الفصل 8 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل الثامن 8 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
16
كلمة
8,801
وقت القراءة
45 د
التقدم في الرواية 26%
حجم الخط: 18

جلست روضة على أحد المقاعد الممددة في مواجهة البحر. تحمل كتابًا كعادتها تقرأ به، ولكنها كانت تمنح نفسها فرصة للشرود المسبب. ورائحة عطر مالك تنشط مع كل ورقة تحركها. رفعت عينيها تطالع البحر وبها كل الرغبة في إلقائه بالبحر كي يختفي ويختفي معه عطره. ملّ عمرو من صمتهما الطويل، فزفر بضيق وقال برجاء: "رودي.. علشان خاطري سيبك الكتاب ده واتكلمي معايا. زهقت." أغلقت الكتاب على مضض وقالت بحدة:

"يا ابني ما أنا قولتلك سيبني لوحدي. انت اللي مصمم تقعد على قلبي. بقولك إيه قوم انزل البحر أو روح اقعد مع روان شوية يلا." زمّ عمرو شفتيه بامتعاض وسحب نفس طويل ونفثه من أنفه بغضب وقال باستسلام: "براحتك.. هرجع اقعد معاهم شوية وهرجعلك. إوعى حد يعاكسك." ضحكت روضة بخفوت وقالت ساخرة: "وهو شايف مني إيه علشان يعاكسني الحد ده. قوم يا عمرو زهقتني." وقف وعدّل من ملابسه وقال وهو ينصرف: "شوية وهرجعلك."

تركتها وابتعدت، فتنفست روضة الصعداء وتركت لدموعها العنان. ثم امتدت يدها لتحت نقابها وتمسكت بسلسال مالك وزاد بكاؤها الذي تحول لنحيب مؤلم وهي تتذكر أن الإنسان الوحيد الذي عشقه قلبها أصبح قلبه لغيرها. وغيرها هي وعد. كيف ستستطيع رؤيتهما سويًا؟ بل كيف ستحتمل قسوة نظراتهما وهمساتهما؟

ظلت ترجو الله بداخلها أن يلهمها الصبر ويُسامحها على ذنبها الذي عوقبت بسببه بالبعد عن من أحبت. هدأت قليلاً ولازمت الاستغفار ليغفر لها ربها ذلتها وضعفها وناجاته ليعوضها خيرًا. *** كانت تطوف بعينيها على ملامحهم القوية وهيأتهم الممتعضة والحزينة بقلق. لأول مرة تكتشف ذلك الجانب العصبي بهم. ارتشفت وعد القليل من الماء لتهدأ ثم أعطت الكوب لجاسم وقالت بامتنان وهي تطالعه بخجل: "أنا آسفة بجد. حاسة إني بقيت عبء عليكم."

وضع جاسم الكوب على الطاولة ورمقها بطرف عينيه بضيق وقال لائماً: "بطلي تتأسفي كل شوية كده. إحنا انفعنا زيادة عن اللزوم ونسينا إنك موجودة." تطلعت وعد لسامر والذي مال ناحيته مالك يطهر جرحه ثم بدأ في وضع الضمادة عليه لوقف نزيف الدماء. فسألته بقلق: "انت كويس يا سامر. ايدك بتوجعك؟ ابتسم سامر ابتسامة ميتة وقال بوهن ظهر بقوة في نبرته المنكسرة: "أنا بقيت كويس. وإيدي مش بتوجعني ولا حاجة بس مالك مكبرها."

اعتدلت في جلستها وقد أصبحت في مواجهة جاسم. تطلعت بعينيه بقوة وقالت بصيغة آمرة ومستغلة: "انت وعدتني إنك هتقولي إيه اللي خلاكم اتعصبتوا بالطريقة دي صح."

تحركت حدقتاه على ملامحها البريئة تنهل منها لعله يرتوي من عشقها، ولكنه لم يعد يكتفي بمجرد النظر بوجهها. ثم مال بجسده ناحيتها واستند بمرفقيه على قدميه وتنفس مطولاً وزفره بهدوء. ثم قص عليها أفعال أمير المشينة وتجارته بالفتيات العذراوات وعن رحاب التي تسهل له أموره. وعالم الدعارة الغارق به واكتشاف طارق لأعماله المنافية للآداب والدين فكان جزاؤه القتل. واليوم أيضًا استطاع أمير خداع الجميع وباع الفتاتين وقبض الثمن.

كانت وعد مع كلماته تتغير ملامحها وتعبيراتها ما بين الاندهاش، والاحتقار، والاشمئزاز، ورغبة ملحة بالغثيان. حتى وضعت كفيها على فمها وقالت بحسرة: "يعني دلوقتي البنات اليتامى دول اتباعوا وهيُعرضوا لهتك العرض والاغتصاب وبعد كده يتحولوا لبنات ليل. يا الله.. أنا مش مصدقة. لأ ويقتل أخوه كمان علشان كشفه. في ناس كده." أومأ جاسم برأسه وقال وهو مطأطأ رأسه بضيق: "دلوقتي بقا فهمتي سبب انفعالنا. إوعي تخافي تاني واحنا معاكي." أومأت

برأسها وقالت بانصياع: "حاضر." خرج سامر من صمته وقال وهو ممسك برأسه من الألم: "أنا سامع صوت صريخ البنات دي في وداني. دماغي هتنفجر." تنهد مالك بحرقة وقال وهو يتطلع بوعد: "عارفة يا وعد إحنا بقالنا قد إيه بنجري ورا اللي اسمه أمير ده. وفي الآخر ضحك علينا كلنا. هنعمل إيه دلوقتي." ضرب سامر الخزانة مجددًا بقدمه وقال بحدة: "هقتله بإيدي. مش هسيبه يعيش ويأذي بنات تاني."

وقفت وعد وخطت بشرود ثم قطعت الغرفة ذهابًا وإيابًا، وهي تفكر وعيون ثلاثتهم تتبعها بتعجب. حتى ابتسمت بنصر والتفتت إليهم تتطلع لنظرات التعجب بعيونهم. ثم استقامت في وقفتها واستجمعت قواها لتستطيع مواجهة هؤلاء الأشداء بأفكارها الجامحة. تنتحنحت بتردد وقالت بقوة: "لو سمحتوا ممكن تقعدوا انتوا التلاتة جنب بعض على الكنبة الكبيرة دي."

رفع جاسم حاجبه بتعجب وهو يتطلع لقوتها الزائفة التي تتصنعها لتستطيع إخبارهم برأيها. ثم قال بحيرة مندهشًا: "إشمعنى يعني." عقدت وعد ذراعيها وصاحت بهم بقوة لفرض سيطرتها عليهم: "اللي أقوله يتسمع. ويالا زي الشاطرين كده تسمعوا الكلام وتقعدوا على الكنبة يالا." تطلع ثلاثتهم لبعضهم ثم دخلوا في نوبة ضحك عالية على كلماتها. تطلعت إليهم بغضب من ضحكاتهم التي فسرتها هي على أنها استحقار واستهزاء. فرفعت ذقنها بإباء وقالت بحدة:

"أنا منسحبة من الشغل معاكم طالما دي أخلاقكم. بعد إذنكم." وحملت حقيبتها وهمت منصرفة. فوقف أمامها جاسم معترضًا طريقها بجسده العريض وقال بنبرة متأسفة ومؤدبة لم تعهدها منه: "استنى بس انتي فهمتي إيه. أولاً إحنا آسفين. ثانياً انتي حمقيه كده ليه." ابتسمت له متسائلة بعتاب رقيق مثلها: "أنا حمقيه برضه. ولا انتوا اللي بتستقلوني." بادلها جاسم ابتسامتها بابتسامة جانبية وهو يغوص مع غمازتيها الورديتين. ثم قال بمداعبة:

"إحنا بنستقلك. ده لا عشنا ولا كنا لو فكرنا بس مجرد تفكير إننا نزعلك. هو الحقيقة إننا ما اتعودناش إن بنت تقولنا نعمل إيه وما نعملش إيه." زادت ابتسامتها اتساعًا وغمازتيها انغماساً والتفتت لمالك وسامر وقالت بنبرة جادة: "ده رأيكم انتوا كمان." اقترب منها مالك وهو يلتهمها بعينيه وقال بابتسامته الساحرة: "ده إحنا التلاتة تحت أمرك وهنعمل اللي انتي عايزاه. أؤمري بس."

تلاشت ابتسامتها وهي تحدقه بوله من تلك الابتسامة التي تجذبها نحوه أكثر. وعلت وجنتيها حمرة لذيذة خاصة بمالك وفقط. بينما جلس سامر يتابع لعبة القط والفأر أو بالأحرى لعبة القطين والفأر التي تحدث أمامه. ثم هتف فجأة بذهول غاضب: "جري إيه يا رجالة. ده إحنا تحت إيد كل واحد منا رجالة الصقر يقفوا على شنبها. دي آخرتها بنت تزنبنا زي العيال في المدرسة. الله يرحمك يا رجولة."

رد عليه مالك وهو ينهره بسبب غلظته وحدته الزائدة من عصبيته قائلاً: "سامر.. انت اتجننت في عقلك ولا إيه." تجاوزته وعد وهي تقول بدهاء خارق: "معلش يا مالك أصل سامر قرر خلاص إنه يبيع القضية ويسيب البنتين دول واللي هاييجوا بعدهم علشان هو حد ضعيف وقرر إني أنا اللي أطلع فيها عصبيته." وقف سامر منتصبًا وهو يحدقها بنظرات غاضبة وصاح بها بصوت رجولي أجش يرعب أعتى الرجال: "تعرفي عني إيه انتي علشان تحكمي عليا بأني ضعيف هاه."

رغم شعورها بالخوف، إلا أنها أخفت ارتجاف جسدها بأن عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت وهي تتطلع داخل عينيه الزيتونية بقوة: "والله أنا مش محتاجة أعرفك علشان أترجم نظرات الكسرة والضعف اللي في عينيك. ولو عايز تلحق البنات دول وتلحق اللي عليهم الدور يبقى تقعد وتسمعني. يا سيدي يجعل سره في أضعف خلقه." ساد صمت طويل قبل أن يجلس جاسم ويقول ببطء وتصميم: "اقعدوا اسمعوها. أنا واثق في اللي هتقوله."

جلس مالك أيضًا على الأريكة. ووقف سامر يحدقها بقوة وهي لا تحيد بعينيها عنه في تحدٍ تعلم أنها الفائزة به مقدمًا. حتى زفر بضيق وجلس بين مالك وجاسم بهدوء. تطلعت وعد إليهم بثقة واتجهت لباب الغرفة فتحته وخرجت. وقفت أمام راندا سكرتيرة جاسم التي سألتها بقلق: "خلاص هديتوا." عقدت وعد حاجبيها بتعجب وسألتها بسخرية: "واضح إنك متعودة على عصبيتهم وزعيقهم. مش كده." هزت راندا رأسها بيأس وقالت هامسة:

"يوووه.. ده المكتب ده اتكسر يجي عشرين مرة قبل كده. ده لولا وجودك كانوا هيأذوا نفسهم." هزت وعد رأسها بتفهم وقالت لها بجدية: "طب عاوزة أطلب منك طلب." اتسعت عينا راندا باهتمام وقالت: "طبعًا اتفضلي." مالت وعد عليها قليلاً كأنها تخبرها سراً، وكأنها تعطيها اهتماماً زائداً وقالت برجاء:

"عوزاكي تقعدي بكرسيك على أول الكوريدور ما تخليش دبانة طايرة تعدي. علشان في كلام مهم هنقوله وأنا شاكة إنه في حد بيتجسس عليهم وخايفة يسمع كلامنا. ومش هلاقي أأمن منك لل مهمة دي." ابتسمت راندا بفرحة وهي تشعر بالفخر من ثقة وعد بها ثم قالت بموافقة: "حاضر يا فندم. اعتمدي عليا." ربتت وعد على ذراعها وقالت: "قدها وقدود." ثم تركتها وعادت لغرفة المكتب مرة أخرى. وقفت أمامهم وقالت بصوت خافت:

"بصوا بقا. إنكم دايمًا تبقوا سابقين اللي اسمه أمير ده بخطوة وبعد كده هو اللي يكسب يبقى أكيد زارع حد بينكم ينقل له أخباركم." تطلعوا ثلاثتهم لبعضهم بتعجب بينما قال جاسم وهو يمرر أنامله بشعراته بصدمة: "إحنا إزاي ما فكرناش في الموضوع ده قبل كده." ردت وعد ببديهية وهي تقول بهدوء ساخر:

"علشان عصبيتكم هي اللي بتتحكم فيكم. دلوقتي بقا نتكلم بالعقل. انتوا رافضين تستسلموا وهتكملوا في طريقكم علشان تقضوا على اللي اسمه أمير ده وتحموا بناتنا من القرف اللي هو عاوز يزرعهم فيه. صح." استند مالك برأسه على ذراعه الموضوع على حافة الأريكة وقال بجدية: "طبعًا عاوزين نقضي عليه ويتمسك ويدفع تمن اللي عمله كله. بس إحنا ما سبناش طريقة اللي وعملناها وهو اللي بينجح في الآخر." اجتذبت وعد مقعدًا وجلست أمامهم وقالت بثبات:

"يبقى اسمعوني ومش هتخسروا حاجة يمكن أفيدكم." تمتم سامر بكلمات مبهمة سخرية على حديثها فقالت له وعد بضيق: "بتقول حاجة يا سامر." تصنع الابتسام وقال بسخرية: "هو أنا أقدر يا ميس. بس يا ريت تدخلي في الحصة بسرعة لجرس الفسحة هيضرب." وخزه جاسم في ذراعه وأشار لوعد أن تكمل حديثها وقال بأسف: "معلش يا وعد كملي كلامك وإحنا هنسمعك للآخر." أومأت وعد برأسها وقالت بقوة:

"في أربع محاور هنشتغل عليهم. الأول هو رحاب البنت اللي بتخلص لأمير موضوع البنات ودي أهم محور هنشتغل عليه." رد عليها سامر بنبرة مقللة من شأنها: "ما إحنا عارفين وهي دلوقتي هربانة ومستحيل نلاقيها تاني." ردت عليه وعد وهي تحدقه باستخفاف: "المستحيل بتاعك ده أنا ما أعرفهوش. وأمير عمره ما هيستغنى عنها يعني بشوية جهد ومراقبة لأمير هنوصل لرحاب ولو فضلت تحت عنينا هتغلط وساعتها هنبقى إحنا اللي سابقينهم بخطوة." فكر جاسم قليلاً

وقال باهتمام: "معنى ده إن أمير لازم يبقى تحت عنينا الأربعة والعشرين ساعة." أومأت وعد برأسها وقالت مؤيدة: "أيوه.. وده بقا المحور التاني. إحنا بس مش هنراقب أمير إحنا هنزرع في شغله عين لينا والأفضل لو كانت بنت. هو صحيح بيشتغل إيه." رد عليها مالك وهو منجذب لحديثها المتعقل: "عنده شركة سياحة وبيخلص فيها أغلب وقته كستارة لشغله الـ ****." تغاضت وعد عن كلماته النابية وأردفت قائلة:

"تمام.. يبقى نبعت واحدة تشتغل هناك وتحاول تشده ناحيتها وتخليه يثق فيها وساعتها نبقى فتحنا بطنه وبقت كل تحركاته معانا. ويا سلام لو جهاز تصنت بسيط يتزرع في مكتبه." انجذبوا لحديثها العاقل الواقعي ولاحظت هي الجدية التي علت ملامحهم فأردفت قائلة براحة:

"جينا بقا للمحور التالت. انتوا كنتوا تعرفوا كل تحركاتهم الفترة الأخيرة وبشوية تعب ومجهود هنقدر نتتبع إزاي البنات خرجوا من دمياط وساعتها هيبقى الوصول للبنتين موضوع سهل ويمكن نلحقهم قبل ما يضيعوا للآخر. صح." هز مالك رأسه وقال بقوة وتصميم: "أنا رجالي كانوا ورا الموضوع ده. هخليهم يكملوا فيه وإن شاء الله نلاقي خيط يوصلنا ليهم." بينما قال سامر متابعًا لحديث مالك:

"وأنا عندي البنت اللي ممكن أزرعها في مكتب الحيوان ده. وأعرف كمان متخصص في الإلكترونيات لموضوع جهاز التصنت اللي هنحطهوله في مكتبه." أومأ جاسم برأسه وقال بعيون تلمع من الغضب: "أنا بقى هخلي رجالي يراقبوا الـ **** ده وهخليه ما يغيبش عن عنيهم ثانية واحدة وكل مكان هيروحوا هنعرف قصته إيه." ابتسمت وعد وهي تستشف اهتمامهم وثقتهم في حديثها. ثم قالت بحماس وجدية أكبر: "دلوقتي دور المحور الرابع وده أهم محور."

مرر جاسم يده بشعرات ذقنه وهو يسألها بتركيز كبير: "إيه هو بقا." تنهدت بعمق وقالت بصوت صارم لا يتناسب مع رقتها: "الملجأ. يعني أكيد اللي اسمها رحاب دي عاملة حسابها على البنات اللي عليها الدور ومظبطة كل حاجة حتى لو بعدت دلوقتي فهي أكيد بتتواصل معاهم علشان تضمن إنهم هيفضلوا تحت عينها للوقت المناسب." فسألها مالك مستفهماً: "طب وإنتي رأيك إيه في الموضوع ده." وقفت ولفت حول مقعدها وتمسكت بظهره وقالت وهي تتأمل لهفتهم:

"جه بقا دوري أنا. بعد إذنك طبعًا يا باشمهندس جاسم أنا هروح الملجأ على إني مديرة مكتبك وإن شركة رحال متمثلة في حضرتك هتقدم تبرع بمبلغ مالي لمساعدة البنات الأيتام. وكمان هنعرض عليهم إننا هنوفر فرص عمل للبنات اللي بقت بعمر الواحد وعشرين وهتخرج. مش كده وبس إحنا هنوفر ليهم أسر بديلة يعني ست كبيرة ملهاش حد محتاجة حد يرعاها. أو نوفر ليهم مساكن علشان ما يخرجوش من الدار للنار." ابتسم ثلاثتهم على فكرتها

الذكية حتى قال مالك بفخر: "برافو عليكي يا وعد. أنا فخور بيكي بشكل. انتي إزاي جه في بالك الكلام ده كله." طأطأت رأسها بخجل وقالت بابتسامة هادئة: "متشكرة. في حاجة أخيرة ناقصة في دوري ودي اللي هتجيب لكم راس أمير تحت رجليكم." حثها سامر على المتابعة قائلاً بتذمر: "ما تكملي يا وعد لازم جو السسبنس ده. انجزي." ردت بنفس الجدية ودون تردد:

"أنا بما إني هوفر كل اللي قولته ده للبنات اللي قربت تخرج. فأنا هيكون ليا الحق إني أتعرف على البنات. وساعتها هقدر أعرف عن علاقتهم برحاب ومين أكتر البنات اللي هي مثبتهم وأقرب واحدة هتخرج هقرب منها وهحولها من صيد مستنياه رحاب وأمير لطعم هصطادهم بيه وبسهولة جدًا."

ساد الصمت لدقائق ووعد تتابع حالتهم المندهشة. ما بين جاسم الذي يتطلع إليها بنظرات متعجبة وتحمل شيئًا آخر لا تستطيع تفسيره. بينما كان مالك يحدقها بفرحة ويبثها عشقه بكل ذرة به. وسامر يطالعها ببلاهة فاغرة فمه. فهتفت به بحدة: "اقفل بؤك يا سامر." أغلق فمه وهو يضغط على شفتيه بقوة وأشار إليها بذراعه قائلاً بنبرة متسلطة: "ارجعي لورا شوية عاوز أقولهم حاجة ومش عاوزك تسمعي." مصمصت شفتيها بحيرة وقالت باستسلام: "حاضر."

سارت قليلاً وجلست على مقعد بعيد تعبث بملابسها بضيق. بينما جذب سامر مالك وجاسم بذراعيه وقال هامساً: "أنا مش هشمّتها فيا وأقولها إنها بتفهم عننا وإنها حلتها في قاعدة. بقا حتت بت تقعدنا قدامها زي التلاميذ وتعلم علينا كده." امتعض وجه جاسم وهو يقول بخفوت: "لا بالعكس بقا من حقها إننا نشكرها. دي حلت كل مشكلة قابلتنا بالعقل." أكمل مالك حديثه وقال مؤيدًا: "عندك حق يا جاسم وعد تستحق نشكرها ونقدرها أكتر من كده." هز سامر

رأسه باستسلام وقال بضيق: "خلاص اللي تشوفوه." وقفوا وتوجهوا ناحية وعد المنتظرة بلهفة نتيجة اجتماعهم المصغر ليقول جاسم بابتسامة تقدير: "بصراحة أي كلام مش هيكفيكي. إحنا مش عارفين نشكرك إزاي. بجد شكرًا يا وعد." وقفت وابتسامة منتشية تعتلي ملامحها الجذابة ثم قالت بخجل: "إحنا تيم واحد. وأنا حابة أساعدكم في الموضوع ده بجد." وقف سامر قبالتها وقال بتردد وارتباك:

"بص بقا. بصراحة يعني انتي دماغك سم. يعني بجد إن كيدكن لعظيم. و.. و.. أهلاً بيكي معانا يا سوسة." تطلعت إليه بلوم وضيق وقالت ببرود: "أنا سوسة. ودماغي سم. لسانك بينقط أسفلت." أشار سامر على رأسه وقال ممتنًا: "على راسي كلامك. يا لورد." صفق مالك بكفيه وقال بنبرة متحمسة وتحمل كل العزم:

"بما إننا خلصنا موضوع الأرض وخلاص هنشتريها. وموضوع الزفت أمير عرفنا هنعمل فيه إيه. فا كل واحد يبدأ من دلوقتي يكلم رجاله ونشتغل بسرعة قبل ما أمير يحس إننا فُقنا من صدمتنا. وعاوزين ناخد بالنا من الجاسوس اللي هو حاططهولنا." أومأ الجميع برأسهم وقالت وعد بعزم: "تمام. وأنا لو سمحتولي طبعًا هروح للملجأ النهارده. فا هحتاج الشيك دلوقتي." وضع جاسم يديه في جيب بنطاله وقال موافقًا: "حاضر. بس أنا هاجي معاكي." رفعت كتفيها

باستسلام وقالت بهدوء: "اللي حضرتك تشوفه." التفت جاسم لمالك وقال بعملية: "بكرة الصبح يا مالك اتصل بأصحاب الأرض وامضي معاهم العقود انت والمحامي وسلمهم الفلوس. أما النهاردة فتنفذ اللي قالته وعد." ربت مالك على ذراعه وقال بابتسامة متحمسة: "حاضر. سيبها على الله وعليا يا صاحبي." ثم طالع وعد بابتسامة جعلتها تبتلع ريقها بتوتر مبتعدة بعينيها عنه وهي تهز رأسها بيأس على أفعاله. ***

وقف عمرو في شرفة الشاليه يتابع روضة بعينيه وهو يشعر بالضيق على حالها المتغير. إنه موقن رغم تحفظها الشديد وإنكارها أن هناك خطبًا ما أحزنها لتلك الدرجة. أصعب ما يؤرقه أنه لا يستطيع إخراجها من حالتها تلك. فمنذ سفر والديهم وهو يعتبر روضة ووعد ابنتيه. ربتت روان على ذراعه مواسية وقالت وهي تحدقه بابتسامتها الرقيقة والتي تنسيه آلامه وهمومه: "روضة بقت كويسة يا عمرو؟!

احتضن كفها بين كفيه وأطال نظراته إليها ثم رفع كفها نحو فمه وقبله بهدوء. ثم قال بابتسامة هادئة: "مش عارف هي كويسة ولا لأ. ومش فاهم أي حاجة." سحبت كفها منه بخجل وتطلعت أمامها تتأمل البحر والمصطافين. بينما وقف عمرو يتأملها بحب حتى خرج سراج من غرفته ووقف بجوارهم وسأل عمرو قائلاً بتعجب: "انت سبت روضة ليه يا عمرو." التفت عمرو ناحية سراج وقال له بتنهيدة يائسة:

"مصممة تقعد لوحدها ومش عارف أخرجها من حالتها. والمصيبة مش عارف مالها." هز سراج رأسه متفهمًا وقال بحنو: "أنا هروح أتكلم معاها يمكن أقدر أعرف مالها." وتركهم واتجه ناحية المظلة الجالسة أسفلها وجلس بجوارها فلاحظ أنها لم تشعر به. ربت على ذراعها وسألها برأفة: "الجميل بيعيط ليه." التفتت إليه روضة برأسها وابتسمت بهدوء وقالت بسخرية: "أنا مش بعيط ولا حاجة يا سروجتي." ضحك سراج ضحكة خافتة وقال مداعبًا:

"أول مرة تدلعيني يا روضة. بس بصراحة أحلى من السنجوبة وعد." تطلعت روضة أمامها بشرود وقالت بأسى: "أي حاجة من وعد ليها طعم تاني. ربنا يهنيها ويسعدها." ضغط سراج على شفتيه بقوة وتنهد بقوة وقال بنبرة متمهلة: "عارف إنك بتتمنيلها ده من قلبك. زي ما أنا عارف سبب تعبك ووجعك." ابتلعت روضة ريقها بصعوبة واعتدلت في جلستها بفزع وقالت بهدوء متمرس: "قصدك إيه يا عمو؟! ابتسم بمكر بعدما جذب انتباهها وشعر بصدق نواياه. ثم قال باقتضاب قاتل:

"مالك ابني." كتمت شهقة ثقيلة أرهقت صدرها وهي تتنقل بين عينيه تستشف منهما مقصده بما قاله. ثم خرج صوتها متحشرجًا من أثر صدمتها المؤلمة وهي تسأله بخوف: "ماله." ساد الصمت للحظات وسراج يتطلع للبحر بشرود ثم قال بألم:

"كنت طول الوقت مستني إنه ياخد باله من نفسه ويعرف إنه بيحبك. كان دايما يتكلم عنك وبس. روضة قالت.. روضة عملت.. روضة جابت.. روضة قرأت. حتى روان كان دايما يقارن كل تصرفاتها بيكي. ما رضيتش أنبهه وقولت هياخد باله لواحده خصوصًا لما لاحظت نظراتك ليه فتأكدت إنك انتي كمان بتحبيه." هزت روضة رأسها بقوة وقالت نافية: "لأ لأ.. حضرتك فاهم غلط. مافيش حاجة من الكلام ده صح و....... قاطعها سراج بقوة وهو يقول بثقة:

"أنا مش صغير وعارف أنا بقول إيه كويس. انتي بتحبيه بس المصيبة إنه لما رجع من سفره الأخير لقيته مهتم بوعد. ونظراته ليها كانت جديدة عليا وعليها. لغاية ما سمعته وهو بيقولها إنه بيحبها وعاوز يخطبها. وفي نفس اليوم انتي تعبتي فعرفت إن وعد أكيد قالتلك." حركت روضة نقابها قليلاً لتتنفس ثم قالت بجدية: "يا عمو حضرتك فاهم الموضوع غلط. صحيح وعد قالتلي على مالك بس أنا مفيش حاجة جوايا ليه." هز سراج رأسه متفهمًا وقال بابتسامة خفيفة:

"خلاص يا حبيبتي براحتك. بس برضه أنا عارف إنك مؤمنة وقوية وعارفة إن النصيب وإرادة ربنا فوق كل شيء. ومفيش حد عارف الأيام هتمشي إزاي." تطلعت إليه روضة برجاء وقالت بتوسل: "علشان خاطري يا عمو ما حدش يعرف الكلام اللي حضرتك قولته ده. مش هسمح لنفسي إن وعد تتأذى بسببى. هي ومالك بيحبوا بعض. ومش لازم حاجة تبعدهم عن بعض." ربت سراج على كفها بحنان أبوي هي في أشد الحاجة إليه وسألها بمداعبة قاطعًا لتلك الحالة:

"تضربي معايا حمص الشام." ابتسمت روضة بخفوت وهزت رأسها بالإيجاب وقالت: "يا ريت أصلي ما فطرتش كويس. ويا سلام لو توافق إني أعزمك على الغدا لوحدنا يا سروجتي." ضحك سراج ضحكة عالية وقال بقوة: "موافق بس أنا اللي عازمك. ده هاكلك جمبري وسمك هتحلفي بيهم." تعالت ضحكات روضة التي وصلت لقلب عمرو لا لأذنيه. فشعر بسعادة غمرته وراحة ليقول بغضب مفتعل: "الله. هو الضحك لعمو سراج والتكشيرة والبوز ليا." وقفت روضة ولملمت

أشياءها وقالت بسخرية: "خليك في خطيبتك لو سمحت. وعلى فكرة عمو سراج عازمني على الغدا. لوحدي. اتعلم منه شوية وابقى خد روان واعزمها يا بخيل." وتركتهما وابتعدت عائدة لتبدل ملابسها وقد شعرت براحة غريبة ورضا قد ملأها من فكرة أن مالك قد اهتم لأمرها ولو لفترة قصيرة فهذا يكفيها وأكثر. جلس عمرو بجوار سراج وسأله بفضول وهو يتطلع إليه بتعجب: "حضرتك عملتلها إيه يا عمي. ده أنا تعبت معاها." ابتسم سراج لعمرو وقال ليطمئنه:

"هي كويسة ما فيهاش حاجة. بس إرهاق من الشغل مش أكتر. قولي صحيح الموبيليا خلاص هاتجي بكرة." اعتلت الفرحة ملامح عمرو وتنهد مطولاً وقال بحماس: "أيوه إن شاء الله. وهاخد الموبيليا بتاعت حضرتك كمان من عند المدهبّاتي علشان الحاجة تطلع مرة واحدة. وهننصبهم ولما البنات يرجعوا يفرشوا براحتهم بقا." زمّ سراج شفتيه بضيق وقال بعدم فهم: "أنا مش فاهم أبوك وأمك دول إيه علشان يسيبوك لوحدك في الفترة دي وانت أكيد محتاجهم."

طأطأ عمرو رأسه بكسرة وعبث في الرمال بأنامل قدمه وقال بخفوت: "ربنا معايا أحسن من الكل." ملّس سراج على ظهره وقال بحنو: "ربنا يكملك بعقلك يا ابني. روان حطها جوه عينيك يا عمرو وخلي بالك منها." ضحك عمرو بخفوت وقال ساخرًا: "وصيها هي عليا دي مطلعة عنيا. بس بجد تسلم تربيتك يا عمي لو لفيت الدنيا مش هلاقي ضوفرها." "أنا بحترم فيك يا عمرو إنك بتحافظ وبتخاف عليها حتى من نفسك. ربنا يهنيكم ويسعد أيامكم يا ابني." وقف سراج مسرعًا

وقال بتوتر: "اتأخرت على روضة عاوزها تزعل مني. ده انت رغاي رغى." رفع عمرو حاجبيه بتعجب وتابع انصرافه بعينيه وقال هامساً: "ربنا عوضنا بيك يا عمو سراج. الواحد مش عارف لما ييجي بابا وماما هتعامل معاهم إزاي. أوقات بحس إن وعد معاها حق."

ثم استند برأسه على طرف الكرسي الممدد وأغمض جفنيه مستمتعًا بتلك النسمات التي تداعب وجهه وخيال حبيبته الرقيقة يداعبه محفزًا له ليعود إليها ليكحل عينيه برؤيتها والتمتع بلحظات قليلة معها تشعره بالراحة والجنون. *** خرجت وعد وجاسم من الشركة ووعد تتمالك بعد خروجها من المصعد كعادتها. بينما تطلع إليها جاسم بابتسامته الجانبية متأملاً براءتها وعفويتها التي تسلبه تعقله معها. انتظر حتى هدأت ودنا منها قائلاً برقة هامسة:

"خليكي هنا هروح أجيب العربية من الجراج وهاجي بسرعة." زمّت وعد شفتيها بضيق ورفعت حاجبها مستنكرة ما قاله بتلقائية واثقة ثم قالت بحدة: "مش هركب معاك في عربيتك طبعًا." رفع حاجبه أيضًا بتعجب وسألها بضيق: "وليه مش هتركبي معايا. طبعًا." زفرت بضيق وقالت موضحة بقوة: "علشان ما يصحش أركب معاك لوحدنا لو حد شافني معاك هيقول عليا إيه." عقد ذراعيه أمام صدره متابعًا لحركاتها الغاضبة. ثم قال بضيق:

"عادي اللي يقول يقول. وبعدين انتي مديرة مكتبي." تطلعت إليه مطولًا وهو يهوى قلبه مع نظراتها الغاضبة والتي أبرزت بنية عينيها اللوزيتين. وتلك النقاط الجذابة على أنفها وبداية وجنتيها والتي ظهرت بعدما اختفى الكريم عن وجهها. حتى أخرجته من تأمله لها وهي تقول بسخرية: "وأنا يعني هحط يافطة على صدري أكتب عليها والله أنا مديرة مكتبه. بص.. حضرتك إنت هتركب عربيتك وأنا هركب تاكسي وهنتقابل في الملجأ."

تطلع إليها بغضب متملك وقال بصوته الرجولي الأجش ساخرًا: "ما انتي الصبح كنتي راكبة مع مالك لوحدكم. فعادي بقا اركبي معايا."

نزلت كلماته عليها كالصاعقة. رغم حدتها إلا أنه على حق. أغلقت عينيها مطولاً وسحبت نفساً طويلاً زفرته مرة واحدة وأخرجت هاتفها من حقيبتها وعبثت به قليلاً ووضعته على أذنها وانتظرت الإجابة. كل هذا وجاسم يتابعها بندم على كلماته اللاذعة والتي جرحتها دون وعي منه. تابع حديثها الهاتفي بتعجب من كلماتها وهتافها الذي أحرجته وبشدة وهي تقول: "أيوه يا عمرو....

أنا كويسة بس عمري ما هسامحك على الموقف اللي حطتني فيه النهارده لما ركبت مع مالك لوحدنا علشان انت صممت وأنا سمعت كلامك....... متقوليش اهدى أنا غلطانة وندمانة ومش هكرر غلطي ده تاني...... لأ هحكيلك لما هرجع بس بعد إذنك أنا هروح دار الأيتام اللي في شارع ***** مع الباشمهندس جاسم..... لأ ما تقلقش في شغل..... هركب تاكسي طبعًا أنا بتعلم من أخطائي كويس..... لما أجي هبقى أعرفك كل حاجة بس انت حطتني في موقف محرج قوي.....

مش مشكلة بقا يالا سلام... باي." وأغلقت الهاتف ووضعته بحقيبتها بعصبية. فقال لها جاسم متأسفًا على تسرعه: "أنا آسف بجد يا وعد. أنا مش عارف قولت كده إزاي." تطلعت إليه برسمية وقالت بجدية هي أكثر ما يكرهه بها: "أنا هسبق حضرتك في تاكسي. بعد إذنك يا باشمهندس." وتركته وانصرفت وهي تسب نفسها على فعلتها الحمقاء. ثم أشارت لسيارة أجرة فوقفت لها على الفور. فتحت الباب الخلفي وركبت لتتفاجأ بجاسم يصعد السيارة بجوار السائق وقال:

"اطلع على شارع **** يا ريس لو سمحت." أومأ له السائق برأسه موافقًا وقال: "تحت أمرك يا باشا." انطلقت السيارة ووعد تشعر بالغضب. بينما جاسم يتابعها بعينيه في المرآة الجانبية للسيارة. كان الصمت هو رفيقهم طوال الطريق حتى قالت وعد بتلهف: "على جنب يا أسطى لو سمحت." انتفض جاسم بجلسته والتفت إليها. بينما هدأ السائق من سرعة السيارة حتى وقف بها فقالت له بامتنان: "متشكرة جدًا. بس خمس دقايق وهرجع تاني."

ثم فتحت الباب وترجلت مسرعة. عبرت الطريق وجاسم يتابعها بعينيه متعجبًا حتى رآها تقترب من محل بقالة. ابتاعت زجاجة ماء وبعض المأكولات الخفيفة وعبرت الطريق مجددًا ولكنها تابعت سيرها حتى وقفت أمام رجل مسن يعمل عامل نظافة للطرق. ابتسمت له بمداعبة وتحدثت معه قليلاً وجاسم يقتله الفضول لمعرفة حديثهما الذي جعل الرجل يبتسم بهدوء. حتى أعطته وعد الماء والطعام. فكانت سعادة الرجل لا توصف وقد اتسعت ابتسامته وهو يأخذ منها الأشياء ولم

تكتف بذلك بل وضعت يدها في حقيبتها وأخرجت شيئًا وأعطته له بيده. وربتت على كفه بحنو. فسر جاسم ما أعطته له على أنها مساعدة مالية لتنفرج شفتيه عن ابتسامة عاشقة لتلك الملاك التي تسير نحوه وهي ترمقه ببرود قاسي حتى صعدت السيارة مجددًا بهدوء. ليصعد

هو الآخر وقال للسائق: "اطلع يا أسطى." لم يتخل عن ابتسامته وهو يتذكر موقفها الإنساني الذي لم يخطر على باله من قبل. تنفس مطولاً وزفره على مهل وقال بنفسه:

"إيه البت دي.. ملاك.. لأ دي جنية ناوية تسحرني وتخليني أدوب في كل تفاصيلها. عمري ما قابلت واحدة زيها في حياتي. ملكت قلبي وبقا ليها لوحدها. ولازم قلبها يبقى ليا لوحدي حتى لو هجرحها وأأذيها بس مش هسيبها تبقى لحد غيري. إن شاء الله أقتلها وأقتل نفسي بس تكون ليا وبس. هي ملكي أنا. بتاعتي أنا غصب عن أي حد."

خرج من شروده على تباطؤ حركة السيارة والسائق يصفها بجوار دار الأيتام. مدت وعد يدها بالأجرة للسائق. فرمقه جاسم بنظرة جعلتها ترتجف وتعود بيدها لجوارها. بينما أعطى جاسم السائق أجرته وترجلا بهدوء. وقف جاسم أمامها وقال باستعطاف لا يتناسب مع رجولته الظاهرة للعيان بجسده الضخم وصوته الأجش: "أنا آسف يا وعد. صدقيني أنا عمري ما اعتذرت من حد قبل كده. وعارف إني زودتها معاكي." أومأت له برأسها وقالت بهدوء رزين:

"حضرتك عندك حق في اللي قولته. أنا اللي حطيت نفسي في موقف محرج. ودلوقتي خلينا في اللي إحنا جايين علشانه." هز كتفيه في حركة طفولية وعقد ذراعيه أمام صدره وقال: "لأ.. مش هندخل غير لما تقوليلي إنك سامحتيني ومش زعلانة مني." ابتسمت بتلقائية على حركاته الطفولية وقالت وهي ترمقه بتعجب: "أنا مش زعلانة منك. يلا بينا."

مد لها ذراعه لتتقدمه. فزادت ابتسامتها فشرد بغمازتيها وفمها الذي يشعل بداخله نيران لم يشعر بها من قبل مع أي أنثى عرفها. دخلا للدار وأصطحبهما عامل الأمن لمكتب المديرة التي رحبت بهما بحفاوة بعد علمها بهوية جاسم وأنه ابن فضل رحال أكبر رجال الأعمال بدمياط وأغناهم. وبالفعل تحققت نبوئتها عندما قدم لها جاسم شيك بمبلغ مالي كبير تخطى أحلامها. بينما عرضت وعد عليها فكرتها في توفير فرص عمل للفتيات بعد خروجهن من الدار. وتوفير المسكن والأسر البديلة لهن.

فقالت لها المديرة بفرحة: "مش عارفة أشكركم إزاي. يا ريت كل الناس زيكم ويبقى في عدالة اجتماعية للكل." استندت وعد بمرفقها على مكتبها وقالت بقوة وثقة: "أنا بعد إذنك طبعًا حابة أتعرف على البنات اللي قربوا يخرجوا علشان أقدر أحدد اهتماماتهم وميولهم وأوفر لكل بنت شغل تحبه وسكن آمن." أومأت المديرة رأسها بتفهم وقالت بموافقة:

"طبعًا يا فندم من حقك. وقرب السن بينكم هيخليكي تقدري تقربي منهم بسهولة. أنا دلوقتي هعرفك على خمس بنات قدامهم أسابيع بسيطة ويتموا السن القانوني ويخرجوا من الدار لو حابين." رفعت سماعة هاتفها وطلبت من سكرتيرتها أن تحضر إليها الخمس فتيات. بعد قليل انتبهوا على طرقات على باب الغرفة فقالت المديرة بصوت عالٍ: "ادخل." دَلفت الخمس فتيات للغرفة. فقالت المديرة بابتسامة هادئة: "هما دول يا آنسة وعد البنات. تقدري تتعرفي عليهم."

مررت وعد عينيها على الفتيات لتجدهم في عالم آخر وقد تعلقت عيونهم بذلك الوسيم الجالس أمامها. أخفت ابتسامتها وقالت بنفسها: "البنات عينهم هتطلع على جاسم. الحمد لله إن مالك ما جاش معايا كان زماني دلوقتي هادة الدار على دماغتهم."

ثم توقفت عينيها على تلك الساحرة. والتي لم ترى بجمالها من قبل. قطة.. قطة منزلية مرفهة بتلك العيون الفضية وبياضها الناصع وشعراتها البنية المنسدلة على ظهرها بتموجات ساحرة. التفتت وعد لجاسم فوجدته يتطلع بتلك القطة السيامي. فأردفت قائلة بنفسها مجددًا: "لتاني مرة بحمد ربنا إن مالك مش معايا. أنا متأكدة إنه كان هيعجب بيها زي الباشمهندس."

ارتسمت ابتسامة جانبية على ثغره وهو يحول مقلتيه لوعد فوجدها تحدقه. بينما علمت هي أن تلك الابتسامة خاصة بها وتأكدت عندما وجدته يتطلع إليها بقوة نافذًا لروحها. لا تعلم سر تلك النظرات التي تسلبها إرادتها وتجعلها لا تحيد بعينيها عنه. ربما لم تهتم لنظراته لتلك القطة الجميلة ولكنها قارنتها بنظراته إليها فكانت الرابحة بلا أدنى شك فتلك اللمعة بعينيه تجاهها جعلتها توقن أنها أجمل من تلك القطة وهي تعلم أن ما تخفيه تحت حجابها وملابسها الفضفاضة أكثر بكثير مما تظهره تلك القطة.

شعور غريب بالانتشاء ملأها. ربما غذى جاسم بنظراته غرورها وأنوثتها فأصبحت ممتنة لتلك الشباك السوداء التي كلما تطلعت بها أسرتها بقوة وأصبح الفكاك منها أمر صعب ومرهق. ولكنها قاومت ووقفت واقتربت من الفتيات وصافحتهم بود لكسب صداقتهم وتعرفت عليهم واحدة تلو الأخرى. حتى وقفت أمام تلك القطة السيامي كما أطلقت عليها بداخلها وصافحتها بابتسامة إعجاب متأملة عينيها الرمادية عن كثب وسألتها برقة: "اسمك إيه يا قمر." أجابتها الفتاة

وهي تبادلها ابتسامتها: "اسمي لمى." رفعت وعد حاجبيها بإعجاب شديد على الاسم وصاحبته وقالت بمداعبة: "يعني قمر وجميلة وكمان اسمك لمى." زادت ابتسامة الفتاة وشكرتها قائلة: "شكرًا.. عينيكِ اللي حلوة." تراجعت وعد بعض خطوات للخلف وقالت للفتيات بحماس:

"أنا هاجي أزوركم دايمًا وأتمنى نكون صحاب. وإحنا هنوفر لكم بعد ما تخرجوا من الدار حياة مستقلة وقوية هنوفر لكم وظائف محترمة وسكن آمن ومش هنخليكم محتاجين حاجة لغاية ما تتجوزوا وتبنوا حياتكم." شكرتها الفتيات وقالت إحداهن بتقدير: "متشكرين جدًا يا آنسة وعد. وإحنا اللي نتمنى نبقى صحابك." ابتسمت وعد براحة وقالت بطيبتها المعتادة: "إن شاء الله."

أشارت لهن المديرة بالانصراف. فتركونهم وخرجوا بينما عادت وعد لمقعدها وهي تبتعد بعينيها عن ذلك المحاصر لها بنظراته والتي باتت تخشى تفسيرها. وجهت حديثها للمديرة وطلبت بهدوء متزن: "إن شاء الله لو سمحتي حضرتك حابة أجي أتعرف عليهم كويس." أومأت المديرة رأسها بقوة وقالت موافقة: "طبعًا يا فندم تقدري تيجي في أي وقت وإحنا تحت أمرك." خرج جاسم عن صمته وقال لوعد:

"وأنا بوعد حضرتك إن كل شهر هيوصل لحضرتك شيك بمبلغ مالي مساهمة من شركة رحال للدار. بس بتمنى من حضرتك محدش يعرف علاقة شركة رحال بالدار. دي حاجة بينا وبين ربنا." أجابته المديرة وهي ترتدي نظارتها الطبية: "طبعًا يا فندم. متفهمة حضرتك." وقف جاسم وصافحها قائلاً بامتنان: "فرصة سعيدة يا فندم. وحابب أشكر حضرتك على مجهودك في الدار بجد حاجة تشرف." "أنا اللي ليا الشرف يا باشمهندس."

صافحتها وعد أيضًا وخرجوا من مكتبها. أثناء سيرهم استمعت وعد لهمهمات النساء حولها على جاسم. فسألت نفسها بتعجب: "شوفي البنات هيموتوا على جاسم إزاي. على إيه يعني ده عادي جدًا. هو صحيح أسمراني وطول بعرض وشوية عضلات وملامحه حادة بس وسيم شوية برضه. عمومًا أنا مالي." خرجوا من الدار فسألها جاسم بفضول: "هترجعي معايا الشركة ولا هتروحي رأس البر." تطلعت لساعة يدها وطالعته وهي تقول بإرهاق:

"لأ هروح بقا أساسًا ميعاد الشغل عدى من فترة وأنا تعبت النهارده. هركب مواصلات وأرجع أنا." عقد حاجبيه نافيًا ما قالته وقال بحدة: "مواصلات إيه. أنا هوقفلك تاكسي طبعًا." وبدون أخذ رأيها أشار لسيارة أجرة. فوقفت أمامهم فدنا من السائق وسأله ثم اعتدل في وقفته وفتح لها الباب وقال بصوته الرخيم لفرض سيطرته عليها: "اركبى يالا." وما أن فتحت فمها لتعترض سبقها هو وقال بنظرات محذرة باتت تخيفها: "اركبى بهدوء لو سمحتي."

أغلقت عينيها بنفاذ صبر من تحكماته وزفرت بضيق وقالت بعبوس: "حاضر أي أوامر تانية." ابتسم وهو يتابع غضبها اللذيذ وقلد نبرتها الغاضبة ساخرًا وقال: "لأ مافيش أوامر تانية." صكت أسنانها بقوة وصعدت السيارة بصمت وأغلقت وراءها الباب فوجدته يصعد السيارة بجوار السائق وأمره بالتحرك. فرفعت حاجبيها بتعجب وسألته: "هو حضرتك رايح فين." أجابها ببرود مستفز وهو يتطلع بالطريق أمامه مستمتعًا بنغمة صوتها الناعمة مثلها: "هوصلك وهرجع."

"نعم؟!!!! قالتها بدهشة غاضبة وهي لا تملك أي تفسير عن تصرفاته الغامضة معها. ولكن قال بنفس النبرة الباردة: "زي ما سمعتي هوصلك وهرجع." وأخرج هاتفه وعبث به قليلاً متجاهلاً تزمّرها وضيقها. ولكنه كان يتابعها في المرآة الجانبية للسيارة فبعث لها رسالة على هاتفها فحواها: "عوزاني أسيبك مع سواق التاكسي لوحدك. هو إحنا آه شباب بنلبس بناطيل مقطعة ونرفع شعرنا زي لاعيبة الكورة بس ولاد بلد ونفهم في الأصول."

وأرسلها. انتبهت على رنين هاتفها بوصول رسالة فتطلعت به فوجدتها منه. رفعت رأسها نحوه بتعجب. ثم عادت برأسها للهاتف وفتحت رسالته وقرأتها. فابتسمت بخفوت وردت عليه: "ما إحنا كمان بنات رجالة قوي ولو حسينا بغلط بنطرطش زلط." وأرسلتها. اهتز هاتفه بيده فوجدها رسالة منها ففتحها وقرأها ليدخل في نوبة ضحك عالية. تطلع إليه السائق بتوجس. بينما أخفت وعد ابتسامتها وعاد هو ليرد عليه برسالة جديدة: "شوف إزاي."

وأرسلها وانتظر عاصفة غضبها. فتحت هي الرسالة وقرأتها لتشتعل عينيها بضيق ثم ردت بقوة ساخرة: "شفت بقا. قول انت يا باسط هتلاقيها هاصت." وأرسلتها فقرأها ليعود لضحكه مجددًا وكتب: "يا باسط يا رب." وأرسلها ولكنها اكتفت ولم ترد عليه. واستمر صمتهم طوال طريقهم الطويل ولكن ابتسامتهم العابثة ظلت مكانها على وجوههم. ***

وصل سامر بسيارته أسفل شركة علا. ووقف في المرآب في انتظارها. ترجل من سيارته وجلس على مقدمة سيارتها حتى رآها تتقدم نحوه وهي تحمل بعض الملفات الثقيلة التي تلهيها عن رؤيته. ولكنها اعتدلت في سيرها فرأته أمامها. رمقته بنظرة غاضبة وقالت بعبوس: "انت.. انت بتعمل إيه هنا." تطلع إليها بشوق وهو يطوف بعينيه على وجهها ثم قال بهدوء: "بستناكي." فتحت السيارة ووضعت بها الملفات وأغلقت بابها بقوة والتفتت إليه بحدة وقالت ساخرة:

"و بتستناتني ليه إن شاء الله. لعل السبب خير." قفز من على سيارتها ووقف أمامها وقال بغمزة من عينيه: "وحشتيني." ابتلعت ريقها بتوتر. وهي تذوب داخل عينيه الزيتونيتين التي تعشق لونهم. ثم تمالكت وقالت بضيق: "صدقني آخر ما زهقت هعرف جاسم إنك بتضايقني وساعتها هتخسروا بعض." ابتسم بسخرية واقترب منها وهو ما زال يتطلع داخل عينيها ثم قال هامسًا: "هتقوليله إيه. كنا بنحب بعض وأنا اتجوزت وسبتوا. ودلوقتي هو بيطاردني."

أشاحت بوجهها عنه وزفرت بضيق ثم عادت بعينيها تطالعه بنظرات نارية من شدة غضبها. لتقابلها نظراته العابثة الواثقة. فرفعت سبابتها أمام وجهه وقالت بتحذير: "إوعى تفتكر إنك بكلامك ده هتخوفني. لأ.. أنا أقدر أقوله كل اللي انت قولته ده ولا يهمني. حتى لو هتبقى النتيجة إني آخد بنتي وأرجع شقتي تاني لوحدي." تخلت عينا سامر عن الهزل وطالعها بشفقة ثم قال بندم:

"آسف لو قولت حاجة زعلتك مني. بس أنا هموت عليكِ يا علا ما سبتش حد السنين اللي فاتت غير وسألته عنك. كنت بستنى سيرتك تيجي في كلام جاسم علشان أطمن عليكي. ريحي قلبي بقا. زعقيلي واضربيني لو عايزة بس ارجعيلى أنا تعبت." كانت علا تذوب مع صوته ونظرات العشق بعينيه. ولكنها قالت ببرود: "خلصت كلامك. مع السلامة." وفتحت باب السيارة لتصعدها ولكنه أغلقه وقال بغضب:

"انتي إيه. لوح تلج مش حاسة بالنار اللي جوايا. بقولك هموت عليكِ ونفسي تبقي ليا." تعلم جيدًا أنها لو استمرت في وقفتها معه ستنهار بسهولة أمامه وتعلن استسلامها له. وتعترف له بأنها تريده أكثر منه. وتشتاق إليه كل ثانية تقضيها بدونه. ولكن كبرياؤها وعزة نفسها تمنعها من الضعف أمامه بعدما تركها في الماضي لصديقه بمنتهى اليسر لمجرد أنه لا ينوي خسارته. ومع تدفق الذكريات المؤلمة أمامها عادت لقوتها وقالت بسخرية قاتلة:

"كلامك بقى مستفز بشكل. أنا مش عاوزاك افهم ده كويس. بعد طارق مش هحب حد لأني معاه عرفت الحب اللي بجد. كان حبيبي وأبو بنتي وجوزي. فاهم يعني إيه جوزي. وبعده مفيش حد هيدخل حياتي." ابتسم بسخرية فهو يعلمها أكثر من نفسها ويرى تأثيره عليها بسهولة رغم تلك القشرة الصلبة التي تظهرها له. فدنا منها وقال بثقة:

"ولا يفرق معايا بنص جنيه من قرطاس كلامك الفارغ ده. انتي متأكدة إن قلبك ما دقش غير ليا وبس. ممكن تكوني اديتي لطارق كل حاجة. بس قلبك ليا أنا وأنا متأكد من اللي بقوله." ضحكت ضحكة عالية ساخرة تداري بها أنه صادق بكل حرف قاله. بعد لحظات تمالكت وقالت من بين ضحكاتها: "تصدق بالله أوقات بتصعب عليا." تنهد سامر مطولاً وقال وهو يتطلع إليها بهيام وألم:

"إحساسي معاكي مخليني متأكد إني جوة في قلبك وعينيكِ ما بتقدرش تكدب عليا. ورغم كده أنا هعملك اللي انتي عايزاه وهبعد عنك وهسمع كلام أمي وهلاقي بنت الحلال اللي تبقى مراتي وتديني اللي محتاجه منك. بس رغم كده قلبي هيفضل معاكي انتي." ارتفع حاجبيها بذعر وهي تستمع لكلماته المؤلمة. حتى أردف قائلاً: "حبك هو الهوا اللي بتنفسه. حبك بيطمني وبيخليني حاسس إني عايش وبتنفس. بس برضه مش هذل نفسي ليكي أكتر من كده."

ثم رفع كفه ومرر أنامله بالهواء على صفحة وجهها كأنه يرسم ملامحها داخل قلبه في حركة قديمة بينهما ليشعر كأنه يتلمسها. زادت دقات قلبها وهي تراقب حركته القديمة. فهوى قلبها تحت قدميها. وعينيها تتبعه حتى انطلق بسيارته بهدوء تاركًا خلفه علا في أضعف حالتها. صعدت سيارتها وقادتها مسرعة وهي لا تشعر بشيء حولها.

ظلت كلماته تدور برأسها. سيتزوج. سيصبح ملك امرأة غيرها. ستعيش كل ما مر به أثناء زواجها. هل جاء الوقت لتذوق ولو قليلاً مما أذاقته له بسبب عنادها وكبريائها. ولأول مرة تسأل نفسها لماذا وافقت على الزواج من طارق. لم تجد إجابة سوى للانتقام من سامر والتشفي بعذابه.

عليها منذ الآن التحلي بالصبر والقوة. لأنه ببساطة سيتزوج. قلبها يلومها على استمرارها بعنادها وانتقامها الواهي الذي آذاها وعذبها أكثر من عذابه هو. فهي من رمت نفسها في نار زواج من شخص لا تحبه. بل و يجب عليها أن تبادله حبه وتعطيه من مشاعرها وحياتها وجسدها أيضًا. رغم بقاء قلبها على عهده القديم لحبيبه الوحيد. كانت تتمزق كلما ذكره طارق أمامها. وكلما قص عليها أنه على بداية علاقة مع فتاة جديدة. ثم يخبرها أنه تركها لتعود لفرحتها أنه لن يكون لغيرها. وها هو الآن يستسلم مثلها ويقرر أن يرمي نفسه بالنار مثلما فعلت هي.

كفت دموعها التي انسابت على وجنتيها وهي تصف سيارتها أمام روضة ابنتها ريتال. وترجلت منها ودلفت للداخل لتجد ريتال جالسة بمفردها تضع يدها أسفل وجنتها بملل. فاقتربت منها وقالت بحنان: "حبيبة ماما زعلانة منها علشان اتأخرت عليها صح." رفعت ريتال وجهها ناحية علا بغضب وقالت بعصبية: "الولاد كلهم روحوا وأنا لأ. حتى ميس روضة مس موجودة وأنا زهقت." حملتها علا وضمتها لصدرها وقالت بأسف:

"أنا آسفة وهحاول بعد كده أجي بدري آخدك. خلاص متصالحين." ضمتها ريتال إليها وقبلتها وقالت بمشاغبة: "خلاص متصالحين. بس هنتغدى عند ماك. ok." أومأت علا برأسها وقالت بموافقة على طلبها: "تحت أمرك يا أميرتي وكمان هنشتري لعبة جديدة." صفقت ريتال بيديها وقالت بفرحة: "حبيبتي يا مامتي. أنا بحبك قوي."

قبلتها علا مجددًا وهي تتأمل ملامحها التي تذكرها بطارق دائمًا. فقد ترك لها قطعة مصغرة منه لتظل تتذكره وتتذكر حنانه وحبه لها. ولكنها نفضت تلك الأفكار من رأسها ووضعت ريتال بالمقعد المجاور لها بالسيارة ووضعت لها حزام الأمان. وأغلقت الباب والتفت حول السيارة وركبت خلف المقود وهي تبتسم بوجه صغيرتها المبتسمة إليها ببرائة. فل تنسى سامر وطارق ونفسها لو قضى الأمر من أجل تلك الصغيرة والتي هي أغلى ما تملك بالحياة.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...