الفصل 12 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
17
كلمة
8,020
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 39%
حجم الخط: 18

إستند بكتفه على الحائط وهو يتابع تحركاتها بلهفة. بدت كفراشة ناعمة بتلك الحلة الرسمية وكنزتها الوردية ووشاح رأسها الوردي الذي يتمايل بنعومة مع حركاتها. رغم صرامتها وقوتها وهي تلقي بأوامرها لعمالها، إلا أنه يذوب بنبرة صوتها المبحوح الأنثوي. ابتسمت شفتيه بهدوء وهو يتأملها بكل حواسه. حتى التفتت وهي تشير لإحدى الغرف قائلة بحزم: "الأوضة دي لسه ديكورات السقف ما خلصتش فيها ليه."

ثم انتبهت لوقفة سامر الذي يحدق بها بشوق يرهقها نفسيًا وعاطفيًا. فابتلعت ريقها وهي تحفز نفسها ألا تنهار أمام تلك النظرات البريئة الزيتونية التي تخضع أقوى النساء أمامها. واقتربت منه قائلة بحزم وهي ما زالت تحدقه بحدة: "في حاجة يا باشمهندس." ذابت نظراته مع حركة شفتيها الممتلئتين التي تصهره بها، وقال وهو ما زال يلتهم شفتيها بعينيه: "ده في حاجات مش حاجة. أنا بقول نتكلم على إنفراد أحسن."

شعرت علا بسخونة غريبة تجتاح جسدها وهي تراقب نظراته الوقحة مثله، والتي تجبرها على الانصياع لقلبها المتيم بذلك الوسيم، المغرور، الوقح، اللذيذ للأسف. ولكنها أجابته بصرامة مزيفة وهي تنظر إليه بنظرات مجمدة: "لو في حاجة مش عجباك في الشغل اتفضل قول رأيك." اتسعت ابتسامته المشاغبة وهو يستمتع بعندها. إذا فهي الخاسرة، فلتنعم بجرأته الوقحة أمام عمالها عندما همس إليها برقة بالغة وهو يرى انعكاس صورته بحدقتيها المرتعشتان: "بحبك."

ارتفع حاجباها بقلق من أن يكون قد سمعه أحد. ثم زفرت بغضب كاد أن يطيره من أمامها وهي تجذبه من ذراعه فاقدة لصبرها، ودلفت به إحدى الغرف ودفعته بالحائط بقوة لم يكن يتوقع أنها تمتلكها. ثم وقفت أمامه ورفعت سبابتها بوجهه وعينيها تحولتا كجمرتين مشتعلتين. وقالت بغضب كان كفيل بتغيير نبرة صوتها الرقيق لنبرة أخشن قليلاً:

"قسمًا بالله لو ما احترمت نفسك معايا لهكون هاده المعبد على دماغك ودماغي اللي تستاهل الكسر لأنها فكرت فيك في يوم أسود." كان مستمتعًا وبشدة من غضبها، والذي مكنه أخيرًا من أن تكون المسافة بينهما لا تتعدى السنتيمترات القليلة وأنفاسها المسكرة تلفح بشرته. ويدها التي ما زالت تقبض على ذراعه بقوة ناعمة مثلها. لو كان يعلم أنه سيحظى بتلك المتعة لأغاظها منذ فترة. لذا عاود تكرار تحديه وهو يقترب من وجهها أكثر قائلاً بلذة:

"برضه بحبك.. وبموت في كل شبر فيكي." شهقت علا بصوت عالٍ من وقاحته الزائدة عن الحد، وهدرت به بقوة وهي تهزه مستنكرة جرأته عليها وتماديه معها بصفاقة: "انت ما بتحسش يا بني آدم انت؟ خلاص ركنت كرامتك في أول جراج. طب أعملك إيه عشان تغور من وشي وأتحرم من شوفتك كل شوية." عض على شفته باستثارة من قربها المرهق، وقال بابتسامة عابثة: "أنا بقى مستعد أدفع عمري كله وأصحى من نومي على وشك اللي زي القمر ده وإنتي مراتي."

ابتعدت علا عنه بعدما شعرت بالحياء من قربها الخاطئ منه. والتفتت مبتعدة عن مرمى عينيه التي تلفها بخيوط العشق وتجذبها نحوه دون الترفق بضعفها وحنقها عليه. مسدت جبهتها من الألم، والتفتت إليه مجددًا ترسم وجه الاستهزاء على ملامحها الحالمة، وقالت بهدوء: "افهم بقا عشان أنا تعبت من الجدال معاك في موضوع ولا هيقدم ولا هيأخر. أنا هكمل حياتي لبنتي وبس. شوف انت كمان حياتك بعيد عني."

تنفس سامر مطولاً، كاد أن يقتلع أزرار قميصه من انتفاخ صدره الذي انخفض ببطء وهو يزفر على مهل قائلاً ببرود قاتل: "جاسم كمان قالي كده. شوف حياتك واتجوز بنت تبقى انت أول حد في حياتها وتربي ولادك. بس أنا قولتلُه إني عاوزك انتي وبحبك انتي ونسيت أقوله إني أول واحد في حياتك وآخر واحد."

تطلعت إليه علا بجمود كأنها تحولت لتمثال شمعي لا حياة به، سوى من بعض التشنجات من جانب فكها تنم عن ضغط أسنانها بقوة. فانتظر بتوجس عاصفة غضبها التي ستقتلعه من جذوره وتلقيه على درجات البناية أو ربما ركلاً بساقها حتى يستقر بالطريق. ولكنها خذلته وهي ترد عليه ببرود متزن: "اسمع كلامه أحسنلك. أنا ما أنفعكش. وصدقني بتمنالك السعادة مع اللي يختارها قلبك."

لم يعيرها أي اهتمام وهو يعبث بهاتفه ويصفر بلحن لأغنية تعرفها، فقد اعتدى سماعها سوياً في أيامهم الخوالي. ثم دندنها بخفوت مستهزءًا بما قالته: "عارف ليه أنا قلبي اختارك.. عارف ليه أنا راضي بنارك.. عارف ليه أنا هفضل أحبك.. وهكمل وياك مشوارك.. عارف ليه ما أقدرش في بعدك.. أنسى غرامك وأعشق بعدك.. عشان قلبي مسلم إنك.. في الدنيا دي ما فيش من بعدك." صرخت به بغضب غير مبالية بمن حولهم ومن قد يسمعها من عمالها قائلة بسخط:

"انت عاوز تجنني صح؟ أنا زهقت منك ومن سخافتك ومن غرورك اللي مصورلك إني لسه بحبك." ترك هاتفه فجأة وهو يتطلع إليها مضيقًا عينيه ضاغطًا على شفتيه بقوة أشعرتها بأنها أطلقت الوحش دون أن تشعر. وتأكد حدسها وهي تراه يتقدم نحوها بخطوات واسعة وقبض على ذراعها بقبضته وقال بغضب وهو يهزها بعنف:

"لو صوتك على عليا تاني هخليكي تندمي ندم عمرك. انتي ما تعرفيش وشي التاني وأحسنلك ما تعرفيهوش. وجو أطبطب وأدلع ده مش هيدوم معايا. ده أنا رئيس عصابة ومدورها ولو قلبت عليكي هخليكي تقعدي في بيتكم ما تنزليش منه. إنما بقا لو فكرتي كده وربنا هداكي هنعيش في حالة أرسم قلب وضحكة على الشبابيك وهيصك. فاعقلي أحسنلك وإلا هروح أتجوز بنت صغيرة وحلوة تنسيني أيامي السودا معاكي واحتمال كمان تنسيني اسمي. فاهمة."

أومأت برأسها بخنوع وهي تتألم من قبضته التي اعصرت ذراعها بقوة تعلم أنها ستترك أثرها بعد قليل. فحاولت جاهدة أن تنتزعها متألمة. انتبه سامر لتأوهها الخافت من ذراعها التي هشمته قبضته الحديدية. فحررها لتلتقط أنفاسها أخيرًا. مرر أنامله بشعراته الكستنائية وهو يكاد يقتلعها مسيطرًا على غضبه الذي لو طالها لسحق شفتيها بين شفتيه كما سحقت هي قلبه من قبل دون رحمة أو شفقة منها. ولكن آثر السلامة وحدقها بدونيه مقللاً من غرورها وهو يتركها وينصرف.

و.. أظلمت عينيه وهو يعدها بوعد غير قابل للتراجع. وعد بلا رحمة. قائلاً بنفسه: "ماشي يا غبية يا أنا يا انتي يا علا. غبية وعنيدة ومخ ناموسة وشفايف هتوديني جهنم حدف." ....................................................................................................................................................

أغمضت علا عينيها وهي تحاول جاهدة السيطرة على انفعالاتها المتخبطة. فعقلها يرفض التسليم وقلبها قد رفع راياته البيضاء جميعها منذ لقائهم الأول في شقة جاسم وهم يذاكرون للثانوية العامة. فاعتقدها سامر إحدى الفتيات التي تساعد والدة جاسم بالمنزل بملابسها الصبيانية قليلاً وهي تضع أكواب الشاي أمامهم. فنهرها سامر قائلاً باستهزاء: "ما تحطي الكوبايات كويس يا شاطرة انتي." رفعت علا حاجبيها ونثرت شعراتها البنية الناعمة خلف عنقها

بحدة وقالت وهي تحدجه بغضب: "شاطرة في عينك الخضرا دي.. بتستهبل يالا." وقف سامر أمامها مستعرضًا طوله الفاره أمام تلك القزمة المتصابية وسألها ساخرًا: "هو مين ده اللي بيستهبل يا بتاعت انتي.. غوري من قدامي لأنفخ في وشك أطيرك." رفع مالك حاجبيه بتوتر وهو يجذب سامر من معصمه ليلفت انتباهه أنه تطاول على علا فضل رحال بجلالة قدرها ودلالها. ولكن سامر نفض ذراعه بقوة وهو يراها تشمر عن ساعديها وتقفز نحوه قائلة بغضب:

"انت اللي جبته لنفسك يا طويل التيلة انت.. ورحمة جدو ما هسيبك غير في المستشفى." كانت تقفز لتصل لوجهه لتلكمه به، ولكن بائت كل محاولاتها بالفشل. فزادت ضحكات سامر الساخرة، مما دفعها لضربه بركبتها بقوة ضربة أسفل الحزام كما يقولون. لتتسع عينا سامر من الألم وانحنى قليلاً وقال بتوعد وهو يتأوه بشدة: "ورحمة جدى أنا.. لهعلقك من رجليكي بس أقدر أصلب طولي." ضحكت علا ضحكة عالية ساخرة وقالت وهي تحدجه بتشفٍ:

"ههه.. ماتخليك قد كلامك.. ولا أقولك خلي كلامك قدك." انتفض سامر قليلاً متناسياً ألمه وهو ينوي جذبها وتمديدها على ساقيه وصفع مؤخرتها بقوة حتى تندم على كل حرف نطقت به. فوقف مالك قبالته وقال له محذراً: "اهدأ بقا يا سامر.. انت مش عارف مين دي." "هتكون مين يعني.. حتت خدامة معفنة عاملالي فيها ولد." استغلت علا انحناءته ولكمته بوجهه بقوة وهي تقول بغضب: "أنا خدامة يا زبالة.. ده أنا ستك وتاج راسك."

أزاح سامر مالك بذراعه وهو يركض ورائها كي ينظف حذائه بوجهها. حتى قبض على ذراعها وجذبها نحوه فاستقرت في حضنه وعيناها السوداء تشع نارًا من لمسته الوقحة لها. بينما هو قد ذاب داخل عينيها وهو يقربها منه أكثر مكبلاً حركتها الزائدة. مما جعلها ترتجف ارتجافة غريبة عليها كأنها لأول مرة تشعر أنها أنثى وليست تلك الطفلة المدللة. شيء ما بداخلها استلذ من قربها منه لتلك الدرجة. بل بادلته نظراته وهي تتطلع داخل عينيه تتأمل جمالهما. ولأول مرة لاحظت شعراته الصفراء الناعمة الطويلة والتي لم تشعر بيدها وهي تتلمس نعومتها. لتبتسم شفتي سامر على حركتها العفوية.

أبعدهما مالك عن بعضهما وهو ينهر سامر بعنف: "انت اتجننت.. بتمد إيدك على علا أخت جاسم. الله يخرب بيتك." رفع سامر سبابته ومررها عليها صعوداً وهبوطاً مقللاً من قدرها قائلاً باستهزاء: "هي دي بقى علا." أجابته وهي تضع ذراعيها في خصرها وتتمايل بأنوثة: "إيه مش عاجبة سيادتك يا أبو ديل حصان زي البنات انت."

رغم أنها طفلة.. لا تتعدى كونها طفلة في المرحلة الإعدادية، إلا أنها تمتلك مقومات جسدية خارقة للطبيعة التي تعلنها طفلة بالمناسبة. فجز على أسنانه وجذب ذراعيها من خصرها وهدر بها بعنف قائلاً بعينين تطق شراراً: "إيديكي يفضلوا جنبك وما تعمليش الحركة دي تاني مفهوم." "لأ مش مفهوم.. وريني هتعمل إيه يا طويل القامة انت." كور قبضته وحذرها قائلاً بغضب: "انتي مش حطيتي الشاي.. انزلي بقا يالا.. وما تطلعيش هنا تاني انتي فاهمة ولا لأ."

نثرت شعراتها الناعمة مجدداً بغرور على ظهرها بحركة تشعله نحوها أكثر. وعقله يرفض أوامر قلبه ناحيتها. فهي مجرد طفلة خرقاء متصابية رغم إمكانياتها المتفجرة قبل أوانها. وشعراتها الناعمة وعينيها الدافئة وشفتيها الوردية إلا أنها ستظل طفلة. تركتهم وانصرفت وعينا سامر تتابعها متأملاً أنوثة مشيتها. لعن نفسه كيف رآها متصابية. إنها أنثى بالمعنى الحرفي للكلمة. وكأنها شعرت به فالتفتت بسرعة جعلت شعراتها تلف معها بالهواء متطايرة لتطبع بذاكرته بورتريه رسمه أكبر رسامي العالم للطفلة المعجزة متفجرة الأنوثة. ابتسمت إليه وهي تطوف بعينيها عليه كلياً ثم هزت رأسها وخرجت بهدوء.

فركت علا أعلى أنفها وهي تغمض عينيها متذكرة هيئته الساحرة وكيف لم تقاوم لمس شعراته الناعمة وغضبها الذي كانت تخفي به إعجابها بجماله المستفز. فابتسمت بهدوء وهي تعود لواقعها المرير الذي يخبرها أنه قال لها للمرة الثانية أنه سيتزوج غيرها. لعنت غباءها واستسلامها وخرجت تتصنع القوة حتى لا تختفي هيبتها أمام عمالها. فهتفت قائلة بحزم: "رؤوف.. تعالا لو سمحت." اقترب منها رئيس العمال بخطوات واسعة ووقف أمامها قائلاً بخنوع:

"تحت أمرك يا باشمهندسة." أشارت إليه على بعض الغرف وهي تقول بحزم وقوة: "بكرة الصبح عاوزة أستلم كل الأوض دي وديكوراتها كاملة وإلا هستغنى عنكم وأشوف رجالة تانية تنفذ اللي عاوزاه قبل ما أطلبه.. مفهوم." أومأ رؤوف برأسه وقال مسرعًا لتهدئتها: "اطمني يا فندم.. بكرة هتستلمي كل حاجة جاهزة وأسطة."

"أما أشوف. والحمامات والبوفيه يتلزقوا سيراميك بسرعة وتكمل انت بقية الشغل لأني مش هقدر أجي كل شوية. غير لما نختار لون الدهان الأخير تمام." أدى الرجل التحية العسكرية وقال بقوة: "كله هيبقى تمام يا مرات الغالي الله يرحمه.. شركة طارق بيه هتفضل أحسن شركة ديكورات في دمياط كلها بإذنه وماشيئته." ابتسمت علا بود وقالت بنبرة عالية ليسمعها الجميع: "ربنا معاكوا يا رجالة وأنا واثقة فيكم.. بس أي واحد هيكسل مالوش مكان معايا."

رد أحدهم بقوة وتقدير: "إحنا تحت أمرك يا باشمهندسة وعنينا ليكي." "تسلملي عنيكم." ومالت قليلاً ناحية رؤوف وقالت بطيبتها المعهودة رغم قوتها: "إوعى تنسى الوجبات للعمال يا رؤوف.. وابعتلي الفواتير مع فواتير المونة والأدوات تمام." أومأ برأسه وقال بابتسامة هادئة: "حاضر يا باشمهندسة.. دام عزك يا بنت الأصول." رفعت علا ذراعيها وقالت بصوت عالٍ: "السلام عليكم يا رجالة.. بالتوفيق." "وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."

ترجلت علا من المصعد وهي تتأكد من هندامها بالمرآة. فاصطدمت بشخص وهي تخرج للمآرب لاستقلال سيارتها. فرفعت كفها معتذرة: "أنا آسفة." قابلها الشخص القابع أمامها بهيئته الجذابة بصفارة عالية وهو يتأملها بجرأة ثم قال بغمزة من عينيه: "آسفة على إيه بس.. في جمال كده.. أحب الحلويات." "طب مش خايف يجيلك السكر."

التفتت علا والشخص السمج الذي يقف أمامها على صوت سامر الغاضب. فشعرت علا ببعض الأمان وهي تراه أمامها. بينما ابتسم ذلك السمج وقال وهو يحدج سامر باشمئزاز: "مالك يا مسكر.. داخل علينا في الحوار ليه."

هز سامر رأسه بتفهم وباغته بلكمة قوية أدارت وجهه للجهة الأخرى. بينما لكمه ذلك السمج مسرعاً لينقض عليه سامر بأن ركله بركبته بمعدته ورفع ركبته مجدداً بعد انحنائه ليضرب بها جبهته التي نزفت على الفور. فصرخت به علا أن يتوقف. فقذفه بقوة على الأرض وجذبها من معصمها وسار بها مبتعداً وأدخلها سيارتها بالقوة ووضع لها حزام الأمان وطلب منها الانصراف حالاً قبل أن يتطور الأمر معها هي شخصياً. وتركها وابتعد. فأخرجت رأسها من السيارة وقالت له بصوت عالٍ

ساخرة: "بتتشطر عليا.. كنت اتشطرت على اللي زرقلك وشك." التفت سامر ناحيتها وسار باتجاهها بخطوات سريعة. فأدخلت رأسها للسيارة بخوف. بينما دفع سامر رأسه داخل سيارتها ليتقابل وجهه بوجهها وهي تبتعد برأسها عنه. فضغط على أذنها بأنامله وقال بعصبية: "طب ما أنا ضربته وسيحت دمه ولا في الحتة دي اتعميت.. عاوزة تستفزيني صح." أومأت برأسها نافية وهي تتأوه من أذنها وقالت بخفوت بطيء: "خلاص بقا.. ودني وجعتني يا سامر."

ابتلع ريقه بصعوبة وهو يستمتع باسمه من بين شفتيها التي تجذبه إليها دائماً. وارتخت عضلاته المتحفزة ثم ترك أذنها وقال وهو يتطلع داخل عينيها بقوة: "قلب سامر والله.. ارحميني بقا ده مجرد ما سمعت اسمي منك قلبي وقع في حجرك."

عبست علا بشدة وهي تخفي ابتسامتها فأشعلت نيرانه وهو يتابع تلك الطفلة التي كانت وستظل طفلة حتى لو أصبحت امرأة مكتملة تجذب الرجال نحوها كزهرة مكتملة الرحيق يتهافت عليها النحل. زفر بسخونة وهو يتابع تأملها له وقال وهو يفرك مؤخرة رأسه لتهدئة نفسه: "امشي فوراً يا علا من قدامي أحسنلك أنا مش عارف ممكن أتهور معاكي إزاي.. يلا."

وأخرج رأسه من السيارة. فأدارتها وهي تطلع إليه بملامح غير مفهومة كأنها تقصد أن تتركه في حيرته وتخبطه. وانطلقت بعدما لوحت إليه بأناملها وعلى ثغرها أعذب وأجمل ابتسامة رآها بحياته ويتمنى تذوقها بشدة. ............................................................................................................................................

وقفت ديما تتابع البحر بشرود. فشعرت بيد تكبل خصرها وتضمها لصدر قوي. فأغمضت عينيها وهي تستمتع بلمساته ودفء جسده. ثم قالت بدلال أنثوي قاتل: "وحشتني يا مالك." قبل مالك عنقها بنهم وقال هامساً بجوار أذنها: "بحبك." التفتت إليه تتطلع بعينيه وهي تلف ذراعيها حول رقبته وهو يلتهمها بعينيه بثوب السباحة الذي جعلها فاتنة وجذابة لدرجة الجنون. ثم همست أمام شفتيه برقة: "وأنا بموت فيك." كان على وشك تقبيلها ولكن استوقفه صوت يعلمه جيداً

يقول بغضب: "كده يا مالك.. تضحك عليا وتقولي إنك بتحبني.. يا كداب.. يا غشاش." تطلع إليها مالك بملامح مجمدة وكأنه لا يراها من الأساس. فاقتربت منه وهي تشعر بوهن جسدها قائلة بلوم: "طب خليتني أحبك ليه.. ضحكت عليا ليه.. حرام عليك أنا ما أستاهلش اللي حصلي منك." وفجأة ابتعدت صورة مالك وديما من أمامها ببطء شديد. نادته كثيراً ولكن صوتها اختفى كما اختفى هو. فانكمشت بنفسها وظلت تبكي وتبكي وتلعن نفسها على عشق أرهقها.

شعرت الممرضة بحركة جفني وعد. ثم انتبهت لدمعة ساخنة انسلت من بين أهدابها الشقراء الطويلة والكثيفة. فهاتفت الطبيب مسرعة وقصت عليه ما طرأ على حالة وعد. فطلب منها أن تختبر قدمها بوخزة خفيفة من إحدى الإبر. وبالفعل انكمشت جبهة وعد متألمة. فأخبرها الطبيب أنه في الطريق إليهم فوعد على وشك العودة من منفاه. انتبه عمرو لهمهمة الممرضة فوقف مسرعاً وقال بقلق: "هو إيه اللي بيحصل جوة بالظبط."

وقف الجميع ودلفوا لغرفة وعد بتوجس. فأوقفتهم الممرضة بيدها وهي تقول بهدوء: "لو سمحتوا محدش يدخل دلوقتي.. الدكتور في الطريق والآنسة وعد شكلها هتفوق فإطمنوا." شعر الجميع براحة. بينما دفعتها سلوى من كتفها وهي تندفع لداخل الغرفة لتطمئن على صغيرتها. والتي ما إن رأت دموعها المنسكبة بهدوء على وجنتيها فبكت بهدوء وهي تقول بندم: "قومي يا قلب ماما.. هموت من غيرك يا وعد.. يا ترى يا بنتي سبب دموعك دي إيه."

بعد فترة وصل الطبيب وعاينها وحاول معها حتى تحرك جفنيها وانفرجت عيناها بهدوء شديد متألمة من الإضاءة حولها. حتى استطاعت فتح عينيها بالكامل. فرأت وجه غريب أعلى رأسها. فسألها الطبيب وهو يتابع ردة فعلها: "آنسة وعد.. حضرتك سمعاني." أغلقت عينيها وفتحتهما مجدداً كرد منها على سؤاله. فابتسم إليها براحة وسألها متابعاً فحصه خشية من أن تكون فقدت النطق مجدداً: "حمد الله على سلامتك.. تقدري تتكلمي."

ابتلعت ريقها وهي تجلي حنجرتها الجافة وحاولت أن تتكلم فخرج صوتها متحشجاً بشدة قائلة بخفوت: "أيوة." تنفس الطبيب الصعداء وربت على كفها وقال بابتسامة ودودة: "تعبتينا معاكي وقلقتي أهلك جدا.. حمد الله على سلامتك مرة تانية." هزت رأسها بوهن لشكر. فلملم أشياءه بعدما اطمأن أن أجهزتها الحيوية تعمل بانتظام وأنها قادرة على الحركة. وخرج فهرول الجميع ناحيته بشغف. فقال ليريحهم من حالة القلق والتوتر التي تملكتهم:

"حمد الله على سلامتها يا جماعة.. أنا اطمنت عليها وبقت زي الفل.. وهسيب معاها الممرضة عشان لو حصل حاجة لا قدر الله.. بعد إذنكم." دلفوا جميعاً لغرفتها. فاحتضنها عمرو أولاً. وهو يرى ابتسامتها التي جعلت الدماء تتدفق بجسده مرة أخرى. ثم وقف واحتضن روان بفرحة على عودة صغيرته إليه مرة أخرى.

التفكير أحياناً يأخذنا للاشيء. هذا ما حدث معها. ظلت تفكر وتفكر وتخمن. ماذا فعلت بحياتها البائسة كي تستحق ما مرت به الأيام السابقة. وربما السنوات المنصرفة. فقد اختار الله أمها أولاً فتركتها طفلة عمرها خمس سنوات. لم تكن تعي الكثير وقتها. ولكن بعد عام آخر اختار الله والدها لتصبح يتيمة بلا أب.. بلا أم.. بلا أحد سوى عمها الذي عاد من سفره حضر الجنازة وأودعها لدار رعاية الأيتام وعاد لحياته. مرت السنين وهي مستسلمة لقدرها ومحبة للجميع خصوصاً أخواتها في الدار. لم تتذكر أنها آذت أحداً من قبل. أو على أقل تقدير أغضبته. من المؤكد أنها لم تصل لحد الكمال. ولكنها اختارت أن تصبح ملاكاً قلباً.. وقالباً. فجمالها جذب الجميع إليها وتفانوا في حبها.

كانت جالسة على كرسي خشبي تطالع سفح مياه النيل المترقرق بهدوء. سابحة بأفكارها في حقيقة وجود شياطين حولنا على هيئة بشر. يستحلون ما حرم الله للحصول على أموال ستحرقهم بالنهاية. شعرت بكرسي آخر يوضع بجوارها ورأت شاباً يافعاً من أجمل ما رأت من الرجال يجلس بجوارها ويتطلع إليها بابتسامة ساحرة برزت معها غمازة خفيفة بوجنته. بادرها هو قائلاً بصوت خفيض: "عاملة إيه النهاردة يا لمى." تورّدت وجنتاها خجلاً وقالت بصوتها الرقيق مثلها:

"الحمد لله كويسة.. مش عارفة أشكركم إزاي يا أستاذ سامر." امتعض وجه سامر بضيق وقال بحدة لم يعتدها سوى مع مجنونته والتي حتماً ستودعه مشفى المجانين عن قريب سواء أصبحت له أو لم تصبح له: "أولاً.. دي المرة العشرومية اللي بتشكريني فيها.. ثانياً.. أنا سامر وبس وما فيش أستاذ مفهوم." ابتسمت لمى على خفة ظله المحببة إليها وقالت بامتنان:

"لولا اللي عملتوه معايا.. الله أعلم كان مصيري هيبقى إيه دلوقتي.. ولولا وعد فتحت عنيا كنت غرقت." أومأ سامر برأسه وهو يتخيل ما كان سيحدث معها وهي تجذب كل من يراها بجمالها الآسر. ثم تنهد مطولاً براحة وقال مؤكداً ببطء: "عندك حق.. ربنا حماكي."

التفتت إليه بجسدها فأصبحت مقابلة له وفي عينيها نظرة يعلمها جيداً. تلك النظرة التي تتطلع بها وعد عند حاجتها للمصاصة بالفراولة أو آيس كريم بالكراميل كما تفضل. وما هي إلا ثوانٍ وقد تأكد حدسه وهي تحضن كفيه براءة وتقول برجاء شديد: "لو سمحت يا سامر.. ليا طلب عندك بس أرجوك ما تقوليش لأ."

رفع سامر حاجبيه بذهول وهو يتطلع لكفيها الصغيرتين وهما تحتضن كفه بتلقائية جريئة بعض الشيء. لاحظت لمى حركتها الحمقاء. فتركت كفيه مسرعة وكأنه لدغتها ثعبان ولملمت شعراتها التي طيرها الهواء على وجهها الجميل وقالت باستحياء شديد ارتسم على وجنتيها بحمرة قانية: "أنا آسفة جداً.. مش عارفة عملت كده إزاي." قرر سامر أن يرحمها من حالة الخجل التي اعترتها قائلاً بصوته الحاني رغم قوته:

"ما فيش حاجة حصلت خلاص.. قوليلى كنتي عاوزة إيه يا ستي." عضت على شفتيها وقالت بخجل: "عاوزة أكلم وعد.. بقالي يومين من ساعة ما فاقت وأنا هموت وأطمن عليها." ابتسم سامر بخفوت على طلبها الصغير والذي اعتقد من لهفتها أنها ستطلب نقل أبو الهول من مكانه لجوارها. أخرج هاتفه وضغط على اسم وعد وانتظر ردها. وبعد لحظات أجابته بعاصفة هوجاء من الغضب:

"لسه فاكر تسأل عليا يا أستاذ سامر.. يا خسارة السندوتشات اللي تيتة كانت بتعملهالي وحضرتك تاكلها مني." ضحك سامر بصوت عالٍ على صراخها والذي جعله يشك بأنها كانت مريضة منذ يومين بشكل جعل جاسم يترك أعماله ويرابط عندهم بالمنزل. ثم تمالك ضحكاته وقال ساخراً: "أمال يعني ضحكوا عليا وقالولي إنك كنتي تعبانة وإنتي لسانك زي المبرد زي ما هو أهه."

شعر بعبوسها والذي يلتقي به حاجبيها كسهمين نافذين. ولكن يشعر بالسهمين سيخترقان صدره الآن مع كلماتها التي خرجت منها بغضب وهي تهتف بصوت عالٍ ضرب طبلة أذنه في مقتل قائلة: "يلا يا جبان.. ما انت لو قدامي دلوقتي كنت عرفت آخد حقي.. بس ملحوقة مسيرك هتقع تحت إيدي."

ضحك سامر مرة أخرى وعيناه غافلة عن الجالسة بجواره تتابع ضحكاته بعته. وهي فاغرة فمها تتابع جمال ضحكته الآسرة بتنهيدة ساخنة. إلا أنه قال متابعاً حديثه مع وعد بجدية قليلاً: "قلبك أبيض يا سوسة.. عموما يا ستي أنا آسف.. وهجيلك بكرة أطمن عليكي.. في حد جنبي بقا هو اللي عاوز يكلمك ويطمن عليكي." وأعطى الهاتف للمى التي أخذته منه وهي ذائبة بعينيه الخضراء وملامحه الجذابة. ثم رفعت هاتفه على أذنها وقالت بلهفة: "وعد."

انتفضت وعد جالسة في فراشها وقالت بفرحة وهي تستمع لصوت قطتها الصغيرة: "لمى.. أخبارك إيه يا حبيبتي.. طمنيني عليكي." "أنا كويسة الحمد لله.. المهم انتي عاملة إيه خوفتيني عليكي." زفرت وعد براحة وكأن ثقلاً كبيراً قد انتشل من على صدرها. وقالت بابتسامة هادئة: "أنا بقيت كويسة الحمد لله.. قوليلي أخبارك إيه وإنتي فين؟! تطلعت لمى بسامر الذي يحدق بها بابتسامة مشرقة كأنه الشمس بعينيها ضياء ودفئ. ثم عادت بعينيها لسفح المياه

أمامها وقالت بهدوء خافت: "أنا بعد ما قبضوا على رحاب.. حققوا معايا في القسم وبعد كده الباشمهندس جاسم أخدني في بيت جدته وأنا دلوقتي قاعدة عندها. بيقولوا خايفين عليا من واحد اسمه أمير.. كان بيساعد رحاب في عملياتها المشبوهة." ابتسمت وعد بتوهج وهي تستمع لإسم جاسم مجدداً. من وقت إفاقتها والجميع فقط يتحدث عنه. أصبح يحيطها من كل مكان حتى وهو بعيد عنها. كالإخطبوط الذي حاوط فريسته بمجساته وأصبح الفرار منه أمر مستحيل. أخفت

ابتسامتها وقالت بمداعبة: "بس أقدر أخرج وأنا هبهّركي خروج وفسح ومش هخليكي محتاجة أي حاجة يا قطتي." ابتسمت لمى ابتسامة واسعة وقالت برقة: "تمام.. وأنا هستناكي.. وعد.. أنا بحبك قوي." "وأنا كمان بحبك قوي.. خلي بالك من نفسك.. تمام." أومأت لمى برأسها بقوة كأن وعد تشاهدها وأجابتها مسرعة: "حاضر.. مع السلامة." أنهت المكالمة وأعطت الهاتف لسامر وقالت بابتسامة ممتنة: "شكراً.. كنت محتاجة أسمع صوتها قوي."

هز سامر رأسه متفهماً وأخذ هاتفه منها. ووضعه بجيب بنطاله. ثم التفت إليها وقال بتوجس من ردة فعلها: "لمى.. هو انتي ليه مش محجبة." فاجأها سؤاله فجعلها تتطلع إليه بتعجب. ثم ما لبثت أن أخذت تفكر في كلماته بقوة. فقدوتها أصبحت وعد. ووعد ترتدي الحجاب وملابسها محتشمة رغم أناقتها الرقيقة مثلها. فالتفتت برأسها لسامر وقالت بإصرار: "أنا هتحجب.. عاوزة أبقى زي وعد في كل حاجة."

أعاد سامر سؤاله بصيغة أخرى كي يتأكد من جديتها بهذا الشأن. فسرعتها في إجابة طلبه جعلته لا يثق بثباتها. فمال ناحيتها بجسده وقال بترقب هادئ: "بس هتتحجبي عشان تبقي زي وعد.. ولا عشان ترضي ربنا." سحبت لمى نفساً طويلاً وتطلعت للسماء كأنها تناجي ربها. ساد صمتها لدقائق شعر سامر بهم بتراجعها عن قرارها الأخير. ولكنها ابتسمت بهدوء مريح وقالت وعيناها ما زالت تعانق السماء:

"ربنا بعتكم ليا عشان تحموني.. وخصوصاً وعد.. زي ما بعتني ليا دلوقتي عشان تدلني على الطريق الصح.. فأي حاجة هعملها زي حد.. هيكون ربنا هو اللي قدرها وهعملها عشان هو." ابتسم سامر براحة وهو يتأمل جمالها البريء. ثم تطلع هو أيضاً للسماء متذكراً نفس طلبه الذي طلبه من قبل. أو بالأحرى منذ تسع سنوات.

حمل سامر بين يديه هاتفه المحمول الجديد بفرحة. فلم يحمل هذا الهاتف حوله إلا كبار الرجال فقط. وجاسم طبعاً باعتباره أن والده يملك الكثير من الأموال. وأثناء هبوطه لدرج منزل جاسم. وجد تلك الطفلة المشاغبة والتي لم يرها منذ فترة طويلة. وقد أعلن قلبه الاشتياق لعيونها وشعراتها التي دائماً ما كانت تنثرهم للخلف في حركتها المعتادة والتي تأسره أكثر. شعر بتورد وجنتيها وهي تتطلع إليه بخجل جديد كلياً عليها منها. فالمرات القليلة التي جمعتهم كانا دائمي الشجار. كما سيحدث الآن.

اعترض سامر صعودها بجسده. فتطلعت إليه بضيق ومالت بجسدها للجهة الأخرى لتصعد. فوقف أمامها مجدداً. زفرت علا بضيق ومررت أناملها على ثغرها وهي ترشقه بسهام نظراتها الغاضبة. ثم قالت بحدة تلائم ملامحها المتحفزة نحوه: "انت إيه حكايتك معايا بالظبط.. ابعد من طريقي أحسنلك." وضع يديه بجيب بنطاله وهو يطالعها من علو طبعاً لفارق الطول بينهما ولأنه يقف على درجتين أعلى منها. فبدت له تتحدث من أعماق الأرض. تغاضى عن فظاظتها المحببة لقلبه

وقال ببطء هادئ مستفز: "ما فيش طلوع فوق.. وأظن حذرتك قبل كده." صفعت علا كفيها ببعضهما وهي تهز رأسها علامة على تعجبها. ثم رفعت عينيها نحوه وقد زادت حدة نظراتها وضغطت على شفتيها بقوة جعلته يرأف بحالهما بشدة ويريد أن يدللهما بطريقته. ولكن أغلق عينيه للحظة مستغفراً بها ربه على هذه الحماقة. رفعت علا كفها أمام وجهه محتدة وقالت بحنق وقنوط لم يلحظهما بها من قبل:

"وانت مالك أصلاً.. صحيح البيت بيت أبونا والغرب بيمنعونا.. فوسع أحسنلك." ابتسم ابتسامة جانبية مستهزئة وقال وهو يتطلع إليها بدونية ليشعلها أكثر: "مش هوسع.. وريني هتعملي إيه يا.. يا علا هانم." لم تحد بعينيها عنه. بل زادت نظراتها المتحدية وهي تتوه في خضار عينيه الزيتوني. وأهدابه الشقراء الطويلة. وغمازته التي تظهرها تلك الابتسامة البغيضة. سبت نفسها بداخلها فيما تفكر الآن. ثم صعدت درجة أخرى لتصبح ملاصقة له تقريباً

وقالت بهمس أجش: "عايز تعرف هعمل إيه.. هديك بالكوتشي على دماغك." اتسعت ابتسامته حتى وصلت لضحكة عالية وهو يترنح من شدتها مستهزئاً بكلماتها المحتدة. وما أن سيطر على نفسه حتى هبط الدرجة الأخيرة بينهم ووجه أصبح قريب من وجهها وقال هامساً: "بحبك يا شرس." رفعت علا ساقها وهي تنزع حذاءها قائلة بغضب: "يبقى انت اللي جبته لنفسك يا........

وكأن مسجل عقلها توقف. وعاد بالشريط للوراء خمس ثوانٍ. وأدار المسجل مجدداً لتعود كلماته مرة أخرى وهي تمر على أذنها ببطء شديد. لاحظ وجومها ووقوفها على ساق واحدة كأنها تحولت لتمثال من الشمع. وما هي إلا ثوانٍ ورفعت رأسها نحوه وهبطت ساقها بجوار أختها ورفعت حاجبيها حتى كادا أن يلاصقا غرتها الناعمة والتي تميلها على جانب وجهها دائماً. وخرج صوتها متحشجاً.. متلعثماً.. من صدمتها وهي تسأله بتوتر: "انت قلت إيه؟؟؟؟؟!!!!

انتقلت عينيه من عينها اليمنى إلى عينها اليسرى. ورفع كفه مقابلاً لوجهها وبدأ يرسم ملامحها بأنامله في الهواء. كأنه يحفرها بداخله قبل أن يقول هامساً بإغواء: "قلت.. بحبك." شهقت علا شهقة خفيفة وهي تتوه أكثر في متاهات غابته الخضراء والتي تحيطها أهدابه كأشعة الشمس الصفراء وقت الذروة. كما تقول هيئة الأرصاد. وابتلعت ريقها بتوتر ووضعت إصبعها في أذنها ورجتها جيداً. وعادت إلى عينيه مجدداً وسألته بتوسل بادٍ بنبرتها ونظرتها:

"انت.. قلت.. إيه؟؟؟؟!!!! لم يمهله الوقت قبل أن يقول مجدداً بقوة وحزم: "بحبك.. والله العظيم بحبك.. وبغير عليكي ومش عاوزك تطلعي فوق ومالك وطارق مع جاسم. عرفتي أنا ليه دايماً بتخانق معاكي وببقى نفسي أديكي علقة على تخانة مخك."

لم تعره لسبابه إليها أي اهتمام. فقد اكتفت بكلمتين من سيل كلامه الوقح مثله.. بحبك.. وبغير عليكي. ظلت تعيدهما بداخلها. ما أعذبهما من كلمتين يقالان لها لأول مرة. هبطت درجتين واستندت على سور الدرج بيديها وأطرقت رأسها بخجل. فسألها سامر بلا رحمة لخجلها الشديد: "أنا.. وبحبك.. طب وانتِ." عضت على شفتها ولملمت شعراتها على جانب واحد تخفي بهم وجهها عنه. فأعاد سؤاله مجدداً بوقاحة أكبر: "بتحبيني يا علا ولا... تنحنت بخجل وقالت

وهي تعبث بشعراتها بتوتر: "عيب كده على فكرة يا كابتن." مرر أنامله بشعراته الطويلة نسبياً. وقال وهو يحدقها بقوة ملتهماً كل تفصيلة بها: "كويس.. ما قولتيش لأ.. يبقى بتحبيني.. وده كفاية عليا قوي.. هو أنا ممكن أطلب منك طلب." رفعت عينيها نحوه بتعجب وهي مقطبة جبينها بشدة وسألته بفضول: "طلب إيه." لعق شفتيه بلسانه وقال بتوجس من ردة فعلها على طلبه.. الجريء.. بعض الشيء:

"هو انتي مش هتتحجبي بقا.. انتي دلوقتي في تانية ثانوي.. يعني بقيتي آنسة كبيرة ووقت الحجاب.. صح." لم تعطيه جواباً وظلت تحدق به بنظرات مجمدة لم يفهم منها شيئاً. ولكنه فطن أنها لا ترغب بارتداء الحجاب. فصاح بأعلى صوته مما جعلها ترتجف من ذعرها وهو يقول: "يا جاسم.... يا جااااااسم." التفتوا إلى جاسم الذي هبط الدرج متعجباً قائلاً بتساؤل مندهش: "هو انت لسه مروحتش." أجابه سامر بوجه ممتعض:

"كنت بتكلم في المحمول.. لقيت أختك بتنده عليك عاوزاك.. وانت مش سامعها فندهت أنا عليك." ربت جاسم على ذراعه وقال متفهماً: "تمام يا صاحبي.. روح انت هات العشا وما تتأخرش." ثم تمسك بذراعه والتفت لأخته قائلاً بابتسامة هادئة: "إحنا هنجيب سندوتشات جمبري وسيبيا يا لولو.. تحبي نجيبلك معانا."

أومأت برأسها بسعادة. فعاد جاسم بعينيه لسامر وطلب منه أن يحضر لها معهم. فأومأ سامر برأسه وهو يتطلع إليها قبل انصرافه يشبع عينيه من ملامحها. ثم انصرف مسرعاً قبل أن تفضحه عينيه. وما أسعده ذلك اليوم.. هو صعود جاسم يخبرهم أن أخته قد تحجبت أخيراً. وفجأة.. ومن سعادته أحضر معه كعكة منزلية قد أعدتها والدته بالصدفة. ليشاركوه فرحته بأخته الصغيرة. ولكن غفل عن سعادة شخصين بهذه الجلسة.. صاحب العيون الخضراء وصاحب فكرة الحجاب. وطارق الذي كان يخفي حبه لعلا بداخله وينتظر الوقت الصحيح ليبوح به.. كي لا يعاقبه الله بأن يحرمه منها.

عاد سامر من شروده معتدلاً في جلسته. ثم التفت للمى وقال بملامح حزينة: "قومي يالا اطلعي عند ستي.. الوقت اتأخر.. وخلي بالك من نفسك وأنا جبتلك فوق تليفون بخط جديد وعليه رقمي ورقم جاسم ورقم وعد.. لو احتاجتيني في أي وقت كلميني." ابتسمت لمى ابتسامة بلهاء وهي تتأمل وسامته. ثم قالت بتنهيدة خافتة: "حاضر.. باي."

وأشارت له بيدها مودعة وهي تحمل كرسيها وتنصرف حالمة به. أما هو فزفر بضيق متذكراً هذه العنيدة التي يعشقها وتأبى ترك عقله يهنئ بدقيقة واحدة راحة. ثم حمل كرسيه هو الآخر ووضعه بدرج منزل الجدة وصعد سيارته أدارها وانطلق. ............................................................................................................................................ خرجت وعد من المرحاض. مستندة على روضة التي قابلتها بابتسامة

عذبة وهي تحمد ربها قائلة: "الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه.. مش مصدقة إنك واقفة على رجلك وبتتحركي يا وعد.. يااااه ده كان كابوس." تنهدت وعد بألم وقالت بحدة جديدة على كلماتها: "أنا مش عارفة ضعفت إزاي للدرجة دي.. مفيش حاجة ولا حد يستاهل نزعل علشانه كده.. ربنا يسامحني بقا." دلفا لغرفتها. فتمددت في فراشها وتطلعت للاشيء مجدداً كعادتها منذ فاقت. أغلقت روضة عليهما باب غرفتها وسألتها بفضول وضيق:

"مش ناوية تقولي بقا سبب اللي حصلك.. كلنا تعبنا معاكي حتى عمرو مش راضية تقوليله." لم تجبها ولازمت الصمت. ولكن روضة لم ترأف بحالها وقالت باقتضاب قاتل: "مالك...... مش كده." أجابتها وعد مسرعة وقد تحولت عينيها لجمرتين من الغضب وخرج صوتها أجش كأنه قد تلبسها جان قائلة بتشنج: "مش عاوزة أسمع اسمه ولا سيرته ولا أشوفه." تأكد حدس روضة أخيراً وربتت على كفها لتهدأ فهي ما زالت في طور النقاهة ولا تريد لا أن تعود لكبوتها تلك من جديد.

فسألتها بهدوء متمهل: "إيه اللي حصل يا وعد." استندت وعد برأسها على فراشها وهي تذرف دموعها بصمت مؤلم. وشرود مزق قلب روضة على حالها. فكففت دموعها وقالت بإشفاق: "احكيلي يا وعد.. خرجي النار اللي جواكي دي عشان ترتاحي.. انتي عمرك ما خبيتي عليا حاجة." تنهدت وعد مطولاً كأنها تخرج كل الغضب والكسرة والألم الذي جاش بصدرها الأيام القليلة الماضية. وقالت بصوت فاقد للحياة: "خاني.. بيعرف واحدة في رومانيا وخاني معاها."

تطلعت إليها روضة بخواء. ثم عادت لطبيعتها وقالت بثبات واثق: "مستحيل طبعاً.. مالك بيحبك بجد.. وعمره ما يقدر يبص لغيرك أصلاً." ابتسمت وعد بسخرية وهي تلعق دموعها المالحة والتي وصلت إلى شفتيها كنهرين. ثم رفعت عينيها لسقف الغرفة وقالت بهدوء ما هو إلا ستار لعذاب لا تقوى عليه:

"مافيش حاجة اسمها حب.. في رغبة وبس.. رغبة راجل في ست.. يعني رغبة جنسية.. رغبة إنه يبقى عنده ولاد.. رغبة إنه يجوع فيأكل.. رغبة إنك تكوني عطشانة فتشربي.. رغبة إنك تكوني عاوزة تنامي فتناني.. أي حاجة بنسميها حب هي بس رغبة.. إوعي تصدقي إن في حب ده بيوجع قوي.. ده إن ما كنتيش اتوجعتي منه انتي كمان."

ابتلعت روضة ريقها بصعوبة وهي تفكر فيما قالته وعد. وتذكرت ألمها ووجعها من عشق حبيبها الوحيد لغيرها. وغيرها لحظها العثر كانت أختها. ولكن تعلم أنها تعشق مالك بحق حتى لو لم يعشقها. إذا فهناك حب.. عكس ما قالت وعد على أنه رغبة. لم تتذكر روضة أنها رغبت مالك بأي وقت. فقط عشقته بدون متطلبات. وإلا لكانت قد نسيته بعدما عشق غيرها وزالت الرغبة بينهما. خرجت روضة من صمتها وقالت بوهن حازم: "أنا مش بتفق معاكي يا وعد.. في حب لسه."

ابتسمت وعد ابتسامة ميتة ثم اتسعت ببطء فأصبحت ضحكة خافتة ما هي إلا لحظات حتى تحولت لضحكة عالية وهي تقول بسخرية مؤلمة: "انتي مصدقة نفسك يا روضة.. أبوكي اتجوز على أمك عشان رغباته.. وأمك سافرت معاه عشان رغباتها اللي خافت ليلاقيها أحسن مع مراته التانية.. ومالك كمان ضعف قدام رغباته.. فحب إيه ده اللي عاوزاني أصدق وجوده." أغمضت روضة عينيها وهي تستمع لكلمات وعد اللاذعة. ولكنها فتحت عينيها وقالت بتصميم واثق:

"مالك عمره ما يعمل كده.. حتى لو شوفته بعنيا عمري ما هصدق." هزت وعد رأسها على سذاجة أختها اللامتناهية. ثم تطلعت نحوها وقالت وهي تقصف الكلمات من فمها بجنون:

"شفت صور له مع واحدة لابسة مايوه بكيني ملوش لازمة.. يعني عريانة تماماً وهي مرمية على صدره ومقربة من وشه.. وهو حاضنها من وسطها اللي بالمناسبة كان عريان تماماً.. وصورة تانية الهانم لابسة فستان عريان والأستاذ حاضنها من ضهرها وتقريباً كان بيبوسها في رقبتها وهي قاعدة قريبة من حجره.. تحبي أكملك باقي الصور اللي شفتها بعنيا واللي ما يهمنيش انتي هتصدقي اللي أنا بقوله ولا لأ.. لأني مسحته من حياتي للأبد."

لاحظت روضة سرعة أنفاسها وتنافر عروق رقبتها بتشنج عصبي. فهدأتها قائلة بخوف: "طب اهدى يا حبيبتي.. انتي متأكدة من اللي قولتي ده يا وعد." عادت وعد لشرودها الهادئ وصمتها المؤلم. وهي تفكر في أنها لابد أن تخرجه من رأسها بصوره الحقيرة مثله. فانتبهت لطرقاً على باب الغرفة. ففتحت روضة الباب لتتفاجأ بوالدها يقف على أعتاب الغرفة. فابتعدت من أمامه ليدلف إلى الداخل. جلس بجوار وعد على فراشها وسألها بحنو أبوي قد حرمها منه سابقاً

بجمود: "عاملة إيه يا حبيبة بابا." أجابته وعد وهي ما زالت على حالتها من الجمود والشرود: "كويسة." قرر أن يلفت انتباهها له ومخاطبتها في طلب جاسم منه. فربت على كفها برقة وقال بابتسامة هادئة متعقلة: "في موضوع عاوز أكلمك فيه." وبالفعل حاز على انتباهها وهي تلتفت بعينيها نحوه تحدجه بانتظار شغوف ليكمل حديثه. بينما فطنت روضة بأنه سيفاتحها في طلب جاسم. فشهقت بداخلها من الخوف وقالت مسرعة:

"لا يا بابا أبوس إيدك.. إوعى تكلمها في الموضوع ده دلوقتي.. هي متلخبطة وحالتها النفسية زي الزفت.. ومش هيبقى صح إنها تاخد قرار في موضوع مهم زي ده دلوقتي." التفت إليها عيسى برأسه وقال بتعجب من رفضها الغير منطقي تماماً: "وانتي مالك انتي.. انتي هتعرفي مصلحة بنتي أكتر مني." اجتمع الجميع بغرفة وعد على صياح عيسى. فسأله عمرو بقلق: "في إيه يا بابا.. بتزعق ليه." تنفس عيسى مطولاً لتهدئة نفسه. ثم قال بحدة وضيق:

"جه اليوم اللي بنتي تعرفني أعمل إيه وما أعملش إيه.. واضح إني اتسهلت معاكم كتير." ضاقت وعد بما يحدث حولها فما هي فيه يكفيها.. حالياً. فرفعت كفيها وسألت بصوت عالٍ من ضيقها وتشنجها الشديد: "ممكن حد يفهمني إيه اللي بيحصل بالظبط.. لتخرجوا كلكم وتسيبوني لوحدي." عاد عيسى بعينيه ناحيتها متأملاً حالتها النفسية الغريبة. ثم قال ليفرحها ولو قليلاً: "جاسم طلب إيدك للجواز."

اتسعت عيناها حتى ارتسم التعجب على وجهها بأقوى صوره. هل ما قاله والدها صحيحاً.. إذاً فنظراته العجيبة.. وكلماته المبهمة.. كانت إعجاباً. فكرت طويلاً وحملتها مخيلتها لأسوأ الطرق لرد كرامتها التي أهدرت على يد من ظنت أنه يحبها كما تشدق بها كثيراً. لاحظت روضة نظراتها المشتعلة وأنفاسها المتهدجة كأنها خرجت للتو من سباق. ففطنت أنها ستقول برضا مغلف بنار الانتقام. يتبع

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...