الفصل 36 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
21
كلمة
2,759
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 80%
حجم الخط: 18

كان "مصطفى" ينهي إغلاق أزرار قميصه الكحلي الضيق أمام المرآة. استطاع أن يرى ردة فعل أمه المنزعجة على قراره بانعكاسها الواضح من خلفه، لكن ذلك لم يثنيه ولو قليلًا عن كلمته. في المقابل، حاولت "هانم" أن تقنعه بأسلوبٍ ألطف وهي تقترب منه مقدمة له قنينة العطر الباهظة: -بس يا حبيبي انت محتاج مساندة. مش قصدي مساندة شخصية.. فاطمة لما تشوفني معاك تعملي خاطر. لو في نيتها حاجة أنا اقدر اقول كلمة كده تهديها و آ ...

-إيه ياما التهويل ده بس !! هتف "مصطفى" متذمرًا. تناول منها قنينة العطر وطفق ينثر منها على عنقه وقميصه مستطردًا: -ماتقلقيش مش هايحصل أي حاجة. أنا كلمت عمي إمام وهو بنفسه قاعد في شقته مستنيني ومأكدلي إن بطة جاهزة وهاتيجي معايا بخاطرها. هانم بقلقٍ: -طب و علي! علي من ساعة إللي جرى وهو يطيق العمى ولا يطيقك يا مصطفى... عبس "مصطفى" مرددًا:

-وأنا مالي ومال علي.. كلامي مش معاه أساسًا. فاطمة دي ليها كبير وهو نفسه كبيره أبوه. بعد كلمة عمي مالهمش قوالة. تبسمت "هانم" مؤيدة كلامه: -ولا حد له كلمة فوق كلمة أبوك. من أول ما خرجت من المستشفى كان مطلعهالك ومخليها تستناك في شقتك بنفسها.. بس إنت يا حبيبي إللي طلعت أحسن من الكل. وأثبت لفاطمة إن قلبك عليها وبتحبها بجد. لولاش بس الشبطان لعب بعقلك ليلة الدخلة... تأفف "مصطفى" بضيقٍ مغمغمًا:

-خلاص بقى ياما.. مش هانعيده تاني وإوعي أسمعك أو أي حد يجيب سيرة اليوم ده كله أصلًا. مش عايز أفتكره. ربتت على كتفه بلطفٍ: -حاضر يا حبيبي. حاضر مش هاتكلم فيه تاني.. أنا ماتمناش حاجة من الدنيا إلا سعادتك انت واخواتك يا غالي. يلا يا قلبي انزل لعمك وخد مراتك على بيتكوا. إن شالله بالخير والهنا يارب... و تنهدت مكملة: -يلا وأنا كمان اطلع لابوك.. أشوفه عايزني ليه! اندهش "مصطفى" على الأخير وهو يسألها: -أبويا طلبك عنده؟؟ -أيوة.

-عنده عنده. في شقته يعني؟؟!! -أيوة يابني.. يوه. هاكدب عليك! مصطفى مؤنبًا: -وطالعاله كده ياما. ده ينفع بالذمة!! رفعت حاجبيها بتعجبٍ: -المفروض أطلع إزاي يعني مش فاهمة!!! جوابها "مصطفى" مبتسمًا بخبث: -يعني. كلك مفوهمية يا ست هانم.. أبويا راجل وحداني. وإنتي مراته. لما تطلعي شقته ويتقفل عليكوا باب.. مش لازم تديله حتة إغراء كده؟ وغمز لها... لتكتم "هانم" شهقة خجلة وهي تضربه على مقدمة رأسه موبخة:

-آه يا سافل.. يا قليل الأدب. أنا أمك ياض.. مش عيب عليك تقول كده... ضحك "مصطفى" بانطلاقٍ قائلًا: -إهدي طيب. إنتي زعلتي ليه؟ أنا بوعيكي. إفرضي أبويا باعتلك عشان تقعدوا قعدة صفا. يقوم يلاقيكي بالعباية السمرا دي وقمطة الراس إللي مابتتغيّرش! ثم قال بجدية: -ياما فوقي لنفسك. شجعيه لو في دماغه حاجة. كفاية شبابك إللي ضاع علينا وإنتي لا مؤاخذة في اللفظ يعني مرمية هنا زي البيت الوقف. لا حصلتي مطلقة ولا متجوزة.

نظرت إليه بشيء من الصدمة، فواصل بإصرارٍ قوي: -أنا عارف كل حاجة. مش أنا بس.. كل إللي حوالينا فاهمين القصة كويس. سنين كتير عدت. عمر بحاله.. أكيد نسي ولو شوية إللي شاغلة باله. مابقولكيش هيني كرامتك. بس جربي. إرمي الكرة في ملعبه مرة أخيرة. وشوفي هاترسى على إيه... الدموع في مآقيها، هزت "هانم" رأسها مبتسمة بوجه ابنها. ليقول الأخير بعد أن طبع قبلة فوق جبهتها: -أنا نازل.. دعواتك!

ليست بحاجة لتذكرته، فهي لا يشغلها سوى الدعاء له ولأخويه، هما كل حياتها. حياتها الخربة كما استحى أن يوضح أكثر... هذه التصريحات كلها لم تفعل بـ"هانم" شيء إلا تكثيف شعورها بالخذلان والقهر، ما جعلها تنهار باكية كدأبها منذ تزوجته، مرضٌ عضال لا علاج له ولا براء منه. إذ للأسف شديد، هناك حقيقة لا يمكن أن تنكرها.. هي تحب "سالم الجزار"... تحبه من صميم قلبها!!! *** في المقهى الشبابي بحي الجزارين...

وقف "رزق" عند إحدى النوافذ ذات الوجهة الزجاجية المعتمة يجري بعض المكالمات الخاصة بالأعمال التي تخلّف عنها طوال الفترة الماضية، ثم فرغ أخيرًا بعد أن لبث نصف ساعة من مكالمة لأخرى. وها هو يلتفت وراءه ليرى الصالة ذات الإضاءات الصفراء وكأنها أقرب شكلًا لنوادي الليل.. ولكن تلك خاصة بالرجال فقط.

كان "علي" ينتظره عند البار، في الواقع هو كان يقف خلف البار يعد بعض الكؤوس الخاصة بحرفيةٍ متقنة. مشى "رزق" صوبه بتؤدة، بينما يصيح "علي" يستحثه: -زيح قشر البيض إللي ماشي عليه ده ياخويا.. ما تمد شوية يا رزق. كل ده بتعمل مكالمة!! يرد "رزق" بفتورٍ وهو يجلس فوق مقعدٍ عالٍ أمام البار المصنوع كله من الخشب والمعدن: -شغل يا علي. شغل.. أبويا مانزلش من على وداني أول ما جيت. أريح دماغي وأقضيله مصالحه أحسن.. ولا إيه رأيك؟

صوّب "علي" نظرة مباشرة إلى عينيه وهو يقول بجدية: -سيبك. إرمي كل حاجة ورا ضهرك طول ما إنت هنا.. فك عن نفسك شوية يا رزق. وإتفضل دوق فطيرة السجق إللي عملتهالك بإيدي دي! وأشار إلى طبقٍ كبير فوق البنش بينهما. -صعبت عليا. وشك أصفر كده.. شكلك مش مهتم بأكلك خالص الفترة دي!

لم يرد "رزق" على الملاحظة الذكية الاستدراجية، بل وأعرض عن الطعام كليًا، ليمد يده تجاه زجاجة الخمر الثمينة ويجذبها إليه مزيلًا عنها الغطاء بلحظة. وتحت أنظار "علي" المندهشة، أفرغ في جوفه نصف الزجاجة بجرعتين طويلتين. ثم توقف ليهدأ قليلًا ويستعيد أنفاسه. أخذ يتجرّع من الزجاجة على رشفاتٍ صغيرة، ويسقط بفمه حفنةٍ من حبوب المكسرات المملحة كي ما يشعر بالشبع. -إنت من إمتى بتشرب؟ إلتفت "رزق" إلى سؤال "علي" وأجاب بلا حماسٍ:

-هاتفرق معاك! من شهر.. سنة.. عشرة. إيه الفرق؟ علي عابسًا بشدة: -يعني إيه مش هاتفرق.. إنت شايف إللي بتعمله ده بسيط؟! رد "رزق" مقهقهًا: -مش فاهم.. هايكون حرام مثلًا! عارف لو قولتها دي تبقى نكتة كبيرة أوي يا علوة. وكاد يضع عنق الزجاجة على فمه من جديد، لتعيقه يد "علي" التي امتدت ومنعته فورًا وهو يهتف بصرامةٍ: -بس يا رزق.. بس كفاية. لو تقلت في الشرب مش هايبقى حلو. وأبوك لو عرف... -مايقدرش! قاطعه "رزق" بقتامةٍ مخيفة.

-مايقدرش يفتح بؤه معايا. وهو.. عارف كده كويس. وإجتذب الزجاجة ثانيةً ليفرغ محتواها كله بجوفه هذه المرة. يهز "علي" رأسه يائسًا، ثم يسأله في محاولة أخيرة قانطة: -كنت فين طيب.. غطست أسبوع فين؟ -كنت عند نوسا! -ممم. وإيه إللي حصل قبل كده.. مشيت على فين وسبت عروستك يوم الصباحية؟ انت عارف لولا إننا أسياد الحتة دي مكناش سلمنا من القيل والقال. رغم إن في كلام بستثال من ورا ضهرنا. زفر "رزق" بضيقٍ.

-إفففف بقى. ما يولعوا الناس يا أخي. ده إللي ناقص كمان.. في وسط اللي انا فيه ده كله أحمل هم كلام الناس!! أمسك "علي" بطرف حديثه هذا وقال على الفور: -أيوة هنا مربط الفرس.. إيه إللي انت فيه بقى؟ قولي يا رزق. فضفض. أنا طول عمري سرك! نظر "رزق" إليه بصمتٍ غامض ولم ينطق بكلمة، فتنهد "علي" بثقلٍ وهو يشعر بالأسف عليه، ثم قال:

-خلاص براحتك.. ماتتكلمش لو ده هايريحك. بس أعرف دايمًا إني جمبك. لو احتاجتني.. أنا هنا عشانك علطول يا رزق. إكتفى "رزق" بالبتسم ردًا على مؤازرة ابن عمه وصديقه الصدوق، لم تتسنّى له فرصة الرد، إذ صدح رنين هاتفه فجأة، فاستلّه من جيب بنطاله الخلفي. كانت "نسمة" التي تتصل به، استثقل كثيرًا أن يردها خائبة، كما خشي لو أن طارئًا قد أصابها، فأجاب بعد لحظاتٍ: -أيوه يا نوسا...

أنا هنا في الحتة. عاوزة حاجة.. لأ ماينفعش.. خلاص يا نسمة قلت ماينفعش. مش هاترجعي تعيشي في الشقة القديمة إنسي.. بصي خليكي زي ما إنتي في الأوضة إللي قعدتك فيها عند نينا.. هاخلص وأجيلك.. يلا سلام! وأغلق معها. كان "علي" يعبث بهاتفه هو الآخر، ولم يكاد "رزق" يرجع خاصته إلى حيث كان، ليفاجأ برسالة نصية تصله عبر واتساب باسمها. لا يعرف كيف شعر باختلاجة قلبه، فتح الرسالة وقرأ السطر التالي: "رزق ممكن تجيلي شوية؟

عايزاك ضروري.. من فضلك! سهم بنظراته لبعض الوقت ممعنًا بكلماتها، ليفيق على صوت "علي". -إيه سرحت في إيه؟! أعوزه الرد ثوانٍ قبل أن يقول ناهضًا عن المقعد بوثبةٍ واحدة: -أنا راجع البيت! تساءل "علي" بقلقٍ: -في حاجة ولا إيه؟ -لا لأ. -طيب راجع تاني؟ -مش عارف! و انطلق مهرولًا للخارج، بينما يهز "علي" كتفيه ويلتفت ليأنس ببعض الصحبة الشبابية. *** فتح الباب أمامها بنسخته الخاصة، ثم تنحى قليلًا ودعاها بلطفٍ: -إتفضلي.. خشي يا بطة!

كان يحمل لها حقيبتها الصغيرة بيده الأخرى، بينما كانت منكمشة على نفسها بخوفٍ واضحٍ منه. مدت ساقها بصعوبة وولجت إلى الداخل.. إلى سجنها الذي ظنت بأنها نجت منه. لكنها تعود إليه مجبرة. لم يخفى عن "مصطفى" ما تحس به زوجته تجاهه، كما لمح عن كثب عندما كانا بالأسفل بشقة والدها وجهها الشاحب وعيناها المتورمتين من البكاء. خمن، بل أيقن بأنها لا تزال تهابه، إن لم تكن تكرهه فعليًا.

لذلك توخى الحذر على أقل تصرفاته، وكأنه يخشى أن يخدشها مجددًا بأي شكل.. كما لو أنه لم يكسرها أصلًا!!! ارتعدت "فاطمة" بذعرٍ لحظة إغلاق الباب، وازداد خوفها أكثر بكثير. تحاشت النظر إليه، لكنه بالفعل قد امتثل أمامها خلال ثوانٍ. ولكسر الصمت المتوتر قال وهو يشير تجاه غرفة السفرة المقابلة: -أمي حضرت لنا عشا.. مش جعانة؟ هزت رأسها المطرق أن لا. فقال بتصميمٍ لا يخلو من الرفق:

-بس أنا جعان. في نفس الوقت مافيش حاجة تفتح نفسي زيادة غير إن أشوفك قاعدة جمبي وبناكل سوا.. معلش بس أنا مش هاسيبك إلا لما تتعشي معايا! ران الصمت بينهما لدقيقةٍ، لم تحرك "فاطمة" ساكنًا.. حتى عندما اقترب خطوتين. حبست أنفاسها وانتظرت برعبٍ. بينما انبعث صوته هادئًا متضرعًا:

-عشان خاطري يا بطة.. بصي أنا مش باجي عليكي و الله. أنا عارف إنك مش طايقاني.. بس طاوعيني المرة دي بس. خشي غيري هدومك وتعالي نتعشى سوا. أوعدك مش هطلب أكتر من كده! *** عبق العش الزوجي، لأول مرة يميّز "رزق" رائحته فور دخوله إلى شقته.. وكأن لمساتٍ سحرية أضيفت على المكان هنا لتجعله أكثر جمالًا وتألقًا. الأمر بدا كما لو أن الأثاث والجدران تضحك!!!

النظافة واللمعان وأصابع الشمع العطرية.. كل هذا توجته "ليلة" بطاولة الطعام المنصوبة بمنتصف الصالة المجاورة، المحاطة بمقعدين لشخصين، والموزع فوقها ما لذ وطاب من صنوف الأطعمة الشهية. -هه. أخيرًا جيت! هتفت "ليلة" مهللة لرؤية زوجها. أو.. طليقها!! -تعالى يا رزق. الأكل لسا محطوط حالًا.. تعالى إلحق قبل ما يبرد!

صحيح أن رائحة الطعام مسيلة للعاب، لكنه لم يكن ينتبه لشيء سواها، حيث كانت الآن في أبهى صورها، وكأنها لم تمرض في الصباح، لحظات وهنها وتعبها كأنها لم تكن. ما رآه أمامه هي امرأة في كامل أناقتها وجمالها، بالثوب النسائي المنصوع من الدانتيل الأسود، والذي يحجبه ذلك الروب ذي النسيج الحريري، مع مساحيق تجميل خفيفة، وملمع شفاه وردي تماشى مع ربطة شعرها التي اعتقلت ذيل الحصان الطويل المنسدل على ظهرها. -إيه ده يا ليلة؟

قالها "رزق" مشدوهًا. بدا أنه يتساءل عن كل شيء، وليس أمر معين. لترتد "ليلة" عن الطاولة بعد أن أشعلت آخر شمعة، تركت القداحة جانبًا، ثم مشت نحوه قائلة بابتسامة مضطربة: -ده كله إللي إنت شايفه.. حاجة كده إسمها بادرة للاعتذار. -وبتعتذري على إيه بالظبط؟ -على أي حاجة عملتها و ضايقتك! قالت ذلك حين وقفت أمامه مباشرةً، مدت يدها لتمسك بيده، استشعر رطوبة كفها ونعومته، بينما أردفت بابتسامة رقيقة:

-أولًا وقبل أي حاجة شكرًا.. شكرًا إنك ماخيبتش أملي فيك. وإنك كنت زي ما عرفتك.. مختلف. والأهم إنك خدتلي حقي. أنا خلاص مش زعلانة. كأني أنا إللي عملتها. صدقني.. والإيد دي... ورفعت يدها التي أمسكت بيده، لم تحيد بعينيها عن عينيه وهي تقرب ظاهر يده من فمها، لتطبع عليه قبلة رطبة مطوّلة. ثم تقول بصوتٍ أقرب إلى الهمس: -تسلملي الإيد دي.. إللي بردت قلبي وخدت بتاري!

كان تنفسه بطيئًا، أثناء متابعته لها ولكلامها، ربما نسى أن يتنفس في عدة مواضع، إلى أن صمتت. أخذ نفسًا عميقًا واستعاد السيطرة على أفكاره، ليقول بصوتٍ أجش: -ليلة. مش بالطريقة دي.. مش بالطريقة دي تنهي المسألة وتقفلي القضية خالص. لسا في حاجات و آ... -أنا هاحكيلك كل حاجة عايز تعرفها! قاطعته بهدوء. -هاجاوبك على كل أسئلتك.. بس في طلب وحيد ليا... صمته عنى تساؤله، فكانت جوابها:

-نفتح صفحة جديدة أنا وانت.. رزق. أنا مش عايزة أنفصل عنك.. أنا بحبك!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...