هدوء مريب يسيطر على الأجواء. يعم الوجوم والخمول، وكأن الكل يتصنع الراحة والهدوء. قرار مصيري اتُخذ سريعاً بشكل لا يتقبله عقل. ومع ذلك، مصدر الهدوء الوحيد هو ثقتهم بجاسم واستقرار حالة وعد. الكل يعلم أن بداخلها شيئاً انطفأ، ولكن موافقتها وثباتها يدفع الجميع للاستسلام. وضعت امتثال طبق البيض من يدها على طاولة الطعام وقالت بصوت عالٍ: "يالا يا روضة، هتتأخري. يا وعد، خلصتي صلاة؟ خرجت وعد من غرفتها مسرعة، وقبلت امتثال
بوجنتها وقالت بحماس: "يا صباح الفل يا امتثال." جحظت عين امتثال وهي تتطلع إلى وعد، ثم سألتها بدهشة غاضبة: "إيه اللي انتي لبساه ده؟ انتي هترجعي شغلك النهاردة؟ أومأت وعد برأسها وقالت بتأكيد حازم: "أينعم. الشغل واحشني وأنا مش حابة نومة العيانين دي." احتضنتها روضة من الخلف وقالت بابتسامتها العذبة: "سيبيها براحتها يا تيتة. هي بقت كويسة الحمد لله." امتعض وجه امتثال بضيق وقالت بنبرة شديدة تحذيرية:
"هكلمك كل شوية في التليفون، ودواكي هتاخديه في ميعاده، وممنوع تتتعبي نفسك. وهو نص يوم بس وترجعي. وتيجي في تاكسي، بلاش الميكروباص. مفهوم؟ كانت وعد تطالعها ببلاهة من كثرة أوامرها الحازمة. فوخزتها جدتها بغضب وقالت: "انتي نمتي وأنتي واقفة." هزت وعد رأسها بقوة، ثم سحبت كرسيها وجلست قائلة بهدوء: "حاضر يا تيتة، طلباتك كلها أوامر." خرجت روضة من غرفة وعد تحمل هاتفها وأدويتها وقالت وهي تضعهم بحقيبتها:
"أنا حطيتلك الدوا وظبطتلك الموبايل على الميعاد. بس يا ريت تاكلي أي حاجة قبل ما تاخديه." أومأت وعد برأسها وهي تبتلع ما في فمها وقالت بفتور: "حاضر." مد عيسى يده بمبلغ مالي وقال لها مؤكداً بحزم: "خدي الفلوس دي علشان تركبي تاكسي وإنتي راجعة." تطلعت إليه بابتسامة باهتة جاهدت كثيراً في رسمها وقالت بامتنان: "شكراً يا... يا بابا. أنا معايا الحمد لله." وضعهم أمامها وقال بنبرة آمرة:
"هتاخديهم. وإبقي خلي حد يجيبلك فطار قبل الدوا." أومأت برأسها وقالت بهدوء غاضب بعض الشيء: "حاضر." ربتت سلوى على كفها وقالت بقلق: "لو حسيتي بأي حاجة كلمينا فوراً، وما تتعبيش نفسك، وأوعي تقفي فترة طويلة." أنهت وعد طعامها وقالت وهي تقف بجمود: "حاضر يا ماما." شهقت سلوى بداخلها من سعادتها. فوعد قالت "ماما". إذاً فصفعة امتثال لها مفعول السحر على ما يبدو. فقالت لها بفرحة طفولية: "ربنا يحميكي يا حبيبة ماما."
حملت وعد حقيبتها وفتحت الباب لعمرو قبل أن يطرق، وقالت بابتسامتها المشاغبة: "جهزت قبلك ولأول مرة. محتاجة تعويض وفوراً." قبل مقدمة رأسها كعادته، وأشار بأنامله على عينيه وقال بابتسامة هادئة: "من عنيا يا عمري." أشرأب برأسه قليلاً وقال بصوت عالٍ: "صباح الخير عليكم جميعاً." أجابه الجميع: "صباح النور." رفع عمرو يده مودعاً وقال بمداعبة: "يالا سلام. خلي بالك منهم يا تيتة، لنرجع نلاقيهم سافروا." أجابته امتثال وهي تشيح
بكفيها في الهواء ضاحكة: "يوه عليك يا عمرو. والنبي وحشني هزارك." ضحك عمرو بخفوت وسأل روضة بحنو: "رودي، تيجي معانا أوصلك؟ هزت رأسها نافية وهي تتناول فطورها وقالت شاكرة: "لأ يا حبيبي شكراً. أنا لسه قدامي وقت. امشوا انتوا علشان متتأخروش." أجابها بهدوء: "حاضر. السلام عليكم." "وعليكم السلام." استقل عمرو سيارته وركبت وعد بجواره. انطلق مسرعاً، فالتفتت وعد بجسدها ناحيته وقالت بخزي مؤلم كطفلة أخطأت وتنتظر العقاب:
"أنا آسفة يا عمورة علشان ضايقتك امبارح وقلتلك كلام يزعلك مني." تنهد مطولاً وقال بنبرة حازمة ولكنها حانية وهو يتطلع بالطريق أمامه: "صحيح انصدمت فيكي، بس عمري ما أزعل منك برضه. وهفضل مستني تقوليلي سبب اللي حصلك وغيرك وتعبك بالشكل ده." فسألته وعد وهي زامة شفتيها كالأطفال لاستمالة عواطفه ناحيتها بطريقتها المشاغبة والتي لا تخطئ أبداً معه: "يعني مش زعلان مني خلاص؟
ابتسم عمرو بهدوء وهو يعلم أنها تغير مجرى حديثهم بدهاء، فسايرها قائلاً بخفوت: "لأ مش زعلان. أنا بحبك زي بنتي مش أختي، وهتفضلي الدلوعة بتاعتي لآخر يوم في عمري." مصمصت وعد شفتيها وقالت بتنهيدة ساخرة: "ولما أنا الدلوعة بتاعتك، البت روان تبقى إيه يا عريس؟ تعالت ضحكاته، ثم ضربها بخفة على مؤخرة رأسها وقال بحنق: "قليلة أدب. انتي مالك ومال روان تبقى إيه." أشاحت بذراعها وهي تقول بحدة: "ابقي خليها تنفعك، عروسة المولد دي."
تعالت ضحكات عمرو مجدداً وهو يراها قد عادت لشرودها وحزنها والتي تحاول إخفائهم ببراعة. ولكن على من؟ فهو يفهمها من أقل تصرف ولو صغير. وصلت وعد لعملها، فولجت لمكتبها ورسمت ملامح السخط والغضب وهي تقول بنبرة لاذعة: "إزيك يا سي سامر؟ يا رب ما أكونش عطلتك." وقف سامر مسرعاً وابتسم ابتسامة واسعة وقال بفرحة: "أخيراً رجعتي يا سوسة. طب والله وحشتيني."
سارت نحو مكتبها وهي تخشى التطلع لمكتب مالك. ثم رسمت تلك الابتسامة التي ملت منها من كثرة استخدامها لها من الصباح لتبدو أكثر هدوءاً وحيوية عكس ما تشعر به. ثم جلست على مكتبها وهي تقول بفتور: "أنا مش زعلانة منك أصلاً، لأن الصديق بيظهر وقت الضيق." جلس أمامها ورافعاً ذراعيه بالهواء نافياً تذمرها:
"لأ لأ. كله إلا كده، انتي أختي وربنا يعلم إني كنت زعلان عليكي إزاي وكنت بطمن من عمرو وجاسم عليكي كل شوية. بس أنا كنت ملبوخ في موضوع لمى، وكان لازم تبعد بهدوء ونتأكد إن مفيش حد بيراقبنا." أومأت وعد برأسها وهي تحدجه بغرور وتسلط وقالت رافعة ذقنها: "عموماً أقنعتني. لقد عفوت عنك." ثم وقفت مسرعة واستأنفت بحماس وفضول: "أكيد جاسم لايص من غيري. أنا هقوم أنقذ ما يمكن إنقاذه."
تركته وخرجت تمشي بالرواق وهي تحيي كل من يراها ويسأل على صحتها. وما أن وصلت إلى مكتب جاسم حتى رأت راندا تتحدث مع شاب ويبدو عليها الاندماج و... والعشق ربما. كانت وعد ستعود لمكتبها، ولكن استوقفها سؤال ذلك الشخص وهو يقول ببساطة: "هو الباشمهندس مالك فين؟ بقالي فترة مش شايفه." أجابته راندا بتلقائية: "مستر مالك مسافر رومانيا في شغل." هز رأسه متفهماً وسألها مجدداً بهدوء: "شغل إيه بقا؟
هو مش الباشمهندس جاسم اتفق على شحنات الخشب ورجع من السفرية الأخيرة مخلص كل حاجة؟ مالك بقا مسافر ليه؟ رفعت راندا كتفيها بعدم معرفة وقالت وهي تعبث بقلمها بتوتر: "مش عارفة. محدش قال قدامي حاجة عن الموضوع ده." ابتسمت وعد بمكر وهي تتابع حديثهم التي قررت أن تقطعه بدخولها. فوقفت راندا بابتسامة متسعة وهي ترى وعد أمامها. واستدارت حول مكتبها واحتضنت وعد بشوق وقالت مرحبة:
"حمد الله على السلامة يا وعد. الشركة نورت. ده مستر جاسم هيفرح قوي." ربتت وعد على ظهرها وقالت برقة: "وحشتيني يا راندا جداً." "وانتي وحشتيني أكتر. تعالي أقعدي." التفتت وعد برأسها ناحية هذا الشخص المتابع حديثهم بفضول وعادت بعينيها لراندا التي عرفتهم ببعضهم قائلة: "ده يا وعد الأستاذ هيثم من الحسابات. ودي يا هيثم الآنسة وعد مديرة مكتب مستر جاسم." مد هيثم يده نحو وعد ليصافحها قائلاً بابتسامة ودودة:
"طبعاً آنسة وعد معروفة. أهلاً وسهلاً يافندم." تطلعت وعد بكفه الممدودة، ثم رفعت عينيها نحوه وقالت بهدوء قاتل: "مش بسلم." أخفض ذراعه بخجل وقال وهو يلتفت ليغادر: "عموماً فرصة سعيدة يا فندم." حدقته وعد بقوة وهي تبتسم بنصر. ثم عادت بعينيها لراندا وسألتها بشك: "بيقعد معاكي عادي اللي اسمه هيثم ده يا راندا؟ نكست راندا رأسها وقالت على استحياء: "أصل... أصل هو يعني لمحلي إنه عاوز يرتبط بيا وإنه محتاجين نتعرف على بعض الأول."
هزت وعد رأسها بتفهم وسألتها مجدداً بجمود: "في حد مع جاسم؟ "لأ. اتفضلي ادخلي. ده طول الوقت كان متنرفز وبيقول لو كانت وعد موجودة... لو كانت وعد موجودة. ربنا يعينك على اللي مستنيكي." فكرت راندا قليلاً ثم ابتسمت قائلة وهي تجذب وعد من ذراعها لإخفائها: "تعالي يا وعد أقفى هنا. عاوزة أعمل مفاجأة لمستر جاسم وأشوف ردة فعله بنفسي."
هزت وعد رأسها بيأس وأشارت بيدها كي تفعل ما تريد. وبالفعل، طرقت راندا باب المكتب فأتاها صوته قائلاً: "ادخل." فتحت الباب بابتسامة خرقاء وهي تتطلع إليه. لاحظ طول وقفتها وصمتها بغرابة. فرفع رأسه عن الأوراق التي أمامه وتطلع إليها بريبة من تلك الابتسامة الغبية. طالت نظراتهم والتي حثها بها أن تنطق وتقول شيئاً. وعند نفاذ صبره قال أخيراً بصوته الأجش المتعجب: "انتي هتطلعلي البطاقة وهتاخدي ليا صورة صح؟ هزت رأسها نافية،
ثم قالت بتلقائية: "أكيد لأ يا فندم." انتظر مجدداً أن تفصح عما بداخلها، أو عن سبب وقفتها الغريبة الأطوار مثلها اليوم، ولكن لا حياة لمن تنادي. فقرر أن يسألها مجدداً بحزم قليل: "ممكن أعرف سبب تشريفك ليا، ولا هنقضيها نظرات؟ وضعت وعد كفها على شفتيها حتى لا تصل إليه ضحكاتها على تلك الخرقاء، بينما عبست راندا وبشدة على تهكمه وعصبيته الجارحتين وقالت بتذمر: "حضرتك عصبي جداً على فكرة."
حك مؤخرة رأسه مستلهماً الصبر وهو يتمتم بكلمات من الأفضل لها ألا تصل لمسامعها. ثم سحب نفساً طويلاً وزفره بهدوء وقال متحكماً بغضبه: "وعلى فكرة برضه، من هنا لغاية ما وعد ترجع الشغل، هفضل عصبي علشان يبقى عندك علم. فيتقولي عاوزة إيه، أو تقفلي الباب تاني وتسبيني بعصبيتي لوحدي." أغمضت راندا عينيها وقالت بعدما زفرت براحة: "الحمد لله." رفع حاجبه متعجباً وقال بتهكم: "على إيه بقى؟ علشان هنزعل من بعض شكلنا."
"لأ وعلى إيه، ربنا ما يجيب زعل." قالتها وعد وهي تدلف بهدوء لداخل مكتبه. وقف جاسم بتمهل وهو يتأملها بصدمة يكاد لا يصدق عينيه. حتى انتصب في وقفته وكأن حضورها قد طغى على كل شيء حوله. ظل يتأملها بشوق وهتف بداخله وهو يتأمل جمالها بفستانها الأرجواني الواسع والذي يراه يهفو من حولها بسعادة: "شهرزاد."
كعادتها دائماً عندما تقع أسيرة لنظراته الهائمة، لا تقوى على الفكاك وتظل تتأمل تلك العيون السوداء صاحبة النظرة الثاقبة كالصقر. كلما حاولت التحرر من شباكه تشعر أنها تغوص معها أكثر. واليوم باتت شباكه أكثر وقاحة. وزعت راندا أنظارها بينهم بتعجب من ذاك الصمت المتكلم، وخرجت بهدوء تبتسم ابتسامة ماكرة، وتركتهما لحديثهما الصامت. وأخيراً قررت قطع شباكه والفرار منها والجلوس أمامه على المكتب بثقة وقالت بنبرة تحمل كل اللوم:
"مفيش أهلاً، ولا سهلاً حتى." هز جاسم رأسه بابتسامة متسعة وقال بيأس: "انتي إيه اللي جابك؟ زَمت وعد شفتيها بطفولة، وشهقت بخفوت قائلة بنبرة محبطة: "للدرجة دي؟ وأنا اللي فاكرة هيفرشولي الأرض رمل وورد. تقوم تطردني بالذوق." التف حول مكتبه وجلس أمامها يتأملها بابتسامته الجانبية الخاصة بها ونظراته التي دوماً تخبرها أنها ملكة قلبه وحياته دون منازع أو شريك، قائلاً بصوت حنون أصابها بالصدمة:
"على قد ما أنا أسعد إنسان دلوقتي، على قد ما أنا خايف عليكي وعاوزك ترتاحي ومتتعبيش نفسك." لوت ثغرها بابتسامة مشاغبة وقالت وهي تنظر إليه بتهديد واضح وصريح: "سيبك من الكلام ده، هحاسبك عليه بعدين وقولي أخبار الشغل إيه؟ سمعت إنك لايص من غيري." لوى ثغره وهو يقول بامتعاض: "بتقولي فيها؟ خمس سنين... خمس سنين بشتغل وبنجح وبكبر شغل عيلتي، ودلوقتي مش عارف أعمل أي حاجة من غيرك. ده انتي سحرتيلي بقا." وضعت حقيبتها
على جانب وقالت بشك: "انت بتصدق في السحر والكلام ده؟ اقترب منها وهو يستند بمرفقه على ساقه هامساً بهيام: "الوحيدة اللي سحرت شهريار وقدرت تحمي نفسها من سيفه هي شهرزاد. سحرته بجمالها وحواديتها لغاية ما استسلم ورفع راياته كلها رغم كل الستات اللي مرت عليه. يا شهرزادي." لأول مرة تحمر وجنتيها خجلاً، ونكست رأسها معتدلة في جلستها بتوتر، ثم قالت بجدية زائفة: "يالا نسمي الله ونبدأ بالشغل الأقدم علشان نخلص بدري وأروح بدري."
رغم سعادته العارمة على خجلها وتورد وجنتيها في حضرته ومن كلماته الصادقة، إلا أنه قرر مجاراتها والعودة لأمور العمل، فلم يتبقى الكثير على امتلاكه الحصري لها. شهرزاد. استمروا في العمل لساعات ولم ينتبهوا لذلك الغاضب والذي اقتحم جلستهم بغضب هستيري وهو يهتف بجنون منذراً بالشر: "ابعدي عني... يا جااااسم! حاولت راندا منعه بشتى الطرق ولكنها كانت وردة في مواجهة الإعصار، فصرخت قائلة: "استني حضرتك، ما ينفعش كده."
وقف جاسم متشفياً بحالته الغاضبة ووضع يديه بجيبيه بنطاله قائلاً بقوة: "سبيه يا راندا وأتفضلي على شغلك." رفعت راندا كتفيها بإستسلام وخرجت. اقترب جاسم من أمير وهو يحدجه بإحتقار. تلك النظرات الدونية المتعالية كانت كفيلة بإشعال نيران أمير أكثر وهدر قائلاً بصوت مكظوم: "فين لمى يا جاسم؟ هز جاسم رأسه بيأس قائلاً بعفوية ساخرة بعض الشيء: "لمى... لمى مين؟ أيوه قصدك البنت بتاعت الدار. هتشوفها لما تشوف حلمة ودنك." ضحكت وعد بخفوت،
وقالت بإيجاز: "قصف جبهة." ابتسم جاسم على مزحتها وهو يطالع أمير بتحدي، بينما تحركت حدقتا أمير لتلك الجالسة تسخر منه بمنتهى السفاقة والجرأة. ليقطع جاسم تلك النظرات بجسده وهو يخفي وعد خلفه قائلاً بتحذير: "بص على قدك." ابتسامة خبيثة ظهرت على محيا أمير، ثم عقد ذراعيه أمام صدره قائلاً بنبرة متسلية: "وعد عيسى القاضي... مش هي دي اللي مش مسموح لي أبص عليها برضه؟
شعر جاسم بغضب يأكله حين لفظ اسمها ذلك الحيوان بتهديد مخفي وكأنه علم بأهميتها عنده، فأومأ برأسه قائلاً بصلابة مؤكداً: "أيوة هي. ويوم ما تبص ناحيتها بس... يبقى تتشاهد على عمرك." أشاح أمير بيده قائلاً بقنوط: "ما تهمنيش. قول لي فين لمى، لأن دي بالذات هتطير فيها رقاب." ضحك جاسم ضحكة عالية تبعتها ضحكات هستيرية. ثم رفع كفه على صدره مهدئاً لهاثه المؤلم ثم طالعه بقوة وهو يدنو منه كذئب يقترب من فريسته:
"ما هي هتطير فيها رقاب... بس كفاية علينا رقبة سيادتك الكريمة." اقترب منه أمير حتى باتا على مقربة من التصادم ورفع سبابته بوجه جاسم هادراً بصوت شرس: "هرجعها يا جاسم، وساعتها هتدفع التمن غالي أكتر ما تتخيل." ومال برأسه قليلاً ناحية وعد التي تنظر إليه بإستهزاء واستطرد قائلاً: "وأظن إنه بقى عندك اللي تخاف عليه."
أمسكه جاسم من تلابيبه وقد اشتعلت عيناه بقوة ولم يدري أمير تبعات تهديده الواهي عندما ضيق جاسم نظراته نحوه واعتصر رقبته بياقة قميصه مهدداً بثقة: "ده أنا أدفنك مكانك بالحيا بعد ما أقطع من جتتك حتت وأرميها للكلاب تاكلها قدامك وبعدين أرحمك بموتك بعد ما تترجاه مني." وقفت وعد قبالتهم وقالت بتهكم ساخر على غير عادتها: "معلش يا باشمهندس، انت الكبير برضه. وبعدين الحل الوحيد للصراصير ومن تجربة هو الرش."
دفعه جاسم بقوة وشاركها تهكمها عليه قائلاً بسخرية: "حتى الصراصير الكبيرة اللي بتطير دي." زَمت شفتيها بتفكير ثم قالت بتقزز: "لأ الصراصير الكبيرة دي الحل المصري معاها هو الببش. تلسعه على دماغه يموت فوراً." أخفى جاسم ضحكته بأعجوبة وهو يراها تتقدم ناحية أمير بثقة وقالت له بتشفى: "ربنا لسه هيذلك ويكسرك، واللي انت بتقبض منهم وعاملهم أسيادك هم اللي هيدفعوك تمن كل قرش أخدته بس من عمرك."
ثم مدت ذراعها ناحية الباب وقالت بصوت أجش قليلاً يحمل الحزم: "ابقي سلم لي على هيثم، واتفضل اطلع بره." صك أمير أسنانه بقوة فتلك الجميلة القابعة أمامه تخبره أنها كشفت جاسوسه بينهم بثقة. ثم تطلع بجاسم الهائم بتلك الجنية الساحرة، وقال بغضب هادر: "بحذركم لآخر مرة. لمى هتطير فيها رقاب." وتركهم وخرج يجر أذيال الحقد والكره والخيبة. تمتمت وعد بكلمات غاضبة وجاسم يتابعها بهدوء حتى التفتت إليه بوجه محتقن بشراسة:
"بني آدم حقير. بس هانت وهيقع ونخلص منه." اقترب منها جاسم قائلاً بوداعة لا تتناسب مع همجيته قبل برهة: "إيه رأيك نطلع للشركة فوق تشوفي العمال عملوا الديكورات اللي طلبتيها ولا ليكي تعديلات؟ أومأت بحاجبيها وقالت بهدوء وقد عادت إليها ابتسامتها المشاغبة: "يالا بينا. بس الأول اطلب لنا فطار فاخر علشان محتاجة آخد الدوا بتاعي كمان نص ساعة." أومأ جاسم برأسه بقوة وقال بجدية: "انتي تؤمري. بس صحيح، مين هيثم ده؟
ردت عليه بصوت محتد منفعل: "ده الجاسوس بتاعه هنا في الشركة. ربنا وقعه في طريقي النهاردة علشان أكشفه، واتأكدت من شكي لما اتغيرت ملامح اللي اسمه أمير ده لما سمع اسمه." اتسعت عيناه قليلاً وقد ارتسمت الدهشة على ملامحه ثم قال بجنون: "هيثم ده اللي في الحسابات مش كده؟ أومأت وعد برأسها مؤكدة، فخرج جاسم عن شعوره وسبه بألفاظ نابية. ثم انتبه لوقفة وعد فاعتذر قائلاً بتهذيب: "سامحيني يا وعد، غصب عني." أجابته بنبرة هادئة:
"مش مشكلة دلوقتي. يالا بينا ولينا على الفطار." خرجا سوياً بعدما هاتَف سامر وأخبره عن هيثم وطلب منه استضافته لبعض الوقت في إحدى مخازنهم البعيدة. استقل أمير سيارته وهو يلعن جاسم بحقد. ثم ضرب مقود سيارته هادراً بعنف: "أنا هخليك تتمنى الموت يا جاسم يا ابن الـ****." ثم أخرج هاتفه وأجرى اتصالاً وانتظر قليلاً حتى أتاه صوت الطرف الثاني فقال بنبرة آمرة ذات سطوة:
"عاوز كل معلومة ولو صغيرة عن اللي اسمها وعد القاضي دي والنهاردة. وتبعت لي حد يراقبها، مش عاوزها تغيب عن عنينا ثانية. مفهوم؟ أتاه الجواب بالموافقة والتأكيد، فأغلق الهاتف دون كلمات أخرى. ثم تطلع لمبنى شركة رحال وهو يزفر بضيق. ثم عاد لعقله كلمات وعد عن هيثم وإخبارها له أنها كشفت مخططه. ابتسم بخفوت عابس وقال وقد لمعت عيناه:
"يا ابن المحظوظة يا جاسم، حتت بت نار قايدة. لولا إن قلبي مش عاوز غير علا، كنت خطفتها ليا لوحدي. مدارية نفسها بلبسها الواسع بس على مين، أنا جواهرجي وأقدر الفالصو من الأصلي من بصة واحدة. والبت دي أصلي الأصلي. أووف." ثم رفع هاتفه مجدداً أمام عينيه وهاتف هيثم لتحذيره. وانتظر حتى أتته تلك الرسالة المسجلة لتخبره أن هاتفه مغلق، فأغمض عينيه هاتفاً بنبرة محتقنة: "ده وقت تقفل موبايلك فيه انت كمان. عموماً، لو سبقوني ليك...
ربك معاك بقا." ورمى هاتفه أمامه بإهمال أمامه وارتدى نظارته الشمسية وهو يتوعد جاسم بانتقام سيجعله يتمنى الموت ولن يناله. عادت وعد مع جاسم لمكتبه بعد معاينة ديكورات مقر الشركة الجديد. وبعدما اطمأنت أنهم نفذوا ما طلبته. مرت على مكتبها فطلبت من سامر أن يأتي معهم ليتناولوا الإفطار سوياً. وافق على الفور وتوجهوا لغرفة جاسم. استقبلتهم راندا بابتسامة ودودة وهي تقول بتهذيب: "جهزت لكم الفطار بنفسي. بالهنا والشفا."
شبكت وعد ذراعها بذراع راندا وجذبتها معها للداخل قائلة بصوت رائق كحالها: "تعالي معانا انتي كمان، وإوعي تقولي لي رجيم ودايت والكلام الأهبل ده." لم تجد راندا وقتاً للاعتراض فقد أجلستها بجوارها بالقوة الجبرية. طرق عبد الصمد الباب عليهم متنحنحاً بإستحياء قائلاً بهدوء: "حمد الله على السلامة يا أستاذة وعد." أشارت له وعد بذراعها وهي تقول ببشاشة: "الله يسلمك يا مستر عبد الصمد. تعالي لا كلام على طعام، اتفضل." فتح فمه ليعترض
بتهذيب فباغتته قائلة بحزم: "مفيش اعتراض. اتفضل." دلف هو الآخر وجلس معهم بينما توجه جاسم لمكتبه أجرى اتصالاً مهماً بصوت خفيض خافت. ثم طلب من البوفيه إحضار الشاي إليهم. وعاد لجلسته معهم فقط يتأمل وعد وضحكاتها الساحرة ومداعبتها للجميع وبساطتها مع الكل. وحديثها الذي لا ينقطع بمرح. ولما لا وهي... شهرزاد. لم تفت على سامر نظرات جاسم لوعد والجديد نظرات وعد لجاسم. تنفس مطولاً وزفره ببطء وهو يوزع نظراته بينهم بشك.
دلف الساعي بالشاي، فشاركهم هو الآخر فطورهم بناءً على رغبة وعد بالطبع. وبعد قليل وصل أحد أفراد أمن البناية ومعه علبة كبيرة. أخذها منه جاسم وأشار لراندا لتتبعه. وأخبرها أن توزع قطع الجاتو على الجميع احتفالاً بعودة وعد لعملها. بعد انتهاء فطورهم المرح. غادر الجميع وأخذت وعد دوائها فشعرت بثقل برأسها فقالت لجاسم بخجل: "هو أنا لو طلبت أمشي دلوقتي أبقى بايخة؟ هز جاسم رأسه بقوة قائلاً بصوت مشتد منفعل: "تعبتي طبعاً مش كده؟
أنا قولت لك من الأول روحي. أطلب لك الدكتور." ضحكت وعد وهي تتابع انفعاله برضا. فصللاة الاستخارة تؤتي بثمارها لتتأكد أنها على الطريق الصحيح. فلهفة جاسم وخوفه عليها نابعين من قلبه دون شك. دعت ربها بداخلها أن يزرع حبه بقلبها وتبادله مشاعره الصادقة وهي زوجته. منحته رداً قوياً وسريعاً وهي تقول برقة: "متقلقش أنا كويسة. بس شوية إرهاق. ده غير إنهم في البيت بيكلموني كل خمس دقايق."
ابتسم لها ابتسامة حقيقية وهو يقول بصوت أجش خافت آسراً عينيها كعادته: "خلاص روحي وطول الطريق هكلمك أطمن عليكي." أدت له التحية العسكرية وقالت بطفولة: "تمام يا باشمهندس." التفتت برأسها ناحية سامر المتجمد مكانه يتابع حديثهم بتعجب، قائلة بإيجاز: "عاوز حاجة يا سامر؟ هز رأسه نافياً، قائلاً بصوت قاتم كنظراته: "لأ شكراً." لوحت لهم بكفها قائلة بإيجاز وهي تنصرف: "السلام عليكم." تبعتها نظرات جاسم بشوق قائلاً بخفوت:
"وعليكم السلام." انتبه سامر لنظراته وابتسامته الوالهة فوصل لأقصى مراحله من ضبط النفس فوقف مسرعاً وأغلق باب المكتب ليعود معه جاسم لأرض الواقع. ثم سأله بغضب: "أخبار اللي اسمه هيثم ده إيه؟ طالعه سامر مطولاً ثم أجابه ببرود: "بيتعمل معاه الصح دلوقتي، وهيقر بكل حاجة." "كويس. بس عاوز أشوفه ويكون لسه في حيل للي هعمله أنا معاه." وتوجه لمكتبه وعلى وجهه ملامح غاضبة حادة. لاحظ وقفة سامر المريبة فسأله بدهشة:
"مالك يا سامر واقف كده ليه؟ ساد صمت طويل قبل أن يسأله ببطء وجمود: "إيه اللي بينك وبين وعد؟ حك جاسم ذقنه قائلاً بثقة دون أن تتردد ملامحه بحرج: "هنتجوز." رفع سامر حاجبيه بدهشة، قبل أن يهتف بقوة واستياء: "انت قولت إيه؟! هتف جاسم مكرراً بصلابة وعزم: "هنتجوز. طلبتها من أهلها وهي وافقت وهنزورهم يوم الجمعة. هنتفق على الخطوبة وكتب الكتاب والفرح بعدها بمدة قصيرة علشان أهلها هيسافروا تاني."
ابتلع سامر ريقه بتوتر، ولم تعد قدماه قادرة على حمله. فجلس بإرهاق مما سمع فهناك عاصفة هوجاء ستجتاحهم جميعاً. أغمض عينيه ونكس رأسه قليلاً ثم رفعها مسرعاً قائلاً بألم كلمة واحدة: "ومالك." سرت رجفة خفيفة بقلب جاسم مع سماعه لاسم صديقه أو أخيه بالمعنى الأدق. تجاوزها مسرعاً وهو يستند بمرفقيه على سطح مكتبه وهو يقول بلامبالاة هادئة: "اشمعنى." وقف سامر كمن لسعته حية وضرب سطح المكتب بقوة وقال بغضب شرس وقد اشتعلت عيناه بقوة:
"انت هتستعبط؟ ما انت عارف إنهم بيحبوا بعض، وخلّيت مالك يسافر علشان يقدر يشتري شقته اللي هيتجوز فيها وعد." وقف جاسم هو الآخر ورفع سبابته بوجه سامر محذراً بنبرة تكاد تخنقه من قوتها وصلابتها: "مش هاسمَح لك تقول إنهم كانوا بيحبوا بعض. وعد تعتبر خطيبتي دلوقتي ولو كانت بتحبه عمرها ما كانت هتوافق عليا." مرر سامر أنامله في شعراته زافراً بغل ثم قطع الغرفة ذهاباً وإياباً، قبل أن يستدير لجاسم مجدداً وسأله بإنفعال شرس:
"انت مجنون؟ هتدمر نفسك وهتدمر مالك معاك. هو عمره ما آذاك ولا زعلك تقتله بإيدك يا جاسم حرام عليك." ارتخت عضلات جاسم بوهن وقال بتنهيدة حزينة تحمل في طياتها قلة الحيلة: "حبتها يا سامر. عندي استعداد أديها عمري كله، بس تبقى ليا ولو ساعة واحدة. عاوزني أسيبها لغيري إزاي." لم ينظر إليه سامر بسبب شعوره بالتقزز والنفور من مجرد رؤيته. ثم قال بهيستيرية: "تاخد حبيبة صاحبك يا جاسم. مالك بيعشقها ومش هيستحمل غدرك بيه."
استنكر جاسم ما قاله واعترض بشدة هادراً بتحذير: "قولت لك دي في حكم خطيبتي. وإياك تجيب سيرتها مع مالك في جملة واحدة. هي اختارتني لازم تفهم دي، وهتبقى مراتي قريب جداً. غصب عن أي حد." هز سامر رأسه بيأس بينما استطرد جاسم قائلاً بقوة: "مش انت برضه اللي قولت لي قبل كده لو رجع بيك الزمان عمرك ما كنت هتسيب علا لطارق حتى لو كنت هتخسره. بتلومني ليه دلوقتي." ابتسم سامر بسخرية وقال بصوت هادئ ميت:
"صحيح أنا خسرت حب عمري علشان قدرت صاحبي واتوجعت في بعدها أكتر ما تتخيل. وكنت بموت في كل ثانية بتخيلها معاه." ثم رفع عينيه ناحية جاسم واستطرد قائلاً بنبرة ذبيحة مؤلمة: "صدقني كنت بموت، بس في آخر الليل كنت بنام ضميري مرتاح. وده اللي هتتحرم منه يا جاسم. حتى وهي في حضنك هتلاقيك ناقص حاجة. وهتحس بوجع مش هيخليك تحس بثانية سعادة."
ثم ساد الصمت مجدداً قبل أن يتركه ويلتف مغادراً بقسوة تاركاً خلفه حطام رجل. حطام صديق. تحجرت الدموع بعينيه من كلماته التي لامست ذلك الجزء الذي يدعسه بقدميه بقوة كي يخمد بداخله. طوال طريقه بالسيارة وهو شارد بكلمات سامر المؤلمة. ابتسمت شفتيه ابتسامة ميتة وهو يتذكر مواقفه مع مالك.
صفر جاسم مطولاً وهو يتابع بعينيه تلك الفرسة الجامحة المارة بجواره. فجذبه مالك من سترته لينبهه أنها ابنة رجل مهم بهذا الحي. ولكن جاسم لم يعير كلماته أي انتباه قائلاً بسخط: "يا ابني سيبني مالك ومالي انت. دي موزة من الآخر." التفتت إليه الفتاة وقد اشتعلت عيناها بغضب مهلك وهي تصرخ بوالدها قائلة: "ماشي يا حيوان أنا هوريك تعاكس بنات الناس إزاي. يا بابا... الحقني." عض جاسم على شفته وقال بتنهيدة حارة:
"طب رقم تليفونك طيب. والنبي عسل." تنحنح مالك بخوف وهو يرى تلك الجدران البشرية تتقدم نحوهم. ثم همس لجاسم قائلاً بسخرية: "أبو اليوم اللي عرفتك فيه يا أخي. ده إحنا هناخد علقة." وبالفعل وقف أحد الجدران أمام الفتاة وسألها بشراسة بصوت أجش مرعب: "مين فيهم اللي اتعرض لك يا نوسة؟ أشارت لجاسم بابتسامة تشفي وقالت ساخرة: "الحيوان ده. عاوزاكم تدبحوه، وتسلوخه، وتشوه حتة حتة." ضحك جاسم بسخرية وهو يشمر كم سترته قائلاً بملل:
"ويا ترى هتبيعوا مني الكيلو بكام بقا. استعنا على الشقا بالله." وبدأت المشاجرة الغير متكافأة فجاسم في نهاية المرحلة الثانوية وتلك الجدران في الثلاثينيات من عمرها ومالك يتابعهم بغضب. ثم خلع سترته ورماها أرضاً قائلاً بحدة: "على رأي المثل ما تصاحبش صاحب في داهية يوديك. وصاحب كلب في الشدة يحميك. معانا يا رب."
وهجم هو الآخر على أحدهم جاذباً إياه من رقبته. وكال إليه اللكمات من الخلف. قبل أن يستدير إليه الرجل ويحمله عالياً ويقذفه على الأرضية لتناله قدميه بقوة. وجاسم يضارب اثنين أقوى منه يتلقى الضربات ويقابلهم بمثلها دون تراجع حتى انتهوا برميهم على أحد الأرصفة كالقمامة. وقف مالك أولاً وجذب جاسم ليقف على قدميه قائلاً بنبرة ماجنة: "قوم يا أخويا. الله يحرق صحوبيتك الزفت دي." وقف جاسم متثاقلاً ويحمل ذراعه المكسورة قائلاً بسخرية:
"بس شوفت انت الراجل البوابة ده. فضلت أضرب فيه لغاية ما مت أنا من الضرب." ضحك مالك وهو يتألم من ساقه التي يعرج بها ثم قال بتهكم: "ليك نفس تضحك يا جبلة. هموت وأعرف عجبك في البت دي إيه. دي صابغة شعرها لون فحلقي." ضم جاسم ذراعه المكسورة لصدره وهو يتألم من الضحك ثم قال بحدة: "هنخش بقا في جو الهيافة والجوافة وكده. اتصل بحد يحصلنا على المستشفى."
أخرج مالك هاتف جاسم من جيب سترته بهدوء حتى لا يحرك ذراعه وهاتف والده الحاج فضل وأخبره بما حدث معهم. زادت ابتسامة جاسم وهو يتذكر هجوم مالك على الرجل ليبعده عنه غير مبالٍ بفارق القدرات والسرعات بينهم. فقط ليحميه من بطشه. وقف بسيارته أمام إحدى مخازنه. فاستقبله رجل من رجاله قائلاً بترحاب: "جاسم باشا. نورت المخزن يا سيد الناس." ترجل جاسم من السيارة وسأله بعينين تقدحان شرراً: "الدبيحة اللي جابوها رجالة سامر فين؟
أشار إليه الرجل بذراعه قائلاً ببساطة: "متعلقة ومستنية نشوفك هتقرر معاه إيه يا باشا." دلف جاسم لمخزنه المهجور قليلاً وتطلع بهيثم المقيد بعمود واقفاً وقد انتشر بجسده كاملاً سحجات وجروح. منكساً رأسه بإرهاق. جذبه من شعراته رافعاً وجهه ناحيته وحدقه بنظرة شيطانية وهو يهدر شرراً بعصبية: "بتبيعني يا ابن الـ**** للـ**** اللي اسمه أمير. ده أنا هطلع *******."
ومد ذراعه بالهواء فقذف إليه أحدهم بسلسلة حديدية. التقطها ببراعة ولفها حول كفه ببطء شديد وهو يستدير حوله كالثعبان. ثم سأله بصوت جهوري أجش يرعب أعتى الرجال: "عاوزك تحكي لي بقا كل حاجة من الأول. لغاية أسئلتك النهاردة لراندا السكرتيرة." اتسعت عينا هيثم بفزع وهو يتابع السلسلة الحديدية الملتفة على كف جاسم ثم ابتلع ريقه قائلاً بخوف: "أنا معرفش مين أمير ده. أنا مظلوم والله."
رفع جاسم السلسلة عالياً وهوى بها على ساقيه، فصرخ هيثم متألماً. فأحكم جاسم قبضته حول فكه كاد أن يخلعه من وجه وهو يصيح بشراسة: "سيب ربنا بعيد عن كلامك لهخليك تقابله النهاردة." هز هيثم رأسه بقوة قائلاً بتلعثم: "لأ... خلاص هقول كل حاجة. إرحمني." ابتسم جاسم بتشفٍ وجذب مقعداً خشبياً وجلس عليه عكساً واستند بمرفقيه على ظهره واضعاً ذقنه عليهم. ثم قال له بإنصات: "قول يا قوال." مسحت وعد جبينها المتعرق وتنفست مطولاً
وقالت بإنهاك: "حرام عليكي يا تيتة. كل عضمة في جسمي بتستغيث بوزير الصحة." مصمصت الجدة شفتيها ولويت ثغرها بإمتعاض قائلة بحدة: "ما هو انتي واخده عالراحة. بس دلوقتي غير. انتي هتتجوزي وهتشيلي مسئولية بيت وزوج. اتعودي بقا أحسن لك." وخزت روان روضة في ذراعها قائلة بتشفى: "تيتة وقعت في وعد انتي مصدقة. لأ وفتحتها شغل." ابتسمت روضة بخفوت وقالت هامسة: "بس بصراحة وعد معاها حق. أنا جسمي اتفشفش." هدرت بهم امتثال بعنف قائلة:
"بتودودوا على إيه يا بت انتي وهي. إخلصوا بسرعة العصر قرب يأذن وأبوكم زمانه راجع للغدا والضيوف هيوصلوا المغرب. عاوزة البيت ده يلمع." زَمت روان شفتيها بإمتعاض وقالت بنبرة متوسلة وهي تطلع إليها بوهن: "أنا لسه عروسة يا تيتة. حرام اللي بيحصل فيا ده." خرجت سلوى من المطبخ وهي تجفف كفيها في المنشفة قائلة بابتسامة مرحة: "اطلعي يا روان يالا على شقتك وجهزي نفسك جوزك زمانه جاي يتغدى. ومينفعش يشوفك بحالتك دي. والغدا هيطلع لك."
رفعت روان عينيها وقالت بفرحة: "أحمدك يا رب. تعيش ماما سلوى نصيرة الغلابة والمستضعفين." رفعت وعد حاجبيها وحركت عينيها بملل وقالت ساخرة: "انتي هتعملي مظاهرة في الشقة. غورى على شقتك يالا." تغنجت روان بكتفيها وحركت خصرها بدلال وقالت بهمس لإغاظة وعد: "أطلع أنا أجهز نفسي لعموري علشان واحشني موووت." ضحكت وعد بسخرية وقالت بتهكم صريح: "ههه. واحشك قطر إن شاء الله وياخدك بالحضن ويرزعك تحت عجلاته ما يعرفوش يلموكي يا بعيدة."
ضربت روضة كفيها ببعضهما وهي تتابع شجارهم المعتاد. ولاحظت نظرات روان المنذرة بالهجوم الوشيك على وعد. فقررت قطع تلك الحالة وهي تدفع روان قائلة بهدوء: "يالا يا رونى على شقتك يا حبيبتي انتي تعبتي النهاردة." أجابتها روان بتنهيدة مرهقة: "عندك حق. الواحد تعب علشان حتة بت ما تستاهلش." انتصبت وعد في وقفتها وصاحت بها بإنفعال: "بتة لما تبتك يا خطافة الرجالة. مسيرك هتقعي في إيديا وهخلص منك القديم والجديد."
حركت لها روان حاجبيها لإغاظتها وتركته على نارها وصعدت شقتها. وهي تفكر بحبيبها وقررت أن تتزين إليه رغم آلام جسدها. فاليوم... يوم العطلة. استند على سيارته يفكر بشرود. وهو يتنهد بضيق. حتى انتبه لطرقة خفيفة على كتفه فاعتدل في وقفته والتفت برأسه وهو يطالع سامر بلوم ثم خرج صوته جافاً وهو يقول بغضب: "يومين ما أشوفكش يا سامر. حتى الشغل مش بتيجي وقافل موبايلك. للدرجة دي." مرر سامر أنامله في شعراته وقال بهدوء:
"طب تعالى نطلع البيت عندي مش هنتكلم في الشارع." هز جاسم رأسه نافياً وقال بابتسامة باهتة: "مع إن الحجة وحشاني. بس خلينا هنا أحسن. توصل بينا إني أنده لك من الشارع زي العيال يا سامر." استند سامر بظهره على سيارته قائلاً بشرود: "انت صاحبي وهو صاحبي ومش هحط نفسي بينكم. ومحتاج وقت أفكر فيه مع نفسي خصوصاً بعد ما علا رفضتني." ابتسم جاسم بسخرية وهو يعبث بقدمه على الأرضية بحزن: "يعني مش هتقف جنبي النهاردة؟
أنا هروح مع عيلتي بيت وعد وكنت عاوز أحس بيك جنبي." التفت سامر بجسده نحوه وقال بصلابة: "اليوم اللي انت هتفرح فيه، هيبقى اليوم اللي هيتكسر فيه خاطر مالك. وأنا مش هقدر أبارك لك وأفرح وصاحبي هيموت." هز جاسم رأسه بإستياء قائلاً ببرود قاسي: "براحتك يا صاحبي. كنت فاكر نفسي غالي عندك بس دلوقتي عرفت تمامي." ملس سامر على ذراعه بشفقة وقال بصوت خفيض متألم:
"اللي بينا أكتر من الدم. وخد بالك من كلمة اللي بينا. إحنا كنا أربعة مفيش حاجة فرقتنا غير الموت لما حرمنا من طارق. وانت دلوقتي هتكمل على اللي باقي. وأنا هتحط في كماشة بينكم ومش هختار حد فيكم ومعنى كده إني هخسركم انتم الإتنين." ارتدى جاسم نظارته الشمسية والتفت إليه قائلاً بقوة: "وانت جيت عليا أوي يا سامر. ومتشكر على وقفتك جنبي في أهم يوم في حياتي. يا... يا صاحبي."
وتركته والتف مستقلاً سيارته وقادها مسرعاً مخلفاً وراءه عاصفة ترابية. عقد سامر ذراعيه أمام صدره وهو يتابع بعينيه آثار سيارة جاسم بضيق وقال بنبرة قاتمة: "السكينة سرقاك يا جاسم والحب عمى عنيك. بس التمن اللي هتدفعه لأنانيتك غالي قوي."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!