الفصل 20 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل العشرون 20 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
13
كلمة
9,913
وقت القراءة
50 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

اجتمع الجميع في شقة فضل. تثائبت ريتال وقالت بكسل: "أنا عاوزة أنام يا مامتي." حملتها علا ووقفت قائلة بحنو: "يالا يا روح ماما." تعلقت ريتال برقبتها وقالت بخوف: "بس أنا عاوزة أنام معاكي في الأوضة.. لأني خايفة." ربتت علا على ظهرها بنعومة وقالت بتنهيدة حزينة: "أكيد يا روح ماما.. وهتنامي في حضني كمان." التفتت ريتال برأسها ناحية وعد وأرسلت لها قبلة بالهواء وقالت: "I love you وعد.. تصبحوا على خير." أرسلت لها وعد

قبلة بالهواء وأجابتها بحب: "وأنا كمان بحبك يا قلبي.. وإنتي من أهله." زمت سندس شفتيها بحزن وقالت بضيق: "كده يا توتا خلاص وعد أخدت مكاني." أجابتها ريتال بأعين ناعسة مستسلمة لسلطان نومها: "إنتي كمان بحبك." سارت بها علا لغرفتها. انطلقت دموع دولت أخيراً وقالت بأسى: "البنت خايفة.. مش كفاية إنها يتيمة.. قوم يحصلها اللي حصلها ده." وقفت وعد تاركة حضن زوجها والذي يحاوط كتفيها بتملك، وجلست بجوار دولت واحتضنت كفها

بين راحتيها وقالت بدعم: "خلاص يا ماما علشان خاطري.. بكرة هتنسى وهتبقى كويسة وإحنا كلنا جنبها ولازم نحمد ربنا إنه حماها من الحيوان ده." كففت دولت دموعها وضمت وعد لصدرها وقالت بحنو: "حاضر يا حبيبتي." التفتت وعد برأسها ناحية فضل وهي ما زالت في أحضان دولت الحنونة وقالت برجاء: "بعد إذنك يا عمي ممكن ندبح بكرة لله علشان نشكره على رحمته بينا وإن ريتال كويسة دلوقتي." أومأ فضل برأسه وقال موافقاً:

"عندك حق يا حبيبتي.. وكمان هاخد ريتال معايا في الدبح وهخليها توزع اللحمة بنفسها كمان." اعتدلت سندس في جلستها ومالت على جاسم قائلة بابتسامة مداعبة: "إنت لقيتها فين دي يا جسوم.. دي بنت حلال مصفى.. ربنا يهنيكم." تطلع جاسم بفخر ناحية ساحرته وقال بابتسامته الجانبية الخاصة بها: "لقيتها في الأسانسير.. وساعتها حلفت لتكون ليا مهما حصل."

اتسعت ابتسامة وعد المشرقة وهي تطالعه بحب. ثم اختفت ابتسامتها وعلا مكانها ملامح غاضبة وهي ترى داليا ابنة عمته تتقدم ناحيته وجلست بجواره وحملت كفه بين راحتيها تتأمل جروح يده نتيجة ضربه لذلك الحيوان وقالت برقة ناعمة كالأفاعي: "إيه ده.. ده إنت مجروح في إيدك.. أنا هقوم أجيب مطهر ولزق جروح عشان ما تتلوث."

وقفت وعد بضيق وهي تنوي الانقضاض على تلك الوقحة والتي تلمس ما يخصها وحدها. وجلست بينهما بغضب وأزاحت داليا بجسدها بعيداً عنه وجلست هي بجواره وقالت من بين أسنانها بغيظ: "قوم يا حبيبي نطلع شقتنا عشان أعقم لك الجرح قبل ما يتلوث." أخفى ابتسامته قدر المستطاع وهو يقف ويجذبها معه محاوطاً كتفيها مجدداً بذراعه وقال مودعاً الجميع بابتسامة خافتة: "يالا تصبحوا على خير يا جماعة." "وإنت من أهله."

خرج جاسم ووعد من شقة فضل وصعدوا لشقتهم. فدفعته وعد بقوة من غضبها فارتطم برأسه بالحائط خلفه متألماً. فاقتربت منه ورفعت سبابتها أمام وجهه وقد حاصرته بمكانه وقالت بتحذير وتهديد ووعيد أيضاً وعيونها تقدح شراراً: "لو واحدة أيا كانت هي مين لمستك تاني ما تلومش إلا نفسك يا باشمهندس.. مفهوم." انهر ضاحكاً وهو يمسد مكان اصطدام رأسه بالحائط وقال بمداعبة: "يا واد.. إنت بتغير." رفعت حاجبها باستنكار وقالت بت رفع وغرور:

"أنا مش بغير طبعاً.. بس نتقي الله كده و ننسى حياتك القديمة اللي كانت كلها بنات وحركات غلط."

وتركته وصعدت غاضبة لشقتهم. تبعه وعيونه تلتهمها بشوق تلك الزوبعة في غضبها والساحرة في جمالها والمهلكة في طفولتها وبراءتها التي لم تتلوث مع مرور الوقت. أكمل صعوده وهو يبتسم بمشاغبة. ولج لشاقته فوجدها عابسة زامة شفتيها بضيق. فاقترب منها متمهلاً ليتأملها مطولاً. ثم لفها ناحيته بهدوء وصمت. لامس وجهها برقة وهو يحدقها بشوق. ثم فك حجاب إسدالها عن رأسها وحرر شعراتها لتنزلق على ظهرها كشلال طويل من أشعة الشمس الحمراء. مرر أنامله بهم مستمتعاً بنعومتهم وقد تعلقت عيونهم كعادتهم. جذب بعض شعراتها وقربهم لأنفه واستنشق مسكهم المسكر.

ذابت مع حركاته الرقيقة وأغمضت عيناها مستمتعة بقربه منها حتى انتبهت لصوته يقطع حالتهم الهادئة والثائرة بنفس الوقت قائلاً بهمس: "بحبك لدرجة الاحتياج.. محتاجك جنبي وليا.. محتاج حنيتك ودفاكي.. محتاج نظرتك وهمسك.. محتاج حضنك وضمتك.. محتاج قلبك يدق ليا عشان أرتاح وأطمن.. محتاج أسكن دنيتك وأمليها وأبقى كل حاجة فيها.. محتاج أسمع منك كلمة بحبك."

فتحت عيناها بوهن بعدما أثرت بها كلماته وشعرت بثقل بقدميها. ولكنها قاومت ورفعت عيناها نحوه وحدقته بحب طائف على ملامحه الجذابة. ومررت أناملها برقة على ذقنه الخفيفة وقالت بخفوت هامس أذابت به ما تبقى من تمالكه لأعصابه: "لو محسيتش باللي جوايا لوحدك فا دي غلطتك.. ولو مستني مني كلمة بحبك فا دي غلطتي.. بس صدقني لما تطلع مني وأنا حساها مية في المية هتسعدك أكتر." أشارت بسبابتها على قلبه وقالت بقوة ثابتة أغارت بنظراتها:

"أنا متأكدة إني مالية قلبك وإنك كلك بقلبك وعقلك ملكي لوحدي.. وعارفة إني في إيد أمينة بتحميني من كل حاجة ومن نفسي كمان." ابتسمت بشغف وهي تتابع ملامحه التي تعلن شوقه الجارف لضمها وقالت بنعومة:

"تعرف يا جاسم من أول مرة قابلتك فيها وأنا حسيت بالأمان.. عينك كانت دايماً حواليا.. يمكن ما كنتش قادرة أفسر نظراتك ليا.. بس كنت حاسة بأهميتي عندك.. أنا مش محتاجة من عينك دي غير إنها تداويني من وجعي وترجعلي الثقة في الحب لأنك تستاهل تتحب." ثم وقفت على أنامل قدميها وقبلت عينه اليمنى برقة تبعتها قبلة حانية على عينه اليسرى. وابتعدت قليلاً متأملة استسلامه لها.

سحرته كلماتها وقبلاتها الناعمتين مثلها كنسمة هادئة في يوم حار. فتح عينيه يتأملها بهدوء ما قبل العاصفة. ومرر أنامله على شفتيها قائلاً برقة: "هصبر.. صدقيني هصبر لو لآخر يوم في عمري.. وهستنى الوقت اللي هتعترفيلى فيه بحبك ليا.. ومش عارف ليه حاسس إنه قريب مش بعيد."

تركت له العنان في جذبها لعالمه المثير والدافئ. تعلم جيداً أن قلبها قد استسلم إليه كحالها ولكنها تكابر. تعاند. ترفض البوح بما يجول به صدرها وامتلأ به قلبها. وبرغم بلوغ عشقها له لمنتهاه منذ أن ضحى بنفسه من أجلها ولكنها خائفة. خائفة أن تعطيه صك ملكية قلبها فتندم كما ندمت من قبل.

جلست بجواره في الفراش وعقلها شارد ومتحير. هل باتت تعشقه حقاً وإن كان كذلك فهل أحبت مالك أم أنها كانت تتوهم عشقه. لقد كان فرحتها وضحكتها وتعقلها وجنونها. رغم الفترة البسيطة التي جمعتهم سوياً إلا أنها تعلقت به. سألت نفسها بضيق.. هل تسرعت بارتباطها مجدداً. ليجيبها قلبها أن جاسم هو فقط من يستحقه. فلتعطه فرصة ولتعطي نفسها فرصة لتختبر عشقه المجنون مثله.

لم تنتبه لتركه الفراش حتى انتبهت لدلوفه للغرفة حاملاً طبق كبير من المثلجات. فابتسمت بسعادة وهي تتطلع لابتسامته المشاغبة وهو يقول: "جبت لك أكبر طبق آيس كريم عشان زعلتك مني." جلس بجوارها وناولها ملعقة وقال بحزم: "مش هخلي واحدة تقرب مني تاني وتضايقك لو كانت مين." حملت منه الطبق واعتدلت في جلستها وقالت بطفولة: "طيب بقا.. بما إنك متعاقب فمش هتاكل معايا آيس كريم."

وبدأت في تناوله بنهم وهو يراقبها بسعادة. حتى لاحظ تهدل عينيها ورغبتها في النوم. فحمل الطبق من أمامها وقال بحنو: "نامي يا حبيبتي شكلك خلاص تعبتي النهاردة." أومأت برأسها وقالت بكسل: "حاضر." بعد قليل عاد من المطبخ فوجدها ما زالت جالسة ولم تنم. جلس بجوارها وسألها بتعجب: "لسه صاحية ليه.. يالا نامي." حكت شعراتها بطريقة طفولية وقالت بتثائب: "مش هعرف أنام من غيرك.. تعالا بقا."

حرك رأسه بابتسامة ساخرة حنونة وتمدد بجوارها ومد ذراعه فوضعت رأسها على صدره الذي أصبح وسادتها الدافئة. فحاوطها بذراعه وقبل مقدمة رأسها وضمه إليه. فغفت بهدوء. انتبه لانتظام أنفاسها فابتسم بحب متأملاً جمالها الطفولي والهادئ.

لم يكن وحده السهران والذي هجره النوم هائماً بحبه. بل جلس مالك أيضاً أمام حاسوبه يتأمل صوره مع وعد وبدأ في محوهم واحدة تلو الأخرى. وهو يمحو حبه من داخله مع كل صورة. أوقات يبتسم وهو يتابع عفويتها وبراءتها. وأوقات يشعر بالضيق والحزن على سعادة كانت ملكه وباتت لغيره. حتى توقفت أنامله على لوحة المفاتيح لصورة تجمعه مع روضة فابتسم ابتسامة متسعة وقرب الصورة مستمتعاً بعينيها السوداء الحنونة. لم يشعر بالوقت وهو يتأملها ويتحدث معها أيضاً. فضوله يقتله لمعرفة باقي وجهها المخفي. هل ابتسامتها وملامحها بنفس جمال عينيها.

وضع يده أسفل وجنته مستنداً على مكتبه يفكر بقوة. هل يعطي نفسه فرصة لتجربة حب جديد أم يمهل نفسه قليلاً حتى يتخلص من تلك الزوبعة التي ملكته وتركته بمفرده. شعر بوخزة مؤلمة في قلبه فتنفس مطولاً وقال بألم: "سامحيني يا روضة بس لسه محتاج شوية وقت عشان أبدأ معاكي وأنا ليكي لوحدك.. بس ربنا القادر على إني أنسى وأرجع زي الأول."

لو كان النسيان شخصاً لملكته حتى أنساك. يا الله.. النسيان.. كلمة تبدو سهلة ولكنها صعبة كصخرة كبيرة لا يمكن زحزحتها. لفت روضة خصلة من شعراتها حول إصبعها وهي تتنهد بألم. هل شعر بها أخيراً. ولكن.. بعد ماذا.. فقد نالها من خيبة الأمل ما نالها واكتفت. فلماذا يعطيها أمل جديد ستأتي من بعده خيبة جديدة وخذلان.

لم تفهم مقصده وكلماته المبهمة فلأول مرة يكون بينها وبين مالك ألغاز فهما كتابان مفتوحان لبعضهما وقد قرر هو المشاغبة قليلاً. بصراحة تليق به المشاغبة. ابتسمت روضة بسخرية وهي تتذكر نظراته وهمساته وعطره التي احتفظت به بأنفها. هل سيحبها حقاً. عبست بعينيها وقالت بداخلها:

"هو أنا هستناه لغاية إمتى.. وبعدين خلاص بعد حبه لوعد مستحيل يكون في شيء بينا.. بس أنا بحبه ومش قادرة أشوف غيره.. أنا هتوكل على الله وهقابل العريس اللي متقدم ده.. وربنا يهيألي الخير." وعادت للعبث بشعراتها بألم. ثم عادت لها ابتسامتها مجدداً وهي تستعيد لحظاتهم الأخيرة. فكرت قليلاً هل لو فاتحها بموضوعهم سوياً تكابر وتعاند. أم تنصاع لأوامر قلبها.

ملست علا بحنو على شعرات ابنتها ودموعها لا تتوقف ولعنت عقلها البائس الذي لا يتوانى في التفكير بسامر. كلمات ريتال بحبها لسامر وحبه لها يجبرها على التفكير مجدداً في إعطاء نفسهم فرصة أخرى من أجل صغيرتها التي تحتاج أب حنون كأي طفلة في سنها. والأكثر هو قلبها المتيم به ولا تستطيع التمرد عليه وإخراجه منه. فلقد تشعب به وبات من الصعب استئصاله. فهو حب الطفولة والشباب.

نعم حب الطفولة والشباب ومرض صعب الشفاء منه. حاول معها كثيراً ولكن فشل. فعل كل ما في وسعه ليعيدها إليه ولكنها عنيدة بشكل يجعله يرغب في تكسير رأسها ثم ضمها إليه بقوة صاهرها إياها داخله حتى لا تستطيع الفرار منه مجدداً. وقف سامر في نافذة غرفته شارداً هل يفاتح لمى بارتباطهم أم ينتظر أن تحن عليه العنيدة والتي يعشقها ويذوب بتفاصيلها حد الموت. خاطب نفسه قائلاً بعتاب قاسٍ:

"هتفضل لغاية إمتى يا سامر مستني تحن عليك.. كفاية كده وأدي لنفسك فرصة يمكن.. يمكن تنساها وتعيش بعدها.. وأنت حاسس إن لمى ميالة ليك أنا هخطبها في الأول وأشوف هقدر أستحمل وأكمل ولا هذل نفسي لعلا تاني." أغمض عينيه مستمتعاً بنسمات الليل التي تداعب جفونه ورموشه الذهبية. لو كان لهذه النسائم تأثير في إخماد نيران روحنا لاستنشقناها جميعها.

فتحت لمى عينيها وهي تستمتع بالهواء الذي يداعب شعراتها وعلى ثغرها ابتسامة لذيذة كذلك اللذيذ الذي ظهر إليها من العدم. يحيى. كلما تذكرته شعرت براحة غريبة تغزو كيانها. لم تترك عيناها النيل وهي تطالعه من شرفتها وتتمنى بزوغ النهار وانصرافه ليحل الغروب لتراه مجدداً. فكرت كثيراً كيف سيكون ردها على طلبه. حتى جائتها فكرة جيدة. فحملت هاتفها وأرسلت رسالة لسامر فحواها: "سامر.. عاوزة أقابلك بكرة ضروري ساعة العصر.. ممكن 🙁."

ابتسم بخفوت وهو يقرأ رسالتها فأجابها كاتباً: "حاضر.. أنا كمان عاوزك في موضوع مهم.. أشوفك بكرة 😉." ارتاحت ملامحها وقالت بهدوء: "هو ده الصح.. لازم سامر يبقى معايا بكرة لما يحيى ده ييجي هو ولي أمري ورأيه مهم جدا.. يا رب هيألي الخير." عادت للحظاتها اللذيذة مع يحيى ونظراته المشاغبة وشعراته الطويلة الناعمة. فلاحت على ثغرها ابتسامة رقيقة وهي تتخيله أمامها.

وقفت روضة مكتفة ذراعيها أمام صدرها بحزن متكئة بكتفها على باب غرفة والديها تتابع حزم والدتها لحقائبهم. انتبهت عليها سلوى فالتفتت برأسها مبتسمة بحنو وجلست على فراشها وأشارت لها أن تتقدم نحوها. سارت ببطء كطفلة صغيرة تخشى فراق والدتها ولم تتحدث فقط جلست بجوارها وضمتها لصدرها وتركت لدموعها العنان. ملست سلوى على شعراتها وقالت بحنان:

"هتوحشيني يا حبيبتي.. كنت طول عمري بحلم إن ربنا يرزقني ببنت.. لغاية ما جاب دعائي ورزقني بيكي.. أول ما شلتك بين إيديا وشوفتك.. كانت فرحتي ما توصفش.. ساعتها حلمت إني أشوفك بالفستان الأبيض وأفرح بيكي." ثم أبعدتها عنها وكففت دموعها وقالت برجاء: "نفسي أفرح بيكي يا حبيبتي.. علشان خاطري وافقي تقابلي العريس اللي متقدم لك." شردت روضة قليلاً ولعقت شفتيها ثم قالت بحزم قاطع: "موافقة يا ماما." تنفست سلوى براحة وقالت بفرحة:

"ربنا يهنيكي يا حبيبتي.. عمار ابن حلال ومتربي وعنده مستقبل كويس.. يا رب يكون من نصيبك." أومأت روضة برأسها وخرجت وجلست مع الجميع. تناولوا وجبة غدائهم الجماعية. فوقفت سلوى وقالت بفرحة: "أنا عندي خبر حلو لكم يا جماعة.. روضة متقدم لها عريس وهي وافقت تقابله." بصق مالك مشروبه من فمه بعدما تسلل لقصبته الهوائية وسعل بقوة جعلت الجميع يلتف حوله بقلق. ضربه عمرو بظهره حتى استعاد أنفاسه مرة أخرى وقال ب ذعر:

"مين هيتجوز مين.. هو فيه إيه بالضبط." ابتسم سراج بمكر وهو يتابع غيرة ابنه. بينما تابعت سلوى بقلق: "عمار جارنا متقدم لروضة.. وهي وافقت تقابله." صك مالك أسنانه بقوة وتطلع إليها بغضب جعلها تشعر لأول مرة بالخوف منه. ثم سألها من بين أسنانه بقوة: "إنتى وافقتي بجد." أومأت برأسها ولم تنطق. فوقف مسرعاً وقال لعمرو بحزم غير قابل للنقاش: "عمرو.. عاوزك ضروري تعالى معايا نطلع عندك." زم عمرو شفتيه بعدم فهم ووقف قائلاً بإستسلام:

"حاضر.. يالا بينا." تطلعت روضة نحوهما بتعجب. وهو يرمقها بغضب مضيقاً عينيه بتوعد. لم تفطن لمقصده. أو تصنعت الغباء عمداً حتى لا تصاب بخيبة أمل جديدة. لكن نظرات سراج أخبرتها أنها ليست غبية وما تشعر به حقيقي. وأخيراً تحرك الجلمود وشعر بها. أي سعادة تنتظرها. رفعت عيناها للسماء ودعت ربها أن يكمل أملها على خير. تطلعت للمرة المائة بساعتها وهي تنتظره بضيق. رفعت شعراتها للخلف متمتمة بغضب. فابتسمت شفتي سامر وهو يتابع

غضبها وقال بابتسامة هادئة: "بتبرطمى بتقولي إيه؟! التفتت لمى برأسها وقالت بعبوس غاضب: "ما لسه بدري.. أمال لو ما كنتش قايلالك إني عاوزاك ضروري يا سامر." فرد مقعده بجوارها وجلس قائلاً بأسف: "آسفين يا صلاح.. ماتزعليش يا ستي.. أخبارك إيه." ابتسمت بخفوت وقالت برقة: "كويسة الحمد لله.. أنا كنت عاوزاك في موضوع مهم.. وبما إني ماليش حد وأنت زي أخويا فقررت إنك تعرفني أعمل إيه وتبقى في ضهري."

رفع سامر طرف شفتيه متعجباً. أو بالأحرى مصدوماً. ثم قال ببساطة: "زي أخوكي؟! لملمت شعراتها خلف أذنها وقالت بخجل: "بصراحة يا سامر أنا كنت حاسة حاجة كده ناحيتك.. بس لما قابلت يحيى.. يعني.. حسيت إنه... قاطعها سامر قائلاً بحدة: "يحيى!!! مين يحيى ده يا هانم إنتي بتعرفي شباب من ورايا.. ده أنا هعلقك من شعرك اللي إنتي فرحانة بيه ده." زمت شفتيها بضيق وعبست قائلة بحدة: "خلصت.. إهدى بقا كده عشان أحكيلك وما أخافش منك."

أشار بذراعه وقال بضجر: "قولي يا هانم.. أشجينى." سردت له ما حدث من مقابلتها لفارس أحلامها وطلب يحيى بالزواج منها. فضحك سامر ضحكة عالية وقال بتهكم ساخراً: "إنتي عبيطة يا بنتي.. ده كان بيعاكسك وقضيت.. وأدي دقني لو شوفتي وشه تاني." نهج صدرها بقوة من فرط ذعرها وابتلعت ريقها بتوتر وهي تتخيل أنها لن تراه مجدداً. فقالت بصوت قاتم: "لأ هشوفه تاني.. هو مش بيضحك عليا." رأف بحالها فقال مواسياً بنبرة هادئة:

"خلاص يمكن يكون عندك حق.. وأنا أتمنى أفرح بيكي مع واحد بتحبيه وبيحبك." ارتاحت ملامحها قليلاً وقالت بإيجاز: "طب وإنت؟! -أنا إيه؟! وضعت يدها أسفل ذقنها مستندة على ركبتها وقالت بمكر: "مش هتحكيلي عن حبيبة قلبك القمرية." رفع حاجبه مندهشاً وقال بصوته العميق: "قصدك مين؟ ابتسمت بخفوت وقالت محركة حاجبيها بمشاغبة: "الباشمهندسة اللي كانت هتحرقني بعنيها في فرح وعد.. واللي ما شالتش عينيها من عليك وإنت بصت لها بصات ذات مغزى."

هز رأسه ممتعضاً وقال بحدة: "ذات مغزى!! .. من إمتى الفكاكة دي." -بتحبها ولا لأ يا سامر.. قصر." تنهد مطولاً متأملاً جمال النيل أمامه وشجرات النخيل المتراصة على الجانب الآخر من الشط وقال بهيام عاشق ملتاع: "بعشقها مش بحبها.. بس بينا ألف سور وسور." ابتسمت لمى بسخرية على حاله المناقض لشخصيته المرحة وقالت ببطء خبيث: "طب واللي يخليها هي اللي تجري وراك." التفت ناحيتها بجسده مسرعاً وقال بعفوية: "ده أنا أديه بوسة والله."

ضحكت ضحكة عالية وقالت بنبرة رائقة متسلية: "لأ خلي البوسة ليها لما تبقى مراتك.. أما بقا إزاي فنحن هنستغل كرهها ليا ونفهمها إننا بنحب بعض وإننا مرتبطين وإنك خلاص هتروح منها وساعتها بقا هتتجنن وتغلط وإنت استغل الفرصة وشوط في الجون على طول يا معلم." صفق بكفيه قائلاً بمرح: "الله عليك يا حبيب والديك.. شوط يا أبو تريكة يا جامد."

تعالت ضحكاتها التي وصلت لمسامع ذلك المتابع لهم بغضب أسود. نعم لم يستمع لكلماتهم ولكن ضحكاتهم وعفويتهم قد وصلوه وأحرقوه بنيران الغيرة. فاعتصره قبضته بعنف كاد أن يغرس أظافره بكفه. ثم هز رأسه بحزن عصف بقلبه وآلمه وانسحب بهدوء. فتلك الجميلة لعبت به. يحيى القوي الوسيم لعبت به فتاة في سابقة لم تحدث من قبل. استقل سيارته وانصرف حاملاً معه غضبه وألمه. شاركت لمى سامر في ضحكاته وقالت بغرور عابث:

"أمال أنت فاكرني إيه.. ده إحنا جامدين قوي.. بس قشطة اتفقنا على اللي هنعمله." صافحها قائلاً بمداعبة: "قشطة جدا.. يا رب يبقى بفائدة لأن علا دي دماغها جزمة قديمة أنا عارفها." -لا يفل الحديد إلا الحديد.. والقمر اللي قاعدة قدامك دي اللي هي أنا طبعاً.. هتخلي علا تعمل المستحيل عشان ترجعك ليها." رفع كفيه ناحية السماء وقال برجاء: "يا رب.. يسمع منك ربنا.. هو فين فارس أحلامك يا أختي.. يعني الدنيا ليلت وما ظهرش."

تنهدت بأسى وقالت بحزن: "شكلك طلع معاك حق.. الحمد لله على كل حال." شردت قليلاً بحزن. وحمدت ربها مجدداً. حتى دقائقهم القليلة سوياً تكفيها. فليعنها الله على نسيانه. ذلك.. اللذيذ.. يحيى. اجتمع الجميع بلا استثناء في منزل فضل رحال. فهناك ثلاث مناسبات أولها وأهمها عيد ميلاد ريتال. وثانيها المباركة لوعد وجاسم بمرور أسبوع على زواجهما السعيد. وثالثها توديع عيسى وسلوى قبل سفرهم. بحثت دولت حولها عن وعد وزفرت

بضيق وقالت بفقدان صبر: "أموت وأعرف وعد بتروح فين." التفتت برأسها ناحية لمى التي ترتب الأطباق على الطاولة وقالت برجاء: "معلش يا لمى يا بنتي روحي شوفي وعد في المطبخ وقولي لها تجيب أطباق وشوك أكتر." "حاضر يا طنط." وقفت وعد على أناملها في محاولة منها للوصول للأطباق في الخزانة. فلم تصل. وفجأة شعرت بقدميها تبتعد عن الأرضية وصعدت للأعلى مقابلة للخزانة. شهقت بذعر بعدما حملها جاسم من ساقيها واقفة. فالتفتت

برأسها ناحيته وقالت بضيق: "نزلني يا جاسم هقع.. إنت اتجننت." ابتسم بهدوء وقال بحزم: "بقالي ساعة بتحاولي توصلي للأطباق وأنا سهلتها لك.. هاتيهم بقا." مدت يدها وحملت الأطباق وقالت بخوف: "نزلني بشويش ليقعوا يتكسروا." "فداكي يا عمري." وأنزلها بهدوء. فزفرت براحة والتفتت لتغادر المطبخ. فاعترض طريقها بجسده قائلاً بمكر: "ما فيش شكراً يا حبيبي.. ولا أي حاجة على الماشي كده." رفعت وعد عينيها بملل وقالت بضيق:

"ما ينفعش كده والله.. سيبني أخرج بقا عيب." هز رأسه نافياً وقال بمداعبة هامساً: "تؤ.. عشان أعديكي لازم تدفعي جمرك.. هاتى بوسة أول." زمت شفتيها بضيق. ثم قبلته بوجنتها مسرعة. فهز رأسه نافياً مجدداً. فقبلته بوجنته الأخرى. فهز رأسه نافياً مجدداً وقال ساخراً: "إيه ده بتلزقي ورقة بوستة.. البوسة بتبقى كده." ولجت لمى عندهم فش هقت بصوت عالٍ. فانتفض جاسم مبتعداً وقال بدهشة مصطنعة:

"إيه ده.. أنا إيه اللي جابني هنا.. طب.. سلام بقا." وخرج مسرعاً يبتسم بمشاغبة. ابتلعت وعد ريقها بخجل وطالعت لمى الكاتمة ضحكاتها الخجلة. فرفعت سبابتها بوجهها وقالت محذرة: "إنتي ماشوفتيش حاجة مفهوم." هزت لمى رأسها وقالت بإنصياع: "حاضر.. طنط دولت عاوزة أطباق وشوك زيادة." مدت يدها بالأطباق للمى وقالت بتوتر مخفي: "طب خدي دول وأنا هجيب الشوك." التفتت إليها وقالت بتعجب:

"قوليلي صحيح.. إيه موضوع ارتباطك إنتي وسامر ده.. حساها فيلم مش عارفة ليه." غمزت لها لمى بعينها وقالت بابتسامة مرحة: "سوسة.. أيوه يا ستي فيلم يمكن علا تحن بقا على سامر ده بيحبها قوي." فكرت وعد قليلاً وقالت بابتسامة ماكرة: "صدقيني هتنجحوا لأن علا من ساعة ما جيتوا وهي مش على بعضها.. حساها هتسلم النهاردة بس أوعي تغلطي لتفهم وتطربقها على دماغكم." -قولي يا رب.. يالا بقا لهيطفوا الشمع من غيرنا."

خرجا سوياً فهربت وعد بأنظارها عن ذلك المتابع لها بقوة تحرقها وتشعر بنظراته تمر على جسدها بوقاحة باتت تعشقها كما تعشقه. التفت الجميع حول الطاولة. وحمل سامر ريتال التي ارتدت فستان حورية سماوي اللون بجناحين وحملت بيدها عصا سحرية مزينة بالشيفون الأبيض. قبل مالك وجنتها بحب وقال بحماس: "يالا يا توتا عشان تطفى الشمع."

غنوا لها جميعاً. وابتسمت هي بفرحة وعيناها تطوف على الجميع متناسية ما حدث لها من ذلك الحيوان المنعدم الإنسانية. وما أن انتهوا حتى زفرت بشمعاتها الخمس وصفقت بفرحة طفولية فقال لها الجميع بتتابع: "كل سنة وإنتي طيبة يا توتا." سار بها سامر إلى أرجوحتها الخاصة المنزوية وأرجحها قائلاً بسخرية: "كان لازم يعني الجناحات دي يا توتا.. وشي اتشوه وأنا شايلك." ضحكت ريتال بطفولة وقالت:

"أنا لابسة حورية يا سامر.. ولازم الجناحات.. تحب أعمل لك سحر وأحقق حلمك." عقد ذراعيه أمام صدره وقال بتنهيدة بائسة: "يا ريت.. ده أنا عملت كل حاجة ولسه ما اتحركتش يمكن سحرك اللي ينفع معايا." زمت ريتال شفتيها بعدم فهم ولفت عصاها السحرية على سامر وقالت بصوت رخيم.. قليلاً: "هاربرا كدابرا.. يا عصايتي السحرية حققي له حلمه.. بسرعة."

ابتسم سامر بسخرية والتفت مسرعاً فاصطدم بعلا التي كانت تحمل مشروباً بارداً وقطعة كيك لريتال فسقط المشروب والكيك على ملابسه. تطلع لعلا بدهشة بينما تراجعت هي بخجل فكادت أن تتعثر. وتقع. فالتقطها سامر بذراعيه وضمه إليه قائلاً بابتسامته الساحرة: "واضح إن سحرك باتع يا توتا.. والله ما إنتي متحركة.. إثبتي كده بقا بتاع تسعين سنة ولا حاجة." دفعته علا بغضب وقالت بحدة: "إحترم نفسك.. وبعدين مش خايف خطيبتك تشوفك معايا."

أخرج من جيبه محارم ورقية ونظف نفسه قائلاً بمكر: "عندك حق.. لما أنده لها تنضف لي القميص والجاكيت." جذبت علا منه المحارم وقالت بغيظ: "لأ وعلى إيه هات وأنا أنضفهم.. لأنها لو قربت منك تاني هفجركم.. خلي دلعكم ده لما تبقوا لوحدكم لأنكم مستفزين بصراحة." استمتع بلمساتها له وقربه منه وقال هامساً: "متقلقيش وإحنا لوحدنا بنخربها.. بس لمى دي طلعت حاجة كده.. عناب." ضغطت علا شفتيها بقوة وضيق ما بين عينيها حتى التقى

حاجبيها وقالت بغضب عاصف: "آه يا واطي يا حقير يا جزمة.. ده أنا هحطك في الغسالة وهحط عليك كيس مسحوق وعشرين كيس كلور وفانش ومية نار كمان.. لغاية ما يبان لك صاحب يا.. يا حيوان." رفع سامر حاجبيه من وقاحتها وقال بضيق: "ليه كل ده يا ريا ولا أقولك يا سكينة." تأرجحت ريتال وهي تنقل عيناها بين سامر وعلا بتعجب. ثم نظرت لعلا وهي تقول بحدة: "أنا اللي اتنين في بعض كوليكشن يعني وهعمل فيك اللي هما ما عملوه."

حولت ريتال مقلتيها ناحية سامر الذي عقد ذراعيه أمام صدره بضيق وقال ببرود: "منفعلة قوي كده ليه.. عادي يعني وبعدين لمى دي هتبقى مراتي.. عارفة يعني إيه مراتي يا علا." رفعت ريتال حاجبيها وهي تراقب تقدم والدتها من سامر حتى باتت قريبة منه جداً ورفعت سبابتها أمام وجهه وقالت بتحدي ممتلك: "مش هيحصل.. ومش هسمح لك." وضعت ريتال يدها أسفل ذقنها منتظرة رد سامر الذي قال بابتسامة ساخرة:

"وإنتي مالك.. وبعدين مش إنتي برضه اللي طلبتي مني أدفنك جوايا وأدفن نفسي معاكي.. وأنا بقا بحبك وعمري ما هرفضلك طلب.. وهتجوز لمى وهعيش سعيد معاها لأنها الصراحة.. تستاهل." لم تشعر علا بنفسها وهي تضربه بكلتا يديها صائحة بغضب: "تستاهل.. ده إنت اللي تستاهل اللي هعمله فيك.. إن ما خليتك ما تنفعش حد فينا.. ده أنا هموتك النهاردة.. قال بتحبني قال." ركضت ريتال مسرعة بخوف مبتعدة عنهم فارتطمت بروضة. فحملتها وسألتها بتعجب

شديد من اصفرار وجهها: "مالك يا توتا.. بتجري من إيه وخايفة كده." أشارت ريتال بيدها وقالت بخوف: "مامي وسامر بيضربوا بعض.. وكمان شتموا بعض.. لأ الكدب حرام.. مامي هي اللي ضربت وشتمت سامر." انحنت روضة برأسها قليلاً فابتسمت بخفوت وهزت رأسها بيأس. بينما وقف مالك خلفها متعجباً وسألها بفضول: "مالكم.. واقفين كده ليه." أشارت روضة بإصبعها على فمها بأن يخفض صوته وقالت: "شششش.. سامر وعلا بيتخانقوا وشكلهم هيرسوا على بر النهاردة."

ضيق مالك عينيه قليلاً وقال بتنهيدة حارة: "عقبال ما أرسى على بر أنا كمان." أشاحت روضة بوجهها قليلاً تخفي ابتسامتها بخجل. بينما وزعت ريتال نظراتها بينهم وقالت بتعجب شديد ومقلق: "إنتوا كمان بتتكلموا زي مامى وسامر.. إوعوا تضربوا بعض." غمز مالك لروضة بمداعبة وقال هامساً: "يا ريت تضربني.. ده يبقى يوم المنى والله."

ابتعدت روضة بريتال وهي تشعر بنشوة وسعادة لم تشعر بهم من قبل. وعيناه تتبعها. حتى اختفت ابتسامته وهو يرى امتلاك جاسم الحصري لوعد ومحاصرته لها أغلب الوقت كأنه يخشى عليها. لوهلة لم يشعر بغيرة. نعم لم يعد يغار عليها ولكنه شعور بالضيق من صديقه الخائن. ربما ارتباطه بغيرها يسهل عليه نسيانها ونسيان غدر صديقه فعاد بعينيه لتلك المستحوذة عليه منذ أن وصل. جنته الجديدة. روضة.

بينما كان الشجار القائم بين العنيدة والعاشق على نار. لم يقوى على صد ضرباتها وهو منهار من الضحك وبعدما سيطر على نفسه قليلاً. اعصر معصميها بقبضتيه ولفهما خلف ظهرها وأسندها على الحائط محاصراً لها ليثبر أغوارها. اختلطت أنفاسهم من قربهم الشديد. وللمرة المليون يتوه بعينيه على صفحة وجهها. شعر بضعفها من قربه منها فقال هامساً لإخضاعها أكثر:

"هتسبيني أتجوز غيرك يا علا.. هتقدري تستحملي قربي من واحدة غيرك.. خلاص اللي بينا هيموت ويبقى ذكرى.. ولا هت... قاطعته قائلة بقوة دون تردد: "مش هقدر.. إنت ليا وبس ولو قربت من غيري هموتك.. سامعني." ابتسم بفرحة وتابع قائلاً بقوة وهو يتفرس في ملامحها: "يعني لسه بتحبيني زي زمان." هزت رأسها نافية وقالت بصدق تام لا يقبل التشكيك: "لأ.. بحبك أكتر من زمان.. بحبك بجنون ولو بعدت عني تاني هموت.. ما تسبنيش يا سامر."

قاوم شيطانه بكل قوته قبل أن يضعف ويضمها لصدره ولكن جذبها من رسغها وانطلق مسرعاً حتى وقف في منتصف بهوهم أمام الجميع وقال بقوة فاقداً صبره موجهاً حديثه لفضل: "لو سمحت يا حاج.. أنا طالب إيد علا من حضرتك ويا ريت توافق لأني جبت آخري خلاص." تعالت الشهقات وابتسم الجميع على حالهم المثير للشفقة. فاقترب جاسم منهم تاركاً ساحرته وخلص رسغ علا من كف سامر وقال بضيق مفتعل:

"إنت ماسك إيدها ليه.. إحنا لسه ما وافقناش على طلبك لإيدها أصلاً." رفع سامر يديه الإثنين قائلاً بتذمر: "لأ.. مافيش الكلام ده.. أنا عايز موافقة ووقتى.. بصراحة هي ما تضمنش من هنا لباب الشقة.. وحياة حبيبكم النبي لنقرأ الفاتحة دلوقتي وأكتب كتابي في أقرب فرصة.. دي ممكن ترجع في كلامها." وضعت علا كفها على فمها وهي تشعر بالخجل من الجميع. ولكن تصفيق ريتال بفرحة وكلماتها الحماسية البريئة وهي تقول:

"هيييه.. مامي وسامر هيتجوزوا.. هيبقى عندي بابي." جعلها تشعر بالراحة من قرارها. فها هي تقترب من حبيبها وأمنت السعادة والحب لصغيرتها. مالت نورا بجسدها ناحية داليا بنت خالتها وقالت بضيق: "يالا ننزل يا دودو لأني مليت جدا.. هنقعد نعمل إيه.. جاسم وراح خلاص حتى سامر خدته علا ومالك واضح إنه شابك مع أخت الزفتة مرات جاسم." زمت داليا شفتيها بحنق وقالت هامسة بحدة: "عندك حق.. يالا ننزل ونشوف فيلم توم كروز الجديد." انتفضت سندس

في جلستها وقالت بفرحة: "توم كروز.. طب يالا بينا بسرعة وأنا هعمل فيشار ونقعد بمزاج نتفرج عليه." هزت نورا رأسها قائلة بقوة: "طب قدامي يا أختي إنتي وهي للزحمة دي خنقتني للواحد مش عارف ده عيد ميلاد ولا قراية فاتحة ولا سبوع جاسم.. حاجة تفقع المرارة." جلس فضل بجوار عمرو وقال له بعملية: "بقولك يا عمرو.. عاوزك بكرة بعد شغلك تيجي المعرض بتاعي.. لأني عاوزك في موضوع شغل كده." أومأ عمرو برأسه وقال بأدب: "تحت أمرك يا حاج."

استند فضل بظهره على الأريكة وقال بحزن: "هتوحشنا يا عيسى والله.. ما ترجع بقا واستقر في مصر عشان ولادك." ضحكت وعد بسخرية وقالت بتهكم: "ويسيب مراته التانية لوحدها.. لأ طبعاً.. يسيبنا إحنا أقرب." ووقفت وابتعدت عن مجلسهم بضيق. شعر الجميع بالحرج فقالت دولت مسرعة لإعادة السعادة لجمعهم: "وأنا والله يا سلوى هتوحشيني قوي.. تبقي نتكلم على طول بقا."

وقف جاسم مسرعاً واتبع وعد التي جلست على أرجوحة ريتال شاردة بملامح حزينة وأرجحها قائلاً بابتسامة هادئة: "حبيبة قلبي مالها." ابتسمت وعد براحة وذاب هو مع غمازتيها الجميلتين. غذت نظراته التي تلتهمها مشاعرها نحوه وقالت برقة: "عارف يا جاسم إنت بقيت زي الآيس كريم في يوم حر.. كلامك ليا بيهديني ويريحني وبيخليني أرمي ورا ضهري كل اللي بيضايقني." جثى أمامها وهو يتطلع إليها بحب قائلاً:

"وأنا عشان تضحكي وأشوف غمزاتك دي مستعد أعمل المستحيل." اتسعت ابتسامتها وقالت بمداعبة: "بس شوفت إنت اللي عمله سامر.. ده مجنون بعلا أنا ما شوفتش حد بيحب حد زيه كده." رفع جاسم حاجبه مستنكراً وقال بضيق: "أنا بحبك أكتر طبعاً.. هو قدر يستحمل بعدها عنه سنين.. إنما أنا ما استحملتش وما كنتش هتحمل أشوفك مع غيري.. لأني بعشقك.. خليكي فاكرة كلامي ده كويس." لم تفهم مقصده ولكنها اقتربت برأسها منه وقالت برقة ناعمة مثلها:

"أنا اللي مش متخيلة إني ممكن أكون لغيرك لأني.. لأني بح... قاطعتهم ريتال قائلة بضيق: "إنتوا هتضربوا بعض إنتوا كمان." ضرب جاسم جبهته بغضب. فشهرزاد كانت على وشك الاعتراف بحبها له. فالتفت بجسده ناحية ريتال بحدة وقال: "ده شكل اتنين هيضربوا بعض.. إنتي مفهومك للضرب إيه بالظبط.. روحي العبي بعيد يالا." زمت ريتال شفتيها بحزن طفولي. فوقفت وعد مسرعة وحملتها وربتت على ظهرها بحنان وقالت بضيق لجاسم:

"اتفضل اعتذر حالاً.. وإلا هنعاقبك أنا وتوتا." أومأت ريتال برأسها بقوة وقالت بغضب: "أيوه هنعاقبك وهاخد وعد منك." وقف جاسم منتصباً في وقفته واقترب منهم وقبل ريتال بوجنتها وقال معتذراً: "آسف يا توتا." وقبل وعد في وجنتها قبلة طوييييلة. فابتعدت عنه بخجل وقالت بعدما اشتعلت وجنتيها: "خلاص سامحناك.. مش كده يا توتا."

أومأت ريتال برأسها بابتسامة مشاغبة. فأخذتها وعد وخرجت لتجلس مع الجميع. زفر جاسم بضيق ووضع يديه بجيبى بنطاله فرأى علا تقف بمفردها في الشرفة ويبدو عليها الوجوم. فاقترب منها وقال بمشاكسة: "مبروك يا عروسة.. خلي بالك من سامر لأنه بيحبك بجد." لم تلتفت إليه وقالت ببرود: "شكراً." لم يعد يطيق معاملتها القاسية والجافة. فجذبها من ذراعها بالقوة ولفها ناحيته وقال بغضب حاد:

"إنتى مالك بالظبط من يوم حادثة ريتال وإنتي بتكلميني بقرف.. إنتي نسيتي إني أخوكي الكبير ولازم تحترمينى غصب عنك." اتسعت عيناها بغضب أسود وقالت بحدة: "ما تتكلمش عن الاحترام يا جاسم لأنه ليه ناسه.. وإنت مش منهم." وقف مصدوماً من نظرات الاحتقار بعينيها وكلماتها اللاذعة. تمالك نفسه وابتلع ريقه بتوتر وقال بعدم فهم: "إنتي بتقولي إيه.. إنتي اتجننتي يا علا إزاي تكلميني كده." سحبت ذراعها من قبضته وقالت بازدراء وحدة:

"أنا عرفت كل حاجة.. وعرف باللي عملته عشان وعد تبقى ليك.. مش مصدقة إنك ممكن تكون بالوضاعة دي." مسح وجهه بكفه بغضب وقال بقوة: "تعرفي ما تعرفيش ما يهمنييش.. وإنتي كمان ما تهمنيش.. أنا عندي وعد بالدنيا كلها." ابتسمت شفتي وعد وهي تستمع لكلماته الأخيرة الرقيقة مثله. فقالت بداخلها بحب: "وإنت كمان يا حبيبي عندي بالدنيا كلها." أشاحت علا بذراعها وقالت بضجر: "بطل بقا الكلام ده.. حبك لوعد مش عذر للي عملته." تحرك قليلاً بتوتر

وقال بصوته الأجش الغاضب: "لأ عذر.. أنا بعشقها مش بحبها ولو طولت أبيع الدنيا كلها وأشتريها مش هتأخر.. عشان وعد ممكن أضحي بعمري كله." ربما لم تفهم مقصدهم ولكنها شعرت بحب جارف ناحيته فتقدمت قليلاً ناحيتهم قبل أن توقفها كلمات علا اللاذعة وهي تقول باستنكار:

"تقوم تجرح أعز أصحابك وتفهم وعد إنه على علاقة بواحدة تانية وهو مظلوم عشان تاخدها منه.. هان عليك مالك يا جاسم.. تدبحه بإيدك وتقف تتفرج عليه وعلى وعد اللي انهارت وكانت هتموت." ضربته في صدره بكلتا يديها وهي تقول بعنف: "يعني تقتل القتيل وتمشي في جنازته."

تصنمت وعد مكانها. زاغ بصرها قليلاً وهي تشعر بضعف جسدها وأن ساقيها لم تعد تقوى على حملها. استندت بيدها على الحائط خلفها وملامحها متجمدة. ثم هزت رأسها نافية وهي تتمنى أن ما سمعته مجرد وهماً. حتى وصلها صوت جاسم الغاضب وهو يهدر بعصبية قائلاً: "وعد بتاعتي.. ليا لوحدي.. وما كنتش هسمح لحد مهما كان مين ياخدها مني.. تسميها أنانية تسميها وضاعة.. المهم وعد بقت بتاعتي وبس."

ضغطت وعد عينيها بقوة بعدما شعرت بألم حاد في صدرها. فتحت عيناها بوهن وتطلعت بمالك. تذكرت يوم عقد قرانها ووقوف مالك أمامها ورجائه لها بأن تفكر. تحجرت دموعها بعينيها. انتبه مالك لنظراتها نحوه فحدقه بتعجب. وقليل من الشوق. ولكن غض بصره مسرعاً واستغفر ربه وانتقل بعينيه ناحية روضة التي تداعب ريتال بطفولة. فابتسم بخفوت. ابتعدت وعد مسرعة وجلست بجوار إمتثال التي لاحظت انكسار عينيها وشحوب وجهها. فسألتها بقلق:

"إنتى كويسة يا حبيبتي." ابتسمت وعد باصطناع وقالت بوهن: "أيوه يا تيتة.. مرهقة شوية بس." لم تقتنع إمتثال بكلامها فربتت على كفها وقالت بحنو: "طب ارتاحي يا حبيبتي وإحنا هنقوم بقا عشان تطلعي شقتك." وقفت إمتثال وقالت لسلوى: "يالا يا سلوى لأني تعبت وعاوزة أرتاح." فوقف الجميع مستعدين للذهاب. فقال لهم فضل مسرعاً: "لسه بدري يا جماعة.. والله قعدتكوا ما يتشبع منها." أجابه عيسى قائلاً بابتسامة ودودة:

"مرة تانية إن شاء الله.. أشوف وشك بخير يا حاج فضل." صافحه فضل بقوة وقال: "تروح وترجع بالسلامة يا أبو عمرو.. نورتونا وشرفتونا." كانت كالمغيبة وهي تودع الجميع. ما عدا مالك التي اعتذرت له بعينيها عن مشاركة جاسم لطعنه بغدر. ابتسم لها بخفوت وقال بهدوء:

"مبروك يا وعد ولو إنها متأخرة.. والله من قلبي بتمنالك السعادة مع جاسم.. ولو كنت قلت لك قبل كده إنكم تستاهلوا بعض وأنا بتريق.. بس دلوقتي بقولك إنكم تستاهلوا تحبوا بعض لأن مفيش حد ممكن يحبك زي جاسم." ابتسمت وعد بسخرية وقالت وهي تتطلع إليه بشرود:

"وأنا كمان بتمنالك السعادة مع اللي إنت بتحبها دلوقتي.. وحابة أفكرك بحاجة.. إنت كنت دايما عاوزني نسخة منها.. وعاوز روان كمان تبقى نسخة منها.. وإنت معاك الأصل اللي بتحبه وإنت مش حاسس.. خلي بالك من روضة يا مالك." هز رأسه موافقاً وهو يبتسم براحة بعدما تخلص من آخر شيء يربطه بها. والتفت مقلتيه ناحية روضة المتابعة لحديثهم بألم. ولكن ابتسامة مالك إليها طمأنتها.

وقف جاسم أمام باب شقته مهدئاً نفسه. لم يكن يتوقع أن مواجهته لعلا ستكون بتلك الحدة والخزي. سحب نفس طويل وزفره على مهل وهو يفتح باب شقته بالمفتاح. ولج للداخل فرأى وعد جالسة على كرسيها المتأرجح شاردة. اقترب منها بهدوء وانحنى عليها مقبلاً شفتيها برقة. ورفع رأسه أمامها وقال بحب: "وحشتيني." لم تتحرك عضلة واحدة بوجهها. ورغم ذلك كانت بعينيها نظرة غريبة. نظرة الوعد. ولكنــه.

سحب جاسم كرسي وجلس أمامها بابتسامته الجانبية الساحرة متغاضياً عن نظراتها المبهمة وقال بمشاغبة: "كنتي هتقوليلي حاجة مهمة لولا دخول ريتال علينا.. كنتي هتقولي إيه بقا." طالت نظراتهم الصامتة. فشعر جاسم بشيء خطير على الطريق. ولكن قطب حاجبيه وهو يراها تقف بحدة. فوقف قبالتها متعجباً وزاد تعجبه ودهشته وهو يرى يدها ترتفع للأعلى ليهوي كفها على وجه بقوة.

لم يتحرك وجهه كثيراً فرغم قوة صفعته إلا أنها لم تكن بالقدر الكافي لتحريكه ولو قيد أنملة. رفع عينيه نحوها وقد تحولا لجمرتين مشتعلتين مرعبتين. خرج صوتها أخيراً متحشجراً وهي تقول بازدراء: "أنا بكرهك.. وبكره اليوم اللي شوفتك فيه." علت شفتيه ابتسامة ميتة لم تصل لعينيه المشتعلتين وقال بقوة: "سمعتي كلامي أنا وعلا.. صح." بدت كمن تفضلت عليه بالرد وهي ترمقه بنظرات شرسة قائلة بصعوبة:

"كنت حاسة بإيه وإنت شايف مالك بيتعذب قدامك.. وأنا.. ضميرك أنبك لما كنت بين الحياة والموت ولا غرورك وأنانتك خلوك عديم الإحساس والشعور." أجابها بصوت محتد منفعل وهو يغوص بعينيها متألماً من نظرات البغض بهما قائلاً بصوت خطير: "ماحستش بحاجة غير إني بحبك.. وكنت هعمل المستحيل عشان تكوني ليا.. ولو رجع بيا الزمن تاني.. هعمل نفس اللي عملته.. عمرك ما هتفهمني لأنك ما حبيبتنيش زي ما حبيتك." ابتسمت بسخرية وقالت هامسة بصوت ضائع:

"للأسف حبيتك.. حبيتك أكتر ما تتخيل.. بس أنا حبيت فيك الأمان اللي اختفى لما عرفت حقيقتك.. دلوقتي هآمن ليك إزاي وإنت خونت صديق عمرك.. عشرة عمرك.. اللي بينكم عيش وملح.. بالله عليك قول لي هآمن لك إزاي." كانت كلماتها كالخناجر. تنغمس في صدره بقوة لتتركه ينزف بشدة مشاعراً بريئة هي كل ما يملك في حبها. تابعت كلامها قائلة بقسوة محتدة: "طلقني يا جاسم."

ساد صمت طويل بينهم وهو يشعر بأن العالم اختفى من حولهم. نظراتها تحرقه.. كلماتها تؤلمه. رمش بعينيه بسرعة محاولاً استيعاب ما قالته. ثم نهرها قائلاً بغلظة: "إنتى قولتي إيه؟!! إنتى اتجننتي في عقلك.. طلاق إيه يا مدام." عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بجدية دون تردد: "أكيد كرامتك مش هتسمحلك تعيش مع واحدة مش طايقة تشوفك قدامها." قبض على ذراعها بقوة وهو يهزها بعنف قائلاً بصوت أجش مرعب:

"عاوزة تطلقي مني عشان ترجعي له مش كده.. قلبك حن له لما عرفتي إنه مظلوم.. بس ده بعينك عمرك ما هتكوني لحد غيري سواء بمزاجك أو غصب عنك." أجابته باستياء وهي تتنهد وقد بدا على وجهها علامات النفور:

"ما تقلقش مالك أنضف من إنه يبص لمرات صاحبه.. النهاردة بس أتمنى لينا السعادة واللي فهمته إنه هيتقدم لروضة لأنه أخيراً حس إنه بيحبها هي وإنه عمره ما حبني.. إنما أنا فا خلاص عمري ما هثق في حد تاني.. فطلقني بهدوء يا جاسم لأنك لو مطلقتنيش.. هخلعك." أولاها ظهره وقد أطبق عينيه بقوة معتصرهما من غضبه. ثم التفت إليها مجدداً وفتح عينيه وقد ظهر فيهما شر العالم كله وهو يهدر بغضب: "إنتي ملكي.. ومش هسمحلك تبعدي عن حضني."

لانت ملامحه قليلاً وحاوط وجهها بكفيه وقال باستعطاف وهون: "وعد.. اسمعيني يا حبيبتي.. لو حسيتي باللي جوايا ليكي هتفهمي أنا عملت كده ليه.. والله بحبك أكتر من نفسي.. ولو أقدر أديكي عمري تمن لضحكة منك مش هتأخر." أزاحت كفيه عن وجهها وقالت بصرامة: "خلاص يا جاسم انكسر جوايا حاجة مش ممكن هتتصلح تاني.. كله إلا الثقة.. وأنا مش هقدر أثق فيك تاني.. طلقني أرجوك." هز رأسه نافياً بقوة. وقال بحزم قاطع وهو يرجع بظهره للخلف:

"مش هيحصل يا وعد.. لو إنتي تقدري تبعدي.. أنا مش هقدر." التفت بجسده مسرعاً وحمل مفاتيحه وهاتفه وخرج صافقاً ورائه باب الشقة بقوة كادت تخلعه من مكانه. هوت بجسدها على أحد الأرائك. وقد أطلقت لدموعها العنان وتعالت شهقاتها بألم وقالت بنبرة ملتاعة: "ما هي المصيبة إني مش هقدر أبعد.. أنا بحبك.. بحبك يا جاسم.. بس أوعدك إني هدفعك تمن أنانيتك وحبك لنفسك حتى لو هخسرك وهخسر نفسي معاك."

هبط جاسم الدرج راكضاً وهو يشع ناراً من عينيه وحمل هاتفه وهاتف سامر الذي ما أن وصله صوته حتى قال له بحزم قاسٍ: "قابلني حالا في مكاننا يا سامر.. حالا." وأغلق هاتفه واتجه للمرآب واستقل سيارته وقادها بسرعة جنونية. تطلعت وعد للسيارة وقالت من بين دموعها: "ربنا يحميك." أطرقت روضة بأناملها على ركبتها بتوتر. والتفتت للخلف تتابع الطريق من سيارة عمرو. ثم عادت برأسها وسألته بتعجب:

"هما ماما وبابا ركبوا مع مالك ليه.. ما ركبوش معانا زي ما روحنا ليه عاوزة أفهم." ابتسم عمرو وروان بخفوت بينما أجابها عمرو بهدوء بارد: "عادي يعني هو مروح معانا فقال ياخد بابا وماما معاه عشان نعرف نركب براحتنا.. بس." هزت رأسها بعدم اقتناع وقالت بتعجب: "يمكن." غمز عمرو لروان ثم التفت برأسه قليلاً لروضة وقال بعملية شديدة: "على فكرة يا رودي عمار جاي بكرة عشان تقعدوا مع بعض ويشوفك.. رؤية شرعية يعني."

قطبت جبينها بشدة ورفعت يدها نحو رأسها وقالت بداخلها: "عمار.. أمال اللي كنت حاسة من مالك ده إيه.. يعني هيسبني أتجوز غيره.. كده يا مالك." عاد عمرو لعينيه لمتابعة الطريق وسألها مجدداً بمكر: "ما رديتيش عليا يعني.. إنتى وافقتي إنك تقابليه وإحنا عطيناه كلمة." ابتلعت ريقها بحزن وقالت بتنهيدة متألمة: "أيوه هقابله خلاص.. وربنا يهديني ليه ويهديه ليا." رفعت روان يديها عالياً وقالت بصوت عالٍ: "يا رب."

اتسعت ابتسامة عمرو وجذبها نحوه وقبل جبهتها بحب. بينما رمقتهم روضة بغضب وقالت بحدة: "إحنا في الشارع لسه.. استنى لما تروحوا شقتكم ابقى اعمل اللي إنت عاوزه." ابتعدت روان عنه واعتدلت في جلستها بينما هو ينظر إليها بين الحين والآخر متأملاً خجلها البريء. كانت تشعر به وتبتسم بخفوت فحبيبها ما زال يشتاق وبقوة. حمدت ربها عليه وعلى السعادة التي حباها بها في وجوده.

صف سامر سيارته مسرعاً مخلفاً ورائه عاصفة ترابية في ذلك المكان الهادئ واقترب من جاسم المستند بسيارته وسأله بترقب قاتل: "فيه إيه يا جاسم.. إوعى تقول لي إن علا رجعت في كلامها.. ده أنا قارى فاتحة وممكن أوديكم في داهية." انتصب جاسم في وقفته وواجهه بغضب ثم لكمه في وجهه. ارتد سامر للخلف قليلاً مترنحاً ثم رفع كفه ناحية وجنته وسأله بتعجب غاضب: "إنت أدر درشت في دماغك يا ابني إنت.. فيه إيه؟!

قبض جاسم على ياقة قميصه بذراعيه وهدر به بعصبية قائلاً بعينان مشتعلتان: "إيه اللي خلاك تقول لعلا على اللي بيني وبين مالك.. للدرجة دي إنت أسود من جوة.. ارتحت لما خسرت أختي بسببك." أزاح سامر قبضتي جاسم عنه وعدل من ملابسه قائلاً بأسف: "والله ما كنت أقصد.. أنا كنت متلخبط من بعدها عني ولما سألتني وضغطت عليا.. ضعفت وقولتلها غصب عني والله ماكنتش قاصد." مرر جاسم أنامله بشعراته بقوة وقال بضعف لم يره سامر بشخصيته من قبل:

"وعد عايزة تطلق مني." شهق سامر بخوف. واستند بظهره على سيارة جاسم بندم. بينما التفت الاثنان على صوت وصول سيارة مالك الذي ترجل منها مسرعاً وسألهم بريبة من هيأتهم المذرية: "فيه إيه يا ابني إنت وهو.. شكلكم يقلق أنا سايبكم كويسين جدا إيه." مرر سامر يده على ذقنه وقال بخفوت متألم: "وعد عرفت الحقيقة وطلبت الطلاق من جاسم."

ابتسم مالك بخفوت ثم اتسعت ابتسامته وتحولت لضحكة عالية. حدجه جاسم بغضب لو طاله لسحقه وحوله لحفنة من التراب ولكنه ظل صامتاً متابعاً لضحكاته التي انتهت وهو يقول بقوة: "طب ما تقول.. اللي أنا متأكد منه إنها عمرها ما هتقدر تبعد عنك.. وعد بتحبك بجد يا جاسم ولو إنت مش متأكد من ده.. تبقى أعمى." ارتاحت ملامح جاسم قليلاً وتنهد بأسى قائلاً: "حتى لو.. هي دلوقتي مش طايقة تشوف خلقتي.. إيه العمل بقا."

زم مالك شفتيه بضيق وقال بعبوس وهو يركل حصوات بالأرض تحته: "مع إنه أنا آخر واحد تسأله.. بس في موضوع كنت عاوز أكلمكم فيه.. وهيفيدك في موضوعك إن شاء الله." التفت إليهم جاسم في إنصات. بينما تابع مالك وهو يوزع نظراته بينهما قائلاً بتوجس: "القوة اللي بتأمن البيت عندكم مسكت واحد كان مستني نزولك ومعاه مسدس وكان ناوي يقتلك إنت ووعد أول ما تظهروا." امتعض وجه جاسم وقال هادراً بوحشية:

"وبعدين بقا.. هو الكلب ده مش ناوي يسيبنا في حالنا.. لو أعرف بس مستخبي فين." زفر سامر بقوة فاقداً صبره وقال بصوته العميق: "الأكيد إنه مش في دمياط.. لأننا ما سبناش خرم إبرة مادورناش عليه فيه.. بس هيقع هيروح فين يعني شوية وقت بس." صفق مالك بكفيه وقال بابتسامة باهتة:

"بص بقا.. سيادتك هتفهم وعد الموضوع وإنه عاوز رقبتك وهي هتخاف عليك وهتروح معاك لو لجهنم.. بس إنت تاخدها وتطلع على السخنة ولا على الساحل وهناك قرب منها وخليها ترجع لك تاني ومش هتغلب يعني." ربت سامر على ذراع جاسم بخجل وقال: "سامحني يا صاحبي.. وأنا هحجز لكم في مكان برايفت جداً وهادي عشان وعد تاخد راحتها هناك ويا رب يهديها ليك." ابتسم جاسم براحة وقال بتمني: "يا رب." ثم وقف أمام مالك وضربه بكتفه بقبضته وقال بخزى:

"سامحني ياض.. والله بحبك.. بس بحب وعد أكتر حاجة في الدنيا ومش ندمان." رفع مالك عينيه بملل وضيق وقال بحدة: "مش هتتغير.. هتفضل أناني.. بس أنا صاحبتك كده.. وحبيتك كده." احتضنه جاسم بشوق وبادله مالك حضنه وربت على ظهره فقال سامر مداعباً: "أنا كده هعيط ودي هتبقى سابقة.. بقولكوا إيه ما تيجوا نتعشى والله جعت." التفتا الإثنين برأسيهما ناحية سامر بنظرات ثابتة. بينما اعتدل سامر في وقفته وقال بقلق:

"فيه إيه يا جدعان.. إيه البصة دي." ضرب مالك كفيه ببعضهما وقال بنبرة فاترة: "والله إنت ما عندك دم.. يعني خربت الدنيا وبنقولك واحد كان عاوز يقتل جاسم وإنت تقوللي جعت.. يا سقعان." دفعهم سامر بكتفيه وهو يتجه لسيارته قائلاً بانتشاء: "لأ بقولكم إيه أنا فرحان إنه أخيراً علا بتاعتي ومش هسمح لحاجة تعكنن عليا.. سلام يا كئيب إنت وهو."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...