الفصل 11 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
16
كلمة
6,811
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

بعد مرور أسبوع.. طرقت وعد باب غرفة جاسم، والذي بات يعرف طريقتها الرقيقة عن ظهر قلب. فأغلق عينيه وسحب نفسًا طويلاً وهو يستعد لاستقبال هالتها التي تسحب كل أنفاسه. أذن لها، فدَلفت مسرعة واستأذنته بخجل قائلة: "معلش يا فندم، أنا مضطرة أروح الدار بسرعة لأن لمى كلمتني وبتعيط وعاوزاني ضروري." وقف جاسم بقلق وهو يتابع ذعرها، فهدأها قائلاً ببطء: "اهدّي الأول.. وعاوزك تروحي وتيجي بسرعة عشان أطمّن منك على الأخبار.. تمام."

أومأت وعد برأسها وقالت بابتسامتها المهلكة: "تحت أمرك.. مش هتأخر عليك بإذن الله.. بعد إذنك." تركته وانصرفت بهدوء، بينما تنهد هو وهو يتابع خروجها بشوق. ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالاً وانتظر الرد. ثم قال بتوجس: "هاه، إيه الأخبار يا ديما؟ ... يعني قدرتي تعملي اللي طلبته منك؟ ... طب ومالك حس بأي حاجة؟ ... حلو جدًا، طب ابعتيلي الصور على الميل بتاعي... هههه، لا، حلاوتك هتوصلك أول ما أشوف الصور وأطمن بنفسي...

عاوز منك طلب تاني... خدي موبايله واخفيه تمامًا لأنه مش بيحفظ أرقام وعاوز صلته بمصر تتقطع الفترة اللي جاية... خلي الموبايل معاكي ورجعيه له قبل ما ينزل مصر بيوم... لأ، هنتواصل معاه من خلالك... تمام، شكرًا على مساعدتك يا ديما... يالا سلام." أنهى جاسم مهاتفته بسعادة، فها هو يقترب وبقوة من وعد. قطع تفكيره دخول سامر إليه قائلاً بهدوء: "جاسم، كنت عاوزك في موضوع مهم."

أشار إليه جاسم بيده أن يجلس وهو يتابع حالته المتخبطة. بينما جلس سامر أمامه وهو يشعر بتوتر بالغ. ثم فرك أعلى أنفه وتنفس مطولاً قبل أن يقول بتوتر: "بص يا جاسم، من غير مقدمات، أنا هدخل في الموضوع على طول.. أنا عاوز أتقدم لعلا." رفع جاسم حاجبه بتعجب، وتطلع إليه قليلاً ثم استند على مكتبه بمرفقيه وسأله بعدم فهم: "علا مين؟ علا أختي." ابتلع سامر ريقه بتوتر، ثم أجابه بتلعثم من هيئته المتحفزة: "أيوه."

هز جاسم رأسه مندهشًا وسأله مجددًا: "بتتكلم جد؟ إنت.. عاوز تتجوز علا أختي؟ أجابه سامر بعبوس غاضب: "أيوه يا جاسم.. إيه هو أنا مش قد المقام ولا إيه؟ صفع جاسم كفيه ببعضهما وهو يهز رأسه من غباء صديقه. ثم وقف والتف حول مكتبه وجلس مقابلاً لسامر وتطلع إليه بإشفاق قائلاً: "يا ابني، إنت.. هو إيه اللي مش قد المقام؟ إنت عبيط؟

إنت تتمناك ست البنات. وعلا زي ما انت عارف أرملة ومعاها بنت في الحضانة. يعني من حقك تتجوز بنت تكون أول حد في حياتها." زفر سامر براحة ومال بجسده ناحية جاسم وقال برجاء: "بس أنا مش عاوز غيرها.. أرجوك وافق وخليها توافق، وأنا أوعدك إني هحطها جوه عيني هي وريتال ومش هحسسها بأي نقص." ربت جاسم على ساقه وقال بإشفاق: "وليه يا سامر تربي بنت مش بنتك؟ وإنت تقدر تتجوز وتخلف عادي زي أي حد."

وقف سامر منتصبًا وقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا وعاد بعينيه لجاسم وقال بتوجس: "علشان أنا بحبها ومن زمان. وطارق اتقدملها وضاعت مني. ومش هستحمل تضيع مني تاني. ولو رجع بيا الزمان عمري ما كنت هخليها تكون لغيري." قطب جاسم جبينه بدهشة وهو يتابع حديث سامر والذي يذكره بعشقه لوعد وانشغالها بمالك. فوقف هو الآخر وسأله بجدية: "يعني انت لو رجع بيك الوقت كنت عمرك ما هتضيع علا من إيدك حتى لو كنت هتخسر طارق؟ تنهد سامر

بندم وقال بسرعة ودون تردد: "أكيد طبعًا.. مش هسيبها تكون لغيري. وأنا وطارق كنا هنزعل من بعض شوية، بس أكيد برضه مع الوقت كنا هننسى خلافاتنا ونرجع أصحاب تاني." ارتاحت ملامح جاسم وشعر بامتنان لسامر الذي طمأنه أنه يفعل الصواب من أجل أن يحظى بحبه الوحيد. ثم ابتسم بهدوء وصفعه على كتفه بمداعبة وقال بتفهم: "أنا عن نفسي مش هاطمن على علا غير معاك يا سامر. هي صحيح أختي الصغيرة.. بس بحس إنها بنتي ومسؤولة مني. فأنا موافق."

اتسعت عيني سامر بفرحة وقبض على ذراعي جاسم بقوة وسأله ببلاهة: "انت موافق؟ طب احلف.. وحياة عيالك يا شيخ لتحلف." ضحك جاسم ضحكة عالية وهو يتابع سعادة سامر وعشقه البادي بعينيه. ثم أزال يديه عن ذراعيه وقال له بتحذير: "عيال مين يا عم انت، هتلبسني مصيبة... بس لسه رأيها يا معلم.. وانت عارف إنها مستحيل تتجوز بعد طارق.. فا مش عاوزك تتعشم عشان ما تزعلش في الآخر." لمعت عيني سامر بخبث وهو يقول بعزم:

"لا يا صاحبي، المستحيل ده أنا ما أعرفوش. على رأي الأستاذة الجهبذية سوسة عصرها وأوانها الكونتيسة وعد. وأختك ليا لو هعمل فيها أراجوز." حرك جاسم كتفيه بتسليم وقال بتمني: "يا رب توافق.. أنا هكلمهم النهاردة على الغدا في موضوعك، وادعي ربك بقا تعدي على خير."

ثم تركه وعاد لمكتبه جلس عليه وهو يتابع إميله بنفاذ صبر. وطلب من سامر الجلوس أمامه لمتابعة بعض الأعمال المؤجلة بسبب سفر مالك. وهو يعلم جيدًا أن مالك لن يعود للعمل معه مجددًا بعد عودته من السفر. فليتحمل سامر أعباء شغله وشغل مالك. ***

صعدت وعد درجات الدار بسرعة وهي تشعر بالخوف على لمى بعدما تحدثت مع مديرة الدار عن حالة الذعر التي أصابت لمى في الأيام الماضية. فتحت وعد باب غرفة لمى فوجدتها منكمشة على نفسها وتتطلع حولها برعب. فجلست بجوارها على الفراش بتوجس. وما أن رأتها لمى فاحتضنتها مسرعة وقالت باطمئنان وراحة: "شكرًا يا وعد إنك ما اتأخرتيش عليا.. هيموتوني." ملست وعد على شعراتها البنية الناعمة وهدأتها قائلة بنبرتها الناعمة:

"اهدّي يا حبيبتي وقولي ورايا.. أستغفرك ربي وأتوب إليك.. ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين." رددت لمى ما قالته وعد، فاطمأن قلبها قليلاً وسكنت ملامحها المذعورة. فسألتها وعد بحذر وهي ما زالت تمسد شعراتها: "إيه اللي مخوفك كده يا لمى؟ ومين دول اللي هيموتوكي يا حبيبتي؟ ارتمت لمى بحضنها وقالت من بين دموعها بخوف ليخرج صوتها متحشرجًا: "إنتي كان عندك حق.. ولما شكيت فيها عاوزة تموتني."

ضمتها وعد لصدرها كما تفعل معها روضة وقبلت مقدمة رأسها بحنان. ورفعت وجهها لتتقابل عيناهما، فابتسمت لها بحنو وقالت ببطء شديد: "اهدّي.. واحكيلي بهدوء كل حاجة.. تمام." أومأت لمى برأسها موافقة وقالت بهدوء:

"أنا سألت رحاب عن إخواتي اللي خرجوا من الدار معاها وبقت تهرب وما تطمنيش عليهم. فقولتلها لو ما كلمونيش تبقى أذتهم وأنا هبلغ عنها وهوديها في داهية. فصرخت فيا وهددتني لو فتحت بوقي بحرف عنها هتموتني وليها ناس هنا في الدار وهتخليهم يقتلوني. ولو عاوزة أعيش أخرج من الدار عندها وهي هتساعدني زي ما قالتلي الأول. أنا خايفة قوي يا وعد." كففت وعد دموعها بكفيها وسألتها بفضول: "طب انتوا بتتكلموا مع بعض إزاي؟

أخرجت لمى هاتفها المحمول وأعطته لوعد وهي تريها رسائلهم المتبادلة. فشعرت وعد بالقلق على لمى من تلك الشيطانة. فوضعته بحقيبتها وقالت بحسم: "سيبي الموضوع عليا.. أنا هسيبك بس ساعتين وهخلي حد يحرس أوضتك لغاية ما هرجع وأنا هخرجك من هنا وهخبيكي بعيد عنها ومش هتقدر توصلك. وإخواتك أنا بوعدك إني هعمل المستحيل عشان أرجعهم. تمام." احتضنتها لمى مجددًا بقوة وقالت بفزع: "ما تتأخريش عليا.. أنا خايفة قوي." وقفت وعد مسرعة وقالت

وهي تحمل حقيبتها بهدوء: "إن شاء الله مش هتأخر عليكي.. خلي بالك من نفسك." أجابتها بعيون زائغة من رعبها وهي تضم نفسها مجددًا: "حاضر." خرجت وعد وطلبت من إحدى العاملات أن تعتني بلمى حتى عودتها وأعطتها مبلغًا مالياً كبيرًا لتضمن بقاءها معها. وانصرفت مسرعة عائدة إلى الشركة. *** تذمر سامر من تحفظ جاسم عليه، فاستند بظهره على كرسيه وقال له بإنزعاج: "ما ترحمني بقا يا أخوي، عنيا إحولت من كتر البص في الورق."

رمقه جاسم بتحذير وحمل هاتفه وهاتف وعد التي ردت عليه مسرعة وقالت بجدية: "أيوة يا باش مهندس." "إنتي فين يا وعد كل ده تأخير؟ تطلعت للطريق من نافذة سيارة الأجرة وقالت بأسف: "معلش يا فندم.. أنا خلاص قربت من الشركة خمس دقايق بالظبط وهبقى عند حضرتك." أومأ برأسه وهو يقول بجدية: "تمام.. خلي موظف الأمن يركب معاكي الأسانصير، أنا مفهمه." ابتسمت وعد بنعومة وقالت برقة: "متشكرة لحضرتك.. مع السلامة."

شعر جاسم بابتسامتها التي تدفعه للهاوية دون أن تشعر، فأجابها بتنهيدة ملتاعة: "الله يسلمك." وضع هاتفه على مكتبه وتفحص إميله حتى ابتسمت شفتيه بابتسامة شيطانية وهو يتطلع بتلك الصور والتي التقطت لمالك هو وديما في أوضاع تخدع من ينظر إليها أنهما على علاقة ببعضهما. تنفس براحة وانتظر لحظة قدوم وعد لتنفيذ مخططه الذي سيطيح به مالك من طريقه إلى حبيبته المهلكة. لم تترك عينيه باب مكتبه المفتوح حتى لمحها، فقال على الفور بصوت مسموع:

"يا نهار أسود، تعالي يا سامر شوف مالك هو البت اللي اسمها ديما.. هااااه، مش معقول مالك يعمل كده؟ هي البت صاروخ بس ده طول الوقت كان بيقولنا حرام ومش عارف إيه، واتارى هو مقضيها من ورانا." ارتفع حاجبي سامر بتعجب والتف حول مكتب جاسم ووقف أمام حاسوبه لتتسع دهشته وهو يقول بنفي: "مش معقول.. مالك عمره ما يعمل كده." أجابه جاسم وهو يتنقل بين الصور بضيق مفتعل:

"أصل الزفتة ديما دي حاولت معايا كتير وكنت بصدها.. فبعتتلي الصور دي حابة يعني تغيظني بيها. بس صدمتي بجد في مالك، إزاي طاوعها للدرجة دي." شعرت وعد أن ساقيها تحتها كهلام، لم تستطع الوقوف أكثر فانهارت على أقرب مقعد. وقفت راندا سكرتيرة جاسم وسألتها بقلق: "مالك يا وعد، إنتِ كويسة؟ رفعت وعد عينيها ناحيتها بنظرات ميتة وابتلعت ريقها بصعوبة وبللت شفتيها الجافتين من الصدمة وقالت بخفوت: "ما تقلقيش.. بس دخت من الأسانصير."

ثم وقفت وجمعت شجاعتها وطرقت باب غرفة جاسم وقالت وعيناها تخترق الحاسوب: "السلام عليكم." التفت إليها سامر وجاسم الذي شعر بنجاح خطته وهو يرى انهيارها وضعفها. أشار إليها قائلاً بمكر: "تعالي يا وعد، ادخلي." أغلق سامر الحاسوب مسرعًا خوفًا من أن ترى وعد ما بداخله. شعرت وعد بالفضول يقتلها وخصوصًا بعد حركة سامر المقلقة أكثر. تنحنح سامر وقال وهو يخفي عينيه عنها بتوتر: "إحم.. أسيبكم أنا وأروح أشوف اللي ورايا."

جلست وعد أمام جاسم الذي وقف منتفضًا وقال وهو ينصرف: "نسيت أقول لسامر حاجة مهمة.. معلش يا وعد دقايق وهرجعلك."

وخرج وتركها. ثم وقف على مقربة من باب غرفة مكتبه يتابع ردة فعلها المتوقعة. وما هي إلا ثوانٍ ووقفت وعد واتجهت لحاسوبه فتحته ويداها ترتعشان من خوفها. حتى شهقت فجأة ووضعت كفها على فمها وهي ترى مالك وفي أحضانه امرأة عارية ترتدي فقط ثوب سباحة خليع لا يخفي شيئًا. انتقلت بإصبعها للصور التالية والتي لا تقل اشمئزازًا عن ما قبلها. أغلقت الحاسوب بقوة وعادت مكانها تجلس بهدوء.

تابع جاسم انفعالاتها وهو يشعر بالشفقة على حالها وهاله الخوف من هدوئها التي تحلت به وهي تعود لتجلس مكانها. فانطلق مسرعًا ودلف لمكتبه قائلاً بأسف: "آسف يا وعد.. اتأخرت عليكي." هزت رأسها نافية وقالت باتزان مقلق: "رحاب بتهدد لمى بالقتل لو اتكلمت عن البنات.. وبتجبرها تخرج تعيش معاها وإلا هتموتها." رغم قلقه عليها إلا أنها أبهرته بصلابتها وقوتها. فسألها قائلاً بتوجس: "هي رحاب كشفت كل حاجة؟

زمت وعد شفتيها بعدم معرفة وأخرجت هاتف لمى من حقيبتها وأعطته لجاسم وهي تقول بجدية: "الموبايل ده فيه كل المحادثات اللي كانت بينهم." حمله جاسم وتطلع به وتابع حديثهم وتهديد رحاب للمى وما أصابه بالذعر هو ذكر لمى لوعد. واستفسار رحاب عن هوية وعد. فوقف مذعورًا وقال بغضب: "إيه ده؟!!! سألته وعد بقلق وهي تتابع انتفاضته وذعره: "في حاجة يا فندم؟ "رحاب عرفت بوجودك.. وأكيد أمير دلوقتي بيدور وراكي.. مش قولتي إنك ها تاخدي بالك؟ تنهدت

وعد بيأس وقالت بثبات: "قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا.. ما تقلقش عليا وفكر في حل للمى وبسرعة أرجوك البنت منهارة." مرر جاسم كفه على وجهه بقوة وقال بهدوء عكس ما يشعر به: "هي لسه قدامها قد إيه وتخرج؟ "أسبوع." وفجأة وصلت رسالة على هاتف لمى. فتحها جاسم فوجدها من رحاب. فرفع رأسه لوعد وقال بحذر: "دي رحاب.. أرد عليها ولا أعمل إيه؟ وقفت وعد مسرعة وحملت الهاتف وقالت وهي تعبث به بنبرة عدوانية:

"وقعت ولا حدش سمى عليها.. أنا هتكلم معاها على إني لمى.. لأننا لو مارديناش هتحس إن في حاجة غريبة بتحصل." أشار إليها جاسم بعينيه موافقًا وتطلعا لشاشة الهاتف فقد كتبت بتهديد: "أكيد فكرتي يا قطة ومش هتزعليني منك مش كده." أجابتها وعد وهي تكتب بغضب: "أيوه.. أنا بس كنت خايفة على إخواتي ليكونوا عملوا حادثة ولا حاجة وانتِ مش مطمناني."

"وأنا قلتلك إنهم كويسين.. بس بيشتغلوا في محافظة تانية وهما قرروا ينسوا الماضي ويبدأوا من جديد." ابتسم جاسم بسخرية وقال بحدة: "هتبلع الطعم بسهولة.. شكلها هبلة.. كملي يا وعد." أومأت وعد برأسها وكتبت بهدوء: "بس أنا زعلانة منك.. والله بجد خفت من اللي قلتيه بإنك هتموتيني." "يا هبلة انتي صدقتي.. ده أنا كنت بخوفك لما قولتي إنك هتبلغي عني البوليس والبنات كويسين وانتِ مش مصدقة."

فركت وعد أعلى أنفها بتعب وهي تنفض من رأسها صور مالك المتلاحقة أمام عينيها مسببة لها ألمًا رهيبًا في الرأس والقلب. ثم فتحت عينيها وهي تتابع رسائلها بجدية: "يعني مش هتأذيني وممكن أرجع أثق فيكي تاني." "طبعًا يا لوما.. إنتي عارفة ومتأكدة إني بحبك زي أختي الصغيرة غير كل البنات." ملت وعد من تلك المماطلة من حديث يرهقها أكثر وهي تقاوم ألمها، فأنهت حديثها معها كاتبة:

"أكيد طبعًا.. عمومًا كلها أسبوع وهخرج ونتكلم براحتنا.. معلش مضطرة أقفل الموبايل عشان عاوزني." "تمام يا حبيبتي.. لما تفضي ابقي كلميني سلام." وضعت وعد هاتف لمى على المكتب وقالت بعبوس: "أعوذ بالله منك.. عقربة ربنا ينتقم من أمثالك." جلس جاسم مكانه وسألها بسخرية واثقة: "نهايتها قربت.. قوليلي بقا ناوية على إيه." أجابته وعد ببديهية قائلة بقوة:

"لازم تسلم الجهاز ده للبوليس ولازم البنت تسيب الدار فورًا وتفضل في مكان أمان لأنها هتأذيها.. وعن طريق الرسايل دي يقدروا يوصلوا لرحاب وهي معترفة إن البنات معاها يعني سهل يتقبض عليها باعترافها وتهديدها للمى بالقتل." ثم وقفت وحملت حقيبتها وقالت بوهن وتعب بادٍ بنبراتها المقهورة: "لمى أمانة في رقبتك.. أنا وعدتها إنها هتكون بأمان.. وبطلب من حضرتك توعدني بكده." وقف جاسم مفزوعًا وهو يتابع تهدل ملامحها واحمرار

عينيها فسألها بقلق: "مالك يا وعد.. إنتِ تعبانة؟ أومأت برأسها إيجابًا وقالت بخفوت: "شوية صداع.. معلش مش هقدر أكمل شغل.. ممكن أروح أرتاح النهاردة." أجابها جاسم مسرعًا وهو يتابع وهنها بألم: "طبعًا روحي.. وأنا هبقى أطمن عليكي." ابتسمت إليه بامتنان. وتركته وانصرفت تجر أذيال الألم والخذلان. وهو يتطلع إليها بإشفاق قائلاً بداخله: "سامحيني يا حبيبتي غصب عني والله.. بس مش هستحمل أشوفك لغيري.. إنتي ملكي وبس.. ملك جاسم رحال."

*** رفعت رحاب وجهها ناحية أمير وهي مستندة بكفها على صدره العاري وهو ينفث دخان سيجارته بشك. فسألته بعبوس: "مالك يا أمير بس؟ ما البنت أهي خافت وسمعت الكلام.. عاوز إيه تاني؟ وضع أمير سيجارته في الطفاية وقال لها بريبة: "مش عارف بس مش مطمن.. وهموت وأعرف مين وعد دي اللي شقلبت حال البنات علينا." حملت سيجارته وسحبت نفسًا طويلاً وأجابته بهدوء:

"اللي عرفته إنها بنت بتشتغل في شركة وقررت تساعد البنات اللي بتخرج من الدار وبتوفر ليهم سكن وشغل.. يعني مالهاش علاقة بينا خالص." رأسه باستنكار وقال بثقة: "بالعكس بقا.. أنا متأكد إن البت دي وراها حاجة أو حد عارف باللي بنعمله وعاوز يسبقنا بخطوة والحد ده أكيد الزفت جاسم." زفرت رحاب بضيق وقالت بثبات: "هو لو حد عطس حواليك يبقى وراها جاسم.. مش عارفة انت شاغل نفسك بيه ليه." ابتسم أمير بسخرية وقال وقد احتلت نظراته وزادت

قوة ورهبة لمن يتطلع إليه: "أنا فاهمه كويس وبحس بيه حواليا.. بس لمى بالذات تطير فيها رقاب.. ده البت دي هناخد من وراها فلوس ما نحلمش بيها." ولمعت عيناه وهو يُمني نفسه بها بعدما تفرغ حاجة مشتريها منها. ابتسم بخفوت وهو يرسم بمخيلته قطف ثمارها الناضجة بشهوة. فوخزته رحاب في صدره وقالت بتعجب: "سرحت في إيه كده.. ما تخليك معايا."

مال عليها بجسده وقبلها بنهم وهو يتخيل لمى بين ذراعيه. فحتى تصبح له سيظل يمني نفسه بالتهامها. وبعد ذلك لا يتبقى له سوى حلم حياته الوحيد.. علا. ولكن أولاً سيتخلص من جاسم ورفاقه حتى يصل إليها بسهولة ويأخذها ويبتعد عن الجميع في عالم خاص بهم وفقط. *** عادت وعد إلى منزلها لا تعلم كيف ومتى وصلت. صعدت الدرج وهي في عالم آخر لا تشعر بشيء حولها. طرقت باب شقتهم ففتحت لها روضة التي تأملت ملامحها الذابلة بقلق وسألتها بتردد:

"وعد.. مالك يا حبيبتي." توجهت وعد لغرفتها بجمود كأنها منومة مغناطيسيًا. ترك والدها الجريدة من يده وتطلع لحالتها الواجمة وقال بغضب: "هي البت دي مش ناوية تتعدل بقا؟ قسماً بالله هديها علقة تفوقها." ما هي إلا ثوانٍ وانتفض الجميع على صراخها الهستيري وصوت تكسير شيء بقوة. فهرعوا جميعًا لغرفتها فوجدوها تحطم الجيتار بقوة. وصوت صراخها يعلو ويعلو قائلة بهيستيريا وبنبرة ليست مفهومة: "حقير.. حقير كلهم زي بعض.. حقير."

فاحتضنتها روضة مسرعة خشية أن تؤذي نفسها. وهدرت بها بقوة للسيطرة على حالة الانهيار التي تملكتها: "بس بقا اهدّي.. اذكرى الله يا وعد.. فيكي إيه؟ ظلت تصرخ وتصرخ وبكاؤها لا ينقطع. صعد سراج وآمال على صوت صراخها حتى انهارت قواها وسقطت مغشيًا عليها. كالخرقة البالية. صرخت سلوى وهي ترفعها بذراعيه لحضنها وقالت بفزع: "بنتي.. إلحقوني بنتي بتروح مني." حاولوا إفاقتها ولكن دون جدوى. فقالت روضة من بين دموعها:

"مالك اللي كان يعرف رقم الدكتور.. وعمرو كمان مسافر مع روان.. أجيب دكتور منين دلوقتي." ثم رن هاتف وعد فحملته روضة فوجدت المتصل جاسم. فقالت مسرعة كأنها وجدت طوق النجاة أخيرًا من وسط الأمواج العاتية التي تعصف بهم بقوة: "هو.. مافيش غيره يقدر يساعدنا." ضغطت زر استقبال المكالمة وردت مسرعة: "السلام عليكم.. أيوة يا باش مهندس أنا روضة." وقف جاسم من على كرسي مكتبه وقد تسلل القلق لقلبه فسألها بتوجس:

"أهلا يا روضة.. أنا متصل أطمن على وعد لأنها كانت تعبانة النهاردة فقلقت عليها." صرخت به قائلة بذعر: "إلحقنا يا باش مهندس.. وعد رجعت من الشغل منهارة وقعدت تصرخ وتكسر اللي حواليها ووقعت مغمى عليها وإحنا مش عارفين نتصرف." اتسعت عيني جاسم واختفت أنفاسه بخوف. ولملم أشياءه وركض مسرعًا وهو يقول بتلعثم: "نص ساعة.. يعني هكلم الدكتور وهاجي فورًا."

وأغلق الهاتف وهو يزيح من أمامه كل من يعترض طريقه حتى وصل للمصعد طلبه وانتظر قليلاً. ولكن صبره لم يسعفه فانطلق راكضًا على الدرج وهو يدعو الله أن يحفظها له حتى يصل إليها. وأخرج هاتفه وهاتف طبيبهم الخاص وطلب منه أن يأتي لمنزل وعد بمنتهى السرعة وأغلق هاتفه وانطلق مسرعًا لسيارته صعدها بقوة وقادها بسرعة جنونية وهو لا يرى أمامه سوى صورتها المنكسرة الأخيرة وهي تتركه وتنصرف ووصيتها له بأن يحمي لمى. فضرب المقود بقوة وقد انهمرت منه عبرة متمردة على قوته خوفًا على حبيبته.

وصل أخيرًا أسفل عقارها فصف السيارة بإهمال وصعد الدرج مسرعًا. طرق باب شقتها ففتحه له سراج الباب وسأله بحزن: "فين الدكتور يا جاسم؟ التقط أنفاسه وأخرج هاتفه مجددًا وهاتف الطبيب الذي أجابه بأنه أسفل العقار وسيصعد إليهم مسرعًا. وبالفعل عاينها الطبيب بقلق وسألهم بتركيز: "الحالة دي حصلت لها قبل كده؟ أومأت روضة برأسها وهي تجفف دموعها بنقابها وقالت بحشرجة:

"أيوه حصلتلها مرة.. وحرارتها علت زي دلوقتي ودخلت في غيبوبة لمدة يومين وبعدها فاقت فاقدة النطق. وفضلت كده لشهر لغاية ما اتكلمت تاني بصعوبة وبعد فترة اتكلمت عادي." هز الطبيب رأسه بتفهم. وقال بعملية قاسية: "الآنسة عندها انهيار عصبي حاد. وهتدخل في غيبوبة مش معروف هتفوق منها إمتى. اللي عاوز أعرفه إزاي ما اتعالجتش نفسي بعد أزمتها الأخيرة." أجابته روضة وهي تجلس بعدما خانتها قدماها التي لم تستطيعا حملها أكثر

وهي تستمع لكلماته القاسية: "ما كناش متخيلين إن الحالة دي هترجع لها تاني." زفر الطبيب بضيق وأخرج كتيبه الخاص وسطر عليه بعض الأدوية وأعطاها لجاسم وقال له بضيق: "الأدوية دي لازم تيجي فورًا ولو ما استقرتش حالتها هنقلها المستشفى وبعدها لمصحة نفسية."

أخذ منه جاسم الورقة وهو يخفي دموعه. حتى خرج من الشقة وهوى على الدرج يبكي بصمت. فهو من سبب لها ذلك الألم والذي يهدد بمرضها وربما فقدها. ثم نهر ضعفه ووقف بقوة وكفف دموعه وانطلق مسرعًا ليحضر لها الأدوية وهو يدعو الله أن يشفيها ويعيدها إليه بسلام. *** بعد ساعات.. سكن جسد وعد بهدوء على فراشها دون حركة. وعُلقت بيدها تلك الإبرة المغذية لشرايينها. والجميع يشعر باستياء وحزن على حالتها. قبلت سلوى كفها بدموعها وقالت بألم:

"قومي يا وعد.. قومي يا حبيبتي.. اصرخي وزعقي فيا بس ما تناميش النومة دي." هوى جسد عيسى على أريكة. وقد أطلق لدموعه العنان على حالة ابنته وهو لا يدري سببًا لما حدث. فكفف دموعه وهو يذكر الله. فربت سراج على ذراعه وقال لشد أزره: "اهدا يا عيسى مش كده.. إن شاء الله هتبقى كويسة." رفع عيسى عينيه لسقف شقته وقال برجاء: "يا رب احميها وقومها لي من المحنة دي بالسلامة."

خرجت روضة لتغير مياه الكمادات بمياه باردة لتنخفض حرارة وعد. فأوقفها والدها وسألها بضيق: "هو الموضوع ده حصلها إمتى.. وإزاي ما تعرفوناش بحاجة زي دي؟ ضاقت عيني روضة وأظلمت بحقد. ثم تركت طبق المياه من يدها على الطاولة والتفتت إليه بحدة وقالت بعصبية لم يعهدها منها: "عاوز تعرف يا بابا حصلها ده من إيه.. فاكر يوم ما ضربتها بالحزام ونزفت تحت إيديك لما قالتلك طلق مراتك التانية وارجع عيش معانا وما تاخدش ماما معاك."

ابتلع عيسى ريقه بصعوبة وهو يستمع إليها بخجل من فعلته القديمة. بينما أردفت روضة قائلة بتلك النبرة الثابتة:

"يومها خدناها المستشفى واتخيطت جنب عينها وعالجولها الجروح والشروخ. ولما رجعت لقت ماما سابتها وسافرت معاك من غير حتى ما تطمن عليها.. قعدت تصرخ وتعيط لغاية ما وقعت بين إيدينا وكانت هتموت منا بدل المرة عشرين واسأل عمو سراج. ولفينا بيها على كل الدكاترة حتى بعد ما فاقت وكانت مش قادرة تتكلم. بس هي بقربها من ربنا قدرت ترجع وتقف على رجليها وكملت كليتها وكانت متفوقة دايماً. بس ما جاش في بالنا نعالجها نفسي واحنا بنشوفها بتضحك وتهزر وعنيها حزينة طول الوقت."

فرك جاسم جبهته بإرهاق وهو يستمع لما مر على جنيته الحزينة. وعلم مصدر جرحها الوردي والذي يعشقه كما يعشقها. تمالك أعصابه ووقف على استحياء وقال بتعب: "أنا همشي دلوقتي يا عمي.. بس بعد إذنك هتصل أطمن عليها وهبقى أجي أزوركم لغاية ما نطمن عليها.. أنا مكان عمرو ومالك مش كده." وقف عيسى بتثاقل وصافحه بامتنان وقال بوهن: "تشكر يا ابني تعبناك معانا.. ابن أصول يا جاسم."

تطلع جاسم بباب غرفة وعد وقلبه ينزف بقوة وهو لا يقوى على تركها بمفردها تصارع حزنها وانكسارها والأصعب أنه هو من سبب لها ذلك الألم. ثم أخفض رأسه بكسرة وقال بحزن: "ما تقولش كده يا عمي.. ولو احتاجت أي حاجة في أي وقت كلمني من غير ما تتردد أرجوك." "حاضر يا ابني.. ما نتحرمش منك."

تركهم جاسم وانطلق حتى صعد سيارته بشرود وقادها مغيبًا لا يعلم وجهته. وجد نفسه بعد فترة يصف سيارته أمام البحر. خرج مسرعًا يستنشق هوائه العليل حتى تهدأ نيران قلبه التي تنهشه وتلومه على عدم تقديره لحالة تلك البريئة والناعمة كـريشة طيرتها الرياح. ***

ارتشف مالك بعض القهوة من كوبه وهو يتطلع بالطريق شارداً في إحدى كافيهات بوخاريست. شاعراً بغصة في صدره تنذره بالأسوأ. وبعد اختفاء هاتفه لم يستطع الاطمئنان على عائلته أو صغيرته الرقيقة. عند هذه النقطة ابتسم بهدوء وهو يتذكر وداعهم بتنهيدة ملتاعة شوقًا لعيونها وملامحها الشقية وهي تمسح أنفها بكم إسدالها وتخفي دموعها. فترك الجميع ووقف بجوارها على سور البناية وتطلع إليها بعشق وهو يقول بخفوت هادئ:

"ممكن تبطلي تعيطي.. لأني كده مش هسافر وهقعد جنبك والشقة تبقى بلح." أجابته بقوة رغم حشرجة صوتها واحمرار أنفها قائلة بسخرية: "أنا مش بعيط.. دي حاجة دخلت في عيني." اقترب منها وهو يقول هامساً بإثارة: "يعني مش هوحشك وهيبقى نفسك تشوفيني.. وتتكلمي معايا وتبصي في عيني وأنتي أصلاً بتبصي جوه قلبي تطمنيني على مكانك.. طب وهتعزفي لمين بالليل عشان ينام ومافيش في قلبه ولا عقله غيرك.. هاه قوليلى."

زاد انهمار دموعها التي لم تسمح لهم سوى بمغادرة عينيها ليستقبلهم كم إسدالها ليختفوا بهدوء عن أنظار الجميع. فابتسم على حالتها وقال مداعباً برقة: "تعرفي إن أنا بأغير حتى من دموعك دي إنها تلمس خدودك وأنا لأ.. بس هانت أول ما هرجع إن شاء الله هنرتبط وهكتب كتابي زي عمرو عشان ما يبقاش بينا حدود تاني."

أغمضت وعد عينيها بتمني وهي تطلب من الله أن يقصر عليها فترة ابتعاده ويعود سالمًا كي يحققا أحلامهما سوياً. ثم فتحت عينيها والتفتت إليه تتأمله لأول مرة مطولاً دون أن تستحي كعادتها الأخيرة. فابتسم إليها بمشاغبة. فضاقت عيناه مسببة لها ألمًا شديدًا في قلبها مع زيادة معدل انهمار دموعها. التي التقطها كمها كالعادة. ثم تنهدت مطولاً وقالت بألم:

"تروح وترجع بالسلامة.. وخلي بالك من نفسك.. وحط ربنا دايماً قدام عينيك.. وهتوحشني قوي." ابتسم بخفوت على استرسالها العفوي وهو يقول بعذاب: "وانتي هتوحشيني أكتر.. ربنا يكون في عوني الأيام الجاية." وخزته ديما في كفه لتعيده لأرض الواقع التي تخلو من حبيبته. وعاد لارتشاف قهوته التي بردت بهدوء. فسألته بمداعبة: "شو بيك يا مالك.. أوقات بتبقى مرح وأوقات بتبقى حزين." ابتسم بوجهها وقال بضيق:

"من ساعة ما الموبايل ضاع مني وأنا مش عارف أطمن عليهم." "بكرة بتلاقيه.. ووقتها ابقى هاتفه براحتك." زادت ابتسامته الساخرة. فسألته دينا بعبوس: "شو فيك هلأ.. حساك عم تسخر مني." أجابها وهو يعقد ذراعيه أمام صدره ويتطلع إليها بتعجب: "نفسي تثبتي على لغة." ضحكت ضحكتها الرنانة وأجابته وهي تلملم شعراتها السوداء خلف أذنيها:

"ما انت بتعرف أنا بحب أحكي مصري وماما لبنانية والبابا سوري.. فهيك بيطلع كلامي متل الكشري عندكم بمصر. خلطبيطة. اتركك هلأ من المزاح ونتكلم بالشغل شوي." أومأ لها مالك برأسه موافقًا ليحثها على متابعة حديثها. فأردفت قائلة بجدية: "انت لهلأ وصلت لعروض بتجنن.. فا نحنا بنتابع اجتماعاتنا مع الموردين هون يمكن تلاقي عروض أحسن قبل ما نسافر على مكان تاني." "لسه كام مورد هنا هنجتمع معاهم؟ أخرجت مفكرتها من حقيبتها وتطلعت

بها ثم أجابته مؤكدة: "تنتين بس.. وبعدها راح آخدك على مكان بيطير العقل. ومن ناحية عيلتك أنا طلبت من مستر جاسم على إميله إنه يطمنهم بإن هاتفك انسرق."

أومأ لها مالك برأسه وهو يعود لشروده مرة أخرى. شعرت ديما بالتعاطف معه وندمت قليلًا على أنها طاوعت جاسم بالإيقاع به لكي يصوره بأوضاع مخلة هو أبعد ما يكون عنها عندما تصنعت السقوط عند المسبح فحاول التمسك بها. فاستندت هي بكلتا يديها على صدره العاري. فيخيل لمن يراهم أنه يحتضنها عارية. وعندما جلست بجواره مرة أخرى بفستان سهرة لا يعطي لمخيلة أي شخص الفرصة في تخيل ما يخفيه من جسدها واقتربت منه وهي تطالبه بإغلاق سلسالها حول رقبتها فنفذ لها رغبتها بتلقائية ولم يكن يشعر بالمصور الذي استغل لحظاتهم التلقائية أسوأ استغلال. تنهدت ديما مطولاً

وقالت بداخلها بندم: "سامحني يا مالك من شان الله.. ما بعرف كيف راح يستغل جاسم هالصور. بس أنا من شانه بزت حالي بالبحر. يا الله بدي كون معه ولو لليلة واحدة.. عمري ما شدني رجال مثل ما شدني جاسم إله." ***

استمر سكون وعد يومين كاملين. ووفر لها جاسم كل التسهيلات الطبية لتتحول غرفتها لغرفة بمشفى مصحوبة بممرضة لا تفارقها أبداً. انحنى عمرو بجسده وقبل جبينها ودموعه بللت وجنتيها. ثم اعتدل وجلس مقابلها يتأملها بشرود حزين. فقد شحبت ملامحها وزاد بياضها الذي اختفى منه اللون الوردي. حمل كفها واحتضنه بين كفيه وقال بهمس خافت حزين:

"أنا زعلان منك يا وعد.. كده أرجع من كام يوم العسل.. ما ألاقيكيش أول واحدة بتستناني.. طب أنا جبتلك الأيس كريم والشوكولاتة اللي بتحبيها لو ما صحتيش البت روان هتاكلهم وتسيبك.. قومي هاتيها من شعرها زي ما كنتي بتقوليها دايماً وفي الآخر كنتي بتحضنيها.. ردي عليا يا وعد." ربتت روضة على كتفه وهي تقف خلفه بوهن وقد شحبت ملامحها هي الأخرى. ثم قالت بصوت يكاد يكون مسموعًا وهي تتطلع لوعد بحزن:

"قوم يا حبيبي ارتاح في شقتك.. من ساعة ما رجعت وانت قاعد جنبها ما ارتاحتش." التفت عمرو بجسده ناحية روضة وسألها وقد أظلمت عينيه بغضب مستطر: "مين اللي زعلها ووصلها للحالة دي؟ رفعت روضة كتفيها بمعنى لا تعرف. وقالت بتعجب: "هي رجعت من الشغل كسرت الجيتار.. وقعدت تصرخ لغاية ما وقعت ومن ساعتها زي ما انت شايف كده." ضيق عمرو عينيه وقال بعدم اقتناع: "أكيد حاجة حصلت في الشغل.. هو جاسم لسه قاعد بره؟

أومأت روضة برأسها وقالت بتعجب من حالة جاسم وقلقه على وعد وتوفير كل ما يلزمها باهتمام شديد جداً: "أيوه هو قاعد مع بابا.. تصدق ما سبناش أبداً وكان مكانك انت ومالك وعمل عشانها كتير.. الواحد لو قعد يشكره عمره ما هيوفيه حقه." وقف عمرو وخرج يجلس مع والده وجاسم وسراج. ثم سأل جاسم مباشرة وبقوة: "في حاجة حصلت لوعد بالشركة يا جاسم هي اللي تعبتها كده؟ ابتلع جاسم ريقه بتوتر مخفي وهو يتذكر ما فعله بها. ثم قال بثقة وثبات:

"لأ.. هي قالتلي أنا مصدعة وعاوزة أروح.. فسبتها تمشي ولما اتصلت عشان أطمن عليها روضة قالتلي إنها تعبت.. بس هو ده اللي حصل." ربت عمرو على ساقه بامتنان وابتسم إليه بوهن وقال بنبرة تحمل كل التقدير: "أنا مش عارف أشكرك إزاي.. قالولي على اللي عملته.. فعلاً ابن أصول." أجابه جاسم بخجل مخفي من فعلته الحقيرة: "ما تقولش كده يا عمرو.. ربنا يعلم أنا بقدر وعد وبحترمها إزاي." تنهد عمرو مطولاً وهو يتابع عشق جاسم بعينيه.

فأومأ برأسه وقال بتفهم: "كلنا عرفنا انت بتقدرها إزاي." أمن عيسى على كلمات ولده وقال مؤكداً: "فعلاً يا جاسم يا ابني معزتك لوعد بانت الأيام اللي فاتت ده انت سبت شغلك وحالك ومالك عشانها." تنفس جاسم براحة وتجرأ أخيرًا قائلاً بتردد: "طب بما إنكم حاسين باللي جوايا لوعد.. فا إن شاء الله بس تقوم بالسلامة عاوز أتقدم لها وأخطبها لو.. لو مافيش عندكم مانع يعني." لمعت عيني عيسى بفرحة وسأله بشك وهو يتابع ملامحه بدقة:

"طب والدك يا ابني يعرف إنك ناوي ترتبط ببنتي؟ أجابه جاسم مسرعًا ودون تردد: "ده هو اللي طلب مني أستعجل وأفاتحكم لما اتعرف عليها في الشركة وقال لي ما أضيعهاش مني." لم يكن سراج يعي ما يقال أمامه فمالك يعشق وعد ووعد تعشقه. فاندهاشه كان مرتسمًا على وجهه بقوة. ألا يعلم جاسم بأمر حب مالك لوعد؟ أخرجه عيسي من شروده وهو يقول: "إيه رأيك يا سراج؟! أجابه سراج بهدوء وقال للإثناء على جاسم بنبرة متلعثمة:

"أنا.. أنا هقول كلمة حق جاسم صاحب مالك من سنين طويلة وعمري ما شوفت منه حاجة وحشة.. وكبر شغل والده ودلوقتي بيأسس شركته الخاصة.. يعني أي أب يتمناه لبنته." طأطأ جاسم رأسه بخجل وقال بتقدير: "متشكر يا عمي.. بس وعد تقوم بالسلامة وتاخدوا موافقتها وأنا هجيب أهلي ونزوركم ونطلبها رسمي." أجابه عيسى وهو يمسد رأسه بتعب فهو لم ينل قسطًا كافيًا من النوم منذ مرض وعد: "ادعيلها يا ابني ربنا يقومها بالسلامة."

وصل لمسامع روضة حديث جاسم مع والدها. فقطبت حاجبيها من شدة ذهولها. فالأكيد أن جاسم يعلم بحب مالك ووعد. فكيف يتقدم لخطبتها وهو يعلم أن صديق عمره يحبها. لم تقو على فهم ما يحدث أمامها. ولكنها موقنة أن وعد عند عودتها واكتمال شفائها سترفض طلب جاسم بلا مناقشة. فحبها لمالك أقوى. هزت روضة كتفيها بتسليم لما سيحدث وجلست بجوار جدتها التي احتضنت رأسها بذراعها وضمتها لصدرها لتتشبث بها روضة كطفلة صغيرة وهما تتطلعان بوعد على أمل أن تفتح عينيها بأي وقت.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...