كانت تسير والوجوم على وجهها، تتقاذفها أفكارها تارة ما بين حنقها وغضبها، وتارة ما بين إحساسها بالذنب. طرقت وعد باب غرفة جاسم، فأتاها صوته قائلاً بقوة: -تعالى يا وعد. دلفت وعد للمكتب فوجدت رجلاً كبيراً في السن يجلس على مكتب جاسم بحرية، بينما يجلس جاسم أمامه. فقالت بخجل: -أنا آسفة يا باشمهندس، ما كنتش أعرف إن مع حضرتك حد. أشار إليها جاسم بيده لتتقدم نحوهم، وقال بجدية: -تعالى ادخلي، ده الحاج فضل والدي.
إقتربت وعد من المكتب وابتسمت لفضل بود، وقالت بتهذيب: -أهلاً وسهلاً يا فندم، نورت الشركة. وقف فضل ومد يده لمصافحتها، فقال له جاسم بتوجس: -معلش يا حاج، وعد مش بتسلم على رجالة. بينما فاجأته وعد وهي تصافح والده، وقالت بعتاب رقيق لجاسم: -بس الحاج زي والدي يا باشمهندس. تطلع إليها فضل بانبهار من أخلاقها وملابسها المحتشمة وملامحها الرقيقة، وقال بإعجاب: -لسه فيه بنات زيك يا بنتي، اتفضلي اقعدي. جلست وعد قبالته،
فسألها فضل باقتضاب حاسم: -اسمك إيه؟ أجابته بقوة تعكس شخصيتها القوية والعملية بنفس الوقت: -أنا اسمي وعد عيسى القاضي. قطب فضل حاجبيه بانفعال خفيف وهو يتذكر أين استمع لذلك الاسم من قبل، ثم رفع حاجبيه مجدداً بعدما تذكر، وسألها بشك: -عيسى القاضي... انتوا من عيلة القاضي اللي عند الكوبري؟ أومأت وعد برأسها بنعم، وأجابته برد سريع وقوي: -أيوه يا فندم... بس ده كان بيت جدي، إحنا دلوقتي عايشين في بيت بابا ورا المحافظة.
وضع فضل مسبحته على المكتب، وقال بابتسامة موجهاً حديثه لجاسم: -أهه باباها يبقى قريب الحاجة دولت مامتك من ناحية أمها. رفع جاسم حاجبيه من تلك الصدفة الغريبة، قبل أن يقول بدهشة: -بجد يا حاج؟ -أيوه، جدتك تبقى بنت خالة جدة وعد الله يرحمهم. التفت فضل لوعد، وقال لها مؤكداً: -سلميلي على والدك يا بنتي، وقوليله يأنسني ويشرفني في معرضي في أي وقت. أجابته وعد باقتضاب، وسألته باستفسار: -يوصل طبعاً، بس حضرتك تعرف بابا شخصياً؟
أومأ فضل برأسه مؤكداً، وقال: -طبعاً يا بنتي، إحنا أهل. على فكرة، أنا بسمع عنك كتير من الشباب وبالذات جاسم، طول الوقت يقولي وعد عملت، وعد سوت، بس شغلك كله كوم، وحكاية اهتمامكم بالأيتام ده كوم تاني، ربنا يعينكم على فعل الخير. زادت ابتسامتها اتساعاً وهي تجيبه بامتنان: -شكراً لحضرتك، وبتمنى أكون قد الثقة اللي الباشمهندس حاططها فيا. رد عليها جاسم وهو يتأملها بحب: -ده انتي قدها ونص وتلات تربع، ربنا يباركلي فيكي.
لاحظت وعد نظراته، وتلك الكلمات المبهمة مجدداً، فوقفت بتوتر، وقالت بصوت مضطرب: -فرصة سعيدة يا حاج، معلش مضطرة أمشي، ورايا شغل بعد إذنكم. وقف فضل وصافحها مجدداً، وقال وهو يربت على كفها بحنو: -أنا أسعد يا بنتي، ربنا يكتر من أمثالك ويوفقك. -متشكرة، بعد إذنكم. وتركتهم وانصرفت، وجاسم يتابعها بعينيه بتنهيدة حارة. لاحظ والده هيامه بها ونظراته الملتاعة، فجلس بهدوء وهو يخفي ابتسامته الماكرة. ثم قال على مضض:
-هتفضل متنح كده كتير؟ التفت إليه جاسم باستحياء، وقال معتذراً: -آسف يا حاج، معلش. فباغته والده بسؤال جعله يرتبك بشدة حين قال بدهاء: -بتحبها مش كده؟ اتسعت عينا جاسم من المفاجأة، وابتلع ريقه مهدئاً حالة الجفاف التي داهمت حلقه. وما أن فتح فمه ليرد، حتى أردف والده بابتسامة سعيدة قائلاً: -يا ريت يا ابني تكون من نصيبك، دي بنت لو لفيت الدنيا عشان تلاقي زيها مش هتلاقي، أدب وأخلاق وتدين، وفوق كل ده زي القمر.
جلس جاسم أمامه براحة، وسأله بسعادة: -انت شايف كده يا حاج؟ -أيوه شايف كده، لو ضيعتها منك هتندم، دي جوهرة وعايزة اللي يقدرها، وأنا هبقى مرتاح ومطمن عليك لما تكون دي مراتك، مش البنات الكسر اللي مصاحبهم. أشار له جاسم بيديه قائلاً بجدية قاطعة: -لأ بنات إيه وبتاع إيه، خلاص توبنا إلى الله، بس ادعيلي يا حاج إن وعد تبقى ليا، لأني مش هستحمل أخسرها، دي بقت حتة مني وربنا يعلم. وقف والده وهو يعدل من هندامه، وحمل مسبحته،
وقال بقوة: -ربنا مش محتاج وسيط بينه وبين عبده، قوم صلي وادعي ربنا يجعله من نصيبك، البت شكلها متدين وعمرها ما هترضى بيك وانت بتصلي الجمعة بس، يلا سلاموا عليكوا. أجابه جاسم وهو يتنهد براحة، وقد تبعه لباب المكتب: -حاضر يا حاج، هقرب من ربنا بجد لأني محتاج أقربله مش عشان موضوع وعد. التفت إليه فضل، ومد يده إليه بمسبحته، وقال بفرحة ملأت عينيه التي ترقرت بالدموع:
-ده يوم المنى يا ابني، وربنا يثبتك، امسك السبحة دي ورثتها عن جدك وهو اللي إديهالي قبل ما يموت، وكان جايبها معاه من الحجاز، خليها معاك دايماً وسبح عليها. أخذها منه جاسم وهو يبتسم بسعادة بالغة، فتلك المسبحة غالية جداً على قلبه لأنها تذكره بجده الذي لم ينساه منذ وفاته حتى الآن. ثم وضعها بين أنامله، وقال بنظرات تقدير: -ربنا يخليك ليا يا حاج، وأقدر أخليك فخور بيا دايماً.
ربت فضل على كتفه وتركه وانصرف، وجاسم يشعر براحة وسكينة لم يشعر بها من قبل. أغلق خلف والده الباب، وتوجه للمرحاض الخاص به بمكتبه، وخلع حذائه وجوربه وثنى كمي قميصه وتوضأ، ثم افترش سجادة صلاة ووقف في اتجاه القبلة وكبر وصلى.
فتح سامر باب مكتب جاسم ليتسمر مكانه من تلك المفاجأة غير المتوقعة على الإطلاق. فابتسم بتعجب وهو يراقب سجود جاسم الخاشع. ثم دلف للمكتب وأغلق ورائه الباب وجلس على إحدى الأرائك ريثما يفرغ جاسم من صلاته. وما أن انتهى جاسم، حتى أخذ يسبح على سبحة والده، لتزداد نظرات التعجب بعيني سامر. حتى التفت إليه جاسم من وضعية جلوسه، وقال له محذراً: -هتزعل مني لو اتريقت، فاهم. رمقه سامر بضيق، ثم قال بصوت متوهج من السعادة:
-بالعكس بقا، أنا فرحان بيك جداً، وعندي أمل إنك هتبقى أحسن مني أنا ومالك إن شاء الله. رفع جاسم يديه للأعلى وهو ينظر للسقف بشرود: -يا رب، ثبتني وابعد عني شيطاني وقربني ليك واهديني لعبادتك يا أرحم الراحمين. -آمين. *** احتضنت إمتثال ابنتها بشفقة على حالتها المنهارة، وقالت برفق: -اهدّي بقا يا سلوى، مش كده، انتي عندك السكر وممكن تتعبّي يا بنتي. كفّت سلوى دموعها، وقالت بألم وسط شهقاتها:
-بنتي بقت بتكرهني خلاص، مش طايقة تشوفني. ربتت روضة على كفها لتهدئتها، وقالت ببرائة: -اهدّي يا ماما لو سمحتي، هي هتاخد كام يوم بس وهتهدى وهتبقى كويسة، بس محدش يضغط عليها. انتوا ما تعرفوش اللي إحنا شوفناه معاها لحد ما اتعودت على سفرك انتي بالذات، وخصوصاً لما بابا ضربها ونقلناها للمستشفى. شهقت سلوى من بين دموعها، وقالت بضيق: -وأنا ذنبي إيه؟ أنا مش قدامك حاولت معاه عشان أبعده عنها.
سحبت روضة نفساً طويلاً وزفرته بهدوء لتهدئة انفعالاتها، وقالت بلوم قاسٍ: -هي وقفت قدامه عشانك انتي، رفضت الإهانة ليكي منه وكان جزائها إنه قفل عليهم الباب وضربها بالحزام وجه على وشها واتعورت ودمها غرق وشها، ولولا عمرو كسر الباب كانت ماتت في إيده. ده حتى عمرو لحد دلوقتي بيعالج كتفه من كسر الباب. ولما رجعت من المستشفى لقتك سبتيها ومشيتي من غير حتى ما تطمني عليها كأنها كلبة ولا تسوى.
تطلع الجميع لروضة متعجباً من ردة فعلها الجديدة عليهم، فلم يسبق لها الانفعال هكذا من قبل. فأغمضت روضة عينيها للحظات، وقالت بهدوء: -إديها وقتها يا ماما، مش سهل اللي حصلها وبسببه رفضت عرسان لا تحصى ولا تعد. هي محتاجة ترجع ثقتها فيكم وده مش هيبقى سهل. جلست آمال بجوار سلوى، وقالت بابتسامة هادئة لتغير حالة الحزن التي عبأت الأجواء: -بقولك إيه يا سلوى، قومي بينا أوريكي شقة العرايس وأفرجك على الحاجات اللي جبتها لروان.
أومأت سلوى برأسها، وقالت بصوت ضائع: -طيب، يالا يا حبيبتي. صعدت السيدتان لشقة العروسين، فجلست روان بجوار روضة، وقالت بلوم: -ليه كده يا روضة؟ انتي أعقل من كده يا حبيبتي. مررت روضة أناملها بشعرها، وقالت بحزن: -وعد تعبت كتير يا روان وعلى يدك، مش هسمح لحد يرجعها لحالتها القديمة تاني، وهما لازم يفهموا إنها مش بنتهم الصغيرة الدلوعة اللي سابوها بالسنين وما فكروش فيها. مصمصت إمتثال شفتيها بامتعاض، وقالت بحدة:
-معاكي حق يا روضة، دي كانت هتموت مننا. عموماً ربنا يهدّي الحال. قومي يا أختي انتي وهي ساعدوني في الغدا، رجليا فقفقت. وقفت روان بضيق، وقالت بتذمر: -حرام بقا، أنا فرحي كمان كام يوم والمفروض أرتاح وأعمل مسكات وكريمات وحمام بخار. دفعتها إمتثال أمامها بقوة، وقالت ساخرة: -طب روحي اقفي انتي قدام البوتوجاز باشرى على الأكل عشان تعملي حمام بخار لسنتين قدام، يالا للشبشب هيشتغل.
ابتسمت روضة وروان وهما يساقان أمام إمتثال بالقوة الشبشبيّة. *** أحياناً يكتب لنا القدر بدايات ربما حينها لم تكن الأفضل، ولكن مع الوقت والتعمق بما كتبه الله لنا نستدل على آياته وكرمه بنعمه التي تشملنا دائماً. الفقد أكبر الفجائع بحياتنا القصيرة، ولكن فقدان الأهل لهو الفجيعة الكبرى والأكثر إيلاماً. وأتوقف قليلاً عند مسمى الفقد، هل هو الموت أو التقصير؟
فأي كان المسمى فالمعنى واحد. اليُتم هو فقدان للأهل، والتقصير منهم أيضاً فقدان ولكل مذاقه وآلامه. ورغم ذلك، فالنسيان نعمة قد أنعم الله بها علينا كي نأخذ قسطاً من الراحة ونبتعد عن الآلام. تعالت ضحكات الفتيات ووعد تكفف دموعها براحتها، وقالت لاهثة: -ارحموني يا ظلمة، قلبي هيقف من الضحك، انتوا إيه مش بتتعبوا؟ فقالت لها إحدى فتيات الدار وهي تضحك بقوة: -لأ بنتعب، وبنرجع نضحك تاني. هزت وعد رأسها بيأس، وقالت مازحة:
-ده انتوا قعدتكم ما يتشبعش منها، أنا بقول بما إن البيت متكهرب عندنا، أنا أروح أجيب هدومي وأجي أعيش معاكم لحد ما أبويا وأمي يسافروا تاني. لمعت عينا إحدى الفتيات، وقالت بفرحة: -والله فكرة، انتي بصراحة بقيتي صاحبتنا بجد واتعودنا عليكي. قوليلنا صحيح أخبار القمر اللي كان معاكي أول يوم إيه؟ رفعت وعد حاجبها باستنكار وهي تنهرها بشدة: -اتلمي يا بت، ده المدير بتاعي. تنهدت إحدى الفتيات بهيام، وقالت برقة:
-يا أختي عليه، بقى الصاروخ ده مدير؟ ده صغنون لسه. زمت وعد شفتيها بتبرم، وقالت بسخرية: -بقى الباشمهندس صاروخ وقمور؟ ده آخر طموحكم في الرجالة. تنهدت إحدى الفتيات، وقالت بهيام: -يخرب بيت جماله... هو كمان باشمهندس؟ ما تجيبي تليفونه يا وعد. تمسكت أخرى بذراع وعد قائلة برجاء: -لأ يا وعد إوعي تديهولها، إديهولي أنا هموت وأسمع صوته. امتعض وجه وعد على هيامهم المقزز، ولاحظت انزواء لمى. فقالت وهي تتجه نحوها:
-أما أروح أشوف الأستاذة لمى مالها. اقتربت منها وعد وهي تنوي إنجاح مخططها بشتى الطرق، فجلست بجوارها، وسألتها بفضول: -إيه يا مزة مالك؟ قاعدة لوحدك ليه؟ ابتسمت إليها لمى برقة، وقالت بجدية: -خايفة من اللي مستنيني بره الدار. عقدت وعد ذراعيها أمام صدرها، وسألتها بمكر: -مالك خايفة كده ليه؟ هي مش رحاب صاحبتك دي انتي بتثقي فيها؟ أرجعت لمي شعراتها خلف أذنها وهي تقول بخوف مستتر:
-أيوه، بثق فيها جداً بس حلمت امبارح إني في مكان ضلمة وجت حية وقعدت تطاردني لحد ما دخلتني غابة كبيرة وكلها وحوش عايزة تاكلني، وقعدت أصرخ بس صوتي كان مخنوق مش بيطلع لحد ما جيتي انتي وشدتيني وجريت معاكي بسرعة وخرجنا من المكان ده وكان النهار طلع. فسرت وعد رؤيتها محذرة، وقالت وهي تمسد شعراتها الناعمة: -دي رؤية وربنا بيحذرك إن في واحدة عايزة تأذيكي، وإني أنا اللي هخلصك منها إن شاء الله. بس عايزة أسألك سؤال فضولي شوية.
تطلعت إليها لمى بتركيز، فأردفت وعد قائلة بتوجس: -هو انتي لسه بتتكلمي مع البنات اللي خرجوا من هنا مع رحاب؟ يعني بتطمني عليهم وكده. دققت وعد في ملامحها لتستشف ردة فعلها من حديثها، والتي تحاول جاهدة أن يبدو طبيعياً. نظرت إليها لمى بحيرة، وأجابتها بتردد: -لأ مش عارفة عنهم حاجة بقالي فترة، وكل ما أسأل رحاب عنهم مش بتطمني، بس أنا مرتاحة عشان هما معاها.
استنكرت وعد ثقتها اللامتناهية بتلك العقربة، وبراءتها التي لا تتناسب مع العالم المحيط بها، والتي هي على أعتاب الخروج إليه، كمن لا يعرف عن السباحة شيئاً ويطلب منه الغطس لمسافات بعيدة. ولكنها قالت بهدوء متزن: -هما معاها فين؟ يعني هي وفرت ليهم سكن؟ أجابتها بتأكيد: -أيوه هما قاعدين معاها في شقتها. فسألتها وعد بتعجب خبيث: -يعني مع باباها ومامتها وإخواتها وكده؟ أومأت لمى برأسها نافية، وأجابتها بعفوية:
-لأ رحاب عندها شقة بتاعتها هي، عايشة فيها لوحدها. زادت نظرات وعد المتعجبة، وقالت بنفور وقدرة عالية على التمثيل تؤهلها للالتحاق بأكبر الأفلام التي تنتج حالياً: -غريبة، بس في مجتمعنا بره مفيش حاجة اسمها واحدة ست تعيش لوحدها وإلا الشبهات دايماً تحوم حواليها. فكرت لمى بكلمات وعد قليلاً، وقد ساورها الشك والريبة لأول مرة. ثم نفضت تلك الأفكار السلبية من رأسها، وقالت بهدوء:
-أصلك ما تعرفيش رحاب، هي شخصيتها قوية وبتعتمد على نفسها في كل حاجة. فسألتها وعد بهدوء ماكر: -طب رحاب استقالت من الدار ليه وفجأة كده؟ مطت لمى شفتيها بعدم معرفة وهي تنفض شعراتها للخلف عنقها بتوتر. فأومأت وعد رأسها بتفهم، وقالت بحنو: -أكيد انتي صح، رغم إن قلبي مش مرتاح وخصوصاً بعد الرؤية اللي شفتيها امبارح. ممكن أطلب منك طلب؟ عادت لها لمي بعينيها قائلة بتأكيد: -طبعاً، ربنا يعلم أنا بحبك إزاي ونفسي أبقى زيك في كل حاجة.
ربتت وعد على ذراعها، وقالت بابتسامة ودودة طامعة في رجاحة عقلها: -قبل ما تعملي حاجة مهمة، خدي رأيي الأول، ممكن. أومأت لمى برأسها، وقالت بتأكيد: -حاضر، انتي هتيجي تاني امتى؟ فكرت وعد قليلاً وهي زامة شفتيها بطفولة، وقالت بابتسامة متسعة: -أنا هحرمكم من طالتي شوية، أصل فرح عمرو أخويا بعد كام يوم، وبعد الفرح هاجيلكم تاني. وأخرجت هاتفها وعبثت به قليلاً، ووضعته أمام عيني لمى، وسألتها بفضول: -قوليلي إيه رأيك في فستاني؟
أشرق وجه لمي بابتسامة شغوفة وهي تقول بإعجاب: -واو، ده جميل قوي، وعليكي هيبقى أحلى لأن جسمك حلو. قبلتها وعد بوجنتها، وقالت بحب وهي تنصرف: -تسلميلي يا لولو، عقبال ما نفرح بيكي، يالا سلام. -سلام.
تطلعت لمى بأثر وعد بابتسامة محبة، وعادت لشرودها بتلك الرؤية المقلقة وأسئلة وعد التي فتحت عينيها على أمور لم تكن تعيها. فربما رحاب لم تكن أهل للثقة، واختفاء أختيها أمر زاد من ريبتها كثيراً. فياترى ماذا أصابهما وما ينتظرها هي الأخرى؟ تنهدت بيأس من أن تصل بتفكيرها لشيء، فقالت بداخلها: -لو رحاب مطمنتنيش على البنات يبقى في حاجة غلط ولازم أعرفها. ***
جلس الجميع على طاولة الغداء التي امتلأت بشتى الأطعمة التي حضرتها إمتثال. تطلع مالك حوله، وسأل بتعجب: -هي وعد لسه ما رجعتش من الدار؟ أجابه عمرو وهو يضع الطعام بصحن روان بإبتسامة شغوفة: -لسه قافل معاها، شوية وهتيجي، وقالت ما نستناهاش ونأكل إحنا.
شعر مالك بالضيق على وعد من رأسها اليابس وعندها اللا محدود. تغاضت روضة عن نظرات الضيق بعينيه وهي تناجي ربها أن يمنحها القوة لمقاومة شعورها. ثم ملأت طبقها وحملته وانصرفت تحت أنظار مالك المتعجب من حالها، فسألها مسرعاً: -مش هتتغدي معانا يا روضة؟ مجرد سماع صوته يذكر اسمها يزلزل كيانها. تود الآن لو تلتفت إليه وترجوه ألا يفعلها مجدداً، فهي تنوي الإقلاع عن حبه وهو لا يساعدها مطلقاً. تنفست بهدوء لضبط انفعالاتها، وأجابته بقوة
وهي تبتعد بعينيها عنه: -هاكل جوه عشان أرفع النقاب. وتركتههم وابتعدت. تنهد مالك بأسى وهو يشتاق لنظراتها وكلماتها المرحة التي كانت تخفف عنه أي شيء يزعجه. يود الآن الغوص داخل مكنونها ليعرف ما يحجبها عنه بتلك الطريقة الشاقة والتي تؤلمه. ففاجأه عيسى بسؤال مباغت: -عامل إيه في شغلك يا مالك؟ التفت إليه برأسه، وأجابه بجدية دون تردد:
-كويس الحمد لله، والفترة الجاية عندي مصلحة لو تمت هرجع أشتري شقتي على طول، أصلي غيرت من عمرو وعايز أحصله. لمعت عينا آمال من الفرحة، وقالت بتمني: -يا رب يا ابني، ده أنا أملي أفرح بيك وبعيالك. دلت وعد لشقتهم وهي تتابع جمعهم، ثم وضعت مفتاحها على الطاولة، وقالت بعبوس: -السلام عليكم. رد عليها الجميع: -وعليكم السلام. وقفت إمتثال مسرعة، وقالت لها بحنو: -ادخلي اغسلي ايديكي وبعدين اقعدي مع روضة جوه وأنا هعملك طبق زيها.
قبلتها وعد بوجنتها، وقالت بتعب متحاشية النظر إليهم، أو بالأحرى إليه، فهي كانت قاسية معه اليوم رغم أنه أراد أن يخفف عنها ضيقها: -حاضر يا تيتة، ربنا يخليكي ليا يا حبيبتي. وإنصرفت، وعينا والدها تتابعها بغضب. ثم قال بسخرية: -فاكرة نفسها هتأدبني. فقال له عمرو بهدوء كي لا تتأثر جلستهم بتلك المشاحنات: -قولي يا بابا، إيه رأيك في الشقة وفرشها؟ -حلوة يا ابني ربنا يباركلك فيها ويهنيك ويرزقك بالذرية الصالحة. دنا سراج من عيسى،
وقال له بخفوت: -عايزين بعد الغداء نحبس في القهوة بتاعتنا باثنين شاي بنعناع من بتوع زمان. ابتسم عيسى بهدوء، وقال: -أنا أصلاً مش عايز أفضل هنا، ما بقاليش غير يوم واتخنقت. حدجه مالك بضيق، ووضع عينيه بصحنه متابعاً لطعامه وهو يكظم غيظه منه بداخله، فلم يأن أوان المواجهة بعد، فلينتظر إلا أن تصبح له، ولن يسمح لأحد بتعكير صفوها مرة أخرى. ***
بعد عدة أيام، بحثت وعد حولها وهي تمسح المكان بعينيها فلم تجدهما. فدلت لغرفة روضة فوجدتهما تجلسان على الفراش وروان يبدو عليها الارتباك والتوتر. فأطلت وعد برأسها، وقالت مازحة: -بتتكلموا كلام كبار صح؟ قذفتها روضة بالوسادة وقالت بغضب لذيذ: -ولما انتي عارفة إننا بنتكلم كلام كبار بتدخلي علينا ليه؟ تفادت وعد الوسادة، وقالت بضيق:
-طنط آمال هي اللي بعتتني أدور عليكم، وبتقولكم تعالوا بقا عشان الضيوف اللي بره عايزين يهيصوا للعروسة، والست بتاعة الحنة هترسملنا، يالا بقا. زفرت روان بخوف، فربتت روضة على كفها وقالت لتطمئنها: -متخافيش من حاجة يا رونى، عمرو بيحبك وبيخاف عليكي وعمره ما هيخوفك منه، بالعكس بقا. أومأت روان برأسها، فصاحت بهم وعد بفقدان صبر: -يالا بقا انتي وهي، هي الضيوف دي جاية لأمي؟ ده انتوا كوزين نكد.
فقذفتها الإثنتان بالوسائد، فركضت مسرعة وهي تضحك بطفولة. وبدأت حفلة الحنة، وتعالت الزغاريد، وجذبت روضة وعد من ذراعها ودفعتها لترقص. ولفت خصرها بوشاح وغمزت لها بعينيها، وبدأت وعد رقصتها بخجل حتى اعتادت ورقصت بأريحية. وعيون النساء تتابع تمايلها الجذاب وحركة خصرها اللولبية، وتمايل كتفيها بدلال ناعم، وتلك الأشعة الطويلة تشاركها رقصتها بفرحة. لم تكن تشعر بتلك العيون المتفحصة لها بإعجاب شديد. بينما ابتسمت سلوى وهي تتابع تمايل ابنتها الاحترافي. فجلست بجوارها إحدى قريباتهم،
وقالت لها بابتسامة شغوفة: -وعد بقت عروسة زي القمر يا سلوى، ربنا يباركلك فيها. أجابتها سلوى بامتنان وهي تصفق بهدوء وعيناها تتابع صغيرتها بشوق: -شكراً يا حبيبتي. مالت عليها السيدة، وقالت بجدية: -بصراحة يا سلوى أنا كنت عايزة أخطبها لأحمد ابني، وانتِ عرفاه عنده ورشة كبيرة وعنده شقته ومتعلم وجاهز من كله. حدجتها سلوى باهتمام، وقالت بفرحة:
-انتي هتقوليلى على أحمد، ربنا يباركلك فيه ويحميه، خليه يبقى يفاتح أبو عمرو واللي فيه الخير يقدمه ربنا. -إن شاء الله خير. بعد قليل، جلست إحدى الجارات بجوار سلوى، وقالت لها برجاء: -كان ليا طلب عندك يا أم عمرو ومش عايزة كى تكسفيني. أجابتها سلوى بفضول، وقالت بابتسامة ودودة: -انتي تأمري يا حبيبتي، هو إحنا عشرة يوم؟ -تسميلي يا حبيبتي، بصراحة ابني وليد كلمني عشان أفاتحكم في موضوع إنه عايز يتقدم لوعد.
ارتفع حاجبا سلوى للأعلى، وقالت بتعجب: -وماله يا حبيبتي، وليد متربي مع عمرو وعارفة أخلاقه، خليه يبقى يكلم أبو عمرو واللي فيه الخير يقدمه ربنا. بعد فترة، جلست آمال بجوار سلوى التي تصفع كفاً بكف من دهشتها، فسألتها بفضول: -مالك يا سلوى؟ فيكي حاجة؟ لوت سلوى شفتيها بتعجب، وقالت على مضض: -يا أختي النهاردة اتقدم لوعد تلت عرسان أحلى من بعض، وأمهاتهم كلموني، الواحد محتار والله. ربتت آمال على كف سلوى، وقالت لها بفرحة:
-يا ماشاء الله، هي وعد النهاردة كانت زي القمر ورقصت رقص يهبل، ربنا يحميها، عقبال ما تفرحي بروضة كمان. وضعت سلوى يدها أسفل خدها، وقالت بحسرة: -روضة... ومين اللي هيشوفها وهي مخبية وشها كأنها متشوهة ولا حاجة، حتى النهاردة لبسالي عباية واسعة وعليها النقاب حتى لما بترفعيه مش مبينة من وشها حاجة، البت دي هتجنني. -بكرة ربنا يرزقها بإبن الحلال اللي يستاهلها ويقدرها، دي روضة دي ما فيش زيها. تنهدت سلوى مطولاً بحزن، وقالت برجاء:
-يا رب يا آمال يا أختي. انتهت حفلة الحنة، وعادت آمال وابنتها لشقتهم، فجهزت آمال العشاء وهي تبتسم بفرحة. فسألها سراج بتعجب: -مالك يا آمال؟ إيه اللي مفرحك كده؟ وضعت الأطباق من يدها، بينما جلس مالك وروان بأماكنهم. فأجابت زوجها بتلقائية: -يا أخويا النهاردة اتقدم لوعد تلت عرسان زي الفل وأمها محتارة. شهق مالك بداخله، بينما تابعت آمال بابتسامتها الفرحة:
-هي الصراحة النهاردة كانت زي القمر، ورقصت رقص خلت الستات هتتهبل عليها، والله قرأت لها المعوذتين في سري، البت دي نجمها خفيف. صك مالك أسنانه بقوة ووقف مسرعاً وترك طاولة الطعام، فسألته آمال بتعجب: -رايح فين يا مالك مش هتتعشى يا حبيبي؟ أجابه وهو يحمل هاتفه ويتوجه للشرفة منزعجاً: -ثواني بس يا ماما، افتكرت حاجة هقولها لجاسم وهاجي على طول. ثم توجه للشرفة وهاتف جاسم الذي رد عليه قائلاً: -مالوك، ناقصك حاجة يا معلم؟
أجابه مالك مندفعاً من شدة غضبه: -جاسم أنا هحجز على طيارة بعد بكرة، أطمن على روان بكرة وأسافر بعدها. فسأله جاسم متعجباً من تسرعه قائلاً بفضول: -اشمعنى يعني؟ إيه اللي جد مسرّعك كده؟ زفر مالك بضيق، وقال هامساً: -لازم أسرّع، النهاردة بس اتقدم لوعد تلت عرسان، أمال بكرة في الفرح هيبقوا كام؟ لأ يا عم أنا لازم أسافر بسرعة لتطير مني، أنا عارف إنها هترفضهم بس برضه مش هقف أتفرج. شعر جاسم بنيران حارقة تتدفق بعروقه وعبس بقوة،
وأجابه بصوته الأجش: -عندك حق، الموضوع ده لازم يخلص بسرعة لأن أي بطء فيه مش كويس. لم يدرك مالك مقصد جاسم بأنه يريدها لنفسه، ولكن أجابه بامتنان: -عندك حق، أنا هحجز التذكرة بالنت وانت عليك الباقي تمام يا صاحبي. أومأ جاسم برأسه قائلاً بحدة: -تمام، روح نام انت عشان تبقى جاهز لبكرة وما تشغلش بالك بحاجة، يلا تصبح على خير يا أخو العروسة. ابتسم مالك براحة، وقال: -وانت من أهله يا صاحبي.
وأغلقوا الخط، وعاد مالك للجلوس مع أسرته لتناول عشائه، وأخبرهم بأمر سفره. بينما وقف جاسم ينظر لشرفة غرفة وعد من أسفل عقارهم بغضب، وقد نوى المضي قدماً في خطته حتى تصبح له مهما كلفه الأمر، فلن يفوز بتلك الجوهرة غيره، هي ملكه وفقط. ***
خرجت روان من مركز التجميل تجر فستانها الأبيض المنفوش، وابتسمت بخجل وهي تتطلع لعمرو بهيئته البهية، بعدما حلق ذقنه وأظهر بياض بشرته، وصفف شعراته ليصبح جذاب بكل معنى الكلمة. أما هو، فوقف يتأمل حبيبته البريئة بفستانها الرقيق مثلها، وهيأتها الملائكية بسعادة بالغة، فها هي قد أصبحت عروسه، وبعد ساعات ستصبح زوجته، نصفه الثاني. وقفت أمامه بخجل، فرفع كفها ولثمه برقة أذابت حواسه. ثم رفع عينيه إليها، وقال بفرحة:
-بسم الله ما شاء الله، زي القمر يا روني، ربنا يحميكي يا حبيبتي. ضغط جاسم بوق سيارته، وقال بابتسامة مشاغبة: -يالا يا عريس، متأخرين على الزفة يا ابني. أفسح عمرو المجال لروان وفتح لها باب سيارة جاسم الفارهة، وقد فتح سقفها. ثم جلست بهدوء وجلس عمرو بجوارها. واطمأنت روضة من وضع فستان روان، وقالت لعمرو: -أنا هروح أركب في عربية خالتي، ووعد هتركب معاك. تهللت أسارير جاسم بفرحة مخفية، بينما سألها عمرو بحيرة: -وهي وعد فين أصلاً؟
أشارت له قائلة: -هتخرج أهي، هروح أحط الشنط دي في عربية مالك وأركب مع خالتي. أومأ لها عمرو برأسه وهو شارد بعروسته. بينما بحثت روضة بعينيها عن سيارة مالك، إلا أن رأته ببذلته الرمادية وقميصه الأبيض ورابطة عنقه الرمادية. ابتلعت ريقها بتوتر من جماله الصارخ، وسارت نحوه وهي تخفي إعجابها وتخبطها. وقفت أمامه، وقالت بجمود: -لو سمحت خلى الشنط دي معاك في شنطة العربية ولما هنروح هاخدها منك.
تطلع مالك لهيأتها الجميلة بعبائتها الفضفاضة باللون البيج والمطرزة بالفضّي، وخمارها المتوسط الطول بلونه البيج أيضاً ونقاب من نفس اللون، وعلى رأسها تاج رقيق ليكمل أناقتها المريحة للنظر. حمل مالك منها الحقائب، وقال بإعجاب: -عقبالك يا روضة، بس أول مرة أعرف إن النقاب بيبقى حلو كده.
شهقت بداخلها ورفعت عينيها نحوه لتذوب مع نظراته التي ملأها الإعجاب. أما هو، فجذبه عينيها والتي كحلتها لأول مرة فأظهرت لونها الأسود الدافئ. امتدت نظراتهم للحظات، فانسحبت روضة بهدوء، بينما استمرت ابتسامة مالك حتى تلاشت فجأة وحل محلها عبوس ونظرات نارية غاضبة وهو يتطلع بوعد التي خرجت للتو من مركز التجميل.
تصلبت تعابيره وهو يتطلع لجمالها الزائد عن الحد بفستانها الضيق حتى خصرها والمنفوش حتى كاحليها بلونه البنفسجي، ومكياجها الرقيق. حك ذقنه وهو يتأملها بإعجاب، فقد كانت كأميرات الحكايات، بل هي أميرة الحكايات، شهرزاد. زادت دقات قلبه خفقاناً مع اقترابها، وقالت له بابتسامتها المهلكة: -إزاي حضرتك يا باشمهندس. بادلها جاسم ابتسامتها وهو يقول برقة تماشّت مع حركته الناعمة وهو يفتح لها باب السيارة بجواره:
-أنا كويس الحمد لله، ولو إني افتقدتك في الشغل اليومين اللي فاتوا.
ركبت وعد وهي تلملم فستانها، وأغلق جاسم الباب بجوارها، والتف ليركب أمام المقود، وتوجهت السيارات لمكان حفل الزفاف. وفي الزفة الدمياطي اندمج الجميع بفرحة، وحاول مالك لأكثر من مرة أن يتحدث مع وعد، ولكن باءت كل محاولاته بالفشل. وبعد دخول العروسين للقاعة، استغل مالك انشغال الجميع ووالده يسلم روان لعمرو أمام الضيوف ويوصيه عليها. وطلب من وعد أن تخرج لتحادثه قليلاً. وبالفعل خرجت وهي متعجبة من طلبه الآمر. وما
أن رأته حتى سألته بضيق: -عايز إيه يا مالك؟ دلوقتي لو حد شافنا يبقى كويس. زفر بضيق وهو يحاول السيطرة على انفعالاته، وقال بنبرة متشنجة: -إيه اللي حضرتك عاملاه في نفسك ده. رفعت وعد حاجبا بدهشة، فهي لم تتوقع نظرات الضيق والازدراء في عينيه، بل انتظرت نظرات إعجاب وإثناء على جمالها. فتغاضت عن غضبها، وقالت ببرود: -عادي يعني، مش أخت العريس. تصنع الابتسام وهو يقول بغضب:
-لأ والله، وإمبارح كمان سمعت إنك خربتيها رقص وجالك تلت عرسان، أمال النهاردة هيبقوا كام. أخفت وعد ابتسامتها الشقية وهي تتابع غيرته اللذيذة، وقالت بجمود: -وانت عرفت منين أنا عملت إيه امبارح؟ أكيد طنط آمال قالتلك، أنا هقولها إني زعلت منها بجد. صك مالك أسنانه بقوة وكور قبضته أمام وجهها بغيظ. فرمشت بعينيها أكثر من مرة وهي تشعر بخوف لذيذ من كبته لغضبه وهو يهدر بها بعصبية:
-لأ والله نسيب الحمار ونمسك في البردعة، انتي عايزة تجننيني. عقدت وعد ذراعيها أمامها بتحدٍ، وعيناها تقدح شراراً من غضبها: -مش فاهمة برضه انت عايز مني إيه. رفع مالك حاجبيه متعجباً من طريقتها المستفزة. واقترب منها قليلاً وهو يغوص داخل عينيها. ثم قال هامساً: -بقا مش فاهمة؟ طيب، حضرتك مش هتتحركي من جنبي هنا وإلا ترجعي تقعدي جنب مامتك زي روضة، ولو اتحركتي ما تلوميش إلا نفسك.
تأففت وعد بشدة من تسلطه الآمر عليها، وشددت من عقد ذراعيها أمام صدرها وتحاشت التطلع إليه. رغم ضيقها الذي تظهره، إلا أنها كانت مستمتعة باهتمامه وغيرته عليها، فهي لا تقل حالاً عنه وتخشى أن تلفت أنظاره إحدى الفتيات المحيطة بهم. فوقفت تتابع الحفل من شاشات العرض. حتى وقف جاسم بجوارهم، وسألهم متعجباً من وقفتهم الشاذة: -انتوا واقفين كده ليه؟ هو ده مش فرح إخواتكم يا ابني انت وهي. استغلت وعد وقوف جاسم
وهربت مسرعة وهي تقول بذعر: -بعد إذنكم. زفر مالك بضيق وهو يتابع هروبها وتلك العيون الوقحة تلاحقها أينما تحركت. وخزه جاسم بذراعه، وقال بغضب مخفى وراء ضحكة صفراء: -روح اقف جنب أختك عيب، الناس هيقولوا إيه عليك. أشار إليه مالك وهو يمد ذراعه وقال بنزق: -طب قدامي يا أخويا. وقفت وعد تصور رقصة عمرو وروان الهادئة بهاتفها، فوقف مالك بجوارها متصنعاً التصوير أيضاً، وقال لها بصوت عالٍ لتسمعه:
-أنا مسافر رومانيا بكرة وهقعد فترة طويلة. شهقت وعد بضيق، والتفتت إليه برأسها وقالت وهي متجهمة الوجه: -لسه فاكر تقول لي، ماشي يا مالك. تعمق بعينيها وهو يقول موضحاً: -أنا مسافر عشان أقدر أوفر مبلغ أشتري بيه شقتنا، كام أسبوع وهرجع على طول أخطبك وأبدأ أجهز شقتنا وأتجوزك فوراً. احمرت وجنتاها بخجل رقيق وهي تطرق رأسها بشرود. فدنا منها مقرباً المسافات بينهم، وقال هامساً ليشعل بداخلها شوقاً له من الآن:
-كل اللي هيتقدمولك دول يترفضوا، مفهوم؟ ومن البيت للشغل ومن الشغل للبيت، عمرو مش هيوصلك وهتبقي لوحدك فخلي بالك من نفسك تمام. أومأت برأسها إيجابياً بهدوء، وهي تملأ عينيها بملامحه التي ستشتاق إليها. وبادلها هو نظراتها بنظرات أكثر سخونة ولوعة. بينما اعصر الألم رأس روضة وهي تتابع حديثهم ونظراتهم، فركت جبهتها بألم. فدنت منها والدتها وسألتها بقلق: -مالك يا روضة؟ قومي يا حبيبتي اتحركي هتفضلي قاعدة جنبي كده زي عجائز الفرح.
تطلعت روضة لسلوى بيأس، وقالت برجاء: -سبيني براحتي يا ماما، وأرجوكي ركزي مع عمرو. بعد قليل، لاحظ جاسم وقوف وعد بمفردها، فاقترب منها ووقف بجوارها وهو يتأملها بحب. ثم قال بابتسامته الجانبية المشاغبة: -على فكرة انتي النهاردة زي القمر، بصراحة أحلى بنت في الفرح كله. ابتسمت وعد بخجل وهي تشعر بحزن، فقد كانت تتمنى أن تستمع لتلك الكلمات الناعمة من مالك. رفعت عينيها نحوه، وأجابته بامتنان ممزوج بالخجل: -متشكرة يا فندم.
قطب جاسم جبينه بضيق، وسألها بلوم: -وعد، هو انتي ليه دايماً بتقولي لي يا فندم، أو يا باشمهندس مع إنك بتتعاملي مع سامر ومالك عادي يعني ومش عاملة بينكم فوارق وألقاب؟ -حضرتك المدير بتاعنا وصاحب الشركة، فأكيد لازم أحترمك. رد عليها بهدوء متزن وهو يلتهمها بعينيه قائلاً: -بس الفترة اللي فاتت انتي المديرة بتاعتي وانتِ اللي بتوجهينا كلنا، يعني زيك زينا وأكتر، فياريت تبطلي تتعاملي معي رسمي قوي كده.
كانت تتابع كلماته ونظراته بتعجب، شفرات، دائماً ما يبعث إليها بشفرات لا تستطيع ترجمتها. ولكنها لا تشعر بالأمان مع أحد سواه، حتى مالك. وتلك العيون السوداء الحازمة والتي أصبحت طوق النجاة لها دائماً. هناك بداخلها شيء يرتجف بمجرد النظر إليه ولا تعلم له سبباً. ولكنها ابتسمت إليه بود، وقالت بقوة: -تعالى معايا أعرفك على والدي ووالدتي، ممكن.
عاد لابتسامته المشاغبة وهو يراها تتهرب من طلبه بذكاء، فأومأ برأسه موافقاً، وقال مؤكداً: -يا ريت طبعاً. تقدمته ببعض خطوات وهي تقف أمام طاولة والديها، وقد شعرت بالضيق من قربها منهم، ولَامت نفسها لما طلبت منه ذلك الطلب الثقيل على قلبها، ولكنها هتفت بوالدها قائلة ببرود: -بابا، الباشمهندس جاسم رحال حابب يسلم على حضرتك. وقف عيسى مسرعاً وصافحه بقوة، وقال مرحباً:
-يا أهلاً وسهلاً يا باشمهندس، منور الدنيا والله، أخبار الحاج فضل إيه؟ أجابه جاسم بابتسامة ودودة: -كويس الحمد لله، هو مستني زيارة حضرتك وطلب من وعد تقولك. أومأ عيسى برأسه موافقاً، وقال بفرحة: -طبعاً هزوره ده أبوك ده عشرة عمر ده غير قرابتي بالحاجة والدتك. ثم ترك كفه وأشار لزوجته، وقال بهدوء: -قومي يا أم عمرو سلمي على الباشمهندس جاسم.
وقفت سلوى وهي تتطلع لجاسم بشغف من هيئته المهيبة وبنيانه الجسدي القوي وفخامة ملابسه. ثم صافحته بابتسامة، فبادرها قائلاً: -مبروك لعمرو يا فندم. أجابته بابتسامة متسعة: -الله يبارك فيك يا حبيبي، عقبالك وبلغ سلامي للحاجة دولت والدتك. -يوصل إن شاء الله. ثم هز رأسه لروضة، وقال باحترام: -أخبارك إيه يا أستاذة روضة. أجابته روضة مسرعة: -الحمد لله، شرفتنا يا فندم. -الشرف ليا.
ثم دنا من إمتثال وقبّل كفها، وسألها بحب لتلك السيدة الطيبة والتي يشبهها بوعد قليلاً: -أخبارك إيه يا تيتة، وحشاني والله. ربتت إمتثال على كفه بحنو، وقالت بمكر عابث: -كويسة يا حبيبي، بص بقا بشياكتك دي لازم تلاقي عروستك النهاردة والفرح مليان ببنات زي الفل، وإلا هشغلك الشبشب، فاهم. تعالت ضحكة جاسم وهو يتطلع إليها بخوف مصطنع، ورفع ذراعه بالهواء، وقال: -لأ الشبشب لأ، وأوعدك إني هخرج من الفرح ده وأنا لاقي شريكة عمري.
أنهى كلماته وهو يتطلع بوعد، فلاحظت سلوى نظراته فابتسمت بفرحة، فعريس كجاسم رحال لوعد هو أقصى ما تتمناه. *** بعد انتهاء حفلة الزفاف، جلست وعد في سيارة جاسم ودموعها لا تنضب، وتعالت شهقاتها. فربت عمرو على كتفها بحنان، وقال بضيق على حالتها: -خلاص بقا يا وعد ده أنا في الشقة اللي فوقك يا عمري. مد جاسم يده بعلبة المحارم، فالتقطت وعد إحداهم بأناملها، وقالت من وسط بكائها:
-بقا يا ربي أكبر وأعلم وأربي وتيجي خطافة الرجالة دي تاخده مني على الجاهز، صحيح ربي يا خايبة للغايبة. تعالت الضحكات من حولها، فصرخت بهم بغضب: -محدش يضحك أنا بقولكم أهه، آه يا ميلة بختي ياني... هعمل إيه من بعدك يا عمورة. أخفى جاسم ضحكاته وهو يناولها علبة المحارم مجدداً، وقال بتحذير: -كفاية عياط بقا، مكياجك هيبوظ وهتبقي شبه الباندا. شهقت وعد ولفت مرآة السيارة الجانبية لتتأكد من أنه لم تنتزع زينتها، وبعدما اطمأنت
قالت لجاسم من بين دموعها: -أقولك سر. اتسعت ابتسامة جاسم وهو يتابع طفولتها التي بات يعشقها، وأومأ لها برأسه موافقاً، فقالت بخفوت: -أصل أنا المدير بتاعي صرف لي شهر مكافأة و... التفتت للخلف فجأة، فوجدت عمرو يحتضن كف روان، فصرخت بهم بقوة قائلة: -سيب إيدها، انت سامع ولا لأ. ترك عمرو كف روان على مضض، بينما عادت وعد برأسها لجاسم، وتابعت حديثها قائلة:
-فأنا بقا بالفلوس دي اشتريت مكياج من النضيف وخلّتهم يحطولي منه في الكوافير، فأكيد مش هبقى باندا ولا حاجة لأنه ووتر بروف. والتفتت برأسها مجدداً للخلف، وقالت محذرة: -شايفاكم، لو قربتوا لبعض هدخل فيكم السجن، سامعين. زفرت روان بغضب، وقالت بحدة: -بت انتي هو محدش قادر عليكي، ما تشيلينا من دماغك لهجيبك من شعرك والله. ردت عليها وعد بنبرة لازعة وهي تحاول أن تشتبك معها بالأيدي بعدما التفت بجسدها للخلف:
-تجيبي مين من شعرها يا خطافة الرجالة انتي، ده انتي ليلتك هباب. حاول عمرو التفرقة بينهم، وجاسم منهار من كثرة الضحك. بينما قالت وعد بعبوس: -بقا كده يا روان، طب إيه رأيك إنك هتباتي في حضني النهاردة، إيه رأيك بقا. اتسعت عينا جاسم وهو يتطلع لملامح عمرو بالمرآة، فقد ارتفع حاجبيه وتنفس مطولاً، وهتف بخوف: -لأ، كله إلا كده، خلاص يا وعد يا حبيبتي مش هاجي جنبها خالص. ثم التفت لروان، وأشار إليها برأسه قائلاً بحزم:
-لمي فستانك ده والزقي في باب العربية بعيد عني، يالا. تأففت روان بغضب وهي تبتعد عنه، بينما ابتسمت وعد براحة واعتدلت في جلستها وقد جفت دموعها. فسألها جاسم بهدوء: -هتيجي بكرة للشركة ولا مش هتقدري؟ تنهدت وعد مطولاً، وقالت بحزن علا ملامحها الرقيقة: -مش هقدر أصل مالك مسافر بكرة، ولازم أسلم عليه.
تطلع جاسم للطريق بألم يمزق قلبه وهو يتابع حزنها وشوقها بنبرتها. ولكن ما ينتويه من تلك السفرة هو ما يصبره على جرحه النازف. فقط أسبوع وستصبح له، وبعدها سينسيها مالك ونفسها لو تطلب الأمر، فل تنتظر قليلاً يا قلبي، فقط بضعة أيام أخرى وترتاح للأبد. *** أغلق عمرو باب شقته، واستند إليه بظهره وهو يزفر براحة. ثم قال بإرهاق: -أخيراً سابونا نطلع، ده أنا مكنتش مصدق إننا هنوصل للمرحلة دي.
جلست روان بصعوبة على إحدى الأرائك من فستانها، وحاولت الوصول لحذائها ولكن كان الأمر من رابع المستحيلات. اقترب عمرو منها، وسألها بتعجب: -بتعملي إيه يا روني؟ -بحاول أوصل للشوز مش عارفة، رجلي بتوجعني منه. جثى عمرو أمامها، وقال وهو يرفع طبقات فستانها الكبير: -إيه ده يا بنتي ساعة عشان أوصل لرجلِك، أمال هاخد وقت قد إيه في الباقي. رفعت روان حاجبيها، وقالت بخوف: -باقي إيه إن شاء الله؟ أجابها بغمزة من عينيه قائلاً بمكر:
-الحجاب طبعاً، إنتي دماغك راحت فين؟ ثم أعاد عملية التنقيب عن حذائها مجدداً، قائلاً بتلقائية: -ارفعي رجلك يا روني. شهقت روان بخجل، وهدرت به قائلة بعصبية: -احترم نفسك. -يووه، برضه دماغك راحت شمال. اشتعلت عينا روان بغضب، وقالت وهي تدفعه بقوة متذمرة: -طب إوعى بقا يا ظريف. أثناء حركتها الزائدة ارتفع ساقها، فتمسك به عمرو قائلاً بسخرية: -أوبا، أفشتك، اثبتي بقا قبل ما رجلك تهرب تاني.
ضحكت روان ضحكة عالية، فصفر لها عمرو بمشاغبة، وقال بتنهيدة حارة: -أيوه بقا، ده إحنا ليلتنا عنب بالصلاة على النبي. وقفت روان بتثاقل وهي تجر فستانها حافية القدمين، وفجأة شعرت بقدميها تترنح بالهواء وجسدها استقر على ذراعي عمرو، ففطنت أنه حملها، فقالت بذعر: -نزّلني يا مجنون. -لأ أزعل، انتي مش عارفة قدراتي ولا إيه، ده انتي هتحتفظي بهذا اليوم في ذاكرتك للأبد يا عمري. تغنجت روان بكتفها، وقالت بدلال: -كده يا عمرو، طب مخمصاك.
عض على شفته السفلى باستثارة، وقال بعبث وهو يلتهمها بعينيه: -أموت أنا في جو المتخاصمين ده، ده بيطلع من وراه أحلى شغل وهصالحك براحتي خالص. عادت روان لضحكاتها العالية، فصاح بها عمرو بضيق: -الرحمة يا مفترية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!