الفصل 37 | من 45 فصل

رواية و قبل أن تبصر عيناكِ الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم مريم محمد

المشاهدات
20
كلمة
2,638
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 82%
حجم الخط: 18

"هانم" أغمضت عينيها، وحاولت أن تعيد أفكارها لنصابها. كانت تقف أمام سريرها، بعد أن فردت فوقه ثوبها الأكثر جمالاً، والذي احتفظت به لسنواتٍ من شدة تعلقها به. لم ترتديه، لم تضعه على جسمها يومًا، على أمل أن يأتي اليوم الذي تتخذ فيه حياتها شكلًا لطالما حلمت به. هي وزوجها، هي وسالم!

بصحبة بعضهما، مع أولادهما، كعائلة سعيدة. تصنع له أشهى طبخاتها، تتزين له في كل وقت وحين، يراها بالأثواب الجميلة كلها التي اختارتهم من أجله، ينبهر بها، يحبها كما تحبه. ولكن بئس الأحلام والواقع معًا. حبها له لم يكن إلا كابوسًا أرقها واستنزفها. ضاع شبابها، ذبلت مثل وردة قبل حتى أن يستنشق عبيرها. هل يستحق اليوم أن تراهن على بقايا كرامتها لأجل كسب القليل من عطفه وإحسانه؟

هل يستحق أن تهان مجددًا ما إذا أبدى لها رفضًا وتسبب بإيلامها؟ ذلك الألم الذي لا براء منه! الوقت يجري، ولا زالت "هانم" متسمرة أمام الثوب، تفكر وتتردد كثيرًا قبل أن تمد يديها إليه. كلمات "مصطفى" ونصائحه تثير عقلها وقلبها في آنٍ. ولكن فكرة الخذلان أيضًا تسيطر عليها وتؤثر على سرعة قرارها. أتفعلها؟ أم لا تفعلها! "مامـــا! انتفضت "هانم" لدى سماع هتاف ابنتها التي اقتحمت الغرفة فجأة. انعلت وهي تستدير صوبها صائحة بانفعالٍ

لتغطي على ارتباكها: "إيـه يا سلمى.. إيـــه عايزة إيه؟ "وإزاي تدخلي عليا كده من غير ما تستأذني؟؟ اصطبغ محيا "سلمى" بحمرة خجلة. بقيت محلها عند عتبة الباب تشدد على المقبض وهي تعتذر منها على الفور: "آسفة يا ماما. ماكنش قصدي.. طيب خلاص هاخرج! "إستني! استوقفتها بصبر نافذٍ. صمتت لثوانٍ، ثم سألتها بهدوءٍ متكلف: "قولي كنتي عايزة إيه؟! "أنا كنت عايزة أتكلم معاكي في موضوع كده.. بس خلاص شكلك مش ليكي بالك عشاني دلوقتي."

"إخلصي يا سلمى وقولي عايزة إيه." زمت "سلمى" فمها وقالت باذعانٍ: "كنت عايزة أفكرك تقولي لأبويا على موضوع المدرسة.. مش إنتي طالعة له؟ عبست "هانم" معقبة: "يابت أنا مش سبق وقلت كلمتي في الموضوع ده؟ عايزة تدخلي أبوكي فيه ليه ولا نفسك تسمعي منه كلمتين!!! "يا ماما أبويا مش هايقول حاجة. لو إنتي كلمتيه وأقنعتيه مش هايقول حاجة! "لأ ياختي هايقول. أبوكي ماعندوش ياما ارحميني في المسائل دي بالذات. جربيه كده لو تقدري يا سلمى."

ورمقتها بتحدٍ. لتعض "سلمى" على شفتها بقوة وشعور القهر يغير بصدرها. لم تجرؤ على النطق بكلمة أخرى. فقالت "هانم" آمرة: "إتفضلي بقى على أوضتك. ولا شوفي هاتعملي إيه.. سبيني أغير هدمتي عشان ألحق أطلع لابوكي." وأولتها ظهرها ملتفتة ناحية الخزانة لتنتقي وشاحًا للرأس. فاستدارت "سلمى" للخارج ودموع الأسى ملء عينيها. ***

ليبتعد عن كل هذا الضغط المتواصل منذ ذهبت ابنته برفقة زوجها، قام "إمام" عن طاولة العشاء متجهًا إلى غرفة النوم. ولكن "نجوى" لم تسمح له بالتخلص منها بهذه البساطة وانطلقت في إثره. "أنا طاوعتك من ورا قلبي يا إمام! أخذ يتأفف بضيقٍ من إلحاحها المستفز وحاول أن يتجاهلها قدر استطاعته. إلا أنها أبت تصمت لحظة واحدة. "بنتي لو جرالها حاجة ولا أذت نفسها المرة دي مش هاتعرف أنا ممكن أعمل في أخوك وابنه إيه يا إمام." "إخـرســـي!

هكذا ثارت ثائرة "إمام" على زوجته. التفت نحوها والشرر يتطاير من عينيه. "قولتلك إخرسي. إخرسي ماسمعش حسك تاني إنتي فاهمة؟!!! تراجعت رهبتها الوليدة منه بنفس اللحظة وقالت بعينٍ قوية:

"لأ مش هاخرس يا إمام. مش هاخرس.. إن كنت نسيت وصهينت على اللي اتعمل في بتك أنا لأ. رجوعها مع ابن سالم وافقتك غليه عشان سمعتها بس وسط الخلق. لكن لو على البيت اللي كان هايتخرب ان شالله كان يتطربق على دماغ صحابه. وبقولهالك تاني أهو.. فاطمة لو جرالها حاجة مش هايكفوني الجزارين كلهم!!! كان غضبه قد انحسر بعيدًا الآن، بقى يرمقها بفتورٍ فقط. لتسمعه يقول فجأة بصوتٍ صلد:

"لما يبقى يجرى لبتك حاجة ابقي تعالي خدي حقها مني أنا أول واحد.. لكن يا نجوى يا بت همام الدرديري. لو سمعتك تاني مرة بتجيبي سيرة الجزارين بالعاطل. وحياة عيالي منك إللي هما جزارين بردو ما هتباتي ليلة على ذمتي. ودي أقل حاجة ممكن تحصلك.. لو عاقلة بقى تلمي دورك عشان أنا اصلا ابتديت أتلكك. وصلت؟ رمقته بغيظٍ ولم ترد. فأشاح وجهه عنها وتوجه نحو المشجب ليعلق شاله وجلبابه بمنتهى البرود. وأمام نظراتها المتوقدة. ***

جالسة أمامه إلى مائدة العشاء، بعد أن بدلت ثيابها كما أشار عليها. فارتدت بيجامة من الستان الأبيض المحدد بشرائط رقيقة من الدانتيل، وشعرها قد رفعته على شكل كعكة كبيرة نظرًا لطول وكثافة شعرها الغجري الفاحم. لم تكن تضع نقطة مكياج، كما أنها لم تتعطر مطلقًا، حيث أن آخر شيء توده هو أن تثيره بأيّ شكل من الأشكال.

في المقابل كان "مصطفى" لا يزال بثيابه ذاتها، يستهلّ تناول طعامه وهو يرمقها بقلة حيلة، لا يدري كيف يبدأ معها حديثًا. ولو تحدث ماذا يمكن أن يقول! ولكن في الأخير علم أن عليه اجتياز ذلك الحاجز. لن تهنأ له حياة مع زوجته إلا بعد أن يذيب ذلك الجبل الجليدي الهائل. عليه أن يفعلها والآن. "مابتكليش ليه يا بطة؟!

يا له من رعب تستشعره بمجرد سماع هذا الصوت. صوته حتى وهو يخاطبها بهذه الرقة. تطلعت "فاطمة" إليه وهي تمضغ بقايا الأرز بفمها لتريه أنها تأكل. أوجعته نظرتها المتبلدة كثيرًا، وعلاوةً عدم رغبتها حتى بتبادل كلمتين معه، ابتلع تلك الغصة بأسرع مما توقع وحاول معها ثانيةً. "طيب انتي مامدتيش إيديكي على الزفر ليه؟ أنا عكس أبويا وأبوكي ماحبش أوزع. وزعي إنتي يا بطة." "مش مهم! تمتمت "فاطمة" بينما تبتلع جرعة من كأس الماء.

"وزع إنت. أنا أصلاً نباتية ماليش تقال على اللحوم." كابحًا انفعاله، رد "مصطفى" بإصرارٍ: "بس أنا عايز آكل من إيدك.. إنتي مراتي وأنا بـــ... قطع عبارته فجأة، بينما جمدت فورًا خشية وكارهة سماع كلمة كهذه منه. زفر مطوّلًا مغمض العينين، ثم نظر لها بعد لحظة وقال بجدية: "فاطمة.. مش هينفع. مش هينفع نكمل بالأسلوب ده.. هتبقى حياة مستحيلة وفي نفس الوقت حياتي من غيرك مستحيلة. ف حليها انتي بقى!

ظلت صامتة كما هي وقد توقفت عن تناول الطعام تمامًا. تفاجأت به حين مد يده عبر الطاولة ورفع ذقنها مجبرًا إياها على النظر إليه. هذه المرة لم يعتريه أي تردد أو رفض للجهر بهذا. نطق بحدة مبحلقًا بعينيها بقوة: "إللي كنتي حاطة أملك عليه خلاص يا فاطمة. شاف حاله.. ومن زمان. أظنك عرفتي إللي عمله. عرفتي إن رزق اتجوز من ورانا ومستني عيل كمان!

استقبلت الخبر للمرة الثانية دون أن يرف لها جفن. ولكن كأنما هو صفعة تلقتها بداخلها، أن يتبين لها قبح باطن الرجل الوحيد الذي أحبته. فارس أحلامها الوسيم الجميل، اتضح أن له وجهًا آخر أشد قبحًا من زوجها الماثل أمامها ومن عمها ومن رجال عائلتها. لم تؤلمها خيبة أملها بقدر ما آلمتها الحقيقة المثبتة، وغير القابلة للتغيير. وهي أن "رزق" ما هو إلا وغدًا، فاسق، قلبه لا يفقه الحب ولا يألفه حتى لو كان بجواره.

رباه كم صارت تكرهه الآن. لا تصدق أن هذا اليوم قد أتى! "إوعي تكوني مفكراها سهلة عليا! أفاقت على صوت زوجها. نظرت إليه بانتباهٍ، ليكمل مشددًا على صدغيه: "أنا لو كنت بغل من رزق قيراط. لما سمعتك بتقوليله بحبه كرهته وغليت منه 1000 مرة.. يمكن قبلها ماكنش فارق معايا أوي. بس أول ما عرفت إن قلب الإنسانة الوحيدة إللي حبتها معاه هو مش معايا اتمنيت لو أقدر أخد روحه. أعذبه. أمحيه من الدنيا وكأنه معداش عليها...

إنتي ماتعرفيش حالتي كانت إزاي ساعتها. كنت ماشي بكلم نفسي.. ليه فاطمة ماحبتنيش؟ شافت مني إيه وحش؟ ده إحنا مكتوبين لبعض من وهي في اللفة.. إزاي تفكر في رزق؟ وليـــه؟؟؟ سكت "مصطفى" عن الكلام لبرهةٍ. كانت "فاطمة" ترمقه خلالها بإمعانٍ. كلامه صار يدهشها الآن. ومن جديد لمحت بعينه ذلك الألق اليائس قبل أن يستأنف تصريحاته:

"النار فضلت قايدة جوايا. وكنت قايم نايم بفكر وبخطط أول حاجة أحدد يوم دخلتنا. وبعدها كنت ناوي أعيشك أسود أيام حياتك.. كنت عايز أعاقبك. أوجعك زي ما وجعتيني.. لكن يوم كتب الكتاب. لما خرجنا بليل وطلعنا على المركب لوحدنا. لما اعترفتيلي إنك مابقتيش تفكري في رزق. وإن حبك له كان وهم عشتي فيه. ساعتها رغم الخوف إللي شوفته في عنيكي. كنت عايز أصدقك. كنت بتمنى أصدقك.. وصدقتك...

بس جيتي ليلة الدخلة وهديتي كل حاجة حلوة حلمت بيها معاكي فوق دماغي. لما دخلتي وقفلتي على نفسك باب الأوضة وآ ا ... "بـس. بـــس كفايــة !!! صرخت فيه مقاطعة ولا تعلم كيف نزلت دموعها بلحظة هكذا وأغرقت خديها. نهضت عن الطاولة بوثبة واحدة وقد صعقتها تشنجات في جميع أنحاء جسدها جعلتها تنتفض بقوة وهي تتراجع بظهرها للخلف. بينما يقوم "مصطفى" ويمضي نحوها ببطءٍ مستطردًا كلامه بتصميم:

"إنتي السبب. لو كنت أجرمت في حقك ليلتها ومارحمتكيش ف ده كله بسببك إنتي.. كنتي متخيلة إيه؟؟؟ لما مرة تديني أمل فيكي ومرة تبعديني عنك. ده مابقاش راجل لو مافكرتش إن في حاجة غلط!!! "بس تبقى راجل لما تغتصبني !!! سقط الرد الصارخ عليه مثل عقوبة مشددة. مترنحًا في البدء، هز "مصطفى" رأسه بقوة وقد أصابه اتهام "فاطمة" بالذعر، فصاح: "لأ.. إللي حصل مش كده ولا عمره يتسمى كده. إنتي مرااااتي.. فاهمة؟

ده حقي الشرعي. ده حلال ربنا. آه حصل بطريقة غلط.. لكن أنا عمري ما فكرت أقرب منك أصلًا وإنتي مش حلالي. فاطمة أنا عمري ما جيت أقولك بحبك. عمري ما لمحت بأي حاجة ليكي عشان حبيتك تكوني ليا على طبيعتك. ماحبتش أكسر براءتك. كنت عايزك زي ما إنتي.. وفكرة إن يكون حد غيري سبقني ليكي ولمسك طيرت البرج إللي فاضل بعقلي. فصممت على الدخلة بأي شكل. أيوة خوفتك. رعبتك. دمرت أجمل ليلة في حياتنا.. بس ماغتصبتكيش!! "إنت دبحتني!

هتفت بآلية تامة. لينتابه خرس متألمًا وهو يقف الآن أمامها مباشرةً، لا تفصلهما سوى بضعة سنتيمترات. مرة واحدة رآها ترفع يديها وتفك أزرار بيجامتها الواحد تلو الآخر مضيفة:

"لو كنت مسمي حبك ليا ده حب فالحب ده مايلزمنيش.. ولو كنت فاكر إني رجعت معاك بمزاجي فتبقى غلطان. أنا لو كان ينفع لأ ماكنتش اتجوزتك. وأخوك أصلاً ولا في دماغي. إنتوا الاتنين في نظري بقيتوا زي بعض.. وإنت مش هاتعرف تقرب مني ولا تلمسني إلا زي ما عملت أول مرة. غصب عني.. بس الفرق دلوقتي إني مش هقاوم ولا هصرخ. لأني عارفة حتى لو عملت كده كل إللي حوالينا هايقعدوا يسمعوا ويضحكوا.. محدش هايحس بيا ولا ياخد بحقي!!!

قست ملامحه وهو يخبرها: "أبويا جلدني وسط الخلق كلهم بسببك.. كده حقك ماجاش!!!! كانت قد حلّت أزرار البيجامة كليةً وبانت حمالتا صدرها. لكنه هو لم يكن ينظر إلا لوجهها. إلى أن حطمت الصمت المتنامي بينهما قائلة بابتسامة ساخرة: "تفتكر إيه ممكن يعوض إللي كسرته جوايا يا مصطفى؟ صمت عاجزًا عن منحها الإجابة المنشودة. لترد هي على نفسها بعد لحظة:

"ولا حاجة.. ولا حاجة ممكن تعوضني. أصلك استحالة تقدر تحس.. أو تعرف يعني إيه إللي منك ينهشك وبقية أهلك يقطعوا في لمحك مانغير حتى ما يسموا عليك! التقطت نظراتهما لحظة بدت دهرًا، قبل أن تحبذ "فاطمة" الانسحاب قائلة وهي تضم طرفي بيجامتها: "أنا داخلة أنام.. لو عاوزت حقك الشرعي ابقى تعالى خده بالعافية هه! وجاءت لتتجاوزه. فقبض على معصمها واستبقاها بالقوة. أدار رأسه لها وقال بصوتٍ هامس وأنفاسه الساخنة تتردد على بشرتها:

"فاطمة.. أنا بحبك! بمنتهى القسوة واللامبالاة جاوبته: "وأنا عمري ما حبيتك يا مصطفى. ومافتكرش أبدًا إن في حاجة ممكن تخليني أغير رأيي دلوقتي ولا بعدين!! وشدت يدها من قبضته ماضية بسرعة تجاه غرفة النوم. صققت الباب بقوة وهكذا تركته فردًا.. وحيدًا وهي معه بنفس المكان. بقلبٍ مفطور، بقى "مصطفى" فترة طويلة مكانه. وللمرة الثانية بعد أن أول مرة بسبب أبيه. ها هو الآن يشعر بالدموع في عينيه. وهذه المرة بسببها هي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...