هل تتركني؟ أن يفعل معها كل هذا، يفك قيودها ويفتح باب سجنها، أن يطلق سراحها دون أن يأبه لكلمة والده. ذلك شيء أذهلها. هاك هو الباب قد فتحه أمامها على مصراعيه، ما عليها سوى أن تقوم وتعبر خلاله لتتأكد من صدق ادعاءاته. لكن بدلًا من ذلك حطت بمكانها أكثر لعدم قدرتها على النهوض بنفسها.
حاولت تحريك ذراعها، لكن ألمًا شديدًا أعاقها واجتاح جميع عظامها فجأة، فتأوهت وهي تعاند الألم كدأبها دومًا وتنهض واقفة على قدميها كاتمة صيحة متألمة. كانا جفناها مطبقين، فاستغرقت لحظات حتى شعرت بمؤتها على التحمل من جديد. سارت بشكل غير متزن صوب رزق وهي تقول بلهجة ملبّدة ببوادر التهاب شعبي حاد: "بالسهولة دي! إنت ناصبلي فخ ولا إيه؟ ومدت يدها بصعوبة لتغلق باب الشقة مستطردة وهي ترفع ذقنها لتواجه نظراته الميتة بتحدٍ:
"أنا صحيح هامشي من هنا. بس مش قبل ما أخد حاجتين.. ميراثي وورقة طلاقي! وعدتهم على إصبعيها، بينما يرمقها بفتور طال أمده. ثم يقولها في وجهها بلا مبالاة: "إنتي طالق يا ليلة." جحظت عيناها بصدمة بنفس اللحظة، ولم تستطع نطقًا بعدها. *** العقل المدبر، لا يكف أبدًا عن النِصاب، حتى في أوج الجدال من حوله وكثرة الأقوال. بقى سالم عاكفًا على التفكير، لتسأم أمه من صمته المطول وتهتف به: "إنت ساكت ليه يا سالم؟
سمعني بتفكر في إيه ماتسبنيش كده! يرفع سالم رأسه كما لو أنها كانت تحت الماء. كان يجلس في كرسي بين أمه وزوجته هانم. نظر إلى دلال قائلًا بجمود: "ممكن تهدي شوية ياما؟ مافيش حاجة خلاص! دلال منفعلة: "مافيش حاجة إزاااي! والبلوى اللي جوا ديهي وإللي في بطنها هاتسيبها تولد لابنك عيّل ابن حرام؟ هنقول إيه للناس يا سالم وشكلنا هايبقى إيه! تأفف سالم بغضب وهو يهب واقفًا بلحظة، جمع ذيل عباءته المفتوحة في ذراعه وصاح بنفاذ صبر:
"خلاص يامــــا.. قلت خلاص. أخر همي كلام الناس وإنتي عارفة. أصلًا من إمتى عملت حساب في حياتي لمخلوق. إللي عايزه بعمله غصبٍ عن عين أي حد! أخذت دلال ترمقه بذهول مرددة: "يعني إيه! قصدك تقول إيه بالكلام ده؟ هاتسيب رزق كده؟ هاتسيبه يقع الوقعة دي يا سالم؟! بدا متأزمًا من ذلك الخناق الذي تشده عليه أمه، فغمغم حاسمًا الجدل مشيرًا بكفه الضخم:
"إسمعي ياما أخر الكلام. مش هانعيده تاني.. غلطة رزق عمرها هاتتصلح بغلطة تانية. هو زنقني في خانة اليك. أنا فعلًا مش هقدر أجي جمب البت دي. مش هقدر أقتل حفيدي ولا آذيه. إحنا مضطرين نقبل الأمر الواقع. نسمة هاتعيش معانا. وخبر جوازها وحملها هايتذاع في الحي كله. وإنتهى! لكن الواقع أن الأمر لم ينتهي إلى هنا كما قال. حيث إذا به يستدير متجهًا ناحية الغرفة التي تقبع خلفها زوجة إبنه _اللقيطة ذات الدماء القذرة من وجهة نظره
_وبدون مقدمات وبطريقة مجردة كليًا من أي لمحة تحضر أو كياسة دفع الباب بكل قوته. لترتعد فرائص نسمة ما إن تراه يظهر أمامها بهذا الشكل المرعب، وقد كانت تجلس إلى طرف الفراش، إلا أنها الآن قد قفزت واقفة وأخذت ترتد للخلف محدقة بعينيه بذعر. بينما يتقرب منها سالم بضعة خطوات قليلة وهو يقول بصوته الحاد المخيف:
"إسمعي يابت إنتي.. ضحكتي على ابني ولبستيه في جواز وفي عيّل. لكن إوعك تفكري إنك ممكن تضحكي عليا أنا. الاشكال إللي زيك أنا عارفها كويس وياما قابلت منها في حياتي. السبب الوحيد إللي مخليني واقف قصادك مربط هو إنك شايلة حفيدي. وإلا أنا في حالة تانية كنت ناويلك على نية و××× شبهك!!! تعتصر نسمة جفنيها بشدة وهي تستمع إلى كلماته التي تعادل آلاف الطعنات السامة. ليكمل سالم دون أن يرف له رمش:
"هاتقعدي هنا زيك زي أي حجر ولا كرسي. مش هو جابك؟ وحياته عندي ما هايعرف يخرجك من هنا تاني. هاتفضلي هنا لحد ما تروحي قبرك. وإن حصل أو سمعت إنك عاملة أقل مصيبة قسمًا عظمًا لانحرك بايدي وأتحمل الزفارة المرة دي. اللهم بلغت!
وتركها مدركًا تمامًا فداحة الوضع الرهيب الذي سببه لها. كان هذا هدفه الأسمى في التعامل مع الجميع، أن يجعل من نفسه الوحش الكاسر عديم الرحمة والشفقة، كي تكون القوى والسلطة المطلقة له. له وحده. ويبدو أن يبلي حسنًا في كل مرة. نمطه لا يخيب أبدًا. "هانـــم! " هتف بعنف. تأهبت زوجته المسكينة للنداء ونظرت إليه بترقب أثناء خروجه ومروره أمامها، لتسمعه يأمرها قبل أن يتلاشى بالخارج تمامًا:
"عايزك فوق في شقتي بعد صلاة العشا. ماضطرش أطلبك تاني سامعة؟ لم ينتظر ردها وغادر بهذه الطريقة المباغتة. كان طلبًا غريبًا بالنسبة لها، طلبًا جعل من خفقات قلبها طبولًا تدق قلقًا وخوفًا، فهو لا يطلبها إلا للضروريات والكوارث، فضلًا عن أنه يدعوها لشقته بلسانه للمرة الأولى! ماذا يريد يا ترى؟ لو لبثت عمرها كله تتساءل لن تعرف على وجه التحديد إلا منه هو. لذلك كفت تمامًا عن التفكير. إن هي إلا بضعة ساعات قليلة، وستعرف. ***
تغشّت عيناها بالدموع، لم تتوانى عن النظر إليه بغضب. ربما كان غضبها غير مبرر، لكنه حتى لم يعبأ. بل قال وهو يباعد بين ذراعيه بمثابة استسلام: "أديني حررتك مني. وفيت بنصيبي وحققتلك شرط. انتي حرة مني. الشرط التاني للأسف ماملكش فيه أمر. كلامك مع أبويـ آ... "اعتقد ده دوري في الصدمة! " قاطعته بهدوء لم يخدعه. إلا أنه رمقها بغرابة. لتضيف وكأنها تختار كل كلمة بعناية كي لا تُفضح مرة أخرى أمامه: "ببساطة كده بتطلقني!
ده أنا افتكرت إنك مش هاتهدا. مش هاتبطل تحقيقات معايا لما تشوفني. إيه؟ مش عايز تعرف تفاصيل أكتر؟ مش غضبان عليا؟ فين وعودك؟ مش على أساس إني ورطت نفسي معاك. وإك عرفتني على حقيقتي. وإني هاشوف بعنيا نتيجة خداعي ليك؟!!! لم يرد رزق على أي من أسئلتها، فواصلت استجوابها: "إنت عملت إيه في عزام يا رزق؟ كانت تعلم الإجابة سلفًا، لكن سماعها منه سيكون شيئًا مختلفًا بلا شك.
و بالفعل، نظرته وحدها قبل أن يتكلم جعلتها تحملق فيه شاخصة العينين. "قتلته! " قالها رزق بوحشية لائمته كليًا. ربما كانت مخفاة رقة ظاهره، وسماته، طبعه وشكله الأرستقراطي العام. لكنه الآن، وهو يستأنف كلامه خاصةً بدا وكأنه خبيرًا، ضليعًا في ما يصفه: "بعد ما اعترف وأكد على كلامك. دبحته. حرفيًا. قطعت جسمه حتت. لو كنتي شوفتي ماكنتيش هاتقدري تتعرفي عليه أبدًا. اتبسطي يا ليلة. خدتلك بتارك ومسحت العار اللي فوق جبينك." فغرت فاها
متطلعة إليه بذهول وصاحت: "بس أنا ماقولتلكش تقتله. أنا ماوكلتش محامي ولا قاضي ولا حتى جلاد لأي حد بيني وبينه خصومة!!! تفاجأ رزق. لم يصدق ما قالته للتو، جن جنونه فجأة وهو يهتف بها مقربًا وجهه من وجهها إلى حد التلامس تقريبًا: "بتلوميني في شخصية و××× زي ده؟؟؟ زعلانة عليه؟؟ ده لعب بعرضك... وهز رأسه مشدوهًا وانفجر بها أعنف: "ده كان بيغتصبـــك... ولا إنتي كنتي مبسوطة؟!!!! وقبض بأصابعه القاسية على فكيها وجذب وجهها نحو وجهه.
"ررردددي علياااا. إللي بيعمله كان بيكفك وعلى مزاجك!!!!! تملصت منه بعزم قواها صارخة بانهيار: "كنت عايزه أنا إللي أقتلـــه... محدش كان ينفع يعمل كده غيري. ده حقي أنا. تاري أنا. أنا بس إللي حسيت بالعذاب ده وعيشت سنين فيه. مش من حقك تاخد القرار ده نيابة عني. عزام كان لازم يموت على إيدي أنا. أنـــااااااااااااااااااااا!!!!!
وحدث فجأة كما لو أن أحدهم شد موصل الكهرباء عن جهاز ما. ترنح جزعها لثوانٍ قبل أن تنثني ركبتيها وتتهاوى من طولها. لولا ذراعاه طوقاها بسرعة قبل أن يصطدم جسمها بالأرض. لم تكن مغشية، إنما فاقدة لكل قواها. حملها رزق كأنها لا تزن شيء فوق ذراعيه، توجه بها نحو غرفة النوم البتول، حيث لم يتقاسما بها أي شيء بعد منذ ليلة الزفاف، وقد كان كل شيء على حاله.
أراحها فوق السرير المرتب، كان شعرها كله متهدلًا فوق وجهها. فأخذ يرتبه لها للوراء، ولكن درجة حرارتها صدمته. وخاصة حين نظر ورأى بشرتها الشاحبة وخديها الذابلين وشفاهها المتشققة في دلالة على جفاف جسمها. تمتم مجفلًا بتوتر: "انتي امتى اخر مرة كلتي؟! من صمتها وشكلها خمن طول المدة، فصر على أسنانه بانفعال وقال:
"أنا هانزل أوصيلك على أكل. خليكي في السرير إوعي تقومي إلا لما تاكلي وتشربي. لو وقعتي ممكن تخبطي راسك أو يجرالك أي حاجة وإنتي لوحدك." وانتصب واقفًا، لكنها لم تدعه يخكو خطوة واحدة، إذ أمسكت بكفه بكل ما فيها من وهن. جمد رزق بمكانه وأحس بشيء من مشاعره المفقودة يعود إليه شيئًا فشيئًا حين سمعها تنطق اسمه بهذا الخضوع والتضرع: "رزق! أدار رأسه ناحيتها، صوّب نظراته إلى محياها المصفّر وعيناها المحمرتين، بينما ترتعش شفاهها
وهي تغمغم بصوت متقطع: "إنت طلقتني بجد؟ خلاص يعني!! التزم رزق الصمت لبرهة. في ظروف أخرى، كان ليقول لها حقيقة مشاعره، كان ليصارحها بكل شيء. لكن الآن بالذات كل ما وجد ليقوله كان سؤال واحد فقط: "مين كريم؟ شاهد نظرتها الواهنة تعود لتستقوى بالقساوة من جديد. ولدقيقة كاملة امتنعت ليلة عن الرد، فاعتبرها رزق تأكيدًا للادعاءات التي سمعها. أفلت كفه من قبضتها بحزم هاتفًا باقتضاب:
"لما يبقى عندك الشجاعة تتكلمي هاسمعك. غير كده أنا واضح معاكي. ومش مانعك من أي حاجة. لو عاوزة تمشي إمشي." ثم جذ الخطى للخارج وهو يكرر ببرود: "هانزل أوصيلك على أكل. ماتتحركيش من مكانك! بقيت ليلة كما هي، راقدة كتمثال شمعي، لا تأتي بأيّ حركة. بعد أن تمت المواجهة بينهما، بشكلٍ لم تتخيله قط، النتيجة الوحيدة التي خرجت بها هي الشعور على نحو أليم بغيابه. غيابه النهائي هذه المرة.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!