تجسد الألم بكل صوره على ملامحها، وانهار كل شيء فيها. تحطمت آمالها وأحلامها، وطُعنت بخنجر مسموم في روحها. هذا هو ما يسمى الفقد، فقدت كل شيء بجملة واحدة. اختفى عقلها، وتوقف قلبها، واندثرت أنفاسها. لم تشعر بشيء آخر سوى السقوط.
تابعت وعد ملامح روضة بتعجب. زاد تعجبها مع انتفاضة روضة وفتحها للنافذة دون حجابها. ثم رأتها تميل بهدوء حتى سكنت أمامها على الأرض دون حركة. تأملتها قليلاً بفزع قبل أن تخرج منها صيحة عالية جمعت الجميع حولها.
حمل عمرو روضة ومددها على فراشها وهو يهزها بذعر. لا حياة لمن تنادي. أعطته روان عطرها ونثرته على يده ومررها أمام أنف روضة، ولكن لم تستجب. فخرج مسرعاً وطلب من مالك أن يحضر طبيباً فوراً. هاتف مالك طبيباً يعرفه وطلب منه الحضور بسرعة. أغلق هاتفه وهو يشعر باختناق رهيب أصابه. حالته المتوترة جعلت قلقه على روضة أضعاف. كان مباحاً للجميع التواجد معها إلا هو. كان يقطع الشرفة المزدوجة بينهما ذهاباً وإياباً بقلق.
بعد نصف ساعة، جاء الطبيب وعاين روضة وبقي معها نصف ساعة أخرى حتى استجابت إليه وفتحت عينيها. تطلعت حولها بتعجب، حتى وقعت عيناها على ذاك الشخص الغريب. فلامست وجهها لتجد نفسها بدون نقابها، فغطت وجهها بيدها. قال لها عمرو بهدوء: "إهدي يا روضة، ده دكتور. إنتي بقيتي كويسة يا حبيبتي." وضعت يدها على رأسها متألمة وقالت بألم: "راسي بتوجعني. هو إيه اللي حصل؟ ثم تذكرت كلمات وعد إليها،
وعادت تردد بداخلها: "مالك.. ووعد.. يحبها.. سيخطبها... مالك.. ووعد.." أغمضت عينيها بألم وسقطت على وجنتها عبرة ساخنة، وبدأت تنتحب في صمت. سألها الطبيب بقلق: "حاسة بحاجة يا آنسة؟ كيف ستشرح له شعورها المؤلم حد الموت؟
حبيبها وأختها.. أختها وحبيبها. ترجمت الآن نظراتهما المتبادلة والتي ظنتها بريئة كنظراته إليها. ذُبحت، نعم ذبحت بسكين باردة بيد أغلى شخص على قلبها. صغيرتها التي اعتنت بها. أخذت تناجي ربها بنظراتها أن يلهمها الصبر، فقط القليل من الصبر لتطفئ تلك النيران التي تنهش في أحشائها دون رحمة. أعاد الطبيب سؤاله عليها بتوتر: "يا آنسة إنتي سمعاني؟ أومأت روضة برأسها وفتحت عينيها وقالت بخفوت: "أنا كويسة.. الحمد لله."
ابتسم إليها الطبيب مجاملاً وقال: "حمد الله على سلامتك." ثم لملم أدواته ووضعها بحقيبته وخرج من الغرفة يتبعه عمرو بقلق. بينما وقف مالك وسراج أمامه بتلهف لسماع تشخيصه. فقال بعملية: "هي عندها صدمة عصبية. أكيد في حاجة زعلتها. يا ريت تبعدوها عن أي توتر الفترة اللي جاية." قطب عمرو حاجبيه بتعجب وقال: "صدمة عصبية؟! أومأ الطبيب برأسه وقال مؤكداً: "أيوة. أنا إديتها حقنة مهدئة هتنام للصبح وإن شاء الله هتبقى كويسة. بعد إذنكم."
تبعه مالك. بينما استند عمرو بكفيه على الطاولة مطأطئ رأسه وقد تهدل كتفاه وهو يشعر بألم قاسٍ في صدره. اقتربت منه روان وربتت على ذراعه وقالت بحنان: "إهدي يا عمرو. كلنا محتاجينك دلوقتي." تطلع إليها بقوة كأنه يبث إليها ألمه. ودت وهي تتابع نظراته الحزينة أن تجذبه لصدرها وتضمه إلا أن تختفي تلك النظرات الحزينة من عينيه.
جلست وعد بجوار روضة ودموعها لا تنضب. قبلت كفها وهي تأبى تركها. لم تفهم مقصد الطبيب من صدمة عصبية. ظلت تسأل نفسها مطولاً ماذا فعلت لتصيب روضة بما أصابها. بقيت آمال معهم بغرفتهم. بينما بقيت وعد مستيقظة بجوار روضة حتى صلاة الفجر. صلت فرضها وعادت تجلس بجوارها حتى شعرت بثقل بعينيها. فضمت روضة لصدرها بقوة وغفت بهدوء.
تململت روضة في نومتها، حتى شعرت بيدين تكبلانها. فتحت عينيها بتثاقل، فوجدت نفسها بداخل حضن وعد. لم تتمالك نفسها وذرفت دموعها بهدوء. ثم ضمت وعد إليها وقالت بنفسها بنبرة مريرة: "ربنا يسعدك يا وعد.. ويقدرني أستحمل اللي جاي. أنا اللي غلطانة إني علقت نفسي بوهم وفضلت أكبره جوايا. إنتي مالكيش ذنب يا حبيبتي.. سامحيني."
ثم ابتعدت عن وعد ببطء، ووقفت متثاقلة. فرأت آمال وجدتها نائمتان على فراش وعد. فاتجهت للخارج فوجدت عمرو مستنداً برأسه على الطاولة. ما أن شعر بها حتى وقف مسرعاً وأجلسها على مقعد بجواره وسألها بقلق: "إنتي بقيتي كويسة.. طب حاسة بإيه.. طب أكلم الدكتور تاني يجي يطمنا عليكي ولا... قاطعته روضة بنبرة مرهقة وقالت بابتسامتها العذبة والفاترة: "إهدي يا حبيبي أنا كويسة الحمد لله.. ده أنا حتى كنت قايمة أصلي." ضمه لصدره بقوة
وسألها بفضول وعدم اقتناع: "إيه اللي زعلك ووصلك للصدمة العصبية اللي اتعرضتيلها دي." ابتلعت ريقها بتوتر وحاولت مقاومة تلك العبارات التي ملأت مقلتيها وقالت بسخرية: "صدمة عصبية.. مين اللي قال كده." "الدكتور." "صدمة إيه.. أنا بس حسيت إني مش قادرة أتنفس وفجأة دوخت شوية وأغمى عليا.. صدمة إيه بقى ده بيحلل القرشين اللي أخدهم بس." تطلع عمرو داخل عينيها وسألها بجدية: "يعني ما فيش حاجة زعلتك امبارح." هزت رأسها نافية وقالت بلوم:
"هزعل من إيه.. ده حتى امبارح ضحكت ضحك لما تعبت.. أنا هقوم أتوضأ وأصلي." تركته ودلفت للمرحاض تختبئ به، ولم تترك لدموعها العنان بل حبستها بداخلها حتى لا يشك عمرو بأمرها. وتوضأت وخرجت. ارتدت إسدالها وأخذت تصلي وتصلي وهي تدعو الله أن يغفر ذلتها وخطأها، وأن يعينها على القادم.
عاد أمير إلى دمياط بعدما أنهى صفقته الغالية بالأمس. كانت سعادته لا توصف، فما حصل عليه من بيع تلك الفتاتين تخطى أحلامه. ولكن ما يسعده أكثر هي الحالة التي ستصيب جاسم ورفاقه حين علمهم بفشل مخططهم بالوقوع به. ومن أراد أن يثبت أنه مدان فليثبت. صف سيارته وترجل منها وهو يخطو بثقة ناحية العقار الذي تقطن به رحاب. وصعد إليها مسرعاً. فتح باب الشقة ودخل ليجدها بإنتظاره. فسألها بتعجب: "إنتي لسه صاحية ما نمتيش."
ركضت رحاب ناحيته والفضول يقتلها. ثم وقفت أمامه وسألته بتلهف: "إيه الأخبار.. ونصيبي كام؟ أخرج من جيب سترته ورقة ومد يده بها نحوها، لتلتقطها مسرعة وتفتحها لتجحظ عيناها من المفاجأة. ثم قالت بفرحة: "معقول.. ده أكتر ما تخيلت." غمز لها أمير بعينه وقال بنظرات وقحة: "بس إنتي تستحقي يا مزتي." تعلقت برقبته وعانقته بشدة وقالت وقد وقفت على أناملها لتطاله: "حبيبي.. أنا بموت فيك." فك عقدة يديها من حول رقبته وقال بقلق:
"عاوزك تلمي كل حاجة ليكي في الشقة دي ونمشي من هنا فوراً.. قبل ما نلاقي يا البوليس.. يا رجالة جاسم قدامنا." أومأت برأسها وقالت بخوف: "حاضر.. هلم كل حاجتي بسرعة." وتوجهت لغرفتها مسرعة. وضعت حقيبة سفر كبيرة على الفراش وفتحتها وبدأت في ملئها بأشيائها. دلف أمير لغرفتها وسألها بضيق: "يعني العصفورة اللي حكتيلي عنها كده طارت.. بح." قطبت رحاب جبينها بضيق وقالت بحدة: "ده وقته يا أمير." جلس على مقعد بجوارها وقال بجدية:
"آه وقته.. أنا ما بحبش أضيع وقت." توقفت عن عملها وقالت بثقة: "تمام.. ما تقلقش يا سيدي. صحيح أنا مضطرة أختفي وأبعد عن الدار.. بس ربنا يخلي لينا الواتس آب." وضع ساق فوق ساق وسألها وجهه تعلوه الدهشة: "يعني إيه مش فاهم." عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بقوة وعلى ثغرها ابتسامة ماكرة: "يعني أنا اديت للعصفورة موبايل.. وعملتلها باقة نت ومكالمات.. وعلى تواصل يومي بيها.. وهي مش بتثق في حد قدي." ابتسم أمير ابتسامة جانبية ماكرة
وسألها وقد لمعت عيناه: "تستحق غموضك ده." عادت لعملها مرة أخرى، ثم قالت ببرود: "طبعاً تستحق.. دي أجمل من أجمل حاجة شوفتها في حياتي." رفع أمير حاجبيه بدهشة مما قالته، ثم قال بعملية: "معاكي صور ليها." ردت ببديهية: "أيوة طبعاً." "طب خليني أعاين." أخرجت هاتفها من جيب بنطالها وفتحته وبحثت بداخله قليلاً ثم وضعته أمام عينيه. أخذه منها وما أن رآها حتى أنزل قدميه واعتدل في جلسته وقال بتعجب:
"دي مصرية.. أوبا.. دي صاروخ عابر للقارات." امتعض وجه رحاب وقالت بضيق: "إنت هتعاكسها قدامي ولا إيه.. عارفة عنيك الزايغة دي عشان كده كنت مش عايزة أمير يشوفها."
زفر بقوة وهو يتنقل بين صورها بإعجاب شديد. فهي فتاة يافعة تشع أنوثة وبهجة، وابتسامتها تشفي العليل. شعراتها البنية الناعمة والمختلطة باللون الأصفر المنسدلة بتموجات ساحرة، وعينيها الرمادية الآسرة، وابتسامتها الشقية على شفاه تسحر قديساً، وبياضها اللؤلؤي. آية للجمال. وكل هذا في كفة وجسدها الملفوف في كفة أخرى. فرغم نحولها إلا أنها مكتنزة من أماكن تأخذ مخيلة أي رجل لمنطقة السحر. ابتلع أمير ريقه بتوتر وهو يلتهمها بعينيه، وقد قرر أن يبيعها أولاً على شرط أن تصبح له بعدها، فهو لم يشتهِ امرأة كما يشتهيها الآن.
فكر قليلاً ثم قال بخبث: "روحي هاتي الحاجات اللي في الحمام.. وما تسبيش وراكي قشاية." أومأت برأسها وقالت باقتناع: "عندك حق.. مش لازم أسيب حاجة ورايا." وتركته وخرجت، فأخرج هاتفه مسرعاً وأرسل تلك الصور لهاتفه. وبعد قليل فتحها على هاتفه مستمتعاً بتلك الوردة الرقيقة المثيرة للغاية. أغلق هاتفه وأعاده لجيبه. ثم وضع هاتف رحاب على الفراش وشرد بتلك الآخذة لثوانٍ حتى عادت رحاب وحزمت حقيبتها وقالت مسرعة: "أنا خلصت يا بيبي."
ابتسم أمير بمكر وقد لمعت عيناه بنظرات شيطانية وقال بنظرة تشفي: "كلها ساعة وصوت جاسم هيجيب التايهين لما يعرف إن حواره فكس معايا.. هموت وأشوفه." قبلته رحاب بوجنته وقالت بفخر: "وإنت مين يقدر عليك يا بيبي.. ده لسه ما اتخلقش." تنهد مطولاً وجذبها بالقوة فسقطت جالسة على قدميه. أخذ يقبلها وهو يقول بفرحة: "بس أكتر حاجة مفرحاني هي حرقة سامر على مخططهم اللي فشل." زمت رحاب شفتيها وهي مستمتعة بقبلاته وقالت بتعجب:
"اشمعنى سامر يعني." توقف فجأة، وقد تحولت ملامحه لشيطان غاضب مستعد لهدم العالم على من فيه وقال بصوت أجوف غاضب: "لأنه بيحلم بحاجة مش بتاعته.. ولو فكر يتمادى هحسره على نفسه." نظرت بثبات في عينيه وهي تقول بضيق: "علا برضه مش كده." أومأ برأسه وقال بغضب عارم: "أنا عشان أوصلها عملت اللي محدش يعمله.. دي بتاعتي أنا وعمري ما هسيبها لحد تاني مهما كان مين." ربتت رحاب على كفه وقالت على مضض:
"طب قوم خليني نمشي قبل ما يوصلوا بدري ويحطوا علينا." وقف هو الآخر وجذب حقيبتها ورائه وانطلقوا إلى مكان آمن لتظل به رحاب، بينما قرر أمير المواجهة ومن يحمل شيئاً يدينه فليخرجه. استيقظت وعد وبحثت عن روضة بجوارها ولم تجدها. وقفت مسرعة وخرجت من غرفتها فوجدتها تجلس على أريكة وتقرأ في المصحف بهدوء حزين. دنت منها واحتضنتها وقالت بأسف: "سامحيني يا روضة لو كنت أنا اللي ضايقتك امبارح."
أغلقت روضة مصحفها ووضعته بجوارها وضمت وعد إليها وقالت بابتسامة باهتة: "محدش ضايقني بالعكس.. بس مش عارفة إيه اللي حصلي.. يمكن ضغطي وطى." تطلعت وعد بعينيها لتستشف صدقها من كذبها فلم تخمن شيئاً. فعيني روضة قد افتقدتا بريقهما الناعم الشفاف والذي يعكس حالتها لأي شخص. تنهدت بأسى وقالت: "يعني يا رودي إنتي ما اتضايقتيش امبارح من الموضوع اللي كلمتك فيه." ابتلعت روضة تلك الغصة وهي تشعر بألم يمزق قلبها وقالت بجدية:
"بالعكس بقى.. ده أنا دلوقتي مطمنة عليكي جداً. مالك أنضف وأرق راجل قابلته في حياتي وهو اللي هيقدر يسعدك." ابتسمت وعد براحة وقالت بخجل: "بجد يا روضة إنتي شايفة كده." ملست روضة على شعراتها وقالت بخوف: "إنتي بتحبيه يا وعد." تنهدت وعد مطولاً، ثم أومأت برأسها وقد تورّدت وجنتيها خجلاً وقالت بخفوت: "أيوة." أغمضت روضة عينيها وقد أصبحت هشة وضعيفة وقد تزرف دموعها بدون أن تشعر، ولكنها ذكرت الله بداخلها وتوسلته أن يلهمها القوة.
ثم ابتسمت بهدوء وقالت: "ربنا يوفقكم يا حبيبتي." دلف عمرو فوجدهما يتحاوران سوياً فقال مداعباً: "يا صباح الورد.. جبتلكم فطار يجنن.. فول وطعمية وبتنجان... وجبنة إسطنبولي و....... وضع الأكياس من يده وقال وهو يقترب منهما: "عايز الأكل ده يتمسح مفهوم." ثم ضمهما لصدره وقد تشبثا به كأنهما قطتين صغيرتين. وقبل كلاً منهما بمقدمة رأسها وقال بجدية مازحة:
"يلا عشان نفطر.. ونوزع وعد هانم على شغلها.. وأستفرد أنا بروضة ونخرج نقعد على البحر." فسألته وعد بتعجب قلق: "طب وأنا هروح شغلي إزاي." عليها عمرو ببديهية طبيعية: "هتروحي مع مالك طبعاً." اتسعت عينا وعد بتعجب وقالت بشفتين ممطوطتين: "نعم!!! ده اللي هو إزاي يعني.. إنت عايزني أركب معاه لوحدي." أومأ عمرو برأسه وقال مؤكداً بجدية: "أيوة.. ما هو أنا مش هقدر أسيب روضة ومش هآمن تروحي شغلك لوحدك." فقالت وعد وقد أغمضت عينيها بفارغ
صبر وفتحتهما لتقول بقوة: "ولما حد يشوفني معاه لوحدي يقول إيه إن شاء الله.. لأ أنا هركب تاكسي أحسن." زفر عمرو بضيق وقال بحدة: "عايزاني أسيبك تركبي لوحدك مع واحد غريب من رأس البر لغاية دمياط الجديدة.. وكمان عارفة مشوار زي ده هيكلفك كام رايح جاى.. استهدي بالله واسمعي الكلام." أظلمت عينا وعد وهي تنظر إليه بصمت رهيب، بينما هو يتابع ردة فعلها بعينيها. إلى أن قالت أخيراً باستسلام حانق: "تمام.. بس هركب ورا."
"اركبى في المكان اللي يريحك إن شاء الله تركبي في الصندوق ورا.. يلا جهزي نفسك عشان مالك ما يقعدش يستناكي زي ما أنا ما بستناكي كل مرة." استدارت بعيداً عنهما وهي تكتف ذراعيها. ثم دلفت غرفتها وبدأت تحضر نفسها. بينما دنا عمرو من روضة وقبلها وهو يقول باهتمام: "هاخدك دلوقتي وهفسحك حتة فسحة تجنن." ارتفع حاجبها بتعجب وقالت بسخرية: "يعني يوم إجازتك.. وقاعد فاضي وحابب تتفسح.. تتفسح معايا ولا مع حبيبة القلب.. ده إنت فصيل."
عقد عمرو حاجبيه وهو يرد عليها بفظاظة: "بطلي حركاتك دي.. عشان هخرج معاكي برضه يا عمري." رسمت خطاً شاحباً على شفتيها متصنعة الابتسام وهي تخفي ألماً وجرحاً ينزف بقوة كلما اجتمع اسم وعد مع مالك بجملة واحدة.
ارتدت وعد تنورة طويلة بلون زيتي ذو حمالتين وارتدت عليها كنزة بيج وحجاب مزيج من اللونين. ثم ارتدت حذاء بيج بكعب عالٍ واكتفت بوضع الماسكارا وأحمر شفاة خفيف. ولم تنسَ صبغ حاجبيها بلون بني غامق ودارت نقاط نمشها بكريمها الخاص. وقف مالك ينتظرها بضيق، حتى أطلت عليه وهي تعدل حقيبتها التي ارتدتها على جانبها. وقف يتأملها بإعجاب، وضيق بعض الشيء، فقد كانت فاتنة. ولام نفسه كثيراً كيف لم يرها بهذا الجمال من قبل.
هبطت وعد درجات الدرج وهي تتأمله بحرج، فقد كان وسيماً جداً. كان يرتدي بنطلون جينز مهترئ وعليه تي شيرت بلون أصفر وسترة شبابية باللون الزيتي. وقفت بجواره وقالت بخفوت من حرجها: "صباح الخير." ارتفع حاجبه وهو يقول بنفس الخفوت: "صباح النور."
ثم فتح لها الباب المجاور له، فرمقته بغضب، ثم سارت قليلاً وفتحت الباب الخلفي وركبت بهدوء. تطلع إليها مالك بتعجب وهو يداري ابتسامته، ثم لف حول سيارته وركب خلف المقود. عدل المرآة الأمامية ليستطيع متابعتها طوال الطريق. انتبهت لحركته فقالت بضيق: "من أولها كده.. هتركز في الطريق وبس تمام."
لا ينفي أنها أغضبته بكلماتها الجافة تلك، ولكنه لن يسمح لغضبه أن يؤثر على تلك النشوة المشتعلة بداخله. فهي ستظل معه طوال الطريق الطويل بمفردها، ولن يضيع تلك الفرصة للتقرب منها. ثم أجابها ببرود: "تمام.. روضة أخبارها إيه دلوقتي.. وتعبت من إيه." تنهدت مطولاً وزفرته بحدة وقالت بضيق وحزن: "حساها بتتوجع.. بس مش عارفة إيه اللي واجعها كده." ساد الصمت تماماً حتى قال مالك بصوته الرجولي الأجش، ولكن بنبرة حانية:
"لما نرجع هقعد معاها ونتكلم.. هي بترتاح في الكلام معايا." شردت وعد بالطريق، ثم عادت بعينيها للمرآة الأمامية فوجدته يتأملها بصمت. فقد كان ينظر إليها نظرات غريبة، شديدة العمق، والعشق. إلا أنه تحدث أخيراً وقال: "على فكرة طقمك اللي إنتي لبساه شيك جداً.. وحلو قوي عليكي." ابتسمت بخجل وقالت وهي تعدل من وضع جيبتها: "ده هدية عمرو ليا.. ذوقه يجنن مش كده." أومأ مالك برأسه وقال وهو يبتسم بهدوء:
"فعلاً ذوقه حلو.. بس الأحلى إنك إنتي اللي لابساه." هزت رأسها بيأس وقالت بقوة وهي تداري ابتسامتها الخجلة: "وبعدين بقى.. كنت عارفة إنك مش هتعديها على خير." ضحك ضحكة عالية وفتح نافذة سيارته وصرخ بصوت عالٍ وقد تملّكته لحظة جنون لن تتكرر: "بحبببببببببك." عضت وعد شفتها بشدة ووضعت كفيها على وجهها من خجلها وقالت بخفوت: "يا نهار أسود.. إنت اتجننت." أغلق النافذة، وقال وهو يلتفت إليها بابتسامة متسعة، وقد ظهر بعينيه جموحه
الخارج عن نطاق السيطرة: "بحبك.. والله العظيم بحبك قوي." رفعت سبابتها بوجهه وصرخت بغضب: "لو ما التزمتش معايا هنزل وهركب تاكسي مفهوم." حاول عض إصبعها، فجذبته نحوها وتطلعت إليه بتحذير وقالت بحدة: "زودتها قوي.. وهنزل وهسيبك بجد." تطلع للطريق مجدداً، وقال وهو يبتسم براحة ورضا: "مش مصدق إني بحب بالشكل ده.. مش بفكر غير فيكي وبس.. كنتي فين قبل كده إزاي محستش إني بحبك كده." توردت وجنتاها بشدة وقالت وهي تخفي وجهها بيديها:
"هزعل منك.. كفاية بقى." رد عليها بجدية مفتعلة وهو مازال يتأملها في المرآة: "حاضر.. نتكلم جد شوية.. قوليلي بقى عجبتك هديتي." ردت بخفوت وهي تداري خجلها وسعادتها بكلماته العاشقة وصياحه الذي زلزل كيانها بشدة، فمالك الهادئ العاقل غدا على يدها مجنوناً: "طبعاً عجبتني.. ده كان حلم عمري.. متشكرة قوي." تنهد مطولاً وهو يستمع لكلماتها الطفولية وطريقة نطقها المثيرة، ثم قال بمكر: "طب ممكن أطلب منك طلب." أومأت برأسها قائلة: "أها."
استعاذ بالله من الشيطان الذي يجلس بجواره ووسوسه وبشدة تجاه تلك الكومة من غزل البنات الجالسة خلفه، ثم قال بشغب: "ممكن تعزفيلى كل يوم قبل ما أنام.. عايز أغمض عيني وأنا بسمع عزفك وأتخيلك جنبي." بللت شفتيها بلسانها بتوتر وقالت وهي تفرك كفيها بخجل: "حاضر بس بشرط." هز رأسه نافياً بقوة وقال بحدة: "مستحيل تتشرطي عليا تاني.. أنا وبس اللي هتشرط من هنا ورايح.. وكلمتي تتسمع من أول مرة مفهوم." مصمصت وعد شفتيها بضيق وصاحت بغضب:
"إيه الكلام ده إن شاء الله.. لأ.. على فكرة أنا محبش حد يسيطر عليا.. حتى لو كان مين.. أنا عارفة حقوقي وواجباتي كويس جداً." امتثل لغضبها، وقال مغيراً للموضوع: "مش هجادلك دلوقتي بس لما تبقي ليا هعرف إزاي اخليكي تسمعي كلامي." حدقته بضيق وقالت بقوة: "طب بص قدامك بقى لنعمل حادثة."
كلما غزى صوتها أذنيه يغمض عينيه بتلذذ، ويبتسم بهدوء متنهداً وزافراً عشقاً. قلبه تعلق بالكثيرات قبلها، ولكن لم يصل لمرحلة الإدمان تلك من قبل مع إحداهن. تطلع لهيئته بالمرآة ورش عطره وخرج مسرعاً ليسبقها قبل أن تأتي وتستقل المصعد بمفردها، ربما تتأذى دون أن يشعر بها أحد. خرج جاسم من غرفته فوجد علا بانتظاره. فهم من نظراتها إليه أنها تنوي محادثته بشأن وعد. فحاول تجاهلها وقال وهو يعدل من وضع ساعته حول
معصمه ويبتعد بعينيه عنها: "صباح الخير يا لولو." وقفت أمامه وقالت وهي تحدجه بمكر فقد فطنت لما يدور بخلده: "عاوز تهرب مش كده." رفع حاجبه باستنكار وقال بصوت رخيم يحمل الحزم: "أهرب من إيه إن شاء الله.. عايزة مني حاجة." عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بقوة: "أيوة عاوزة نتكلم في موضوع وعد.. نظراتك ليها امبارح مخوفاني جدا." ابتسم ابتسامة والهة وهو يتخيلها أمامه، ثم سألها بفضول: "بس إيه رأيك فيها.. بجد." تنفست مطولاً بيأس،
ثم قالت بهدوء: "هي حلوة جداً ما أنكرش.. وطيبة وبريئة ولسه الدنيا ما لوثتهاش." رفع سبابته بوجهها وقال مسرعاً: "أهو هو ده.. لسه الدنيا ما لوثتهاش.. برائتها هي اللي بتشدني ليها." ضغطت علا على شفتيها بضيق وقالت بصياح هادئ: "بس كمان نظراتها لمالك كانت واضحة جداً.. شكلها بتحبه.. وهو كمان بيموت فيها." أغمض عينيه بغضب ينهشه، فهو لا يحتاج لها لتذكره بما يراه يومياً أمام عينيه. بل هو ما نبه مالك لعشقه لها.
ثم قال بصوت لا حياة فيه: "غصب عني لقيتني بحبها.. من أول ما كلمني عنها ووصفهالي وأنا بفكر فيها.. غصب عني والله." ربتت علا على ذراعه وقالت برأفة: "حاول تنساها يا حبيبي.. هي مش ليك صدقني." تنهد بأسى، ثم ابتسم بشجن قاتل وقال: "همشي أنا بقى.. وهبقى أبعتلك سامر عشان تخلصوا موضوع ديكورات الشركة الجديدة.. وبلاش تختلفوا المرة دي كمان." اتسعت عيناها بفزع وقالت برجاء: "لأ.. سامر لأ.. تعالي إنت أو ابعتلي الأستاذ مالك."
ابتسم بضيق وقال مستفهماً: "هموت وأعرف مش طايقاه ليه.. ده حتى دمه سم ومش بيبطل هزار." تأففت بطفولة وتعلقت بذراعه وقالت متوسلة: "عشان خاطري سامر لأ.. مش بطيقه يا جاسم." أزاح يديها وارتدى نظارته الشمسية وقال: "هشوف لو مالك فاضي هيبقى يجيلك.. يلا سلام."
تركها وانصرف وهي تغلي من غضبها وحنقها رغم تلك القطعة الصغيرة بداخلها والتي تتمنى رؤيته. إلا أنها تقاومها وبشدة وتعلم أنها كما نجحت سابقاً ستنجح حالياً، فمنذ ذلك اليوم الذي لفظته من حياتها قد وعدته حينها وعداً بلا رحمة لما قد سيصيبه منها وستظل على وعدها.
ركب جاسم سيارته وانطلق مسرعاً حتى ينتظر قدوم وعد ليستقل معها المصعد. كلما تذكر حوارهما الصغير بالأمس يبتسم دون توقف. فحبيبته البريئة ائتمنته على سرها الصغير. تابع الطريق بشرود وهو يفكر بها وبمالك. إلا أن قرر أن يطاوع شيطانه ويأخذها لنفسه مهما كلفه الأمر، حتى ولو خسر أعز ما لديه بالدنيا صداقته لمالك. كان مالك في أسعد لحظات حياته وهي معه بنفس المكان بمفردهما. لم تتركها عيناه طوال الطريق. ولكنه سأم من حالة الصمت التي
طالت بينهم فقال بمشاغبة: "منورة عربيتي المتواضعة يا سنجوبة." أجابته وهي تتطلع بالطريق وتفرك أصابعها من التوتر: "ميرسي." ثم سألها بتلهف آمر: "هو إنتي مش هتخلصي شغل مع عبد الصمد وتيجي مكتبنا بقا." أجابته بهدوء رزين: "وإنت عايزني معاكم ليه.. أنا شغلي غير شغلك." التفت إليها نصف التفاته وقال هامساً: "عاوزك قدامي طول الوقت.. لما بتبعدي عني بتجنن.. بحبك قوي يا وعد." زفرت وعد بضيق وقالت بنفاذ صبر:
"مالك.. ترضى إن عمرو كان يقعد يكلم روان زي ما إنت بتكلمني دلوقتي قبل ما يكتب كتابه عليها." عاد للطريق بعينيه وهو يشعر بخجل وخزي من كلماتها. بينما تابعت هي بعد أن لاحظت تأثره بكلماتها: "لحد دلوقتي وعمرو بيحافظ على أختك يا مالك لأنها أمانة رغم إنها مراته.. وعمرو ما يرضاش باللي بتعمله معايا دلوقتي." تنهد مطولاً وزفره على مهل وقال بصوت متوتر: "عندك حق.. أنا آسف ومش هضايقك تاني.. سامحيني." تنهدت براحة وقالت:
"شكراً إنك فهمتني." وعادوا لصمتهم مرة أخرى، ولكن لصمتهم أيضاً حكاية. فهو يختلس النظرات إليها، وهي تختلس النظرات إليه خلسة. وذلك لاقتناعهم التام أن الصمت يجدي أحياناً وأنه أبلغ من الكلمات.
وصلوا أخيراً للشركة وكان جاسم في انتظارهم. رأى مالك وهو يصف سيارته وما أزعجه ترجل وعد منها. تشنجت تعابيره وبات يشع ناراً من عينيه كلما تخيل أنه اختلى بها طوال الطريق الطويل من رأس البر إلى دمياط الجديدة. ترجل من سيارته وتبعهم حتى وقف خلفهم أمام المصعد. لم يلحظوه في البداية فقال بضيق: "صباح الخير." التفتا إليه وقالا سوياً: "صباح النور."
صافحه مالك مصافحتهم اليومية، ثم انتبهوا لوصول المصعد ففتح مالك الباب ومد يده لوعد أن تتقدم، فاستقلته أولاً تبعها مالك وجاسم. ما أن انطلق المصعد حتى ارتجفت وعد بخوف. شعر بها جاسم فالتفت إليها مسرعاً. رأى زرقة شفتيها فرفع يديه أمام وجهها وتعلقت عيناها به فقال بهدوء: "إهدي.. واتنفسي كويس.. تمام." أومأت برأسها دون حديث. فقال لها مالك بقلق: "وعد.. مالك يا حبيبتي."
اكفهر وجه جاسم وضغط على أسنانه بقوة بعدما استمع لسخافة مالك بالنسبة إليه. ولكن وعد لم تترك عيني جاسم كأنها اعتادت على كلمات الدعم منه. فقال لها جاسم بفرحة مخفية: "قربنا نوصل.. ظبطي نفسك واهدي." أومأت إليه برأسها وهي مازالت متعلقة بعينيه. ومالك يشاهد ما يحدث كأنه يشاهد التلفاز. لوهلة شعر بغيرة خفيفة، ولكن لم تطول بعدما رآها تستجيب لكلمات جاسم وهدأت وأخذت نفسها بهدوء.
انتبهوا لوقوف المصعد فترجلوا منه. وقفت وعد قليلاً لالتقاط أنفاسها، ثم قالت بخجل: "أنا آسفة بجد.. قلقتكم عليا." فقال لها جاسم بتلقائية: "لأ خلاص أنا اتعودت.. ده اليوم اللي مش بتخض فيه عليكي ما يتحسبش من عمري." ضحكت وعد بخفوت ومالك مازال يتابع حديثهما ونظراتهما بغضب. اعتدلت وعد في وقفتها وقالت: "هروح لمستر عبد الصمد بعد إذنكم." أوقفها جاسم بحزم وهو يقول بجدية وعملية: "تعالي معايا يا وعد مكتبي عايزك في موضوع ضروري."
أومأت برأسها وقالت: "حاضر يا باشمهندس." رفع مالك حاجبه باستنكار وقال بهدوء ما قبل العاصفة: "موضوع إيه اللي إنت عايزها فيه." تطلع إليه جاسم بتعجب وقال ببديهية: "إنت ناسي إنها مديرة مكتبي.. وبعدين أنا عايزها عشان موضوع الأرض اللي هي حلتها بسهولة ولازم تحضر معايا وأنا بتفق مع أصحاب الأرض.. فيه مشكلة بقا." شعر مالك بالحرج وقال متأسفاً: "لأ عادي ما أقصدش أنا بس كنت بفهم يعني.. وأنا آسف إني أدخلت بينكم.. يلا أشوفكم بعدين."
تركهما وانصرف وجاسم أصبح يبغضه بشكل يؤلمه. فمن أصبح عدو اليوم هو صديق وأخ الأمس. لاحظت وعد شروده، فطرق بإصبعيها أمام عينيه وقالت بتعجب: "هاي.. مالك يا باشمهندس." انتبه إليها ثم ابتسم ابتسامة واسعة وقال وهو يشير إليها بذراعه: "قدامي على المكتب يلا." أدت التحية العسكرية وقالت بنبرة جادة وتحمل كل المزاح بها: "تمام يا باشمهندس."
ثم سارت أمامه، وهو يتطلع إليها بعشق يعشق جمالها الهادئ، وبرائتها اللذيذة، ومشيتها المثيرة والتي أبرزها لبسها اليوم فقد كانت جذابة بشكل آخذ للعقول. سار ورائها وهو يلتهمها بعينيه. دلفا لغرفته فالتف جاسم وأغلق باب مكتبه بتلقائية، فتطلعت إليه وعد بضيق. فانتبه أنه أغلق الباب فقال متأسفاً: "آسف والله نسيت."
ثم التفت وفتح الباب. توجهت وعد لمكتبه وجلست على المقعد المقابل لمكتبه ووضعت حقيبتها على الطاولة أمامها. بينما جلس جاسم لمكانه وقال بهدوء رزين: "أنا الجماعة أصحاب الأرض كلموني امبارح بالليل وطلبوا يقابلوني ضروري.. فا اديهم ميعاد النهاردة عشان أعرف هما عايزين إيه.. بس طبعاً بعد سؤال هيئة الآثار عن الأرض خافوا وصدقوا الكذبة دي.. فأكيد النهاردة هيخلصوا معايا." أومأت وعد برأسها وقالت بمكر:
"أيوة يا عم هتوفر قد كده بسببي.. ادعيلي بقى." ابتسم على عفويتها اللذيذة، وتلقائيتها المحببة لقلبه، ثم قال وهو يحدجها بقوة: "اطلبي اللي إنتي عايزاه فوراً وأنا مستعد." طأطأت رأسها بخجل وابتسمت بهدوء وقالت وهي تعبث بأصابعها: "متشكرة.. أنا أصلاً مش عارفة أشكرك على هديتك ليا امبارح إزاي.. بس سؤال بسيط.. هي الأحجار اللي بالمصحف أحجار حقيقية مش كده." أومأ جاسم برأسه مؤكداً وقال وهو يحدج بعينيها هائماً بهما،
وبلونهما اللوزي الهادئ: "أيوة.. دي أحجار فيروز أصلية.. عجبتك." "أيوة.. ومتشكرة كمان مرة." دلت راندا إليهم وقالت: "في اتنين برة بيقولوا إنهم على ميعاد سابق مع حضرتك." أشار إليها جاسم بيده وقال بجدية: "أيوة فعلاً.. خليهم يتفضلوا." خرجت راندا ودلف رجلان في عمر والده إلى مكتبه، فنهض مسرعاً والتف حول مكتبه ووقف في استقبالهم وقال بهدوء: "أهلاً وسهلاً يا فندم." وأشار لهم على وعد وقال معرفاً: "آنسة وعد القاضي مديرة مكتبي."
مد أحدهم يده إليها وقال بابتسامة ودودة: "أهلاً آنسة وعد." تطلعت وعد ليده بحرج بينما صافحه جاسم مرة أخرى وقال معتذراً بلباقة: "معلش آنسة وعد مش بتسلم بالإيد." تطلع بها الرجل بإعجاب وهو مازال محتفظاً بابتسامته وقال بفخر: "ربنا يحميكي يا بنتي ويكثر من أمثالك." جلسوا على الأرائك الجلدية والمقابلة لبعضها البعض، فسألهم جاسم مدعياً عدم الفهم:
"بصراحة يا جماعة أنا محتار في إني أعرف سبب زيارتكم إيه.. انتوا رفضتم البيع وأنا هصرف نظر عن الأرض دي كلها." اتسعت عينا أحدهما وقال مسرعاً بتوتر: "بس يا جاسم باشا.. إحنا خلاص موافقين نبيع.. وما هانش علينا حضرتك تزعل مننا ويتعطل شغلك بسببنا فا حبينا نفرح حضرتك بخبر البيع." عقد جاسم ذراعيه أمام صدره وقال بنبرة ثابتة تحمل الحزم: "متشكر لشعور حضرتك بس خيرها في غيرها إن شاء الله." فأعاد الرجل رجائه قائلاً بنبرة انكسار:
"ليه كده يا جاسم باشا ده إحنا مستعدين نتنازل شوية في المبلغ اللي طلبناه عشان إنت تشوف مصالحك وإحنا ربنا يعوض علينا." أجابه جاسم ببرود وهو بملامح وجه متجمدة: "أكيد ربنا هيعوض عليكم بس صدقني أنا خلاص قربت أشوف قطعة أرض بديلة وبسعر أحسن." تطلع الرجلان ببعضهما فقال الآخر بخوف: "يا جاسم يا ابني.. إحنا جينا بنفسنا وأنا قدرت أقنع شركاتي عشان نبيع الأرض ليك وما أخبيش عليك إحنا محتاجين الفلوس جدا."
التفتت وعد لجاسم وقالت برجاء ماكر وهي تتطلع إليه بتلقائية ألهبت حواسه تجاهها وهو يتوه بمتاهات عينيها وذلك الخط الوردي بجانب عينها، ولكنه عاد لواقعه وهي تقول بصوتها العذب: "ممكن أتكلم أنا يا باشمهندس وترضى بحكمي." تصنع جاسم الضيق وقال بحدة: "إنتي عارفة يا آنسة وعد أنا مش بكسرلك كلمة وبحترم عقلك وقرارك جدا.. بس أنا مش حابب أشتري الأرض دي خلاص."
هدأت من نبرتها وقالت وهي شبه تتوسله بنظرات كنظرات جرو صغير، ولم تدرك أنه الآن يريد أن يجثو أمامها على ركبتيه ويتوسلها لكي تعشقه نصف عشقه إليها. بينما قالت هي: "معلش يا باشمهندس عشان خاطري.. هما كانوا طالبين كام وانت مستعد تدفع كام." تنهد جاسم مطولاً متابعاً تمثيله الرائع، ثم قال بصوته الرخيم: "هما طلبوا ٨ مليون جنيه وأنا عرضت ٣ مليون.. وبصراحة أنا مستغليه جداً.. ومش هرمي فلوسي في الأرض." تصنعت وعد التفكير
لدقائق وقالت بعملية: "طيب أنا عندي حل يرضي الطرفين ونبقى مسكنا العصايا من النص." فسألها أحدهم بانتباه شديد وفضول: "حل إيه يا بنتي." اعتدلت وعد بجلستها وقالت بنظرات ثاقبة لملامح وجههم: "٥ مليون كويس قوي.. وبكده الباشمهندس ما يخسرش وأنتم تكسبوا ٢ مليون زيادة." تطلع الرجلين ببعضهما بضيق، فقال جاسم بقوة وحدة بعدما لاحظ تراجعهم:
"معلش يا وعد بس أنا مش موافق.. إنتي معايا ولا معاهم إزاي عايزاني أدفع ٢ مليون جنيه زيادة لأ مش موافق طبعاً." رفعت وعد كتفيها باستسلام وقالت بدهاء: "خلاص اللي تشوفوه.. أنا بس الحاج صعب عليا فقولت ماينفعش يمشي زعلان." تملك القلق والخوف من الرجلين فقال كبيرهم مسرعاً: "خلاص يا بنتي وأنا مش هنزل كلمتك الأرض.. وإحنا مستعدين نبيع على ٥ مليون وربنا يعوض علينا." زفر جاسم بغضب وصاح في وعد بغلظة:
"إيه اللي بتقوليه ده يا وعد.. بس كده كتير عليا.. إنتي تعرفيهم من قبل كده." شهقت وعد بخوف وقالت بملامح حزينة مصطنعة: "أنا يا فندم.. حضرتك عارف إني بحترم شغلي وعمري ما هبيعك وأنا والله أول مرة أشوفهم." رد أحدهم مسرعاً: "يا جاسم باشا إحنا أول مرة نشوف الآنسة.. وخلاص إحنا رضينا بحكمها ويا ريت حضرتك زي ما قولت في الأول ما تكسرلهاش كلمة." مرر جاسم كفيه على وجهه بضيق وقال مستسلماً:
"خلاص ما عنديش مانع.. هنخلص على ٥مليون ومبروك علينا." ثم وقف ليقف الرجلين مسرعين وصافحوه بفرحة شديدة بعدما ظنوا أنهم رموا الأرض بمشاكلها على كاهله. ربت جاسم على كف كبيرهم وقال: "جهزوا حضارتكم الأوراق اللازمة وباشمهندس مالك سراج هيتفق مع المحامي وهيخلص معاكم الموضوع." أجابه الرجل برزانة وثقة: "إن شاء الله.. مبروك عليك ويديك خيرها إن شاء الله." "الله يبارك فيك." استعد الرجلان للرحيل وقال كبيرهم بود:
"بعد إذنك يا ابني.. وفرصة سعيدة يا بنتي." ردت وعد بابتسامتها الساحرة: "أنا أسعد يا فندم.. شرفتونا ونورتونا." رحل الرجلان بهدوء، لينفجر جاسم بفرح وهو يقبض كفه ويسحب ذراعه لأسفل وقال بانتصار: "Yes." زادت ابتسامة وعد لتتحول لضحكة على حركته التلقائية، بينما رفعت ذراعيها بغرور وقالت: "ما يجيبها إلا بناتها." غمز لها جاسم بعينه وقال بمداعبة: "عاش يا وحش.. هصرفلك شهر مكافأة ومش عايز اعتراض مفهوم." أومأت
وعد برأسها وقالت بخجل: "اللي تشوفه يا فندم." دلف عليهما مالك وسألهم بفضول: "هاه.. عملتوا إيه.. طمنوني." أجابه جاسم بفخر وإعجاب ملأ كل خلجات قلبه من تلك الملاك الواقفة بينهم بعينين تلمعان فور رؤيتها لمالك وهذا ما يصيب جاسم بغضب سيؤثر عليهم جميعاً: "وعد خلصتها ب٥ مليون بس." تطلع مالك بوعد وسألها متعجباً: "بجد يا وعد." أومأت برأسها مؤكدة، فتنهد مالك بقوة وقال بفرحة: "برافو عليكي.. ربنا يحميكي ومن نجاح لنجاح."
احمرت وجنتاها بخجل وقالت بصوت خافت: "متشكرة." تطلع إليهم جاسم بغضب والنيران بداخله تلتهمه دون رحمة. كلما رأى تورد وجنتيها الآسر مع تواجد مالك حولها يشعر بنصل حاد يخترق صدره يجبره على الصراخ ألماً ولكنه يكتمه بداخله كأنه يدفع بيده ذلك النصل لينغمس أكثر مسبباً ألماً مضاعف. تنهد بحزن حتى رن هاتف مكتبه فتوجه ناحيته ورد بضيق: "ألو... أهلاً يا سيادة الرائد....... في أخبار جديدة أرجوك طمني........... هاه...
إنت بتقول إيه....... يعني إيه البنات فص ملح وداب........ إزاي ده حصل ورجالتك كانوا فين...... يا نهار أسود..... ليه كده.. يعني خلاص راحوا...... ما تقوليش إهدى........ لأ خلاص كل واحد فينا يدور بطريقته بس أمير أنا مش هسيبه والبنات دي هقلب عليهم الدنيا...... معلش يا سيادة الرائد إنت دور وأنا هدور بس من هنا ورايح هعتمد على نفسي وعلى رجالاتي وبس......... القانون على عيني وراسي بس برضه مش هسيبه سلام يا فندم."
وأغلق الهاتف واستند على المكتب بذراعيه وقد تهدل كتفاه بكسرة وحسرة مؤلمة. أغمض عينيه يقاوم غضبه الهادر حتى انفجر صارخاً. وانتفض كل عرق بجسده مع صراخه المدوي ثم بيده أزاح كل شيء على مكتبه مسبباً دوياً كبيراً.
حالة من الهياج أصابته جعلت وعد ترجع خطوتين للخلف واحتتمت بمالك ووقفت ورائه وهي تتابع تلك الحالة العصبية المنفلتة من جاسم بخوف وذعر. بينما هدأه مالك بعدما فهم من كلماته أن أمير قد نجا بنفسه ودفع بفتاتين إلى نيران ستلتهمهما دون رحمة قائلاً: "اهدأ يا جاسم لو سمحت.. وفهمني إيه اللي حصل." دلف سامر للمكتب وأغلق الباب وهو يتابع تجمع الموظفين بالشركة على أثر صرخة جاسم وتكسيره لمتعلقات مكتبه. ثم استدار إليهم وسألهم بقلق:
"إيه يا جماعة جاسم ماله." مسك جاسم رأسه بيديه وصرخ مجدداً بغضب هادر وحزن على فتاتين اغتالت براءتهما وشرفهما على يد حيوانات لا تعرف الرحمة في مقابل شهواتهم. ثم قال بتخبط: "راحوا.. البنتين أمير باعهم خلاص.. أنا لازم أقتله بإيديا وأرحم الناس من شره." وقفت وعد تتابع الموقف بتعجب وعدم فهم. ولكنها انتفضت مذعورة مع تكسير الواجهة الزجاجية لخزانة الملفات الخاصة بجاسم بعدما هشّمها سامر بيده من شدة غضبه وقال بصياح أشبه بثور
قد ذبح لتوه ويخور بألم: "ال****** ال ****** ورحمة طارق ما هسيبه يتهنى بقرش واحد أخده تمن للبنات دي.. هقتله وأشرب من دمه." ركض مالك ناحيته وتطلع لكفه التي نزفت دون أن يشعر بها سامر. وقال بصياح: "إيه اللي عملته ده يا مجنون.. وريني إيدك بسرعة." تطلع لجرحه فوجده سطحي لا يحتاج لتقطيب ولكنه يحتاج لتعقيم ومداواة. فالتفت لوعد المذعورة وقال بصياح عالٍ: "هاتي شنطة الإسعافات من الأجزخانة اللي في حمام جاسم يا وعد بسرعة."
وقفت وعد تتابع صراخ جاسم وحركات سامر المتنافية لكل حدود العقل وأخيراً صياح مالك بها. شعرت بنفسها تدور داخل هوة كبيرة تتسع وتحملها بداخلها. فارتفع ذراعيها نحو رأسها وقالت بصوت خافت: "بس بقى.. وطوا صوتكم ده." ولكنهم لم يستمعوا إليها وجاسم يتابع صراخه الغاضب، وسامر مازال يضرب الخزانة بقدميه ومالك متمسك بكفه وصياحه بوعد يزداد. حتى صرخت قائلة وهي تشعر بخوف شديد تملكها لتصرخ بصوت مبحوح من شدة ذعرها:
"ببببببببببببببببببببس." انتبه إليها ثلاثتهم ليجدوها جالسة على الأرضية وتضم رأسها لركبتيها برعب شديد. ركضوا نحوها بقلق فسألها مالك بخوف: "وعد.. ردي عليا.. ما تخافيش يا وعد أنا إزاي ما أخدتش بالي وخرجتك من هنا.. ردي عليا يا وعد ما تخافيش." رفعت رأسها بخوف. وتطلعت إليهم بعيون قد تحجرت بها الدموع. فاقترب منها جاسم وقال بابتسامة مشجعة باتت هي اليد التي تمتد عليها لتسحبها من عالم الذعر والخوف لمنطقة الأمان والراحة:
"إحنا آسفين لو كنا خوفناكي للدرجة دي.. بس عشان خاطري اهدي عشان أحكيلك على المشكلة اللي إحنا فيها وساعتها هتفهمي إحنا ليه انهارنا كده.. تمام." كانت عينيها تطوف بملامح وجهه الصارم والجميل بنفس الوقت. ولكن لعينيه قصة أخرى فقد تشبثت بهما تستلهم القوة والصدق منهما. وبعد لحظات أجابته بخفوت: "بجد هتحكيلي." اتسعت ابتسامته المطمئنة وأومأ برأسه مؤكداً وقال هامساً: "أقولك على سر."
ظهر شبح ابتسامة على شفتيها وهزت رأسها بهدوء موافقة. فأردف قائلاً بخفوت: "إحنا قاعدين على الأرض زي العيال الصغيرة.. ولو حد دخل علينا دلوقتي هيطلب لنا السرايا الصفرا." اتسعت ابتسامتها وهي مازالت متعلقة بعينيه كأنه رمى شبكة صيده في بحر عات الأمواج لتخرج شبكته بلوزتين بنيتين ملكه هو وحده دون غيره. لم تحد بعينيها عن عينيه رغم سؤال مالك الخائف: "قادرة تقفي يا وعد."
أومأت برأسها وهي مازالت أسيرة تلك الشباك السوداء التي أسرتها بداخلها. اطمأن مالك عليها بعد إيمائها فهذا دليل على استيعابها لما يدور حولها لأنه خشي أن تدخل بإحدى نوبات خوفها وحينها ستمر بما مرت به سابقاً. كان جاسم في أسعد أوقات حياته رغم الألم الذي أرهقه منذ قليل وصوته الذي قد بح بسبب صراخه الهادر إلا أنه قال مطمئناً: "إنتي كويسة قومي يلا.. يلا." وقفت بتثاقل وقرب مالك إليها مقعداً لتجلس عليه. استندت عليه وجلست بوهن.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!