فتح يحيي بابًا كبيرًا جدًا كان مغلقًا بإحكام. دخل شاب في العشرينات من عمره بابتسامة واسعة، هذا هو زين، شقيق يحيي. "إيه يا عم، أنت قافل على نفسك خايف تتخطف ولا إيه؟ "عيب عليك، دانا ديب، أخطف ما أتخطفش." أغمز له يحيي. بالطبع، كان يحيي يقصدني. كنت أقف في ركن على السلم أشاهد ما يحدث وأدرس المكان، علّني أجد فرصة للهرب.
بعد ذلك، دخلت سيدة جميلة جدًا، لم أرَ سيدة في الخمسينات بهذا الجمال من قبل. كانت ترتدي عباءة وطرحة سوداوين، وتضع يدها في يد رجل يبدو عليه الهيبة، ويشبه يحيي كثيرًا. كان يرتدي بدلة تبدو غالية الثمن، على عكس يحيي الذي كان يرتدي جلابية. وبعدهم، دخلت فتاة في سني، كانت ترتدي الأسود أيضًا. كان الفضول سيقتلني لمعرفة من هؤلاء. تحدثت السيدة، وهي بالطبع والدة يحيي، واسمها قمر. "يحيي، أنت هنا يا حبيبي؟
ما صدقتش لما لقيت عربيتك هنا في المزرعة. مش عارفة أوصلك من يوم اللي حصل. قلبي كان بيرقص يا حبيبي." "حقك عليا يا حبيبتي، أنا فعلاً تليفوناتي مش مجمعة شبكة هنا خالص." قبل يحيي رأسها ويديها واحتضنها. "ولا يهمك يا حبيبي، المهم إنك جيت تغير جو." هز يحيي رأسه، وكان محرجًا جدًا أن يقول لهم عني شيئًا في وسط حزنهم. بالتأكيد لن يقول إنني مخطوفة. "ما بلغتش إني هنا ليه بدل ما إحنا قلقانين عليك كده؟
وسيبنا مكان بتروحه غير وسألنا عليك فيه، وسايب شركتك بالشكل ده." قال والد يحيي، يوسف. "معلش، أنا فاصل كل حاجة عشان أنا جيت هنا و... قبل أن يكمل، دخلت رحيل، أخته. ما إن رأته حتى احتضنته بقوة، وهي بدأت تبكي، وهو يهدئها. كانت رحيل قريبة جدًا من أختها آية. بعد وفاتها، أصبحت حالتها تسوء، ووجهها شاحب، تمر بحالة نفسية صعبة. أخذوها إلى طبيب نفسي، وقال لهم أنها بحاجة لتغيير الجو.
بدأت والدة يحيي تبكي هي الأخرى، وبدأ الجو يتوتر. "خلاص بقى يا رحيل، لو انتي بتحبي أختك بجد، ادعيلها، مش تفضلي تعيطي كده." "والله انتي بتنكد وخليتي قمر تعيط، يرضيكي كده؟ عقابًا ليكي مش هديكي الشوكولاتة اللي جايبها لك، هاكلها أنا وقمري." ضم يحيي رحيل ومسح دموعها، فابتسمت أخيرًا. "أنا فرحانة إنك هنا يا حبيبي، عارفة إنك الوحيد اللي هتنسينا شوية."
كان يحيي بداخله بركان، عكس ما يظهر على وجهه. كان يتمنى في هذه اللحظة أن يكون أحمد أمامه ليقتله، وينتهي، ويأخذ حق أخيه. "أنت مش جايب الجنايني ولا الشغالين ليه يا يحيي؟ المزرعة شكلها سيئ جدًا والمكان كله رملي." يوسف يحب النظافة جدًا، لو وجد ذرة رمل في مكان، تقوم الدنيا ولا تقعد. بينما كان يحيي سيجيب، عطستُ غصبًا عني. حاولت كتم الصوت، لكن للأسف وصل إليهم، فالفيلا هادئة جدًا. "إيه الصوت ده؟ هو في حد فوق؟
نظر يحيي ناحية الصوت، وحرك شفتيه، ربما كان يشتمني في سره. قام يوسف ووقف أمام يحيي. "هو في إيه بيحصل هنا بالظبط؟ أنت قافل الباب وممشّي الحرس والشغالين وقافل تليفوناتك، هو في إيه يا يحيي؟ "متخليش دماغك تروح بعيد، أنا اتجوزت." تحدث يحيي وهو متردد. "ونده عليا بصوته كله: وعد، يا وعد." ارتعبت من نبرة صوته، وتحدثت بصعوبة: "نعم." "انزلي." لبستُ الإسدال بصعوبة، لم ألبسه من قبل. رفعت شعري ذيل حصان، ونزلت وقلبي سيتوقف.
أول ما رآني يحيي، أخذ يدي ووضعها في يده وقال لهم: "وعد الديب مراتي، ومش عاوز كلمة من أي حد." توتر الجو. كانت رحيل تبكي وزين يهدئها. قام يوسف ووقف وقال ليحيي: "يحيي، عاوزك في المكتب." أشار لي يحيي بالصعود. "بس قمر اتكلمت بوجع: سيبني أسلم على مراتك يا يحيي." "صدقيني هفهمك كل حاجة، متزعليش." جلس يحيي على ركبتيه أمامها. "عمري ما أزعل منك يا بن قلبي." وضعت قمر يدها على رأسه بحب. "سلمي واطلعي على طول." وشوشني يحيي.
قامت والدة يحيي ومسكت يدي بحب، كأنها تعرفني من زمان. هذه السيدة فيها كمية حنية غريبة، بمجرد ما مسكت يدي، شعرت بحنيتها. "تعالي يا حبيبتي اقعدي." "طيب، أسيب أنا التلات مزز دول يقعدوا مع بعض، وأروح أشوف مزة، قصدي أشوف أي حاجة أعملها، سلام." "مع السلامة." "مبروك يا حبيبتي." "على إيه يا طنط؟ " سألت وعد بغباء. "لا لا، هزعل منك، أنا اسمي قمر." "وربنا قمر بجد، يا ريتنا كنت راجل." ابتسمت رحيل.
"لا، ده أنا حبيتك أوي، طالما خليتي رحيل تضحك." "سيبيهالي انتي بس، وأنا هفرفشك وأنسيكي كل حاجة." أخذتني قمر في حضنها أنا ورحيل، وتعرفنا على بعض، وقعدنا نتكلم كتير جدًا. كنت أتمنى أن أحكي لها كل شيء، لكن خفت من يحيي، وتركتها للأيام. "قمر، أنتِ قمورة أوي، اسم على مسمى، موزة في نفسك أوي. قوليلي إيه سر السكر ده، ولا أخذتيه أنتِ وبنتك لوحدكم؟ ضحكتا قمر ورحيل من قلبهم، وهذه أول ضحكة لهما منذ وفاة آية.
خرج يحيي من المكتب مع والده. كنا نضحك. لا أعرف ماذا قال له، لكن عندما خرج يحيي، استغرب أنني ما زلت جالسة معهم. جلس والده بجانبي، وودا وجهه للناحية الأخرى، ثم طبطب عليّ وقال: "لا حول ولا قوة إلا بالله. مبروك يا عروستنا. أسفين إننا جينا كده من غير ما نبلغكم، بس إحنا نستريح النهاردة ونمشي بكرة على طول." "لا والله، ما أنتم ماشيين غير وأنا معاكم. يلا قوموا." غمز لي يحيي وعمل حركة مجنونة بإيده. هل تعرفون هذه الحركة؟
ابتسم الجميع. ضم يحيي رحيل وقال له: "لا طبعًا يا بابا، حضرتك منورنا، إحنا نقعد هنا شوية قبل الدراسة، تكون رحيل حبيبتي فاقت وترجع كليتها وهي مية مية." "هو ينفع أرجع تاني يا بيّه؟ ينفع اللي انكسر جوايا يرجع تاني؟ ينفع تكسر قلم رصاص، وتسأل أي حد وتقوله: ممكن القلم الرصاص ده ينبت؟ هيقولك ربنا يكملك بعقلك يا بني! أهو ده حالي، عمري ما هبطل أحزن على آية وعمري ما هنسى أبداً."
"ربنا بيعوض بالأحسن عن كل اللي راح وخسرناه، 'وما كان ربك نسيا'. كل حاجة بتتغير، الناس بتتغير، والظروف والوعود والمشاعر بتتغير. ومهما رتبنا حياتنا، ربنا بيفاجئنا بأقدار جديدة منعرفهاش، بناس نضيفة وحلوة منتوقعهاش، بحب جديد مفهوش تزييف، بصحبة جديدة وصالحة. مفيش حاجة بتفضل على حالها حقيقي. ربنا بيعوضنا عن ناس كتير اتخدعنا فيها، عن ناس قبلناها وما شفناش منها إلا كل خيانة وغدر وقلة أصل. ربنا هيعوضنا يا حبيبتي، خلي عندك ثقة فيه."
"الكل قال ونعم بالله، وأنا قلت معاهم." دخلت قمر قلبي من غير ما تخبط. "يلا يا قمري، قومي نرتاح في أوضتنا شوية عشان أنسيكي تعبك، ونسيب العرسان ينسوا هما كمان. يلا يا لولو، انتي كمان اطلعي أوضتك، مش عاوزين نزعجهم." "لا حول ولا قوة إلا بالله، يا رب." استغربت جدًا طريقة والد يحيي، لكن ضحكت عليه، لا أعرف لماذا. حسيت أن يحيي قال له إني مجنونة مثلًا. "تزعجوا مين؟ عرسان مين؟ ننسى إيه؟ أنتم بتقولوا إيه؟!
أمسكني يحيي من يدي، وغمز لوالده مرة أخرى، وعمل نفس الحركة. "عن إذنكم." جسمي كله ارتجف. حاولت أسحب يدي، لم أستطع. صعدنا إلى الغرفة، وأغلق الباب بالمفتاح. "أنت قفلت الباب ليه وجبتني هنا ليه؟ وأنا هنام فين؟ لم ينظر إليّ يحيي ولم يرد. "لو سمحت يا أستاذ ديب، أنا عاوزة أنزل أوضتي. أنت مش بترد ليه؟ "هتنامي هنا يا بت السيوفي لحد ما يمشوا." "لا، أبدًا." "السرير كبير، وعندك كنبة، شوفي عاوزة تنامي فين ونامي، ومش عاوز ولا كلمة."
سرحت في وجهه وطريقة كلامه. "أنا ملاحظة إنك بقيت بتتكلم زينا من ساعة ما أهلك وصلوا." "خليكي في حالك." أخذ بنطلونًا ودخل الحمام. خرج وهو يرتدي البنطلون فقط، وقد خلع الجلابية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!