أتيلييه وتقريبًا عنده شغل حلو قوي، أجلك وأوديكي ليه وتنقي براحتك هناك. تلت أسرارها واتسعت بسمتها وهي تجيبه بفرحة: _بجد يابلال! لكن سرعان ما تراجعت وتبدلت ملامحها للحزم وهي تقول: _لأ بس أنت مينفعش تشوف الفستان غير يوم الفرح. قهقه عاليًا ورد عليها ببساطة: _ياستي هستناكي برا لغاية ما تخلصي. تنهدت الصعداء وعادت بسمتها
لوجهها من جديد وهتفت: _آه إذا كان كده ماشي يلا بقى تعالي مستنياك أنا عند (......... _تمام جايلك مسافة السكة وأكون عندك. أنهت الاتصال معه ونظرت لشقيقتها وهي في غاية السعادة وراحت تسرد لها حديثه معه وأنه سيأتي ليأخذهم لأحد المتاجر التي تحتوي على فساتين جميلة.
وقفوا بانتظاره لدقائق طويلة حتى أخيرًا وصل لهم، فاستقلت حور بالمقعد المجاور له وشقيقتها بالمقعد الخلفي ثم انطلق بهم إلى المتجر، وظل ينتظرهم بالخارج داخل السيارة وهم بالداخل يختارون.
مر ما يقارب من نصف ساعة وهو بانتظارهم حتى كاد يفقد صبره من طول الانتظار وينزعج، فأخرج هاتفه ينوي الاتصال بزوجته لكنه توقف عندما رآها تخرج من المتجر مع شقيقتها وهي تحمل بيدها كيس بني كبير وداخله فستان الزفاف حتى أن شقيقتها كانت تساعدها في حمله، وعلى ثغرها ابتسامة عريضة تكاد تشق طريقها إلى أذنها من فرط سعادتها، ففتح هو باب السيارة وخرج وهو يبتسم بحب على سعادتها ثم التف حول السيارة وفتح حقيبتها من الخلف لكي يضع فيه الفستان ونظر لها بغرام وهو يضحك وقال غامزًا
لها: _مبروووك ياعروسة. ردت حور بفرحة وابتسامة استحياء بسيط: _الله يبارك فيك مش مصدقة أني لقيت أخيرًا حاجة عجبتني. ردد بلال بصوت رخيم "الحمدلله" بينما شقيقة حور فانحنت على أذنها وهمست لها بجدية: _حور أنا هروح بقى لصحبتي زي ما قولتلك طالما خلصنا بدري. نظرت لها وهزت رأسها بالموافقة وقالت في صرامة: _ماشي بس متتأخريش. _حاضر مش هتأخر يلا سلام.
ودعت شقيقتها وكذلك لوحت لبلال قبل أن تغادر وتتركهم. فور رحيل أختها ودخولها السيارة بجوار زوجها وجدتها ينحني عليها ويغمز لها مبتسمًا بعاطفة: _إيه رأيك أعزمك النهاردة على الغدا يا ست البنات. ابتسمت حور بخجل يمتزج بغرور مزيف وهي تدلل عليه بطريقة مرحة: _اوكي مفيش مشكلة. راقب تعابيرها وردها وهو يضحك بصمت ثم مد يده والتقط كفها وانحنى عليه يلثم باطنه بحب هامسًا لها في لهفة وشوق:
_امتى عاد يتقفل علينا باب واحد ياحوريتي خلاص معدتش مستحمل، أنا خايف تحصل حاجة تاني قبل الفرح ويتأجل تاني بس صدقيني المرة دي هاخدك من يدك على بيتنا طول. حور بخوف وحزن: _لأ متقولش كده يابلال أنا زهقت أكتر منك والله ونفسي نعمل الفرح بقى وإن شاء الله مش هيحصل حاجة وهنتجوز على خير. عاد يلثم كفها مجددًا هامسًا: _يارب ياحبيبتي يارب. داخل منزل عمران الصاوي........
دخلت آسيا الغرفة ورأت عمران يجلس على مقعد خشبي مبطن من اللون الأسود وينظر لها بطريقة مرعبة، فتزادت ريقها باضطراب وتقدمت نحوه في خطوات بطيئة ثم جلست على المقعد المجاور له وراحت تنظر إليه في صمت وارتباك من هيئته المخيفة حتى وجدته يرفع يده ويشير لها بأصبعه أن تبدأ في الحديث وتخبره بكل شيء. تنهدت الصعداء بقلق من ردة فعله ثم بدأت في سرد حديثها مع سمير وماذا حدث معها، وعندما انتهت رأت تعبيراته أصبحت مميتة وأظلمت عينيه وفجأة صرخ بها منفعلًا:
_هو أنا مش سبق ونبهت عليكي ملكيش صالح بخلود وجوزها الـ**** ده تاني يا آسيا وحصلت مشاكل كبيرة بينا. انتفضت فزعًا من صراخه وقالت له مسرعة بخوف مدافعة عن نفسها: _والله أنا ما كسرت كلمتك ونفذت كلامك بالحرف وبعدت عنهم. بس أنا معرفش هو عرف البيت كيف ومين اللي فهمه أني أنا اللي خليت "علي" ياخد خلود منه، ده أنا حتى معرفش أن ده كله حصل غير منه دلوقتي. رمقها عمران بعينيه الملتهبة وقال في صوت رجولي يشيب الرأس:
_ده على أساس أنك مروحتيش لـ "علي" وطلبتي منه يروح ينقذ أخته. ابتلعت ريقها بصعوبة وردت متلعثمة بارتباك: _طلبت منه بس ده كان من بدري والله قبل ما أنت تنبه عليا وأنا أبعد عنهم خالص، ووقتها "علي" مسمعش مني الكلام ولا وافق حتى. رفع عمران يده لوجهه وراح يمسح على شعره ولحيته وهو يطلق زفيرًا ملتهبًا من فرط الغيظ والعصبية. فاقتربت منه آسيا بندم وحزن وراحت تمسح على ذراعه برقة تعتذر منه:
_حقك عليا ياعمران متزعلش مني عشان خاطري، أنا آسفة. أبعد يده عن وجهه وحدقها بنظرة جعلتها تتقهقر للخلف خطوة خوفًا منه، ثم سمعته يهتف بصوت محتقن محاولًا التحكم بانفعالاته: _لولا أني شكيت وشوفته وأنا طالع واستخدمت أسلوبي معاكي كنتي هتكذبي عليا وتخبي والله أعلم خبيتي إيه عني قبل كده كمان ومخبية إيه دلوقتي وأنا مش داري. هزت رأسها بالنفي عدة مرات في أسى شديد من انزعاجه وامتعاضه منها وراحت تحتضن كفه وتنظر له برجاء متأسفة:
_لأ وغلاوتك مش مدارية أي حاجة عنك، أنا بس كذبت عليك عشان الصراحة خوفت منك وفي نفس الوقت خوفت عليك مش عاوزاك تدخل في مشاكل. أجابها عمران بعين تنضج بوميض الشر والغضب: _واحد وقف قصاد بيتي وبيهدد مرتي وحاول يتهجم عليها وأنا مش قاعد، وأنتي تقوليلي مش عاوزاك تدخل في مشاكل! هتفت بقلق محاولة إقناعه بعدم الاصطدام مع ذلك المعتوه: _ده كلب ولا يسوى يا عمران هتدخل روحك في مشاكل معاه على الفاضي. مال ثغره ببسمة شيطانية وقال في
نظرة جعلتها تخشاه للحظة: _الكلب اللي يتجرأ النهاردة عليكي ويرفع صوته وينبح بكرا تطلعله سنان ويعض، والحل مع الكلب ده أن يتقطع حسه واصل عشان بعد كده ميفكرش يتجرأ عليكي تاني. طالعته آسيا بدهشة بسيطة وقلق من جموحه الذي سيقوده لطرق خطرة، بينما هو فاستقام واقفًا وهم بالانصراف لولا أنها أوقفته بصوتها المرتعد: _رايح وين؟ رد بصوت مهيب ونظرة متوعدة لا تنم عن خير أبدًا: _رايح أرد الزيارة.
ثم استدار وأكمل طريقه وصاح عليها بحدة وهو ما زال مستمرًا في سيره لباب المنزل: _اقفلي الباب زين بالمفتاح واياكي تفتحي لحد لغاية ما أرجع. وقفت على بعد مسافة قصيرة من الباب بعد رحيله وهي تتأفف بضيق وخوف شديد عليه امتزج بندمها أنها السبب في كل المصائب التي تسقط فوق رأسه. في المساء بتمام الساعة السابعة....... خرجت مريم من غرفتها واتجهت إلى المطبخ حيث تقف والدتها وتقوم بتحضير الطعام ثم سألتها باهتمام: _بابا فين ياما؟
أجابتها أمها بإيجاز دون أن تنظر لها بسبب انشغالها: _معرفش يابنتي تلاقيه في البلكونة زي ما متعود.
هزت رأسها موافقة واتجهت إلى أبيها في الشرفة لتتحدث معه عن وضعها مع بشار وتخبره بأنها تريد فسخ الخطوبة والانفصال عنه، لكن توقفت في منتصف الطريق عندما سمعت صوت رنين الجرس وعادت إلى باب المنزل لتفتح للطارق الذي كان بشار يقف أمامها ويحمل بين يديه علبة متوسطة ممتلئة بالحلويات. لم تلبث لتستوعب الموقف حتى سمعت صوت والدها من الداخل وهو يهتف مرحبًا به: _أهلًا وسهلًا يابني اتفضل، موقفة خطيبك كده على الباب ليه يابنتي!!
التفتت مريم إلى والدها تنظر له بصدمة حتى سمعت صوت بشار وهو يجيب على أبيها بعد دخوله معتذرًا: _معلش ياعمي اتأخرت على معادنا. داخل منزل خليل صفوان تحديدًا بغرفة غزل التي استقامت واقفة من فراشها بعدما سمعت صوت طرق الباب واتجهت لتفتح، وجدت "علي" أمامها ينظر لها بطريقة مريبة ويبتسم فسألته هي بارتباك بسيط: _في إيه يا "علي"؟
لم يكترث لسؤالها ثم تلفت يمينًا ويسارًا يتأكد من عدم وجود أحد بالطرقة ثم فجأة وجدته يبعدها عن الطريق ويدخل الغرفة ثم يغلق الباب عليهم، فاتسعت عيناها بصدمة وفغرت شفتيها ثم صاحت به بحدة: _أنت بتعمل إيه اااا.... بتر بقية عباراتها وكتم على فمها بكفه ثم رفع سبابة يده الأخرى وأشار بها على فمه هامسًا بنظرة محذرة وغاضبة: _ششششششش..........
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!