الفصل 9 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل التاسع 9 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
17
كلمة
9,526
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 29%
حجم الخط: 18

وصلت السيارة الأجرة لوجهتها أمام شاليه وعد. ترجلا منها وانطلقت السيارة مغادرة. تطلعت وعد لجاسم متعجبة وسألته بتلقائية: "هو حضرتك مش هترجع معاه؟ وضع جاسم كفيه في جيبي بنطاله الجينزي وطلعها بابتسامة مشاغبة وقال بلوم: "ده انتي بخيلة بشكل.. طب قولولي اتفضل اشرب كوباية ماية أكيد ريقك نشف من الطريق." عضت وعد شفتها السفلى بحرج وهي تبتسم بخفوت وطأطأت رأسها بخجل وقالت: "آسفة والله.. طبعًا اتفضل.. أهلاً." رد جاسم مسرعًا:

"إن شاء الله هنبقى أهل وقريب." عادت لها ملامحها المتعجبة من كلماته المبهمة، ثم تطلعت إليه بنظرات ثاقبة وهي تسأله بترقب: "إحنا دلوقتي بره نطاق الشغل.. فا أقدر أتكلم مع حضرتك براحتي مش كده؟ أومأ برأسه وهو يبادلها نظراتها الثاقبة ثم قال بثقة: "قوليلي اللي انتي عايزاه.. ما تقلقيش." عقدت وعد ذراعيها أمام صدرها وقالت بقوة:

"ليه دايما في كلام حضرتك ونظراتك حاجة مش قادرة أفهمها.. لو حابب تقولي على حاجة معينة قولى على طول لو سمحت." اقترب منها في خطوتين وهو يقول بمكر: "أنا ماليش في اللف والدوران.. ولما أحب أقول حاجة بقولها على طول.. وبرضه لو عاوز حاجة مافيش حد في الدنيا يقدر يمنعني عنها."

لم تحصل وعد على إجابة شافية لسؤالها، ولكنها تغاضت عن تلميحاته التي بدأت تتضح إليها. قطع نظراتهم المحتدة والمتأهبة ظهور عمرو وهو يرحب بجاسم بعدما صافحه قائلاً بامتنان: "يا أهلاً وسهلاً.. نورت الدنيا يا جاسم.. مش عارف أشكرك إزاي إنك ما سبتش وعد لوحدها." أجابه جاسم بنظرة معاتبة وهو يقول باستياء: "لو سمحت ما تعملش بينا فرق.. وأنا ما كنتش هطمن عليها لو رجعت لوحدها." نظرت إليهم وعد بيأس وقالت بنبرة محتدة:

"هو انتوا ليه دايما بتعاملوني على إني طفلة صغيرة لازم حد يوصلني وحد يرجعني.. أنا دلوقتي مديرة مكتبك يا باشمهندس.. تعرف يعني إيه.. يعني أنا بساعدك في إدارة شركة من أكبر الشركات في دمياط.. ياريت تثقوا فيا زيادة شوية." جذبها عمرو إليه بقوة وضمها بكتفه وقبل مقدمة رأسها وقال ساخراً: "قوليلي اللي انتي عايزاه بس هتفضلي في نظري البنوتة الصغيرة بتاعتي." ابتسمت وعد رغماً عنها وقالت بعبوس مزيف: "بس برضه يا أستاذ عمرو هتتعاقب."

صفع عمرو جبهته بقوة وقال برجاء: "لأ.. عقاب لأ.. وبعدين جاسم هو اللي صمم يوصلك لهنا.. عاقبيه هو بلاش أنا... أنا عريس وغلبان والله." عقد جاسم حاجبيه متعجباً وسألهم بفضول: "هي هتعاقبك إزاي يا عمرو؟ أجابه عمرو وهو يرسم على وجهه ملامح المقهور قائلاً: "هتخليني أجيب لها آيس كريم وشوكولاتة بكل الفلوس اللي معايا." ضحك جاسم ضحكة عالية وهو يلتهمها بعينيه ثم دنا منها وهو يقول ساخراً:

"وزعلانة إننا بنوصلك وخايفين عليكي.. لأ ومأموصة قوى إننا بنعتبرك صغيرة وإنتي صغيرة فعلاً.. لسه بتاكلي آيس كريم وشوكولاتة." ازدادت حركة شفتيها امتعاضاً وهي تهز ساقها قائلة بغضب: "فيها إيه يعني لما آكل آيس كريم.. يعني انت مش بتاكله." وقفت سيارة مالك بجوارهم، فالتفتوا إليه حتى صفها وترجل منها قائلاً بابتسامته الهادئة: "انتوا سبقتوني.. ده أنا جاي بسرعة عشان ألحق جاسم قبل ما يمشي." صافحه جاسم مصافحتهم المعتادة

وقال بابتسامة هادئة: "أنا ما كنتش همشي غير لما هاخدك.. ورايا شغل وعاوزك معايا." أشار إليه مالك للصعود معهم حتى يتناول غداءه ويبدل ملابسه وينطلق معه. صعدوا جميعاً وجلسوا بالشرفة الواسعة، فأشار مالك لوعد بحاجبيه أن تقف ليخاطبها. وبالفعل وقفت مستندة على سور الشرفة ووقف مالك بجوارها متأملين البحر بهدوء، حتى قال لها مالك بهمس مثير: "وحشتيني."

ابتسمت شفتيها بهدوء ثم تطلعت إليه للحظات قليلة، وتركته والتفتت لتجد جدتها أمامها، فاحتضنتها قائلة بمداعبة: "وحشتيني يا إمتثال." كل هذا وجاسم يشتعل من غضبه بينما يبتسم لعمرو ويبادله حديثه، حتى انتبها على قدوم إمتثال ناحيتهم. وقف جاسم مسرعاً ومد يده إليها فصافحته ورتبت على كفه وقالت بامتنان: "شكراً يا ابني إنك عطلت نفسك وجبتها لغاية هنا." عليها جاسم وهو يتطلع بوعد:

"لا عطلة ولا حاجة.. بس واضح كده إنكم كلكم بتعتبروها طفلة صغيرة." اشتعلت عيني وعد وقالت بغيظ: "كده يا إمتثال.. حتى انتي." بحثت إمتثال في الأرضية وهي تقول بتهديد: "برضه هتقولي إمتثال.. مين اللي شال الشبشب من هنا." وضعت وعد كفها على فمها وقالت وهي تضحك بشدة: "بتدوري على إيه بس.. الشبشب في رجلك يا إمتثال."

انحنت الجدة قليلاً والتقطت حذاءها بسرعة عالية وصوبته بسرعة أكبر ناحية وعد التي ركضت واحتمت بباب الشاليه الخاص بهم، ثم أطلت برأسها وقالت ساخرة: "ما جتش فيا." صاحت بها الجدة بغضب وهي تقول: "متستفزنيش هجيلك." خرجت وعد ووقفت أمامها وهي منهارة من الضحك وتطلعت إليها ببرائة كجرو صغير يريد شيئاً وقالت بنبرة دلال: "أنا جعانة قوى يا تيتة.. تصدقي إني ما أكلتش من الصبح." شهقت الجدة بصوت عالٍ وسألتها بقلق: "ما أكلتيش حاجة خالص."

زمت وعد شفتيها بطفولة وقالت: "ما أكلتش حاجة خالص مالص." كل هذا ومالك وجاسم يذوبان مع دلالها المثير كالمثلجات التي تعرضت لفرن ساخن فجأة. حك جاسم ذقنه بإثارة وقال بداخله: "خالص مالص.. وحياة أمي لو ما شالوها من قدامي لهرتكب فعل فاضح في الشاليه العام." تطلعت وعد حولها وسألت بتعجب: "هما البشر اللي هنا فين." أجابتها الجدة مسرعة: "طنطك آمال نايمة.. وروان بتساعدني في الغدا.. وعمك سراج وروضة بيتغدوا بره." أومأت

وعد برأسها وقالت بإرهاق: "أنا هدخل أغير هدومي وهصلي وهاجي أساعدكم." ثم التفتت برأسها لجاسم وقالت بلهجة حازمة لا تقبل النقاش: "حضرتك هتتغدى معانا ومش عاوزة أي اعتراض عشان ما تقولش عليا بخيلة.. وأنا بنفسي اللي هحضره مع تيتة وروان." ثم لم تعطيه فرصة للرد وانطلقت مختفية عنه داخل الشاليه. بينما زفر مالك وجاسم بقوة نافثين تلك النيران التي تأججت بداخلهم من تلك الزوبعة المثيرة. فسألهم عمرو بتعجب: "انتوا حرانين للدرجة دي."

لم يأته رد منهما بينما دلف مالك للاغتسال حتى تهدأ نيران قلبه المشتعلة وارتدى ملابسه وخرج ليساعد الجميع في وضع الطعام على الطاولة التي بالشرفة، بينما أكلت السيدات بالداخل. بعد تناولهم للغداء، أعطت إمتثال العصير والحلويات لوعد لإخراجهم، فقالت وعد بتذمر: "ما تخلي روان هي تخرجهم." جففت روان يدها بمنشفة المطبخ وقالت بسعادة ساخرة: "هاتيهم أنا هخرجهم وإنتي تعالي اغسلي الأطباق." شهقت وعد بذعر وقالت مسرعة بابتسامة صفراء:

"وتتعبى نفسك ليه.. أنا هخرجهم.. قال أغسل الأطباق قال.. وضوافري يا ماما." ثم حملت الصينية وخرجت. دنا مالك من جاسم وقال غامزاً بعينه بمكر: "شغل النهاردة وراه بنت جديدة صح." وقفت وعد لثانية مكانها مصدومة وهي تستمع لكلمات مالك وانتظرت رد جاسم الذي جاء سريعاً وهو يقول بحزم: "لأ طبعًا.. إنت تعرف عني كده." ضحك مالك ضحكة عالية وقال مازحاً: "ده إنت أبو كده.. وأم كده.. وعيلة كده كلها." فقال له عمرو ساخراً:

"كلنا كنا كده.. بس لما بنلاقي الحب اللي بجد بنمسك فيه بإيدينا وأسنانا.. ونعمل المستحيل عشان نحافظ عليه." هام كلا منهما بكلمات عمرو، حتى ظهرت أمامهما وعد التي وضعت الصينية أمامهم وقالت بابتسامة خافتة: "اتفضلوا." قدم عمرو لكل منهم كوبه وقال لوعد: "شكراً يا دودو.. تسلم إيدك." أومأت برأسها وعادت للداخل. التفت جاسم لمالك وقال بحسم: "قوم إلبس بقا يا مالك خلينا نمشي بدري." ارتشف مالك من كوب العصير، ووقف مسرعاً وقال بحماس:

"خمس دقايق وتلاقيني قدامك." وبالفعل ارتدى مالك ملابسه في عجالة وخرج لجاسم الذي وقف ما أن رآه وانطلقا سوياً، في سيارة مالك. كان الصمت حليفهم على غير العادة، فقطع مالك تلك الحالة وقال بابتسامة هادئة: "جاسم." أجابه جاسم بشرود وهو يتطلع للطريق بينما بقى عقله وقلبه عند جنيته الساحرة: "ها." امتعض وجه مالك وقال بعصبية: "ما تبصلي يا عم وأنا بكلمك." التف جاسم بجسده ناحية مالك وقال بملل: "أديني بصيت.. قول يا قوال."

ولى مالك بنظراته متابعاً الطريق ثم تنهد مطولاً وقال: "طلع عندك حق.. أنا بحب وعد." أطبق جاسم عينيه بقوة وهو يكبت بداخله غضباً ينهش بعظامه. ثم فتح عينيه وسأله من بين أسنانه: "وهي." نظر إليه مالك وفي عينيه مزيج من الفرحة والعشق وقال: "هي كمان بتحبني.. وهنتخطب قريب إن شاء الله.. بس محتاج أجمع شوية فلوس عشان الشقة والفرش والشبكة وكده."

عاد جاسم بعينيه للطريق وفكر قليلاً حتى لمعت عينيه بفكرة شيطانية ظلت تدور وتدور داخل عقله حتى اكتملت. ثم التفت لمالك مجدداً بلهفة وقال له ببرائة لعوب: "طب واللي يحللك مشكلتك دي في شهر." قطب مالك جبينه بدهشة وسأله مستفهماً: "قصدك إيه؟!!! ابتسم جاسم ابتسامة شيطانية وهو يرى مالك يقع في فخه بسهولة. ثم قال بنبرة معللة:

"أنا محتاج حد يسافر رومانيا لمدة شهر تقريباً.. هيلف هناك على كل موردين الخشب لينا ويلاقيلى أنسب سعر وأفضل الأنواع.. لأني زهقت من خافيير وبنته.. ومش هلاقي أحسن منك للسفرية دي والمبلغ اللي هتوفره لينا ليك منه نسبة ما تتخيلهاش.. وبكده تقدر تشتري الشقة وإنت حاطط رجل على رجل." شرد مالك قليلاً فيما قاله جاسم، ثم لمعت عينيه بفرحة فهو على أول الطريق المؤدي لحبيبته والذي يبدو أنه باقتراح جاسم قد أصبح على الطريق السريع. لم

يفكر أكثر وأجاب جاسم بحسم: "موافق طبعًا.. بس بعد فرح روان وعمرو." أومأ جاسم برأسه وهو يبتسم ابتسامة شيطانية وقال بهدوء: "ما عنديش مانع طبعًا.. جهز إنت الباسبور والفيزا وسيب الباقي عليا.. وهخلى معاك هناك مترجمة أنا أعرفها ليها أصول عربية هتساعدك كتير." ربت مالك على ذراع جاسم وتطلع إليه بامتنان وشكر وقال: "ربنا يخليك ليا يا صاحبي.. عمري ما هنسى معروفك ده."

لوهلة انتفض ضمير جاسم يذكره بأن مالك أعز الناس لقلبه، فها هو يخسره من أجل رغبة غبية. ثم نفض تلك الأفكار المحبطة من داخله وقال بحدة: "ما تسوق بسرعة شوية.. إيه الملل ده." زاد مالك من سرعة سيارته وهو يبني عشه السعيد مع حبيبته بخياله. تطلع بالسماء يشكر ربه على خروجه من ذلك المأزق الذي أرهقه الفترة الماضية.

في المساء، عاد مالك للشاليه فوجد الجميع قد غفوا. وقف قليلاً يستنشق هواء البحر ويستمتع بالهدوء المحيط، حتى انتبه على عزف وعد على الجيتار. ابتسم بشوق وهو يتذكر طلبه منها أن يستمع لعزفها قبل نومه. تنهد مطولاً وجلس على أحد الأرائك، واضعاً يديه خلف رأسه وأغمض عينيه مستمتعاً بعزفها الهادئ، حتى انتهت. أخرج هاتفه من بنطاله وأرسل إليها رسالة كتب بها:

《يا من أسرتني من نفسي ♥ يا من سحرتني دون مقدمات ♥ هل من العدل أن أتحرى الدقة ♥ أن تعمل تروس عقلي ♥ أن أفكر فيما يصح وما لا يصح ♥ أم أتبع تلك الفراشات الطائرة من حولك ♥ وأتوه داخل عينيك اللوزية الكحيلة ♥ وأغرس بوجنتيك مع تلك الغمازتين ♥ أم أقاوم قطف ثمار وجنتيك الورديتين ♥ يالله.. امنحني القوة والصبر ♥ لا حول ولا قوة لي أمامها ♥ أنت خلقتها بتلك الهيئة الساحرة ♥ فكيف لي القوة على مجابهتها》

انتهت وعد من عزفها واندست بفراشها بهدوء. تنهدت مطولاً وهي تتخيله أمامها بابتسامته الهادئة التي تنكمش معها عيناه، تلك العينين التي تعشقهما بشدة. انتبهت على اهتزاز هاتفها فحملته وتطلعت إليه، فوجدته قد استقبل رسالة من مالك. اعتدلت بجلستها مسرعة وفتحتها وقرأت ما كتبه إليها بوله. لم تتمالك نفسها وسقطت من عينيها دمعة صغيرة. هل يعشقها لهذا الحد؟ ثم عادت لها ابتسامتها الشقية وهي تعيد قرائتها مراراً وتكراراً.

كانت روضة تتصنع النوم، ومع عزف وعد كانت تتألم بشدة، وكتمت بداخلها عبراتها الساخنة حتى انتهت وعد ودلفت لفراشها. ثم انتبهت على اهتزاز هاتفها، ففطنت أنه هو من يراسلها في ذلك الوقت. فبعد انتظار وعد عودته، وعزفها قرر أن يبثها فرحته وربما شوقه في كلمات تعلم أنها الأروع على الإطلاق، لأنه كان كلما استعار منها كتاباً كان دائم الكتابة لها برأيه على ورقة وعشقت كتاباته الشعرية التي يستطيع ببراعة أن يصف بها مشاعره بسهولة.

بعد مرور أسبوعين وبعدما عادوا لمنزلهم استعداداً لتجهيز شقة روان وعمرو، تفاوتت أيامهم بين وعد التي تذهب لعملها دائماً بحماس، ولقائها المتكرر بجاسم والذي ينذرها بألا تسمح له بالتمادى في نظراته القوية وكلماته المبهمة، وهروبها المستمر من مالك حتى لا تعطيه الفرصة للتجاوز معها.

بينما حاول مالك دائماً أن يختلس بعض الدقائق بمفردهما ليبثها عشقه وشوقه، ولكنها دائماً ما كانت تنجح في هروبها. وأكثر ما أزعجه هو تجاهل روضة له منذ احتفالهم بعيد ميلاد وعد. يلاحظ عزوفها عنه وعن الجلوس بأي مجلس يكون به، بل ولا تعطيه الفرصة للحديث معه كعادتهما. استمرت أيامهم على ذلك النحو وقد انهمكوا في تحضير شقة العروسين. هاتف عمرو مالك الذي رد بتثاقل وهو يفتح جفنيه بصعوبة ليفيق من غفوته قائلاً بتذمر:

"يا ابني هو إنت تتجوز وتتعبنا معاك.. عاوز أنام ساعة على بعض يا ظالم." زفر عمرو بضيق وقال بغضب هادر ظهر بنبرات صوته التي خرقت طبلة أذن مالك وهو يصيح بقوة: "نامت عليك حيطة يا أخي.. إنت ما فيش عندك دم يا ابني إنت.. قوم انزل هتلاقي الأجهزة الكهربائية على العربية تحت.. تابع العمال وهم بيطلعوها أنا في مشوار مهم." حرك مالك أذنه بسرعة وهو يتألم من صياح عمرو به. ثم أعاد الهاتف على أذنه وقال بهدوء:

"حاضر يا عمرو.. أي أوامر تانية." -لأ شكراً.. بس ياريت تعرف البنات الأول عشان يختفوا في أوضة على ما العمال ينقلوا الحاجة." تمطى مالك بكسل وقال بملل: "حاضر يا عريس.. إنت بس تؤمر يا كبير يالا سلام." أغلق هاتفه وارتدى ملابسه مسرعاً وصعد درجات الدرج، فرأى وعد وهي تخرج أكياس القمامة خارج شقة العروسين وقالت بضحك: "دي آخرتها أشتغلكم زبالة كمان.. هو عمرو قال الأجهزة هاتيجى إمتى."

رد عليها مالك وهو يتأملها بابتسامة عابثة فقد كانت ترتدي قميصاً منزليا طويلاً وواسعاً جداً، تعثرت به أكثر من مرة، بينما تغطي شعراتها بحجاب صغير عقدته خلف عنقها الذي ظهر بوضوح، فقال بعبث: "الأجهزة تحت."

شهقت وعد بذعر وضربت صدرها بقوة وهي تلتفت إليه بخوف، بينما تعثرت مجدداً بقميصها الطويل، فمالت بقوة على الدرج، فالتقفها مالك بذراعيه ليجذبها قليلاً كي لا تسقط على الدرج. ما أن اعتدلت في وقفتها حتى ابتعدت عنه مسرعة وهي ترفع ذيل قميصها أو بالأحرى هو قميص جدتها، وصفعت الباب بوجهه بقوة. ابتسم مالك بدهشة وقال وهو يضرب كفيه ببعضهما: "مجنونة رسمي فهمي نظمى.. بس بحبها بقا."

ثم ضرب جرس الباب، ففتحت له روضة التي امتعض وجهها فور رؤيته وقالت بجدية لم يعهدها منها: "أيوة يا مالك عاوز حاجة." تطلع داخل عينيها لعله يستشف سبب نبذها له. ثم قال بابتسامة باهتة: "أصل.. الأجهزة تحت فا ياريت تدخلوا أوضة وتقفلوها عليكم عشان العمال وكده." أومأت روضة برأسها وقالت وهي تتحاشى النظر لعينيه: "حاضر.. بعد إذنك." وتركته واختفت. تنهد مطولاً وهو مندهش من طريقتها الجديدة في التعامل، ثم هبط الدرج وهو شارد في أمرها.

بعدما انتهى العمال من نقل الأجهزة أخرجها مالك من صناديقها ووضعها بأماكنها حتى انتهى. قبلته روان بوجنته وقالت بامتنان: "شكراً يا مالوكى ربنا يخليك ليا." وقف عمرو بجوارها وقد دلف للشقة دون أن يشعر به أحد، ثم قال بتنهيدة حارة: "يا باختك يا عم.. ماشية معاك." ووضع الأكياس من يده على الأرضية وافترش عليها قطعة قماش وقال لروان: "روني.. ساعديني عشان ناكل لقمة قبل ما نكمل شغل."

جلست روان بجواره وهي تخرج علب الطعام وتضعها أرضاً، بينما صاح عمرو بصوت عالٍ: "يا روضة.. يا وعد تعالوا نتعشى الأول وبعدين كملوا." خرجت الفتاتان، ولكن روضة قالت وهي تنصرف: "معلش يا عمرو مش جعانة.. هنزل أنا أعملكم شاي." امتعض وجه مالك وتبعها مسرعاً وأوقفها على الدرج وسألها بغضب: "روضة.. استنى.. فيه إيه بالظبط أنا زعلتك في حاجة.. ليه بتهربي من أي مكان بكون فيه." التفتت إليه روضة ببرود وقالت بلا مبالاة:

"ما فيش حاجة طبعًا.. وإيه بهرب منك دي.. أنا نازلة أعمل شاي.. بس." قطب مالك جبينه بشك وقال: "متأكدة إنه ما فيش حاجة مضايقاكي مني." أجابته وهي تهبط الدرج هاربة من نظراته التي ستكشفها فوراً: "لأ طبعًا.. اطلع اتعشى معاهم."

ودلفت شقتهم مسرعة. ضرب مالك الدرج بيده على حالها ثم صعد مجدداً لشقة عمرو، وجلس بجوارهم على الأرضية وهو تعود له ابتسامته الهادئة فور رؤيته لزوبعته الصغيرة وهي تأكل بطفولة لذيذة وقد بدلت ملابسها بإسدال صلاة. فسأل عمرو ليخفي نظراته المشتاقة: "هو عمو عيسى وطنط سلوى جايين إمتى." رد عليه عمرو وهو يأكل بلا مبالاة: "بكرة الفجر.. هروح أنا بعد صلاة العشا للقاهرة أستناهم في المطار وهجيبهم."

بعد قليل دلفت إمتثال وهي تحمل صينية الشاي، فوقف لها مالك مسرعاً وقال بخجل: "إنتي اللي مطلعة الشاي بنفسك يا تيتة.. أمال روضة فين." زمت الجدة شفتيها بيأس وقالت بحسرة: "أهي نزلت اتوضت ودخلت أوضتها تصلي ومش هتخرج منها دلوقتي.. أموت وأعرف هي مالها.. أنا عارفاها لما بتزود في الصلاة كده بتبقى متضايقة من حاجة." زمت وعد شفتيها بغضب وقالت بحدة:

"أكيد عشان بابا وماما راجعين بكرة.. أنا متأكدة إنها زيي مش مسامحاهم بس هي بتخاف إن ربنا يزعل منها." تنهدت الجدة بشفقة وقالت بحنو: "بس يا وعد مهما كان دول باباكي ومامتك ومع الوقت هتنسي كل حاجة صدقيني." ملست وعد على كفها وقالت بهدوء:

"إنتي بتقولي كده عشان بنتك وحشتك.. عارفة إننا مش هنعوض ماما ولا هنعوض حبك ليها.. بس يا ريتها كانت زيك يا تيتة.. دي باعتنا وسابتنا نواجه الدنيا لوحدنا عشان هي خايفة على جوزها من مراته التانية تاخده منها.. يبقى تعتبره جوزها وولادها وتنسانا."

ثم نفضت يديها من الطعام ووقفت مسرعة تخفي دموعها التي تجمعت بضعف باتت تمقته على أم لا تستحق تلك الكلمة العذبة. وخرجت لا تدري أين لها بالهرب من مشاعرها المتعبة، فصعدت لسطح البناية دون شعور وصعدت على أرجوحتها وأغمضت عينيها وأطلقت لدموعها العنان علها ترتاح ولو قليلاً. وبعد فترة شعرت باهتزاز الأرجوحة، فوجدت مالك خلفها، يبتسم لها بهدوء ساحر وورائه سراج ذلك الرجل التي وجدت به حنان وحب طالما بحثت عنه بوالدها. فابتسمت بوهن وكفت دموعها والتفتت إليهم

متصنعة العبوس وقالت بلوم: "هو ما فيش خصوصية في البيت ده.. عاوزة أقعد لوحدي شوية." جلس سراج بجوارها واحتضن كفها بين كفيه وقال بحنو: "خفت عليكي مش أكتر.. عموما يا ستي حجزتي فستانك ولا لسه.. عارف إنك تعبتيهم الفترة اللي فاتت أكتر من العروسة نفسها." تطلعت إليه مطولاً وهي تعلم أنه يجذبها بهدوء من منطقة الألم لحديث آخر علها تنسى وجعها، ولكنها أجابته وهي تضع رأسها على كتفه بضعف:

"مش عاوزة أتكلم.. ممكن تسيبني سانده عليك ونبص للسما في هدوء."

مال برأسه على رأسها وتطلع للسماء معها بهدوء، بينما شعر مالك بكف حديدية تعتصر رقبته وهو يراها على تلك الحالة من الضعف والحزن ووعدها بداخله أنه سينسيها تلك الأيام التي لم تكن حبيبته بها وسيغدق عليها بحنان وحب ليس لهما مثيل في عالم العشق والهوى. ثم انسحب وجلس على كرسي روضة يتأملهم في صمت، بينما حرك قلبه رائحة كرائحة المشمش، فابتسمت شفتيه بهدوء فهو يعلم تلك الرائحة جيداً، إنها رائحة روضة الخفية ربما إنه غسول شعراتها

لأنها لم يسبق لها التعطر من قبل فربما علق عطر شعراتها مرة بعد مرة بكرسيها المعتاد. شعر فجأة باشتياق لحديثهم الطويل وجدالهم الدائم عن كتاب ما، تنهد مطولاً مستمتعاً بتلك الرائحة وهو يفكر بما صدر منه لتعامله بذلك الجفاء، ولكنها خرجت من تفكيره القصير بروضة على همهمات بين وعد ووالده في حديث هامس. ربما هناك أسرار خفية بينهما فابتسم بهدوء وهو يستمتع بهمسها اللذيذ مثلها وزادت ابتسامته مع ضحكتها الخافتة التي أنعشت سرعة دقات

قلبه وهو يرسم بمخيلته لحظات الحب والجنون التي ستجمعهم سوياً.

في صباح اليوم التالي، انهمكت روضة بعملها وهي تمر بين مكاتب الصغار المشغولين بتناول وجبة إفطارهم وما أن انتهوا حتى صفقت بيديها وقالت بحنو: "يالا يا حبايبى نعين اللانش بوكس ونستعد للحصة يالا." وبالفعل استعد الأطفال للدرس بإنصات. لاحظت اهتمامهم وتركيزهم فسألتهم بابتسامة هادئة: "يالا يا حبايبى نسمع أركان الإسلام الخمسة." فبدأ الأطفال في سرد ما حفظوه وهم يقولون سوياً:

"بني الإسلام على خمس.. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.. إقام الصلاة.. إيتاء الزكاة.. صوم رمضان.. وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلاً." صفقت لهم روضة بفرحة وقالت: "برافو عليكم يا حبايبى.. النهاردة بقا هنشرح إيتاء الزكاة.. حد عارف يعني إيه." وقف صغير بأدب وقال بثقة: "يعني ندي فلوس للناس اللي ماعندهمش فلوس." أومأت روضة برأسها وقالت مؤكدة: "شاطر يا حبيبي.. طيب مين يا حبايبى ساعد حد قبل كده." وقفت

طفلة أخرى وقالت بجدية: "أنا يا ميس.. في رمضان بابا خدني معاه ورحنا بيت ست عندها أولاد ومافيش عندهم بابا وجبنا لهم حاجات كتير وهما فرحوا قوى." ربتت روضة على وجنتها وقالت بفخر: "شطورة.. وبابا كمان شاطر عشان أخدك معاه وعملتوا الخير سوا.. فلما تكبري هتعملي اللي بابا علمهولك وهتبقي طيبة وبتعملي الخير زيه." سارت روضة قليلاً تجاه مكتبها فوقفت طفلة أخرى وقالت بابتسامة شقية:

"أنا قلت لماما يا ميس على الأغنية اللي حضرتك علمتيهالنا عشان محدش يلمسنا غير بابا وماما وهي قالتلي إني أشكر حضرتك كتير." التفتت روضة للفتاة بسعادة وقالت بابتسامتها العذبة: "أنا مبسوطة إن ماما فرحت وإنتي فهمتي الأغنية ومش هتخلي حد غريب يلمسك ولا يبوسك." وبدأ الأطفال واحداً تلو الآخر يشكر روضة ويبلغها امتنان والديهم على تلك الأغنية. وبعد فترة دخلت عليها الفصل زميلتها خلود التي قالت بتوجس:

"روضة ميس سميرة عاوزانا ضروري وريهام معانا بس إنتي أكتر." قطبت روضة حاجبيها بتعجب وقالت بفضول: "يا ترى عاوزانا في إيه.. خلي رنا تيجي تقعد في الفصل مكاني." أومأت خلود برأسها وقالت وهي تنصرف: "تمام.. ثواني وهتجيلك." وبالفعل انطلقوا لمكتب سميرة فوجدوا عندها تجمع كبير من أولياء الأمور ومصطفى يقف مستنداً على الحائط ويحدقها بتشفى. تنفست روضة مطولاً، ثم دلفت بثقة ووقفت أمام مكتب سميرة وسألتها بخوف: "تحت أمرك يا ميس سميرة."

أشارت لهم سميرة بالجلوس وجلسوا ثلاثتهم بتوجس شديد، حتى أشارت إليهم سميرة وقالت: "دول المعلمات اللي حضراتكوا طلبتوا تقابلوهم." وقفت إحدى السيدات وقالت وهي تتطلع بروضة والتي ميزتها بنقابها: "أكيد حضرتك ميس روضة صحيح." أومأت روضة برأسها وقالت بتلعثم: "أيوة يا فندم.. في مشكلة حضرتك." ابتسمت السيدة بهدوء وقالت برزانة:

"لأ بالعكس.. إحنا جينا النهاردة عشان نشكركم على مجهودكم في حملة ضد التحرش اللي وصلتوها للولاد بطريقة سهلة تحميهم من النفوس المريضة اللي حوالينا.. بجد شكراً ليكم." تطلعت روضة لريهام وخلود السعيدتين بما سمعتاه. بينما تطلعت روضة بمصطفى بانتصار وهي تراه يصك أسنانه بغضب ثم ترك لهم الغرفة وانصرف بغضب. تلقت روضة الشكر والامتنان من الجميع وهي فخورة لخطوتها المجدية لحماية التلاميذ وتوعيتهم.

انهمكت وعد في تسجيل بعض البيانات على حاسوبها، فسألها سامر وهو يرفع سماعة هاتفه: "أنا هشرب قهوة يا وعد.. تشربي معايا." أومأت برأسها نافية وقالت بضيق: "لأ مش عاوزة.. وخف إنت كمان ده تالت فنجان من الصبح.. شكلك واقع في مشكلة." وضع سماعة الهاتف واتجه لمكتبها وجلس أمامها وقال بتوتر: "بما إن دماغك سم.. ممكن تنصحيني أعمل إيه في موضوع شاغلني." رفعت عينيها عن حاسوبها وتطلعت إليه مطولاً وابتسمت بمكر وقالت بنصف عين وعين:

"مشكلة عاطفية مش كده." عقد ذراعيه أمام صدره، وتطلع أمامه للا شيء وقال بتنهيدة حارة: "أيوة." استندت وعد بمرفقيها على مكتبها وهي تتابع ملامحه الملتاعة وتنهيدته التي أشعلت الأجواء من حولهم وزادت ابتسامتها اتساعاً وهي تقول بثقة: "مدام علا.. صح." التفت سامر إليها مسرعاً، واعتدل في جلسته وطالعها بقوة وسألها بتعجب: "إنتي عرفتي منين؟! أجابته بتلقائية واثقة وهي تستند بظهرها على مقعدها وتحدجه باتزان قائلة:

"كان باين عليكم جدا يوم عيد ميلادي.. وعلى فكرة بقا هي كمان بتحبك.. شفت لما شرقت أول ما روضة قالتلك يا بخت اللي هتتجوزك." عض سامر على شفته السفلى وهو يحدجها بلؤم وقال ساخراً: "سوسة.. إنتي مش سهلة برضه.. طب يا چينيس هي دلوقتي مش طايقة تشوف وشي ولا تسمعني أعمل إيه عشان ترجعلي تاني." استوقفتها كلماته الأخيرة وسألته بتعجب: "قصدك إيه بترجعلك تاني.. هو انتوا كنتم مع بعض قبل كده."

أومأ برأسه بنعم وقص عليها كل ما يخص عشقه لعلا وزواجها من طارق إلا هذا اليوم. احتقن وجه وعد وهي تستمع إليه وصاحت به بغضب هادر: "تصدق عندها حق.. أنا لو مكانها مش هبص في وشك تاني." زم شفتيه بضيق وقال ساخراً: "هو أنا كنت بحكيلك عشان تبكتيني.. أنا عاوزك تساعديني وأنا متأكد.. بل واثق إنك الوحيدة يا سوسة اللي هتخلصي الليلة دي في دقيقة." عادت وعد بعينيها لحاسوبها وقالت وهي تعمل ببرود:

"ولو إنك ما تستاهلش مساعدتي بس اديني لبكرة أقلبها في دماغي وأرد عليك." في تلك الأثناء دلف مالك للمكتب ليتفاجأ بوعد قد عادت لمكتبها من جديد بعدما انتهى تدريبها الطويل جداً عليه، فابتسم بفرحة واقترب منهم ثم دنا من سامر وقبله بوجنته وقال بلهفة وشوق بادٍ بنبرات صوته وهو يتطلع بوعد: "وحشتني قوى يا سامر." تعجب سامر من قبلته وكلماته الساخنة، ولكنه أجابه بهدوء: "ما تشوفش وحش.. خلصت شغل مع الحاج فضل في المعرض."

أومأ مالك برأسه بنعم وقال بهيام زائد: "أيوة خلصت.. بس تعرف يا سامر أنا بحبك قوى." تورّدت وجنتا وعد بخجل وهي تتصنع تجاهله، بينما عبث سامر بهاتفه ورد بتلقائية: "ربنا يديم بينا المحبة يا مالوك.. ده إنت أكتر من أخويا والله." تنهد مالك بشدة وقال هامساً وهو يتأمل تلك الساحرة بملامحها الجذابة وبياضها الوردي والذي زاد تورده مع خجلها المرهق: "هموت وأدخل جوة قلبك يا سامر وأشوف بتحبني زي ما بحبك ولا أنا اللي بحبك أكتر."

رفع سامر حاجبه الأيمن وطرف شفته اليمنى وقال بدهشة: "فيه إيه ياض.. ما تصطبح وتقول يا ضهر.. إنت حد خبطك في دماغك قبل ما تيجي ولا إيه." أجابه مالك هامساً برقة زائدة: "هيييييح.. بقولك بحبك تقول لي حد ضربني على راسي.. بس كله بوقته بكرة تبقى ليا وساعتها.. أوووف بقا." عضت وعد على جوف فمها وهي تخفي توترها، بينما وقف سامر مسرعاً وهو يحدقها بغضب ثم صاح به بحدة قائلاً:

"وحياة أمك.. هي وصلت لهييييح وأوووف بقا.. إنت بقيت شمال ولا إيه ياض." شهقت وعد بصوت عالٍ، ووقفت مسرعة وحملت حاسوبها وقالت بتلعثم وهي تنصرف: "أنا.. أنا هروح للباشمهندس جاسم أصله.. هروحله بقا." وانصرفت مسرعة وهي توعد لمالك على تماديه، بينما التفت مالك ناحية سامر وضربها بكتفه وقال بغضب: "إنت إدروشت في دماغك.. إزاي تتكلم كده قدام وعد." غمز له سامر بعينه وقال بمكر:

"وعد هه.. كنت بتقنطرني يا مالك عاملني كوبري.. وعمال تحب فيها.. طب إيه رأيك بقا إن أيامك اللي جاية سواد معايا." أشاح له مالك بيده وقال ساخراً: "يا عم إجري.. قول لي صحيح عملت إيه مع علا." جلس سامر على مكتبه وقال بتنهيدة متألمة: "مش طايقة تشوف وشي.. ومش عارف أعمل إيه معاها." ربت مالك على كتفه وقال مازحاً: "معلش يا صاحبي.. إتقل عالرز يستوى." ضحك سامر بسخرية وقال:

"يا ابني ده أنا الرز بتاعي شاط والشوطة جت في المدرجات.. احكي لي بقا الرجالة بتوعك وصلوا لإيه في موضوع البنتين إياهم." جلس مالك أمامه على المكتب وقال بجدية: "هقولك." انتصبت وعد واقفة وقالت وهي تتطلع لجاسم بتحفز لردة فعله: "هاه.. إيه رأي حضرتك في شغلي." فتح عينيه وقال بتمهل وقال بتنهيدة حارة: "مسك." زَمَت وعد شفتيها بريبة فهي لم تتوقع تلك الإجابة على الإطلاق، فسألته بتعجب: "نعم!!! مسك إيه."

لف بمقعده ناحيتها وتوغل بعينيه داخل عينيها اللوزية وقال بابتسامته الجانبية العابثة: "ريحتك مسك مش كده." رفعت حاجبها بتذمر وأعادت سؤالها كأنها لم تستمع لمهاتراته المزعجة: "بقول لحضرتك إيه رأيك في شغلي." اعتدل بمقعده مجدداً وأشار لها أن تجلس أمامه قائلاً: "طب اتفضلي اقعدي.. وعموماً يا ستي إنتي ذكية جداً.. وبتتعلمي بسرعة."

التفت حول مكتبه بفرحة وجلست أمامه وعينيها تشع سعادة تجذبه ناحيتها كالمغناطيس، فهل تلام ذرات الحديد على انجذابها رغماً عنها للمغناطيس. لاحظت شروده فطرقعت بأناملها أمام عينيه وقالت بتعجب: "حضرتك رحت فين." تأمل أناملها البيضاء الرفيعة والتي تزينت بأظافر بيضاء تنم عن يد لم تمس أدوات التنظيف قط، ولم لا وهي مدللة أسرتها. خرج من تأمله لأناملها الرقيقة وقال بجدية: "ما فيش بفكر شوية.. أخبار بنات الدار إيه.. وصلتي لحاجة."

تنحنحت بتفاخر ووضعت قدم فوق الأخرى باستعلاء وقالت بثقة: "عرفت البنت اللي عليها الدور.. وبسهولة كمان." جاسم أسفل ذقنه وقال بمكر: "لمي مش كده." أنزلت وعد ساقها والتفتت بجسدها نحوه بتعجب وسألته وهي ترفع حاجبيها بدهشة: "إنت عرفت منين." استند هو على ظهر مقعده بغرور ووضع ساقاً فوق الأخرى وقال مشدوهاً بنفسه:

"ما إحنا جامدين برضه.. والبنت يعني حلوة شوية.. وأنا لو مكان الحرباية اللي اسمها رحاب.. هعمل المستحيل عشان أصطاد الغزالة دي." ثم مال بجسده على مكتبه مقرباً المسافات بينه وبين وعد. وغاص داخل عينيها وقال بقوة: "أصل صيد الغزال.. أحلى من أكله." زفرت بضيق فها هو يعود لتلك النظرات وتلك الكلمات المبهمة من جديد. ولكن أخرجهم من حرب نظراتهم دلف سامر ومالك، فابتسم إليهم جاسم بفتور وقال: "هناء وشرين يا ربى.. يا نعم." جلس سامر

أمام وعد وقال لجاسم بفرحة: "البنت اللي بعتها لشركة أمير اتعينت والحمار بلع الطعم يا معلم." أومأ جاسم برأسه وسأله بنفاذ صبر: "طب وبالنسبة لجهاز التصنت.. وصلت لحل في الموضوع ده." استند سامر بمرفقيه على المكتب وقال بابتسامة مطمئنة:

"أنا بصراحة ما حبيتش البنت تعرف بموضوع جهاز التصنت ده.. وقلت لو وقعت وكشفتها ما تقرش على مكان الجهاز.. فبعت واحد من رجالي هو نينجا ويقدر يدخل المكتب ويخرج من غير ما الكاميرات تلقطه ولا يسيب أثر وراه." صفقت وعد بيديها وقالت ساخرة: "إيه ده يا سامر طلعت زينا بتفهم وبتفكر أهه.. أمال كنت حساك مش معانا ليه." ضحك جاسم ومالك على مزحتها، بينما تطلع إليها سامر بنصف عين وقال مهدداً:

"بقيت كده.. طيب مفيش شوكولاتة تاني ولا مصاصات." عضت وعد على شفتها السفلى بحرج وقالت هامسة: "إنت هتسيحلي قدام الباشمهندس.. يقول عليا إيه دلوقتي." أجابها جاسم بابتسامته المستفزة: "عيلة طبعًا.. هقول إيه يعني." شعر مالك بغضبها، فاقترب منها وقال معتذراً بلطف: "ما تزعليش يا وعد.. احكي لي آخر أخبار الدار إيه." طأطأت رأسها وقالت بفتور:

"مفيش.. عرفت البنت اللي عينهم عليها وكنت لسه بقول للباشمهندس.. بس المشكلة إن البنت مش بتثق في حد غير رحاب.. وده هيخلي مهمتي صعبة شوية.. خصوصاً إنها قدامها شهر تقريباً وتخرج." فسألها سامر بجدية: "طب وإنتي ناوية على إيه يا سوسة." هزت وعد رأسها بيأس من كلماته الجارحة وقالت بعقلانية:

"هخليها هي اللي تكتشف حقيقة اللي اسمها رحاب دي من غير ما أظهر إني بخوفها منها وإلا هتقول لرحاب دي إني ببعدها عنها.. وبكده هبقى في موضع شك لأمير نفسه وهيّعرف بسهولة علاقة الباشمهندس جاسم باللي بيحصل." عقد جاسم حاجبيه بخوف وقال بصوت قاسٍ: "لأ.. لو خايفة يبقى تبعدي عن الموضوع ده نهائي.. مش هسمح لأي حاجة تأذيكي." أمن مالك على كلماته وهو يثني ركبتيه ويجلس القرفصاء أمام وعد وقال بذعر:

"جاسم عنده حق.. إنتي ما تعرفيش أمير ده ممكن يأذيكي إزاي.. لو في شك إنك تتأذي بلاش منه الموضوع ده كله." أغمضت وعد عينيها بضيق وفتحتهم بملل وقالت بحدة: "بس." قاطعها سامر بعصبية وهو يقول: "بصي يا بنت الناس.. من النهاردة دورك خلص خلاص.. وما فيش رجوع للدار دي.. إنتي فاهمة ولا لأ." تأملت وعد قلقهم الصادق النابع من حبهم واحترامهم إليها، فابتسمت بصفاء وقالت بامتنان:

"أنا مبسوطة جداً إنكم خايفين عليا كده.. كان ليا أخ واحد دلوقتي بقى ليا أربعة.. ومش عاوزاكم تقلقوا.. محدش هيقدر يمسني وأنا ليا إخوات زيكم.. أنا عارفة بعمل إيه كويس وواخدة حذري." تبدلت معالم الضيق والذعر من على وجوههم لابتسامة هادئة. دنا منها سامر وقال بهدوء: "إحنا واثقين فيكي.. وربنا يحميكي ووفقك." زادت ابتسامتها الساحرة، فتغاضى جاسم عن تلك النيران التي تدفقت بأوردته وهو يطالع جمالها المهلك وقال

لمالك باتزان بركان خامد: "وإنت يا مالك إيه اللي وصل له في موضوع البنتين." جذب مالك الطاولة الصغيرة والتي تقع بين مقعدي وعد وسامر وجلس عليها وقال بتركيز: "شوف يا سيدي.. الكاميرات اللي في المحلات اللي حوالين البيت لقطت عربية جيب وقفت قدام البيت وبعد شوية اتحركت وكان فيها بنتين ورجلين.. بس ما قدرناش نحدد ملامحهم كويس والواد الچنيس بتاع سامر شغال على موضوع إنه يوضح ملامحهم ده."

جذب جاسم الحديث بقوة وحثه على المتابعة قائلاً بضيق: "وبعدين.. أخدت رقم العربية واتطقست على صاحبها." أجابه مالك مسرعاً بنبرة حاسمة: "طبعًا.. وعرفنا إنها مسروقة وصاحبها من الزقازيق.. ومالوش أي علاقة بأمير وشغله المشبوه.. واللي عرفته كمان من واحد حبيبي في المرور النهاردة.. إن العربية اتسابت على الطريق الصحراوي.. واللي فيها ركبوا عربية تانية في منطقة ما فيهاش ولا كاميرات ولا غيره.. يعني هما أكيد في القاهرة." فسألته وعد

بعدما لوت فمها بامتعاض: "طب هتكمل إزاي.. كده الخيط اللي كان بيربطك بيهم اتقطع.. ربي إني لا أسألك رد القضاء." ابتسم مالك على طيبتها وبراءتها وقال موضحاً لطمأنتها: "ما تنسيش موضوع جهاز التصنت.. ده هيعرفنا هما فين بإذن الله." تمتمت وعد مع نفسها بتعجب: "أول مرة أبقى غبية كده.. شكلي وحش الصراحة." فسألها سامر مازحاً كعادته:

"إنتي مخاوية يا وعد.. بتكلمي نفسك يا ماما.. ده أنا كنت بقول عليكي راسية.. وعاقلة.. عليه العوض في عقلك يا سوسة دي أكيد عيني." ضحكت وعد بصوت عالٍ. ثم انتبهت على نفسها فوقفت بخجل وحملت حاسوبها وقالت لجاسم بعملية: "أنا بكرة إن شاء الله هروح الدار الساعة عشرة الصبح.. بعد إذنك طبعًا.. فمش هقدر أكمل كل الشغل اللي حضرتك طلبته مني." وأخرجت من حاسوبها اسطوانة مدمجة وناولته إياها وقالت بمكر وهي تتجنب التطلع لسامر:

"والاسطوانة دي عليها ديكورات الشركة الجديدة.. اتفقت عليها مع مدام علا على الميل واخترت الأفضل ويا رب ذوقي يعجب حضرتك.. وكمان فاصلتها لغاية ما اتفقنا على أفضل سعر." عض سامر على أنامله بغيظ وهو يلمح على ثغرها وعينيها ابتسامة ماكرة. بينما أخذ منها جاسم الاسطوانة وقال دون تردد: "أنا واثق في ذوقك وهقول لعلا تنفذ فوراً اللي اخترتيه.. أما موضوع الدار فا ربنا يحميكي وتقدرى تنفذي مهمتك من غير ما حد يكشفك."

بينما لمعت عيني مالك متذكراً وقال بتعجب: "بس إنتي هتيجي الشغل بكرة إزاي ده عمو عيسى وطنط سلوى هيوصلوا مصر الصبح.. هتسبيهم معقول." همست وعد من بين أسنانها بشراسة: "ما ييجوا أنا مالي.. أنا اللي قلت عليه هعمله.. بعد إذنكم." وحملت حاسوبها وهاتفها وخرجت مسرعة وعيون الثلاثة تتبعها، فسألهم سامر بدهشة: "هي مش فرحانة إن باباها ومامتها راجعين من السفر." جلس مالك مكانها وقال بشفقة على حالها: "ده موضوع كبير ابقى أحكيهولك بعدين."

امتعض وجه جاسم وهو يتذكر ملامحها المقهورة والمنكسرة. وتأججت نيرانه بداخله فمن يجرؤ على كسر تلك العيون اللوزية بذلك الحزن المرهق حتى لو كان والديها. فأقسم بداخله أن ينتزعها من وحدتها وأحزانها لعالمه الذي سيسخره كاملاً لرسم الابتسامة على وجهها البريء. ولكن بعدما يتخلص من تلك العقبة الجالسة أمامه.. مالك. في المساء، تطلعت الفتيات بشقة العروسين بعدما اكتمل فرشها كاملاً بإنبهار. ابتسمت روضة براحة وقالت:

"أخيراً خلصنا.. بس من كتر ما هي حلوة راح التعب خلاص." قبلتها وعد بوجنتها وضمتها إليها وقالت بحنو: "عقبال ما نفرش شقتك يا روضة يا رب." ابتسمت روضة ابتسامة باهتة وقالت: "عقبالك إنتي الأول يا دودو.. أنا لسه بدري عليا." زَمَت روان شفتيها بضيق وقالت لائمة: "ما هو طول ما إنتي مستخبية ورا النقاب ده محدش هيعرف قد إيه إنتي جميلة." تطلعت إليها روضة بغضب وقالت مدافعة عن مبدأها:

"اللي هيتجوزني لازم يتجوزني عشان مقتنع بيا وبعقلي.. مش بشكلي لأن شكلي مسيره هيروح." هزت وعد رأسها بيأس من أختها ومنطقها العجيب وقالت مغيرة دفة الحوار: "قوليلي يا روان هنروح إمتى لبروفة فستانك وفستاني." -بعد بكرة إن شاء الله.. عشان بكرة تيتة إمتثال عزمانا كلنا على الغدا عشان بابا عيسى وماما سلوى هيكونوا رجعوا." زفرت وعد بضيق وقالت بحدة:

"أنا مش عارفة هما تاعبين نفسهم وجايين ليه.. لأ بس إزاي عشان المظاهر والناس.. غير كده إحنا مش في حساباتهم أصلاً." ملست روضة على كتفها وقالت بتعاطف مع حالتها: "طب على الأقل ماما ما وحشتكيش يا دودو." أجابتها وعد مسرعة بغضب: "أهي دي بالذات عمرها ما هتوحشني.. وهي أصلاً ما تستاهلش كلمة ماما اللي إنتي بتقوليها دي.. في أم ما تقفش جنب ابنها وهو بيجهز لجوازه.. خليها هناك مع جوزها وراضية بالذل وهي بتستنى فضلات مراته التانية."

شهقت روان من كلماتها اللاذعة وقالت بابتسامة متوترة: "يالا ننزل بقا عشان نساعد تيتة.. زمانها تعبت هي وماما.. وأهه وعد تعزفلنا على الجيتار شوية ونهيص كمان.. أنا عروسة برضه ومحتاجة يتهيص لي ولا إيه." أومأت وعد برأسها وقالت بخفوت: "طب يالا بينا وأنا هرقصكم للصبح.. قدامي إنتي وهي."

في المساء قبل النوم حملت وعد جيتارها كعادتها اليومية قبل النوم. ولكنها اليوم عزفت لحناً حزيناً طويلاً، ليشعر الجميع بالأسى على حالتها وتخبطها. بينما شعر مالك بثقل كبير على صدره وهو يتابع حزنها بنغماتها. ورفع رأسه ناحية شرفة وعد والتي تنطلق منها نغماتها. لم يقاوم شوقه وأرسل لها رسالة لتخرج لشرفتها كي يراها ويطمئن عليها. وافقت وأرسلت له ردها، فانتظرها بلهفة حتى أطلت عليه من شرفتها بابتسامة هادئة تطمئنه عليها، فبادلها ابتسامتها وهو يتطلع إليها بحب. ظلوا هكذا في صمت، حتى لوحت له وعد بيدها ودلفت لغرفتها وأغلقت النافذة. بينما وقف مالك يتأمل القمر المكتمل وكأنه يراها أمامه. ورغم جمال القمر إلا أن جمال وعد قد ملأ عينيه فلم يعد يرى شيئاً أجمل منها.

في الصباح شعرت وعد بقبلات خافتة على وجهها، فعبست بضيق وقالت بعصبية: "سيبيني يا روضة لسه المنبه ما ضربش." -وعد.. قومي يا حبيبتي وحشتيني." تشنجت تعابير وعد وهي تفتح عينيها بدهشة حتى رأت والدتها أمامها تجلس بجوارها على الفراش وتمرر أناملها بشعرات وعد الطويلة بحنان. ثم قبلتها مجدداً بجبهتها وابتسمت بشوق وقالت: "وحشتني ريحة المسك من شعرك يا وعد." جلست وعد مسرعة. ثم أزاحت يدها بهدوء وقالت بملامح مجمدة:

"حمد الله على السلامة.. تعبتوا نفسكوا ليه.. والله ما كانش ليكم لازمة.. عمرو خلص كل حاجة فا تشريفكم لينا عالفاضي." طأطأت سلوى رأسها بإستحياء وهي تفكر في كلمات وعد الجارحة. ولكنها رسمت ابتسامة مصطنعة على شفتيها وسألتها بوهن: "سمعت إنك اشتغلتي.. لحد دلوقتي مش مصدقة إنك كبرتي وبتعتمدي على نفسك كمان." ابتسمت وعد بسخرية ووقفت وابتعدت عن فراشها وقالت وهي تلملم شعراتها وتحمل منشفها:

"ليكي حق ما تصدقيش أصلنا بنكبر بسرعة وبنعتمد على نفسنا في كل حاجة وناجحين الحمد لله.. بس برضه عاوزة أعرف سبب زيارتكم إيه." ثم التفتت بجسدها ناحية والدتها وقالت ساخرة: "آسفة بجد.. يعني بسألك وأنا عارفة إنكم رجعتوا عشان الناس هيقولوا عليكم إيه.. أب وأم راميين ولادهم وبيجهزوا فرح ابنهم زي المعازيم.. برضه كلام الناس بيوجع.. ده إن كنتم لسه بتحسوا."

ونظرت لها بازدراء وتركت لها الغرفة وخرجت، لتدخل سلوى في نوبة بكاء شديدة. قابلت وعد والدها يخرج من المرحاض فانطلق نحوها وضمه بشوق وتنهد مطولاً وهو يقول: "حبيبة بابا.. وحشتيني يا وعد." لم تبادله ضمته وانتظرت ببرود حتى تركها وتطلع إليها بتعجب، فقالت له بغلظة: "خلصت الفيلم بتاعك.. ممكن أدخل الحمام بقا." وقف الجميع يتابع كلمات وعد اللاذعة بدهشة، بينما نهرها والدها بشدة قائلاً بغضب:

"إنتي اتجننتي يا بنت.. إزاي تكلميني كده." رمت منشفتها على كتفها وعقصت ذراعيها أمام صدرها وقالت باستخفاف: "أنا بكلمك كويس على فكرة.. لأني لو اتجننت بجد هتسمعي كلام يضايقك أكتر." رفع والدها حاجبيه بدهشة بالغة من ردها الوقح، بينما أردفت هي ببرود:

"فبلاش ترسم دور الأب عشان مش لايق عليك.. وهقولك زي ما قلت لمراتك زيارتكم دي ما كانش ليها ستين لازمة.. تعبتوا نفسكوا على الفاضي.. إحنا اتعودنا نبقى لوحدنا.. ومش محتاجين طلتكم علينا.. ويا رب الزيارة دي ما تطولش.. لأن المعازيم بيمشوا بعد الفرح على طول." لم يتمالك عيسى نفسه أكثر ورفع يده ليصفعها، فأوقفه عمر بأن تمسك بذراعه وقال بلوم: "جرى إيه يا جماعة صلوا على النبي مش كده."

تطلعت وعد لوالدها باحتقار ودخلت للمرحاض وصفعت ورائها الباب بقوة، فصاح بها والدها بغضب: "قليلة الأدب.. ما اتربتيش." فتحت وعد الباب وردت عليه بقسوة: "مش غريبة أبقى قليلة الأدب على فكرة ما أنا تربيتكم.. ولو إني أشك إنه حتى قلة الأدب علمتوهالي." فصاح بها عمرو بعصبية أخرستها: "وعد.. ادخلي جوة وخلصي اللي بتعمليه وتلبسي وتروحي شغلك من غير مشاكل مفهوم." أومأت وعد برأسها وقالت بأدب: "حاضر يا عمرو.. بس اهدى إنت وما تزعلش مني."

شعر بالأسى على حالتها فتوجه ناحيتها وضمه بشفقة وقبل مقدمة رأسها كعادته وتطلع داخل عينيها بابتسامته الساحرة قائلاً برقة: "هنتكلم بعدين.. دلوقتي جهزي نفسك عشان تروحي الشغل وما تتأخريش.. تمام." ضمته إليها بقوة وقالت بوداعة: "حاضر يا حبيبي.. بس إوعى تزعل مني.. ده أنا أموت." ضمه لصدره بحنان أبوي وقال بحب: "مقدرش أزعل منك يا عمري.. ده إنتي بنوتي الصغيرة.. يالا بسرعة عشان ما تتأخريش."

تركته واغتسلت وتوضأت وخرجت لغرفتها مباشرة. أدت فروضها وارتدت ملابسها وخرجت دون أن تنطق بحرف واحد. توجهت لموقف الحافلات وصعدته بشرود حتى امتلأ وانطلق لوجهتها. وصلت أخيراً للشركة وركبت المصعد ولأول مرة لم تشعر بالذعر والسبب شرودها. خرجت منه وتوجهت لمكتبها بهدوء. ألقت السلام على مالك وسامر وجلست على مكتبها وفتحت حاسوبها وانهمكت بعملها وعيون مالك وسامر تتابعانها بأسى على حالتها المتوقعة.

خرج سامر من المكتب وترك لوعد ومالك الغرفة ليستطيع مالك التحدث معها بحريته. ولكنها رفضت الحديث بأدب، فاحترمه هو رغبتها وتركها وخرج. فدلف سامر مجدداً وجلس أمامها وسألها بمزاح عله يستطيع أن يخرجها من حالتها: "وعد.. عملتيلي إيه في موضوعي أنا وعلا.. إنتي وعدتيني هتردي عليا النهاردة ووعد الحر دين عليه." ابتسمت وعد بخفوت وتطلعت نحوه وقالت وهي ما زالت تحتفظ بوجهها المتجهم:

"حل مشكلتك في إيدك يا سامر.. لو كنت من الأول دخلت البيت من بابه.. كنت وفرت عليك وعليها تعب سنين فاتت.. ودلوقتي بتكرر نفس الغلط وبتدخل من الشباك من ورا أهلها.. الصح صح يا سامر وده اللي عمله طارق الله يرحمه." مرر سامر أنامله بذقنه وقال بنبرة هادئة عكس عادته: "بس أنا خايف لو اتقدمتلها دلوقتي ترفض." حدقته وعد بشفقة وقالت بقوة:

"ما هي هترفضك.. بس إنت لازم تحاول مرة واتنين وعشرين وتتحدى العالم عشان حبك وتثبت لها إنك بتحبها وترجع ثقتها فيك.. وده عمره ما هيكون سهل فلو هتتعب بلاش تحاول." تنهد مطولاً وهو يفكر بما قالته. ثم قال بابتسامة متحمسة: "عندك حق يا وعد.. وأنا هعمل المستحيل عشان تبقى ليا.. وهدخل البيت من بابه." "ربنا معاك." قالت وعد كلماتها الأخيرة وهي تعود بعينيها لحاسوبها مرة أخرى. وبعد ساعات من العمل أغلقت حاسوبها وحملت حقيبتها ولملمت

أشياءها فسألها مالك بهدوء: "هتروحي الدار مش كده." أومأت وعد برأسها وهي تتحاشى النظر لعينيه وقالت بجدية: "أيوة.. هدخل للباشمهندس شوية قبل ما أمشي وأول ما هخلص شغل معاه همشي.. سلام." وتركته وابتعدت وهو يشاهد حزنها ويديه مغلولة لا يستطيع مساعدتها أو التخفيف عنها.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...