كأنما توقف العالم، إحساس غريب من الخيبة والهزل ملأها. شعور من البغض قد سيطر على قسمات وجهها. بأي حق يحكمون بالإعدام على ضحية؟ كل ذنبها أنها عند الغضب لا تتحكم بأفكارها وانفعالاتها. "أنا موافقة يا بابا." ضغطت روضة عينيها بقوة وهي تهز رأسها بأسى، ولكنها فتحتهما على مباركة والدها لوعد، تلتها مباركة الجميع. ثم رأت وعد وقد اعتدلت في جلستها وقالت بهدوء بارد: "بس الأول.. عاوزة أقابل جاسم أتكلم معاه قبل ما يجيب أهله."
ربت والدها على وجنتها بلطف وقال بابتسامة مرحة: "حقك يا بنتي.. ربنا يجعله من نصيبك.. ده بيعزك قوي." ثم وقف وتركها منصرفًا، تبعه عمرو. جلست سلوى مكانه وملست على شعراتها وقالت بفرحة: "ربنا يتمملك بخير يا دودو.. أنا واثقة إنه هيسعدك إن شاء الله.. ده كان هيتجنن عليكي وإنتي عيانة." أمنت إمتثال على كلمات ابنتها وهي تقول بثقة:
"عندك حق يا سلوى.. أنا من الأول خالص وأنا متأكدة إنه عينه منها.. كان باين عليه قوي.. ربنا يهنيكم يا وعد.. ولو حصل نصيب حطيه في عينيكي يا حبيبتي." انزلقت وعد في فراشها وأغمضت عينيها لكي تنهي تلك المسرحية وتفكر بما ستقوله لجاسم. وهي في انتظار عودة الغائب لتشهد لحظة ذبحها له بسكين بارد، أبرد من دمها، متوعدة له بوعد أقسى من أي شيء. ***
الحياة تتفنن أحيانًا في صياغة أمورك وتقنعك أنك الذكي المهيمن على مجريات أمورك، ولكن.. عذرًا، فأنت مصير لا مخيّر. ربما الانتظار يقتله، ولكن يقينه بموافقتها هو ما يجعله هادئًا بعض الشيء. صعد درج منزله وهو مزهو بعقله الذي حاك خطته بمهارة وتسير وفق ما رتبه بامتياز. ارتسم هدوئه على وجهه وهو يصفر بحماس. إلا أن رن هاتفه. فوقف يتطلع لشاشته بقلق، ثم أجاب الاتصال بهدوء: "ألو.. إزيك يا عمرو." "أنا كويس الحمد لله."
"بجد إنتوا كلمتوا وعد؟ طب رأيها إيه." "بتهزر؟ وعد وافقت! "طب احلف! "احمدك وأشكر فضلك يا رب.. طبعًا كل طلباتها أوامر.. عاوزني لوحدي الأول." "موافق طبعًا.. بكرة كويس." "تمام.. مش عارف أشكركم إزاي.. أشوفك بكرة يا حبيبي.. مع السلامة." أغلق الهاتف ووقف مذهولًا، ثم ابتسم بخفوت وزفر براحة وصعد الدرج مجددًا، ولكن بفرحة أكبر من سيطرته. دلف مسرعًا لشقتهم حتى تلاشت فرحته وهو يرى الجميع مجتمع عندهم بالمنزل. فوضع مفتاحه على
الطاولة وقال بهدوء غاضب: "سلامو عليكو يا جماعة." أجابه الجميع: "وعليكم السلام." اقترب من عمته نجوى وقبلها قائلًا بابتسامة خافتة: "أخبارك إيه يا عمتو." بادلته قبلاته واحتضنته بقوة قائلة: "كويسة الحمد لله.. إيه يا حبيبي محدش بيشوفك ليه." ابتعد عنها قليلًا وهو يقول برتابة: "الشغل واخدني شوية." ثم اقترب من عمته ألفت وقبلها أيضًا وقال بنفس الابتسامة الباهتة: "وحشاني يا عمتو." ربتت على كتفه وقالت بحنو:
"وإنت كمان يا حبيبي واحشني.. خاسس كده ليه يا جاسم.. اهتم بنفسك شوية يا ابني." وتركته وتطلعت لأخيها وقالت بلوم: "الشغل بقا كتير على جاسم يا فضل.. حرام.. من حقه يعيش حياته زي أصحابه." ابتعد فضل بعينيه عن مشاهدة التلفاز وقال ساخرًا: "أصحابه بيشتغلوا أكتر منه.. وأنا نصحته بلاش شركته الجديدة دي وكفاية عليه شغلنا بس هو نشف مخه فيستحمل بقا." ركضت ريتال ناحية جاسم الذي انحنى لالتقاطها ورفعها وقذفها في الهواء بقوة،
فصرخت قائلة: "لأ يا خالو بخاف." فالتقطها بمهارة وأنهال عليها بقبلاته وهو يدغدغها قائلًا بفرحة: "إنتي بتخافي إنتي.. ده إنتي يتخاف منك يا سنوفة." زمت شفتيها بطفولة وقالت وهي عابسة بعينيها بضيق: "أنا مش سنوفة.. أنا توتا." عاد لقبلاته المشاغبة وقال بحب: "أحلى توتا في الدنيا.. وقلب خالو كمان." فسألته والدته بتعجب من حالته المتغيرة، بعد اكتئاب وعبوس الأيام الماضية:
"ربنا يفرحك دائمًا يا جاسم.. ده إنت الأيام اللي فاتت خوفتني عليك قوي." انحنى ناحيتها وقبل رأسها وقال بابتسامة مشرقة: "يخليكي ليا يا دولت يا قمر." وقفت داليا وحملت طبقًا مملوءًا بالحلويات وقدمته لجاسم وقالت برقة زائدة عن الحد: "خد مني الطبق ده يا جاسم.. بجد شكلك مرهق جدًا." أجابها ببرود وهو يلهو مع ريتال بسعادة: "شكرًا يا داليا.. ماليش نفس." ضحكت نورا ضحكة عالية على إحراجها وقالت بمكر:
"اقعدي يا دودو يا حبيبتي.. جاسم ملوش في الحلويات.. هو بيحب الفاكهة أكتر." زفرت داليا بغضب وقالت بضيق: "خليكي في نفسك يا نورا.. محدش أخد رأيك." رفع جاسم عينيه بملل، ثم قال مسرعًا لقطع العرق وإراقة دمه كما يقولون: "بابا.. لو سمحت كنت عاوز أتكلم معاكم كلكم في موضوع مهم بالنسبة لي." ابتسم والده بمكر، وأغلق التلفاز واعتدل في جلسته وقال بهدوء: "سامعك يا باشمهندس." جلس جاسم على إحدى الأرائك حاملًا ريتال
على ساقه وقال بجدية واثقة: "أنا إن شاء الله.. هخطب." تفاجأ برد الفعل، فهو لم يتوقع فرحة الجميع وتلك الابتسامة الشغوفة التي علت وجوههم. فسأله والده ليكمل حديثه: "مين هي العروسة بقا.. حد نعرفه." حدجه جاسم بنظرة لوم تحمل معنى "لا تعبث معي أرجوك فأنت تعلم". ثم قال وهو يتطلع لهفتهم على وجوههم بحذر: "يا بابا ما حضرتك عارف أنا عاوز أخطب مين.. وإنت اللي قلت لي انجز في الموضوع ده قبل ما تضيع مني." رفع فضل حاجبيه
بمكر وقال باستفزاز هادئ: "بس هما ما يعرفوش.. قول بقا اسم اللي هتخطبها واللي أنا وافقت عليها." كلمات فضل زرعت الأمل بقلبي أختيه بأنه حتمًا سيختار لابنه إحدى بناتهن. فانتظروا بلهفة كلمات جاسم ونظرات التحدي طالت بين داليا ونورا، بينما كتفت علا ذراعيها أمام صدرها في انتظار اسم العروس والتي تخشى أن تكون هي من في رأسها. تأكدت من شكوكها وهي تستمع لجاسم يقول بحذر: "أنا هخطب.. وعد."
لوهلة لم تختفِ ابتسامتهم جميعًا، ولكنها تحولت لابتسامة بلهاء وكأن على رؤوسهم الطير. بينما سألته والدته للتوضيح: "وعد دي اللي هي مديرة مكتبك." أومأ جاسم برأسه وقال بابتسامة مؤكدًا: "أيوة هي يا ماما.. وعلى فكرة لو شوفتيها هتحبيها جدًا.. ده بابا شافها مرة وكان هيتجوزها هو." ضحكت سندس ضحكة عالية وهي تنتقل بعينيها بين أختها نورا وداليا وقد انطفأت عينيهم بحسرة، ثم قالت بعبث: "يا عيني عليكوا.. والله صعبتوا عليا." وخزتها
ألفت في ذراعها وقالت بضيق: "اتلمي يا بت إنتي.. هو كل حاجة تاخديها هزار." تأففت سندس وهي تمسد ذراعها بألم وقالت بنزق: "الله.. هو أنا قلت إيه يعني." ثم التفتت برأسها لجاسم وقالت بابتسامة مشاغبة: "مبروووك يا جاسوم.. تعيش وتاخد غيرها.. وأنا اللي افتكرتك عاقل.. يالا.. شر ولا بد منه." بادلها جاسم ابتسامتها وقال مداعبًا: "عقبالك يا أم لسانيين." "لأ يا عم.. بعد الشر عليا.. لما أبقى أخلص الكلية."
خرجت نجوى من صمتها وهي تتابع حزن ابنتها وكسر قلبها بضيق قائلة بحدة: "رايح تتجوز واحدة بتشتغل عندك يا جاسم." نقل جاسم ريتال على ساقه الأخرى وتطلع لنجوى بغضب وقال بلوم: "وعد مديرة مكتبي يا عمتو.. وبتشتغل معايا مش عندي.. والمهم إني بحبها جدًا ومش هفكر في غيرها." فسألته دولت باهتمام وانصات وهي تعطي زوجها طبقًا يحتوي بعضًا من الفاكهة: "طب ووعد دي حلوة كده ومؤدبة يا جاسم." أومأ جاسم برأسه وقال بقوة وثبات:
"هي من ناحية حلوة فهي حلوة جدًا جدًا.. ومن ناحية مؤدبة فإسألي بابا عنها والله ما شفتش بأدبها." مصمصت ألفت شفتيها بضيق وقالت بنبرة جافة: "لأ والله.. ليه هو بناتنا مش مؤدبين ولا إيه يا جاسم." أجابها جاسم بلهجة حازمة لا تقبل النقاش: "بناتكم إخواتي ولو واحدة فيهم مش مؤدبة ومش محترمة مية في المية كنت كسرت رقبتها وعلمتها الأدب.. هما بنات مفيش بأدبهم.. وبرضه هما مش أكتر من إخواتي." اجتذبت ريتال وجهه ناحيتها وسألته بفرحة:
"هتتجوز وعد يا خالو." عبث بأنامله بشعراتها قائلًا: "أيوة يا توتا إيه رأيك." تصنعت التفكير وهي تزم شفتيها وتطرق بأناملها على وجنتها، ثم قالت بابتسامة متسعة: "موافقة.. دي جميلة قوي وبتحبني وبتحب تلعب معايا." قبلها جاسم قبلة طويلة وقال: "خلاص بما إنك وافقتي يبقى أخطبك إنتي بقا." فسأله والده بجدية وهو يمضغ ما في فمه: "يعني إنت خلاص كلمت أهلها وخدت موافقتها." قاطعته نجوى وهي تقول باستهزاء:
"وهي كانت تطول.. دي تحمد ربها هي وعيلتها كلها إن جاسم رحال ابن فضل رحال هيتجوزها أصلاً." جاهد وبقوة أن يدافع عن وعد من هجوم عمته الغير مبرر ولكنه آثر السلامة، وقال بضيق موجهًا حديثه لوالده: "أيوة يا بابا كلمتهم وخدت موافقتها.. بس هي عاوزة تقابلني الأول قبل ما نحدد ميعاد لزيارتنا كلنا علشان تتعرفوا عليها وعلى عيلتها." أومأ فضل برأسه وقال بتفكير: "إللي فيه الخير يقدمه ربنا.. وأتمنى إنها تبقى من نصيبك يا ابني."
التفتت إليه دولت بجسدها وسألته بفضول ولهفة: "للدرجة دي يا فضل.. هي حلوة قوي كده." هز رأسه مؤكدًا وهو يقول بنبرة ثابتة موضحًا: "مش حكاية حلاوة بس.. البنت ذكية جدًا ومتدينة وكانت متفوقة في دراستها ده غير إنها خلت جاسم يتغير ويصلي ويبقى عنده اهتمامات زي كفالة أيتام وإنه يوفر لهم حياة طبيعية بعد ما يخرجوا من الدار.. بصراحة بنت جوهرة."
شعر جاسم بالفخر من حديث والده عن جنيته. ثم التفت رأسه بحدة لتتقابل نظراته مع نظرات علا الجافة. من نظرة واحدة علم بما يدور داخل عقلها العقيم. وللحظة شعر بالخوف من ردة فعلها المنتظرة، فقرر إلهائها عنه قائلًا بجدية: "وفي موضوع تاني عاوز أتكلم فيه معاكم." رفع فضل حاجبيه بتوجس وسأله بقلق: "موضوع إيه تاني." تنفس جاسم مطولًا وقال وهو يحدج علا بقوة: "علا جالها عريس." اتسعت عيني والدته وسألته بلهفة وشغف:
"بسم الله ما شاء الله.. عريس لعلا.. مين ده يا جاسم." أجابها جاسم وهو مازال يحدج علا التي تبدلت معالمها الصارمة مترقبة للاسم: "سامر العطار." تهدل وجه علا بيأس، بينما قالت دولت بفرحة: "سامر صاحبك.. أيوة كده عريس زي القمر ومحترم ورجل وعارف ظروفها وبيحب ريتال." التفت جاسم لفضل وقال بتمهل: "هو قال لي أُفاتح حضرتك يا بابا ومستني ردنا." أجابته علا على الفور وهي تجذب ابنتها من على ساقي جاسم:
"أنا عمري ما هتجوز غير طارق.. وبلغه رفضي." ثم توجهت لغرفتها تحت أنظار الجميع. تطلع فضل بجاسم بنظرة يأس، فهز جاسم كتفيه بأنه لا أمل. ثم وقف وتوجه لغرفتها. فتح الباب ودلف فوجدها متشبثة بريتال المذعورة من حالة والدتها. جلس جاسم بجوارها وحرر ريتال من قبضتيها وقبلها وقال لها هامسا: "اخرجي يا توتا اقعدي مع سندس." أومأت الصغيرة برأسها وتركتهما وخرجت. أغلق جاسم وراءها الباب وعاد للجلوس بجوار علا التي باغتته قائلة بقوة:
"عاوزة أسقف لذكائك بصراحة.. عملت إيه يا جاسم عشان وعد توافق عليك." أخفى توتره بذكاء وكتف ذراعيه قائلًا بلا تردد: "اتقدمت لعمرو واستنيت رأيها وهي وافقت." ابتسمت علا بسخرية وهزت رأسها غير مصدقة، ثم قالت بمكر: "عليا أنا برضه.. وعد بتحب مالك وهو بيموت فيها.. وإنت أناني وأنا عرفاك عمرك ما حلمت بحاجة إلا وحققتها لو هتعمل إيه." ربما تخدعك ملامحه المجمدة ولكن اهتزاز عضلة فكه بتشنج أخبرها أنها على الطريق الصحيح،
فتابعت قائلة بثبات: "هتندم.. صدقني هتندم.. وأنا ما أتمناش تعيش حياتك ندمان يا جاسم.. أرجوك فكر." ابتسم جاسم بخفوت وقال وهو يحدجها بتعجب: "رفضتي سامر ليه؟ تنهدت مطولًا وقالت بجمود: "أنا رفضت المبدأ.. بعد طارق ما يملى عيني رجل تاني.. وكمان مش هجيب لبنتي جوز أم." وقف جاسم بجوارها ولفها ناحيته وحدجها بلين وقال بنبرة تعاطف معها:
"بس يا علا إنتي عندك ستة وعشرين سنة بس.. هتترهبني يعني.. وبنتك بتموت في سامر وهو بيعاملها زي ما تكون بنته وأكتر.. وبيحبك قوي." طأطأت علا رأسها بضعف، ونثرت شعراتها للخلف بأناملها وقالت بتصميم: "برضه مش هتجوز.. مش هتقولي برضه وعد وافقت عليك إزاي." أولاها ظهره وتوجه لباب الغرفة منصرفًا وقال بخفوت: "اتقدمتلها ووافقت.. شيلي من دماغك إني عملت حاجة." ثم فتح الباب وخرج بهدوء. استقبلته والدته وهي تسأله بلهفة:
"هاه.. وافقت يا جاسم." هز جاسم رأسه نافيًا وربت على ذراع دولت وقال راجيًا: "كلميها تاني يا ماما.. عشان خاطري إقنعيها لأني مش هبقى مطمن عليها غير مع سامر." زَمَّت دولت شفتيها بضيق وقالت بتنهيدة ساخرة: "هو أنا هقدر عليها يا ابني.. دماغها حجر زيك بالظبط." ابتسم جاسم بوهن، فجذبته والدته من يده وتوجهت لغرفته قائلة بحماس: "تعالى معايا احكي لي عن وعد كلامك إنت وأبوك خلاني عايزة أشوفها دلوقتي." ***
من حق كل فتاة شعرت بالغدر والخيانة على الأقل أن تصرخ أن تبكي، لربما هدأت نيرانها. ولكن هي لا تستطيع التنفيس عما يدور بداخلها، رغم انتصاف الليل ونوم الجميع إلا إنها خرجت من شقتهم متوجهة لسطح البناية علها تخرج ما بداخلها دون خجل. هنا فكرت للحظات، هل أصبح عشقها البريء شيئًا تخجل منه؟
دَلفت بوهن، فلفحتها نسائم الليل الباردة. أخذتها قدماها للأرجوحة، وقفت تتأملها بشرود وتتذكر يوم فاجأها بصنعها من أجلها وحدها. كم كانت سعيدة ذلك اليوم. أصبحت ضحكته بمخيلتها كالنيران تنهشها دون رحمة، بعدما كانت سلوى في بعده. نعم تلك الضحكة الشقية مثلها والتي يعشقها مالك بشدة. كم يتمنى لو أنها أمامه الآن لشبع قلبه قبل عينيه من تحديقه بها. تكفي دقائق بسيطة في تأمل عينيها لتشتعل نيران قلبه التي ستدفأها يومًا ما وهي بين أحضانه. ابتسمت شفتيه وهو يتذكر خجلها اللذيذ وحمرة وجنتيها كلما صارحها بعشقه. لم يتخيل أنه بيوم سيطيح بكل مبادئه أمام عينيها. يشعر أحيانًا أنه يتهور زيادة عن المسموح، ولكنها بسهولة تعيده لتعقله.
سمحت لدموعها أخيرًا في الانهمار بعدما كادت أن تؤذي عينيها وهي تحبسها بداخلها وملوحتها تحرقها بشدة. تعالى نحيبها على عشق لم يكتب له الحياة. فرفعت عينيها للسماء وخارت قواها فسقطت جاثية على الأرض. طأطأت رأسها بخجل وقالت بحرقة وألم:
"مش قادرة أرفع راسي وأنا بكلمك لأول مرة في حياتي.. يا رب.. يارب سامحني.. غلطت.. عارفة إني غلطت واتساهلت في ذنب كبير.. إنت عارف إني ما عملتش حاجة حرام.. بس برضو عارفة إنك زعلان مني دلوقتي عشان خالفت أوامرك وإنت شاملني بعفوك ورحمتك.. يارب سامحني واغفر لي.. إنت الغفور.. إنت الرحمن.. ارحمني من العذاب اللي أنا فيه.. قلبي بيوجعني." شعر مالك بضيق بصدره فجأة، فرفع كفه ناحية قلبه وهو يقول بقلق:
"قلبي مخطوف.. خير اللهم اجعله خير." جلست ديما بجواره ولامته قائلة بضيق: "مش راح تظبط معك هيك يا مالك.. أنا بسمع إنك بيزنس مان شاطر.. لشو هالشو المزعج اللي عملته من شوي." رفع كفه ومسح به وجهه وهو ينفث بقوة، ثم قال بخفوت: "عارف إني زودتها.. بس كنت مضايق فما استحملتش ضغط الراجل ده عليا.. بس ما تنكريش إنه مستفز ومغرور." ابتسمت ديما بهدوء وأومأت برأسها قائلة بمداعبة: "هو مغرور شوي.. لأ هو بصراحة مغرور كتير.. سمج يعني."
التفت إليها مالك برأسه وقال مؤكدًا: "أهه إنتي بتقولي عليه إيه.. بتحاسبيني ليه بقا." اقتربت منه وجلست بجواره أكثر وسألته بريبة: "شو بك.. مو معقول عصبيتك هي عشان هالرجال السمج.. فيك شي تاني مو هيك." أومأ مالك برأسه وقال بنبرة حزينة: "من ساعة الموبايل ما ضاع وأنا مش عارف أطمن على أهلي.. وحشوني قوي." ابتلعت ريقها بتوتر ودارت عيناها عنه قائلة بنبرة هادئة:
"بس.. ما أنا تواصلت مع جاسم على الإيميل تبعه وطمنته عليك وطلبت منه يطمن أهلك." لم ترتاح ملامح مالك، بل زادت تشنجًا وضيق، فسألته ديما بنصف عين وعين: "القصة مو عيلتك بس ما هيك.. في حدا تاني هو سبب حالك المتغير.. عندك جيرل فريند ومشتاقلها." ابتسم مالك بخفوت وأجابها وهو شارد بحبيبته ويرسمها بخياله: "سميها خطيبتي أحسن." هزت ديما رأسها وهي تضغط شفتيها بقوة مبتسمة بمكر، ثم قالت بشغف: "اتوحشتا.. باين عليك."
قطع مالك ذلك الحوار بجدية وهو يقول ناظرًا لمذكرته: "ميعادنا الجاي إمتى." "بعد يومين.. ارتاح مني هاليومين وبشوفك بعدها تكون جاهز لمقابلة هالرجال لأنه مو سهل بس هو أكتر واحد راح ترتاح في التعامل معه.. تشاو." ودعته وانصرفت، ليعود لانقباض صدره من جديد وطيف واحد أمام عينيه: "وعد". ترى هل هي نائمة الآن؟ أم شوقها إليه غلبها ولم تنم وتفكر به؟
نعم تفكر به، ولكن تلعن نفسها على السماح لقلبها بفتح أبوابه دون ارتباط حقيقي يرضي ربها. كففت دموعها وهي تنوي تطهير قلبها من ذنب وليس حب، لأنها ستمنح قلبها وحياتها لشخص آخر، سيصبح زوجها، ونصفها الآخر. للحظة انتفض عقلها وسألها بحدة: هل تسرعت في قبول الارتباط بشخص آخر أم أنها أخذت القرار الصحيح؟ لم تجد إجابة على سؤاله، فلينتظر للغد بعد لقائهم سويا ويقرر ماذا ينوي حينها.
عادت لذرف دموعها بهدوء، وهي تتطلع للسماء وتتأمل النجوم التي كانت ظاهرة وبراقة اليوم أكثر من أي يوم. فسألتها بحيرة: لماذا سعادتكم تلك أيتها النجمات؟ ألا تشعروا بما يدور داخلي؟ لأول مرة أشعر أننا لم نعد رفقة، فأنا حزينة وأنتم تحتفلون بشيء لا أعلمه. ربما تحتفلون من أجلي لأني سأرتبط بشخص، وربما كان هو القرار الصحيح من البداية. لمعت عيناها فجأة وتخلت عن دموعها وقد طرأ لعقلها فكرة ستريحها حتمًا
من تلك الدوامة: صلاة الاستخارة. ***
أغمضت وعد عينيها وهي تتنفس بهدوء، ثم دلفت لغرفة الصالون بثقة. وقف جاسم مسرعًا وهو يتطلع إليها بفرحة انعكست على ابتسامته الجانبية، والتي يخصها وحدها بها. لم يغفل عن تورّد وجهها قليلًا وقد اختفى شحوب مرضها كأنه لم يكن. تقدمها نحوه كان يربكه على غير عادته. تلك الجنية تفعل به ما لم تفعله غيرها رغم علاقاته المتعددة. لمح التواء فمها بابتسامة هادئة. سحبت الهواء من حوله واختفى الجميع. ها هي شهرزاد الجميلة تتقدم نحوه.
وقفت أمامه وحيته برأسها قائلة بصوتها العذب مثلها: "أهلاً وسهلاً يا باشمهندس." لم يخفِ استياءه من عودتها للألقاب، ولكن تغاضى عن استيائه ولام تفكيره السطحي فهذا ليس وقته مؤكدًا. ثم قال مسرعًا: "أهلاً بكِ.. وحمد الله على سلامتك." وقف عيسى وأشار إليها بالجلوس قائلاً برفق: "تعالي يا حبيبتي اقعدي ما تقفيش."
جلست وعد على أريكة بعيدة نسبيًا عن جاسم، الذي هام مع ملامحها التي لطالما سحرته. فجلس هو الآخر ولم ينسَ لو لثانية أهدابها وحواجبها الشقراء، والتي أخفتهم اليوم ببراعة كعادتها. أخرجه عمرو من تأمله لوعد وهو يقول مداعبًا: "هو إنتوا بتقعدوا في المكتب تشتغلوا وإنتوا ساكتين كده." ابتسم جاسم ابتسامة واسعة وقال وهو يحدج وعد بشوق: "هو إحنا أغلب الوقت وعد هي اللي بتتكلم وأنا أسمع وأنفذ وبس." فسأله عيسى بفضول وتمني:
"للدرجة دي يعني وعد فارقة معاك في شغلك." أجابه جاسم وهو مازالت عيناه متعلقة بوعد بوقاحة زائدة عن الحد: "للدرجة دي وأكتر.. دي في مرة وفرت لي تلاتة مليون جنيه وأنا حاطط رجل على رجل." رفع عيسى حاجبيه بفخر، ثم قال بفرحة: "وعد طول عمرها ذكية.. وكانت بتطلع في مدرستها من الأوائل دائمًا." دَلفت سلوى حاملة صينية عليها حلويات وعصير وهي تقول بابتسامة متسعة: "يا أهلاً يا ابني.. دي الدنيا نورت." وقف جاسم مسرعًا وقال
وهو يبادلها ابتسامتها: "متشكر لحضرتك.. ده النور نوركم." جلست بجوار وعد وطأطأت على ظهرها بحنان وسألته بود: "أخبار والدتك إيه يا باشمهندس." أجابها جاسم وهو يعود بعينيه لوعد المطرقة رأسها بحزن، تعبث بأناملها الرقيقة البيضاء وأظافرها المنمقة: "كويسة الحمد لله وبتسلم عليكي.. وإن شاء الله قريب حضرتك تتعرفي عليها." "إن شاء الله يا ابني.. ربنا يقدم اللي فيه الخير." وقف عيسى منتصبًا وقال بقوة:
"نسيبكم بقا شوية مع بعض.. يلا يا أم عمرو." خرجوا وتركوهما بمفردهما ووعد مازالت على حالتها المنكسرة. لم ينكر أن أسعد لحظات حياته وهو يتأملها بسكون كما هو حاله الآن، ولكن قاوم شعوره وسألها بخفوت رقيق: "أخبارك إيه يا وعد." رفعت رأسها نحوه وابتسمت قائلة بهدوء خافت: "الحمد لله كويسة.. كنت محتاجة أتكلم مع حضرتك بعد ما بابا قالي على طلبك." علت الجدية ملامحه وقال بقوة وثبات:
"اسألي في اللي إنتي عايزاه وأنا هجاوبك بصراحة وأي طلب ليكي هيتنفذ مهما كان إيه هو." أومأت برأسها وسألته بإلحاح: "ليه أنا؟ تفاجأ بسؤالها المفاجئ، ولكنه أجاب على ذلك السؤال عشرات المرات بداخله كلما سأله عقله لماذا هي دون غيرها التي تغير معالم حياتك وهندسة أيامك، ليرد قلبه قائلاً: "لأنه لو مش إنتي مش هتكون غيرك."
رفعت وعد حاجبيها متعجبة من إجابته القاطعة، الحازمة والتي تقطع عليها الطريق لأسئلة باتت تعلم إجابتها مقدماً، فتنهدت مطولًا وسألته مجددًا بهدوء متزن: "قصدك إيه." غاص داخل عينيها اللوزيتين بشدة مقتحمًا كل حصونها في نظرة تأسرها دون أن تشعر وتكبلها به لتصبح سجينة تلك الشباك السوداء، والتي باتت الراحة الوحيدة لقلبها، ثم أجابها بدهاء:
"قصدي إني بحبك.. من أول ما سمعت عنك من مالك.. وبدأت أرسمك جوايا.. من أول ما شوفتك وسألتك يومها أنا شوفتك فين افتكرتني بحور عليكي.. بحبك.. وبحب ضعفك.. وقوتك.. وبراءتك اللي بتحسسني إني مسؤول عنك غصب عني.. بحبك وبس." ابتلعت ريقها بتوتر وأشاحت بوجهها عنه من خجلها. إنه صادق، في كل حرف قاله صادق. ياليته كان أول من يعبث على أوتار قلبها، ولكن ذاك الذي ذكره في حديثه والذي تكلم عنها معه قد سبقه لقلبها. نفضت تلك الأفكار
من رأسها وقالت بجمود قاتل: "بس أنا مش بصدق في الحب.. ومتأكدة إنه مفيش حاجة اسمها حب." حك مؤخرة رأسه بيده وهو يعلم جيدًا أن تصرفه الأناني هو ما زرع بداخلها تلك النباتات الشوكية التي ستجرحه قطعًا، ولكنه مصر على انتزاعها بيده من صحراء قلبها المهلكة، وليتحمل ألم شوكها في سبيل أن تصبح له ويزهر قلبها على يده بورود وأزهار خاصة به وحده. تنهد مطولًا وقال وهو يعود بعينيه طائفًا على صفحة وجهها البريء:
"الأيام بينا.. وأنا واثق من نفسي جدًا.. وهقدر أخليكي تصدقي إن فيه حب وهتحبيني بجنون." دارت خجلها بابتسامة ساخرة وقالت مستهزئة بمبدئه الواهي بنظراتها المتحدية: "صدقني مش هتقدر.. لأنه مستحيل." بادلها نظراتها بنظرات أكثر تحديًا وتصميمًا وهو يقول بصوته الرجولي الأجش الذي لامس عقلها معيدًا على مسامعها كلماتها السابقة:
"المستحيل بتاعك ده أنا ما أعرفهوش.. وفي الحب يا إما السلام.. يا إما الحرب.. وأنا صبور.. وصياد شاطر.. وسبق وقولت لك.. إن صيد الغزال أحلى من أكله." إذن فهي الحرب، قالها عقلها بقوة جعلتها تعبس قليلًا ثم ضمت شفتيها في حركة تفكير طفولية جعلته يحيد بعينيه عنها قبل أن يخرج منه تصرف خارج عن إرادته. بينما قالت هي متابعة لحديثهم الشغوف: "يعني إنت مستعد تعيش مع واحدة قلبها تقريبًا ميت." ابتلع تلك الغصة المؤلمة بحلقه، وهو
يقول بقوة لم تعهدها منه: "طالما قلتي تقريبًا.. يبقى فيه أمل وأنا مش هضيعك مني لأي سبب مهما كان إيه.. إنتي هتبقي ملكي إن شاء الله." أومأت وعد برأسها، فهي تتمنى من داخلها أن تصبح له بقلبها، فها هو سيصبح ملاذها وأمانها و.. زوجها. عند هذه النقطة في التفكير قالت له بتوتر وخجل:
"لو في نصيب إن شاء الله.. أنا حابة نكتب كتابنا مع الخطوبة.. مش حابة نبدأ حياتنا مع بعض بذنب حتى لو بسيط.. عاوزاك تلبسني شبكتي وتلمس إيدي وأنا مراتك.. ممكن." هل هي غبية لتلك الدرجة؟ لم يعهد منها الغباء من قبل، ربما القليل من السذاجة والبراءة ولكن هذا غباء وغباء صريح. هل تسأله بمنتهى الصفاقة والغباء حتمًا؟ هل يقبل أن تصبح زوجته أم لا؟ طبعًا موافق يا غبية مجددًا، هذا حديثه لنفسه وقال بصوت حازم:
"طبعًا موافق وكنت هطلب منك كده كمان.. والأكثر إني عاوز نتجوز قبل ما أهلك يسافروا تاني لأني مش هبقى حابب إني آجي أزوركم وعمرو يضطر يسيب بيته ومراته يوم إجازته وييجي يقعد معانا لأن إنتوا لوحدكم." لم تنكر أنها أعجبت بمنطقه، ولكن ما يشغل بالها حاليًا أن تحرق قلب مالك وهو يراها زوجة لغيره عقابًا على خيانته. وها هو جاسم يقدم لها الفرصة على طبق من فضة، فأومأت برأسها موافقة وقالت بابتسامة ساحرة:
"لما باباك ييجي وتتفقوا مع بابا وعمرو بعدها أنا ما عنديش مانع.. بس ليا شرط عندك." ابتسم بقوة وهو يرى شغبها يعود لعينيها الشقية، ثم قال بفضول: "شرط إيه بس.. إنتي تأمري أمر وأنا عليا التنفيذ." زفرت براحة وقالت بجدية: "مش هسيب شغلي معاك بعد جوازنا." عاد العبث لعينيه مجددًا وهو يقول بابتسامة ساحرة: "ده أحلى طلب ممكن تطلبيه مني.. ومش كده وبس أنا هخلي مكتبك جوه مكتبي عشان ما تبعديش عن عيني ثانية."
عضت وعد على شفتها بقوة كادت تدميها وشعرت بسخونة غريبة تجتاح وجهها، فانتفضت واقفة وقالت بخجل فخرجت كلماتها متلعثمة: "أنا.. هخ.. هخلى بابا ييجي يتفق معاك.. بعد.. إذنك." وتركته وخرجت مسرعة وهو يتابعها بعينيه وقد علم أنه لن يحتاج الكثير من وقته لترويض تلك الفرسة العنيدة القاسية وسييجعلها ملكًا له وحده، ملك جاسم رحال. *** بعد رحيل جاسم، جلس عمرو وعيسى أمام وعد في انتظار قرارها الأخير. ضربتها إمتثال
على رأسها وقالت بنفاذ صبر: "ما تقولي بقا رأيك إيه.. الواد شاريكي وبيحبك." مسحت وعد رأسها وقالت بضيق: "حاضر يا تيتة هقول أهه." لاحظت نظرات الترقب من الجميع وخصوصًا سلوى، والتي كانت فاغرة فمها كأنها طالبة في انتظار نتيجة الثانوية العامة. ابتسمت وعد بخفوت وقالت بقوة:
"أنا قولتلُه إني موافقة وإني عاوزة كتب الكتاب والخطوبة مع بعض.. وهو وافق وكمان عاوز يتجوز قبل ما إنتوا ترجعوا لحياتكم تاني لأنه مش هيبقى مرتاح وهو شايف عمرو سايب بيته يوم إجازته وقاعد معانا." علت الدهشة وجوههم جميعًا، فسألها عيسى مستفسرًا بتوتر: "جواز على طول.. ليه السرعة دي." أجابته وعد وهي تشيح بوجهها عنه حتى لا يرى تلك النظرات القاتمة تجاهه بداخلها وقالت بحدة:
"قولتلك إنتوا هترجعوا لحياتكم وهتنسونا تاني.. وأكيد مش هتتنازل وتنزل تاني عشان تحضر فرحي وأنا حبيت أوفر عليكم مصاريف فيلم حمضان ملوش لازمة." ضيق عيسى عينيه وهو يتطلع إليها بغضب وهم أن يصب على رأسها أقسى الكلمات ولكن عمرو ضغط على كفه متوسلًا بنظرات هادئة أن يراف بحالها. ثم قال لها بحدة: "وعد.. يا ريت تتكلمي مع بابا بطريقة كويسة عشان أنا لو زعلت منك مش هسامحك تاني." ابتسمت وعد بسخرية ووقفت مسرعة وقالت بفتور:
"كان ممكن الكلام ده يخوفني من كام يوم.. بس دلوقتي أنا واصلة لمرحلة إني كارهة الدنيا باللي فيها.. بعد إذنكم." وتطلعت إليهم مطولًا ودلفت لغرفتها مطلقة لعينيها العنان في سكب تلك العبرات المالحة دون أن يشعر بها أحد. وقف عمرو مشدوهًا من كلماتها اللاذعة، وهز رأسه بيأس وهو يقول بقلق: "لازم نشوف دكتور نفسي.. وعد بتضيع مني." رفعت إمتثال حاجبيها بشك وقالت وهي تضع كفيها في حجرها بيأس:
"البت دي محسودة.. أكيد عين شافتها أيام فرحك وما صلتش على النبي." ردوا جميعًا: "عليه الصلاة والسلام." ضغط عيسى على معصم عمرو وقال له بلوم: "اطلع بقا لعروستك عيب كده.. روان ملهاش ذنب في مشاكلنا اهتم بيها شوية." تنهد عمرو بأسى وهو يتطلع لغرفة وعد ثم أومأ برأسه موافقًا وقال بضيق: "حاضر هطلع.. بس خلوا بالكم منها ومحدش يضغط عليها مهما قالت لأنها لو وقعت تاني مش هتقوم منها المرة دي."
وتركهم وابتعد وهو شارد بملامحها الناقمة على كل شيء وكأنها فقدت شيئًا غاليًا، مجروحة. ما تأكد منه أنها مجروحة وما زال جرحها ينزف ولا تقوى على البوح بما يدور بخاطرها. لم يشعر بنفسه وهو يغلق باب شقته، ليتفاجأ بروان نائمة على الأريكة في وضعية الجلوس. ابتسمت شفتيه برقة وهو يتابع انزلاق رأسها للخلف واحتضانها لركبتيها. إذا فحبيبته انتظرت طويلاً على ما يبدو.
دنا منها وهو يتأمل ملامحها الرقيقة وقميصها الأبيض مثلها والذي يجعلها أجمل.. وأشهى. عدل من وضعية رأسها ففتحت عينيها بذعر، وقالت بهمس خافت: "أخيرًا جيت يا عمرو." قبّله وجنتها وقال وهو يهمس أمام شفتيها بمداعبة بعدما جلس بجوارها: "أنا لو أعرف إن القمر مستنيني.. كنت ركبت أول صاروخ وجيت هوا." ابتسمت روان بخجل وابتعدت عنه قائلة بارتباك: "أنا هقوم أحضرلك العشا."
وقفت مسرعة، فجذبها من معصمها فسقطت جالسة على قدميه فمرر أنفه على أنفها وسألها بعبث وهو يلتهمها بعينيه: "إيه؟ لفت ذراعها حول رقبته وقالت برقة: "هو إيه اللي إيه؟ بللت روان شفتيها الجافتين من توترها وقالت بدلال مرهق: "مش فاهمة يعني إيه هو إيه اللي إيه؟ غمز لها عمرو بعينه وقال ساخرًا: "نقعد نهوهو للصبح وما ندخلش في الموضوع بقا صح." ثم وقف وحملها بين ذراعيه فسألته بمكر عابث: "موضوع إيه اللي إنت عاوزني فيه؟
مرر أنفه على رقبتها وقال هامسًا بصوته الرجولي الناعم بجوار أذنها مدغدغًا كل حواسها تجاهه: "لأ.. دي أسرار عليا ولازم نتكلم فيها في أوضتنا وبس." *** ولجت سلوى لداخل غرفة روضة التي اختفت بها منعزلة عن جمعهم بجمود. وجدتها جالسة على مكتبها وشاردة بملامح شاحبة تفكر بعمق. فاقتربت منها وهزت كفها لتنبهها بوجودها قائلة بريبة: "روضة.. روضة سرحانة في إيه." انتبهت روضة لوجودها المفاجئ. ثم اعتدلت في جلستها وقالت بنبرة فاترة:
"في حاجة يا ماما." جلست سلوى على مقعد أمامها وهي تتفرس في ملامحها الباهتة وقد تملك القلق من قلبها. فسألتها بتوجس خافت: "حساكي مش على بعضك.. ليه حابسة نفسك طول اليوم في أوضتك.. ده إنتي حتى ما باركتيش لأختك على خطوبتها." سحبت روضة نفسًا طويلًا وزفرته على مهل وقالت بصوت قاتم: "أبارك لها على إيه يا ماما.. وعد مش عارفة بتعمل إيه.. وإنتوا مش فاهمين حالتها." هزت سلوى رأسها بعدم فهم وضيق عينيها بتفكير وقالت بتخوف:
"والله أنا اللي مش فاهمة حالتك.. هو إنتي متضايقة عشان وعد هتتجوز قبلك." اشعلت عيني روضة بجنون ووقفت بتمهل وهي تحدجها بذهول وقد نهج صدرها صعودًا وهبوطًا وقالت بحدة: "أنا هغير من وعد.. إنتي فاهمة قولتي إيه يا ماما ولا مش فاهمة." شعرت سلوى بتسرعها الأحمق في الحديث، فها هي تخسر ابنتها الثانية بغبائها اللامحدود، فهبت مسرعة وقالت موضحة:
"لأ يا حبيبتي.. أنا ما أقصدش طبعًا دي زلة لسان.. أنا عارفة إنك بتحبي وعد أكتر من نفسك وبتعتبريها بنتك مش أختك.. اهدي يا روضة صدقيني ما أقصدش." ضغطت روضة على جبهتها بقوة لتخفف من ألم رأسها القوي وهدرت باهتياج عنيف:
"وعد مش مظبوطة.. أنا خايفة عليها وإنتي فاكراني بغير منها.. طب ما شوفتيهاش وهي بتكلم عمرو جرحته إزاي.. أنا بس اللي حاسة باللي جواها.. بلاش الجوازة دي.. هتندموا كلكم.. وإنتي أولهم لو لسه جواكي ذرة أمومة امنعي الجوازة دي." وقفت سلوى تتابع هياج روضة، ثم ابتلعت ريقها بتوتر ورفعت كفيها أمام عينيها وقالت لتهدئتها بحنو: "طب اهدي إنتي.. وأنا هتكلم مع وعد تاني."
هزت روضة رأسها بيأس، واستندت بيديها على سطح مكتبها وتهدلت رأسها بين كتفيها وقالت بخفوت قانط: "سيبيني لوحدي لو سمحتي.. مش عاوزة أشوف حد."
تأملت سلوى حالتها المقلقة وتنهدت بأسى على حال ابنتيها، فمنذ عودتها وأمورهما في استياء متزايد. ربما وعد عندها حق، فوجودها مثل عدمه، بل أسوأ من عدمه. تركتها وخرجت تنوي الحديث مع وعد مجددًا لربما روضة ترى ما لم يروه وهذه الزيجة ستجلب على صغيرتها الألم وهم لا يشعرون. فتحت باب غرفة وعد وولجت للداخل. لم تراها على حال أفضل من روضة، فكانت تجلس نفس الجلسة الشاردة تحمل بيدها قطعة صغيرة من جيتارها التي حطمته بغضب قطعًا صغيرة.
جلست سلوى بجوارها على الفراش وملست على ضفيرتها الطويلة والتي تعدت خصرها وتمددت على الفراش خلفها بصورة خلابة. ثم رسمت ابتسامة خافتة على شفتيها وسألتها بمداعبة: "تيتة اللي عملت لك الضفيرة الحلوة دي يا وعد." وقفت وعد بحدة وهي تنفض ذراع والدتها من عليها بتقزز وقذفت تلك القطعة المتبقية من الجيتار في سلة غرفتها. والتفتت لوالدتها بعينين مقدتين كجمرتين مشتعلتين، وقالت بضجر وحقد:
"إنتي عاوزة مني إيه.. سيبيني لوحدي مش عاوزة ولا أشوفك ولا تلمسيني تاني.. إنتي فاهمة." حدجتها سلوى بحزن، وهي تتابع اهتزاز حدقتيها بجنون وصراخها دليل على عدم اتزانها، فعادت لابتسامتها الخافتة كخط مستقيم بارد قد رسمته ببشاعة على شفتيها وهي تقول بهدوء: "أنا كنت عاوزة أتأكد من إنك موافقة على جاسم ولا تفكري تاني بهدوء وعقل."
ابتسمت وعد ساخرة من اهتمام تلك السيدة الجالسة أمامها، صاحبة التبلد العاطفي الأكبر على كوكب الأرض. ثم كتفت ذراعيها وهي تقف مائلة قليلًا تتطلع إليها بنظرة شمولية بملامح متقززة وقالت بجمود قاتل: "ده على أساس إيه.. إنك اسمك أمي وكده ولازم تطمني على بنتك اللي هتتجوز.. خديها مني حكمة عشان ما أوجعكيش أكتر من كده.. ابعدي.. عني.. حتى وشك مش عايزة أشوفه."
وفجأة سقطت على وجهها صفعة مدوية جعلتها تترنح قليلًا مستندة على خزانتها. فرفعت عينيها لتجد جدتها تقف أمامها بشموخ وقد احمرت عينيها بقوة. ثم رفعت سبابتها المرتعشة بوجهها وقالت بنبرة محذرة وصارمة: "لو كلمتي أمك ولا أبوكي بالطريقة دي تاني يا وعد.. هتخسريني كلنا.. أنا اللي دلعتك وخليتك مستهترة وجامدة.. بس هعرف أربيكي تاني."
ملست وعد على وجنتها التي ارتسمت عليها أنامل إمتثال بقوة ستجعلها تصطبغ باللون الأزرق بعد قليل. ثم رفعت رأسها بقوة وقالت بنبرة رخيمة ساخرة: "تربيني أنا.. طب كنتي ربي بنتك الأول." جذبتها إمتثال من ضفيرتها بقوة كادت تقتلعها من جذورها وهي تهزها بعنف قائلة بغضب: "إنتي قليلة أدب وعاوزة اللي يكسرك وأنا اللي هربيكي يا حيوانة."
حاولت وعد تخليص شعراتها من قبضة يد جدتها وسلوى تحاول معها وهي تحل وثاق كفها المتشبسة بشعرات وعد المتألمة بصراخ جمع من بالشقة بذعر. شهقت روضة وهي ترى جدتها تهز وعد بعنف ومتمسكة بشعراتها بغضب أعمى. فكبلت ذراعي جدتها مسرعة لشل حركتها وجذبتها ببطء حتى لا تؤذي وعد وهي تقول بتخوف على صحة جدتها: "اذكري الله يا تيتة.. اذكري الله." حاولت إمتثال تخليص ذراعيها من روضة، وبعدما فشلت قالت وهي تتنفس بصعوبة متلعثمة:
"سيبيني.. أربيها.. أنا.. السبب." لاحظت وعد حالة جدتها. فاحتضنتها مسرعة لتخفيف انفعالها وقالت بصوت منهك خافت: "آسفة يا تيتة.. آسفة والله بس اهدي.. عشان خاطري اهدي." تركت شعراتها ووضعت كفها على صدرها. فحررتها روضة وهي تجذبها لأن تجلس على فراش وعد المتمسكة بها ترفض تركها بخوف. فأبعدتها روضة عنها وتطلعت بوجه جدتها الشاحب. ثم صرخت بوعد قائلة بصياح أهوج: "برشامة القلب بسرعة.. اخلصي يالا."
ركضت وعد ناحية غرفة جدتها. فاصطدمت بوالدها وهو يرتدي بيجامته مسرعًا فسألها بقلق: "هو إيه اللي بيحصل بالضبط.. وإيه الصريخ ده." تابعت وعد ركضها ودلفت لغرفة جدتها وفتحت درج خزانتها وبحثت عن دوائها حتى وجدته. فأسرعت ركضًا لغرفتها وأخرجت واحدة منه وملأت كوب الماء وأعطتها لروضة قائلة بندم: "سامحيني يا تيتة.. والله ما هزعل حد تاني.. بس اهدي عشان خاطري اهدي." تناولت الجدة دوائها، ثم هدأت قليلًا. وقالت
بصرامة غير قابلة للنقاش: "اخرجوا كلكم وسيبوني مع وعد." تطلعت روضة بوعد. ثم عادت بعينيها للجدة وهي ما زالت جاثية أمامها وقالت بقلق: "بس يا تيتة... قاطعتها الجدة بصرامة أكبر قائلة بصلابة: "قلت اخرجوا كلكم." تطلع عيسى إليهم بتعجب ثم سألهم بضيق: "هو إيه اللي بيحصل بالضبط.. هي وعد عملت إيه تاني." جذبته سلوى من ذراعه وهي تجره معها للخارج قائلة بهدوء: "تعالى بس معايا وأنا هفهمك."
تبعتهما روضة التي وزعت أنظارها بينهم قبل أن تغلق باب الغرفة عليهم. جذبت إمتثال وعد من ذراعها بالقوة فسقطت جالسة بجوارها على الفراش. فضمتها بذراعها لصدرها لتدخل وعد في نوبة بكاء شديدة وهي تدفن رأسها بصدر جدتها الرحب والذي عوضها عن صدر أمها التي حرمت منه وحرمته على نفسها. تعالى نحيبها بقوة وزادت شهقاتها وقالت بصوت مبحوح متحشرج:
"بموت يا تيتة.. قلبي بيوجعني.. نفسي أرتاح ومش عارفة.. طوق وملفوف على رقبتي بيخنقني.. نفسي أرتاح بقا." ملست الجدة على شعراتها بحنو وقالت بهمس: "هش.. خلاص اهدي." أغمضت وعد عينيها بوهن وقالت بصوت خفيض وهي تستسلم للنوم هربًا من آلامها: "نفسي أرتاح يا تيتة.. بموت."
ظلت الجدة على وضعها تملس على شعراتها. دقائق لا تعرف عددها، حتى شعرت بثقل جسد وعد فمددتها بهدوء على الفراش. وكففت دموعها وهي تتلمس مكان صفعتها على وجنتها. ثم وقفت ورفعت ساقيها بجوارها. وعادت لجلوسها بجوارها ووضعت كفها المجعد على رأسها وهي تتلو عليها الرقية الشرعية.
شعرت روضة بالقلق عندما ساد صمت غريب بغرفة وعد. ففتحت باب الغرفة بهدوء. فوجدت جدتها ترقي وعد بعدما استسلمت لسلطان نومها وعيناها ما زالت مبتلة بدموعها. أشارت لها الجدة بحاجبيها أن تخرج وتغلق الباب خلفها. أومأت روضة برأسها وأغلقت الباب وعادت لغرفتها يعتصر قلبها الألم على حال وعد المحزن والمؤلم وهي تهز رأسها نافية. لم تصدق ولو لثانية أن مالك قد فعل ما قالته وعد، فهي تعلمه أكثر من نفسه وتثق به بجنون. ***
في الصباح خرج جاسم من غرفته منتشيًا بسعادة. جلس على مقعده بطاولة طعامهم. شاركه والده إفطاره قائلًا بهدوء: "صباح الخير يا جاسم." "صباح المسك يا حاج." عقد فضل حاجبيه متعجبًا وسأله بريبة من سعادته غير المعتادة: "المسك!!! يبقى فيه أخبار حلوة من عروستك صح." ارتشف جاسم القليل من كوب الشاي بالحليب خاصته وأجابه براحة: "أيوة.. جهزوا نفسكم هنروح لهم يوم الجمعة تتعرفوا عليهم ونتفق على كل حاجة."
هز والده رأسه متفهمًا وربت على كفه بفرحة قائلًا: "ربنا يسعدك يا ابني.. أنا كده اطمنت عليك مع واحدة تصونك وتبقى أم صالحة لعيالك اللي هيكملوا اللي عملناه." قبل جاسم كف والده وتطلع إليه بابتسامة محبة وقال بإيجاز: "ربنا يخليك ليا." اقتربت ريتال من جدها وهي عابسة بغضب. فحملها فضل على ساقيه مندهشًا من حالتها المزاجية المتغيرة وسألها بقلق: "حبيبة جدو زعلانة ولا إيه." أومأت برأسها موافقة وقالت بتذمر: "هي ماما دي مش بنتك."
ابتسم فضل بهدوء وقال بتوجس مما هو قادم: "أيوة بنتي.. عملت إيه بنتي بقا." عقدت ذراعيها أمام صدرها وهي ما زالت عابسة، ثم قالت بضيق: "زهقتني.. كل سوية تزعقلي وأنا مش عملت حاجة." خرجت علا على كلماتها الأخيرة مبتسمة بأمومة. وقالت بهدوء آسف: "خلاص يا توتا ما تزعليش.. مش هزعقلك تاني." جلست علا على مقعدها، بينما نهرها جاسم بجدية عابثة: "علا.. أوعي تزعقي لتوتا تاني.. ماشي." أومأت علا برأسها بصمت. جلست دولت
معهم ثم سألت جاسم بفضول: "هنروح لعروستك إمتى يا جاسم." أجابها جاسم وهو يتطلع للهفتها وسعادتها قائلًا بابتسامة هادئة: "يوم الجمعة يا ماما.. جهزوا نفسكوا بقا." "حاضر يا حبيبي.. ألحق أحجز الشوكولاتة والتورتة والحلويات.. وإنت وصي على ورد يكون حاجة غالية كده ومحترمة." أومأ جاسم برأسه، بينما قفزت ريتال من على ساقي جدها ودنت من جاسم وسألته بابتسامة مشاغبة: "هتروح للعروسة يا خالو.. ممكن أجي معاكم أنا بحب مس روضة ووعد."
قبلها جاسم بوجنتها مطولًا وقال: "طبعًا يا قلب خالو هاتيجى معانا.. ده إنتي أول واحدة هتروح." ثم التفت برأسه ناحية علا وسألها لآخر مرة بحزم: "أرد على سامر أقوله إيه يا علا." تجمدت للحظات، ثم قالت بجمود وهي تتنهد بألم: "رأيي ومش هغيره.. خليه يشوف حاله." لوت دولت ثغرها بضيق، بينما هز جاسم كتفيه بتسليم وقال بحدة: "إنتي حرة.. عمومًا أنا محضر له عروسة صاروخ.. استنى كتير كفاية عليه كده."
ووقف مسرعًا، لملم أشيائه وتركهم، بينما عبست علا وابتلعت ريقها بتوتر. كلما تخيلته مع غيرها تشعر بسخونة مؤلمة تجتاح جسدها. التفتت ناحية ريتال وهدرت بها بعصبية: "كل ده بتفطري.. اخلصي يالا هتتأخري على الروضة." ركضت ريتال وارتمت بحضن جدها وقالت بذعر: "بتزعقلي تاني يا جدو.. اضربها أنا بخاف منها."
أغمضت علا عينيها ومسدت جبهتها بألم. بعد كلمات ابنتها اللاذعة، فذلك السامر سيجعلها ترتكب جريمة قتل عما قريب. فليست ريتال وحدها التي تشكو من عصبيتها وغضبها الغير مبرر. ابتسمت عيني فضل وهو يتابع ارتباك وتخبط علا بعدما هددها جاسم بكلماته الحازمة. فقد تأكد حدسه بأن علا تحمل بداخلها شيء لسامر. فتنهد مطولًا وقبل ريتال وقال بهدوء متزن: "ماما تعبانة شوية يا توتا.. بس أنا هعمل المستحيل عشان ترجع ماما الحلوة الطيبة تاني."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!