الفصل 29 | من 31 فصل

رواية وعد بلا رحمة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ياسمين ابو حسين

المشاهدات
19
كلمة
9,309
وقت القراءة
47 د
التقدم في الرواية 94%
حجم الخط: 18

عدلت من وضع حجابها، وطالعت ساعة معصمها، ثم قالت بغضب: _بقا كده يا يحيي، كل ده تأخير! طب وربنا لهوريك. _هتوريني إيه بقا.. طب وربنا هموت وأشوف. التفتت لمي خلفها، وطالعته بتنهيدة ملتاعة. بينما اقترب منها وقال بإبتسامته الهادئة: _الجميل زعلان مني ولا إيه. أومأت لمي برأسها نافية، وقالت مسرعة: _ابدا، مين المتخلف اللي قال كده! رجع شعراته للخلف وهو يضحك، لتظهر أسنانه ناصعة البياض، وقال بمزاح ساخر:

_قوليلي صحيح، كنتي هتوريني إيه بقا. رفعت عيناها بملل، وقالت له: _اتأخرت ليه.. الفرح كان حلو، وكله بنات طبعًا، وأنت ما صدقت. سحب كرسيًا وجلس بجوارها، يطالع سطح النيل، وقال ببساطة: _فرح بمسجد، والرجالة بمكان، والستات بمكان، وأنتي بتقولي بنات.. صبرني يا رب. عقدت ذراعيها أمام صدرها، وقالت بعبوس: _ولما هو كده، ليه رفضت إني أروح بقا. التفت برأسه ناحيتها، وقال رافعًا حاجبه بقوة ونبرة عميقة:

_لازم تفهمي إنه من هنا لغاية ما هاخدك بيتي، مش مسموح حد يشوفك غيري، أنتي فاهمة. ابتسمت لمي بخجل، وقالت: _تمام.. قولي بقا أخبار الفرح إيه. هز يحيي كتفيه بتسليم، وقال: _عادي، ربنا يهنيهم.. مفيش غير رجوع وعد المفاجئ ده، قلب الدنيا. انتفضت لمى واقفة، وقالت بفرحة: _وعد رجعت! _أيوة رجعت، تفتكري هيكون في أمل ترجع هي وجاسم. ده كانت عينه هتطلع عليها. عادت لمي لجلستها، وقالت بحزن:

_بيحبوا بعض قوي، ومستغربة إزاي قدروا ينفصلوا عن بعض.. كانت صدمة للكل. أجابها يحيي بعقلانية: _أنتي ما شوفتيش جاسم الفترة اللي جه قعدها معايا.. كان متدمر لدرجة إنه فقد النطق لأيام، ولولا دكتور وعد قدر يعالجه، كان هيطول في حالته دي.. ده غير الرصاصة اللي خدها في رجله.. كل ده أثر عليه طبعًا، واللي استنتجته إن وعد كانت قاسية عليه قوي. طالعت لمى السماء الصافية، وقالت:

_ربنا يهديهم لبعض، لأنهم في بعدهم للأسف بيمثلوا إنهم عايشين. عادت بعينيها إليه، وقالت برجاء طفولي: _يحيي، ممكن تاخدني لوعد بكرة أشوفها، علشان وحشتني قوي. قاوم شعوره ناحيتها، وقال بمزاح: _موافق، بس بشرط. _إيه هو الشرط! سحب نفسًا طويلًا، وزفره على مهل، وقال بنبرة ملتاعة: _مسمعش اسمي منك تاني.. بعد الجواز، أنتي من نفسك مش هتقوليه، لأني كل ما بسمعه منك ببقى مش على بعضي. تورّدت وجنتاها بخجل، وهمت واقفة، وقالت بتلعثم:

_أنا.. أنا هطلع بقا لتيته نجاة علشان اتأخرت وهتزعقلي. وقف أمامها، وقال بغمزة من عينه: _اهربي براحتك.. هانت، وهتبقي في بيتي، وساعتها.. حملت المقاعد، وابتعدت، وهي تقول: _تصبح على خير.. سس سلام. طالع انصرافها بحب.. ثم سار حتى النيل، ووقف في مركبه، وأدار محركها، وابتعد، وهو يمني نفسه بها.. تلك الجنية التي سحرته من أول نظرة. ***

لا يعلم هل بقاؤه بتلك الشقة تعذيب لضميره، أم شوق، أم أطلال. لولاها لتوقف زمنه وحياته. الغريب بهذه الشقة أنها هي ومحتوياتها ما بقيت، والأغرب أنها لم تأخذ حاجياتها منها.. تركت كل شيء مكانه، وابتعدت، كأنها تمني نفسها بيوم عودتها لعشها. ككل ليلة، يطالع الفراش، ويفتح الخزانة، ويمرر أنامله على ملابسها.. ويختتمها بالمرآة، والتي وضع عليها مستحضرات تجميلها وعطرها...

حتى بالحمام، صابونها وغسول شعراتها المميز برائحة المسك، والذي بات يستخدمه قبل النوم كل ليلة، كي يغفو على رائحتها، وكأنها تغفو على صدره، كما كانت تفعل كل ليلة... توقف مكانه، وسأل نفسه بتلهف: هل اعتادت النوم بعيدًا عن صدره.. أم ما زالت تشتاق إليه، كما يقتله شوقه.

خلع سترته، وارتمى على أقرب أريكة، وهو يتذكر نظراتها إليه.. أصبحت أكثر قوة وثباتًا، لم تكن بهذا الشموخ من قبل.. ما زالت تحمل كل الحب والشوق له، ولكنها زادت بريقًا جذابًا يحرقه شوقًا. عبست عينيه قليلًا، وهو يتذكر هذا الشخص، والذي أتى معها من بلد أخرى خوفًا عليها من أن تعود بمفردها.. فصك أسنانه بقوة، وقد عادت حركة ساقه المتوترة من جديد.

انتبه جاسم على طرقات على باب شقته، فوقف وسار ناحيته، وهو يهز رأسه بيأس، وفتح الباب، قائلًا بتذمر: _لسه صاحية ليه يا ماما، هو كل يوم كده.. ارتاحي يا حبيبتي. طالعته دولت بلوم، وقالت: _لازم أطمن عليك يا حبيبي، ما هو أنت لو تفوت عليا قبل ما تطلع، هتطمني عليك. دَلفت للداخل، فأغلق الباب خلفها، وقال: _هحاول أفوت عليكي أول بعد كده. جلست، وقالت له بإبتسامة متسعة:

_علا قالتلي إن وعد رجعت.. هتردها لعصمتك بقا، وترجعوا مع بعض صح؟! جلس أمامها، وقال بنبرة هادئة: _إيه اللي أوحالك بكده يا ماما؟! رفعت دولت حاجبها، وقالت بضيق: _أوحالي.. يا ابني، أنت بتموت في بُعدها عنك، وهي كمان.. هتستني إيه لما يتقدملها حد ويتجوزها وتضيع منك. تذكر ذلك الشخص مجددًا.. ولكنه أجابها ببرود: _كل شيء قسمة ونصيب يا ماما. احتّدت نظراتها ناحيته، وقالت:

_قولي إنك بتهزر.. هتسيب وعد بيوم تضيع منك يا جاسم، وتمشي ورا غبائك ده؟! _معرفش بقا يا ماما، اللي عاوزه ربنا هيكون. وقفت، وأشارت بيدها على شقته الخاوية، وقالت بغضب: _أنت عاجبك حياتك دي.. يا ابني، ده صدى صوتنا من هدوء الشقة بيخوفني.. بتعاقب نفسك على إيه، وبتعاقبها معاك.. كلنا بنغلط يا جاسم، وخلاص كفاية لغاية كده اللي بتعمله فينا كلنا ده. وقف أمامها مسرعًا، وقد اكفهر وجهه، وقال بنبرة عميقة مرعبة:

_وأنتي فاكرة هي هتقبلني برجلي العاجزة دي.. أنتي مش عارفة أنا بتوجع إزاي وأنا بحاول أداري عَرَج رجلي وأنا ماشي، علشان ما أحسش في عين حد بشفقة عليا.. ولو جت من وعد يا ماما، أنا هتدمر. مررت دولت كفها على وجهها، وقالت بعد تفكير: _وعد بتحبك، عارف يعني إيه بتحبك يا جاسم، ولا مش عارف يا باش مهندس. ابتسم بسخرية، وقال: _ولما بتحب توجع حد بالكلام، مش بس هتوجعه يا ماما، دي بتدبحه، ودبحتني مرة، ومش هستحملها تاني أبدًا.

اقتربت منه دولت، وقالت بإشفاق: _أنت متأكد إنها اتغيرت، وعلاجها النفسي بعد مشكلتكم فادها كتير، وأنا متأكدة إنه اللي هترجع تعيش معاك دي وعد جديدة، أنت كنت بيوم بتتمناها. يعلم أن كلماتها صائبة، وقد لمس تغير وعد بآخر لقاءاتهم.. ولكن الخوف بداخله يطغى على مشاعره.. الخوف من الفشل مجددًا. ابتلع ريقه، وقال بنبرة ثابتة: _على الله كله يا ماما.

طالعته مطولًا، ثم تركته وسارت حتى باب الشقة، فتحته، وخرجت، وأغلقت الباب بقوة ورائها، جعلت كل شيء حوله يهتز.. أغلق عينيه بوهن، وألقى بجسده على الأريكة، وهو يتنفس بصعوبة. بينما عبثت دولت بهاتفها، وأرسلت لسلوى رسالة فحواها: _زي ما اتفقنا يا سلوى، لازم خطتنا تنجح مهما حصل، ومش لازم نغلط بأي حاجة، تمام. وابتسمت بمكر، وقالت: _هتشوفوا شغل الحماوات بقا، لما يكون صح.. يا إحنا يا إنتوا!! ***

لم يستطع النوم إلا القليل.. وكأن عينيه ترفض مرور دقائق دون أن تراها بها.. وكأن عقله يخشى أن يكون كل ذلك وهمًا.. وكأن قلبه يأبى الابتعاد عنها مجددًا. طرق بأنامله على وجنتها، وقال بنبرة هادئة: _روضة.. يا روضة. تمطّت بتكاسل، وفتحت عيناها بتثاقل، وسألته بعبوس: _الساعة بقت كام. أجابها مالك، وهو يملس على شعراتها: _الساعة سبعة الصبح يا عمري. ضربت جبهتها بضيق، وقالت:

_حرام عليك يا مالك، دي رابع مرة تصحيني في ساعتين.. سيبني أنام شوية، ونام أنت كمان. زم شفتيه بحدة، وقال: _هو إحنا متجوزين علشان ننام.. ثم إحنا نمنا كتير بحياتنا قبل كده، خدنا إيه.. قومي بقا. نثرت روضة شعراتها للخلف، وجلست وهي تفرك عيناها، وقالت بوهن: _أنا استسلمت وخلاص صحيت.. هقوم أحضر فطار. أزاحت الغطاء، فجذبها ناحيته، قائلًا ببديهية: _فطار إيه ده، إحنا لسه متعشيين من ساعتين.. لحقتي تجوعي. تصنعت البكاء، وقالت بتذمر:

_بالظبط، متعشيين من ساعتين، يعني ننام.. هه.. نناااااام.. والله حرام اللي بتعمله فيا ده. سحب نفسًا طويلًا، وزفره على مهل، وهو يطالعها بشوق، وقال: _عاوز أفضل باصص لعنيكي، وأسمع صوتك وبس.. لسه مش مصدق إنه بقيتي ليا ومعايا.. كنت خايف أي حاجة تأثر على ارتباطنا وتروحي مني. _قصدك موضوع وعد! كان ردها سريعًا، جعله يرفع حاجبيه بتعجب.. ثم أغمض عينيه، وفتحهما، قائلًا بجدية:

_كويس إنك فتحتي الموضوع ده علشان نقفله تمامًا.. أنا مش هحلف وأحاول أقنعك بحاجة، تعبت كتير علشان أخليكي تصدقيها.. أنا هقولك جملة قالتهالي وعد يوم عيد ميلاد ريتال الأخير. أسرعت قائلة بترقب: _قالت إيه! اعتدل بجلسته، حتى أصبح مقابلًا لها، وتعمق بعينيها، قائلًا:

_قالتلي ربنا يهنيك مع الوحيدة اللي حبيتها يا مالك.. أنت عمرك ما حبيت غير روضة.. فاكر لما كنت طول الوقت عاوزني نسخة منها.. اعملي زي روضة، البسي زي روضة، اتكلمي زي روضة، فكري زي روضة.. اكتشفت إنه حتى روان، كنت بطلب منها نفس الطلبات.. كنتي محور كلامي طول الوقت مع العيلة.. كنت بقرا الكتب مخصوص علشان ألاقي باب أتكلم معاكي فيه، لأني كنت بحب تفكيرك.. في حب بيكون مش ظاهر لينا، بس ظاهر لكل اللي حوالينا، وأنا كنت أعمى.

كانت تتلقف كلماته برضا نفس، تعبت كثيرًا من قبل.. ليعود هو ويقول بنبرة ثابتة: _سألتي نفسك مرة، أنا إزاي قدرت أنسى حب وعد العظيم ده في يومين!! تاني يوم كتب كتابها، كنت منهار.. مش على حبي اللي ضاع، لأ، على غدر صاحبي ليا.. يومها، أغمي عليا وأنا معاكي، ومجرد ما سمعت كلمة "حبيبي" منك، قلبي شاور عليكي،

وقال: هي دي اللي أنا بحبها.. هي دي اللي ريحتها دايما بتربكني وبتخليني أحس إني عايش.. هي دي اللي برش برفاني على الكتب بتاعتها قبل ما أرجعها، علشان أفضل ذكرى على كل كتاب ليها. رفعت حاجبيها وهي تطالعه بدهشة.. فمال ناحيتها، ولمس جبهتها بجبهته، وهمس أمام شفتيها بحب:

_اكتشفت إني بحبك من أول يوم شوفتك فيه.. ولما روان سألتك يومها ليه لبستي النقاب رغم إنك صغيرة، قولتلها اللي هيحبني وهيحب يرتبط بيا.. لازم يحب عقلي مش شكلي.. وأنا ترجمت حبي لعقلك غلط يا حب عمري كله. لفت ذراعيها حول عنقه، وقالت بسعادة امتزجت بدموعها: _أنا اللي بحبك بجنون يا حب عمري.. ومش عاوزة أنام، خليني كده أسمعك وأشوفك، ومش عاوزة حاجة تاني من الدنيا.

ضمها لصدره، ودس أنفه بين شعراتها، مستنشقًا رائحة المشمش اللذيذ بتلهف، جعله يأخذها لعالمه، مستجيبة لكل عنفوانه دون خجل. *** بعد يومين لا جديد بهما.. استيقظ جاسم من غفوته على صوت طرقات على باب الشقة.. فترك فراشه، وتوجه ناحية باب شقته، وهو يقول بتذمر غاضب: _بتصحيني ليه يا ماما النهاردة إجازة، حرام عليكي.

فتح الباب، حتى جحظت عيناه وهو يرى وعد أمامه.. أغلق عينيه بقوة، وفتحهما مرة أخرى، لعله يتوهم.. ولكنه وجدها تقف أمامه تطالعه بنظرات ثابتة.. وخلفها عمرو، الذي قطع علاقته به تمامًا يوم انفصالهما. تطلع لهيئته، وقال بتوتر: _آسف على شكلي ده.. بس نورتوا، ادخلوا اتفضلوا. أجابه عمرو بوجه ممتعض:

_إحنا مش جايين نتضاف.. وعد جاية تاخد شوية حاجات ليها من الشقة، ورنيت عليك تليفونك مغلق، فجيت على طول من غير إذن.. ممكن تدخل، ولا في مشكلة. طالعه جاسم بلوم، وقال: _إذن إيه اللي أنت عاوزه يا عمرو، علشان تيجي هنا.. أنت تدخل بأي وقت، ومن غير استئذان، ده بيتك. ابتسم عمرو بسخرية، وقال: _المهم، إحنا مش هناخد من وقتك كتير. أشار لهم جاسم بذراعه، وهو يطالع وعد بتلهف، وقال: _اتفضلوا، وأي حاجة بالبيت تحت أمركم.

دَلفت وعد، وهي تتطلع حولها بحزن.. بكل مكان ذكرى.. بكل ركن تجدهما.. حتى أريكتهما، والتي كانت لا تفارقه بها، ما زالت على حالها. التفتت ناحية جاسم، وقالت بملامح باهتة: _بعد إذنك، عاوزة أدخل أوضة النوم. أومأ جاسم برأسه في صمت بالموافقة.. فسارت ناحيتها، وأفكارها ودقات قلبها حملوها وألقوها داخل صراع لن يشعر به سوى الذي يطالع خطواتها الثقيلة بفهم لما تشعر به، ويشعر هو به يوميًا...

منذ عودتها، ويشغله شيء واحد.. لم تعد تخفي نقاط نمشها.. ولم تعد تخفي احمرار أهدابها وحاجبيها.. تركت جمالها عرضة لإعجاب أي شخص.. فهل تنوي فعلاً الزواج من غيره.. هل أتت لتأخذ أشياءها لأنها تنوي ارتدائهم لغيره! لاحظ عمرو ارتباكه وتعرق جبهته، فابتسم بنصر.

وقفت وعد بمنتصف الغرفة، تطالعها بنهم.. ليأتي عطرها ويصيب أنفها وقلبها.. لتبتسم شفتيها بانتشاء.. كل شيء على حاله، ومع ذلك البيت نظيف للغاية.. توجهت ناحية الخزانة، وفتحتها، وأخرجت حقيبة سفر كبيرة، وحملتها، ووضعتها على الفراش، وسحبت سحابها فانفتحت.

عادت للخزانة، وبدأت في تجميع ملابسها، ورصتهم بالحقيبة.. لم تترك قطعة قماش خلفها.. لن ترحمه.. وجمعت أدوات تجميلها، وحملت زجاجة عطرها، وطالعتها بإشفاق.. يبدو أنه يستخدمها ليشعر بها حوله.. ولكن.. حانت لحظة العقاب.. فطالعت نفسها بالمرآة، وهي توعده.. ووعدها سيكون بلا رحمة.. ألقت بزجاجة العطر داخل حقيبتها.. تأكدت أنها لم تنس شيئًا.. فأغلقت الحقيبة، وأنزلتها، وجذبتها ورائها.

وقف عمرو مسرعًا، واستقبلها كي يأخذ منها الحقيبة، وهي قد تعلقت عيناها بتلك الشباك السوداء، والتي طالما ما تعلقت بهما.. خرج صوتها متحشرجًا، وهي تقول: _خلاص، أخذت كل هدومي وحاجتي. لم يشعر جاسم بنفسه، وهو يسألها بصدمة: _كلها! أجابه عمرو بإندفاع: _أنت كنت عاوزها تسيب حاجة ليها هنا ليه؟ أساسًا خطوة اتأخرت كتير.. شكرًا على وقتك. وقف جاسم أمامه، وقال مسرعًا: _أنتوا هتمشوا بسرعة كده، ميصحش يا ابن الأصول، ده عيب في حقي.

جذب عمرو الحقيبة، وقال بجدية: _واجبك وصل من زمان يا جاسم.. تشكر. وما إن سار خطوتين، تتبعه وعد، حتى رن هاتفه.. فتوقف، وأجابه بتوتر: _أنتي كويسة يا روان! أتاه صراخها.. فترك الحقيبة من يده، وقال بعينين متسعتين بصياح قلق: _اهدى، وظبطي نفسك.. أنا مش هقفل معاكي، وهخلي وعد تكلم ماما ومامتك يطلعوا لك حالا، بس اهدى. تعلق وعد بذراعه، وقالت بسعادة: _روان بتولد يا عمرو! أومأ برأسه، وقال بخوف:

_أيوه بتولد، كلمي ماما تطلع لها حالا بسرعة يا وعد. ركض جاسم ناحية غرفته، ارتدى سترة رياضية على بنطال جينز، وحمل مفاتيح سيارته، وخرج، قائلًا: _أنا هوصلكم للبيت بالعربية، أكيد مش هتعرف تسوق وأنت كده يا عمرو، يالا بسرعة. استسلم عمرو لرغبته، وتابع حواره مع روان، قائلًا: _اهدى يا قلبي، وبالراحة ظبطي نفسك.. شهيق وزفير، شهيق وزفير.

خرجا من الشقة، كل منهم يتحدث بالهاتف، بينما طالع جاسم حقيبة وعد، التي كانت تقف بمنتصف الشقة بسعادة.. ومر على شقة والدته، وأخبرها بأمر ميلاد روان، وانطلقا بعدها بالسيارة ناحية منزلهم. *** وقف الجميع أمام غرفة العمليات، والقلق أصابهم، وعمرو يقف أمام الباب مستندًا بأذنه عليه، لعله يسمع أي صوت.. كان من المتوقع أن تلد روان بطريقة طبيعية، ولكن الطبيب قرر أن تلد بعملية قيصرية بعدما استشعر الخطر على الصغير.

ضرب عمرو الباب بقبضته، وقال فاقدًا صبره بصياح غاضب: _محدش بيخرج ليه بقالهم ساعة، هو ده طبيعي! وقفت آمال بجواره، وقالت لطمأنته بنبرة هادئة: _يا حبيبي، الدكتور ما كانش مستعد، وتجهيز غرفة العمليات بياخد وقت.. ما تقلقش، دقايق وهتطمن عليهم. زفر مالك بضيق، وقال: _عمرو معاه حق يا ماما، أنا بدأت أقلق.

كانت وعد وروضة تتابعان الموقف بقلق، وهما تحتضنان كفين بعضهما.. ووعد بين اللحظات تغتلس النظر لجاسم الواقف يطالعهم بتوتر.. لم تغفل عينها عرجه ساقه.. فظنت أنه ربما آلمته ساقه من طول وقفته. كلما وقعت عيناها عليه، تشعر بألم في قلبها، وهي تتذكر يوم ألقاها بطول ذراعه وطلقها.. شعرت بتجمع العبرات بعينيها، فوقفت وسارت حتى الحمام، وأغلقت عليه، وبكت في صمت.

حتى اليوم، جمعت كل أشياءها على أمل أن يتحرك ويطلب بقاءها معه وعودتها إليه.. لكنه لم يبدِ أي إشارة بتمسكه بها.. تطلعت بالمرآة، وواجهت ضعفها، وجففت وجهها بقوة. تمالكت نفسها، وغسلت وجهها، واطمأنت على هدوء ملامحها، وخرجت مقتربة منهم.. تتابع قلقهم، حتى خرجت الممرضة تبتسم بسعادة، وتحمل الصغيرة بين ذراعيها. تعالت الشهقات، وهما يتجمعون حولها.. فاقتربت الممرضة من عمرو، وقالت: _حمد الله على سلامة النونة ومامتها يا أستاذ عمرو.

حملها بين ذراعيه، وتابع زمة شفتيها الحمراء، ووجهها الصغير الدائري الأبيض، وأهدابها الصفراء، وكفيها الصغيرين.. فتساقطت دموعه دون أن يشعر. طالعتها سلوى بفرحة، وقالت: _بسم الله ما شاء الله.. زي القمر.. دي صهباء زي وعد. التفت عمرو ناحيتهم، وقال بنبرة متحشرجة نتيجة بكائه: _بنتي. اقترب منها مالك، وقال بتأثر: _زي القمر يا حبيبي، ربنا يبارك لك فيها. وقفت آمال أمام الممرضة، وسألتها بتلهف: _طمنيني على بنتي.. روان كويسة!

أجابتها مسرعة: _زي الفل ما شاء الله.. هي لسه صاحية من البنج النصفي.. بس تطمنوا عليها، وهتاخد منوم علشان ترتاح شوية. انحنى عمرو بفمه ناحية أذن الصغيرة... وأذن بهما، والجميع يطالعه بسعادة. ما إن انتهى عمرو، حتى اقترب من وعد، وناولها إياها، قائلًا: _شيلي وعد الصغيرة يا وعد.. بقت شبهك اسمًا وشكلًا، سبحان الله. حملتها وعد بين يديها بحرص شديد، وروضة تقف بجوارها.. كانت الصغيرة رائعة الجمال.. ضحكت وعد، وقالت لها بمداعبة:

_نورتي العيلة يا وعد.. باباكي سماكي على اسمي، وأنا بتمنالك ما يكونش نصيبك مني غير اسمك وبس، ويرزقك سعادة الدنيا كلها يا قلبي. كلماتها هزت كيان المتابع لهم بألم.. شعر به مالك، فحمل الصغيرة، واقترب من جاسم، قائلًا بإبتسامة متسعة: _بقا عندنا اتنين وعد يا جسوم.. شوف النونة جميلة إزاي.

طالعها جاسم بحذر.. حتى لانت ملامحه، وهو يتابع تمطّها وفركها لوجهها بكفيها الصغيرتين.. فلاحت ابتسامة خفيفة على شفتيه، ولمس كفها بسبابته دون وعي منه.. أغلقت الصغيرة كفها على إصبعه، فشهق، قائلًا بتعجب: _دي مسكت صباعي! ربت سراج على ذراعه، وقال: _عقبال ما يجيلك يا جاسم.

هذه الدعوة كانت كفيلة برفع عينيه ناحية وعد، التي كانت تطالع هاتفها بشرود، غير مبالية، وتكتب وكأنها تراسل شخصًا.. عاد بعينيه للصغيرة، وقد رق قلبه لها، ليس لأنها تشبه زوبعته، ولكن لتمنيه دمية مثلها له. تم نقل روان لغرفة خاصة هي وصغيرتها.. واطمأن عليها الجميع.. استأذن جاسم منهم، وتركهم وانصرف.. ومالك وروضة أيضًا عادوا لعشهم. ***

أصبح هذا المكان ملجأه كلما ضاقت به الدنيا وأظلمت.. لتأتيه نسائم الهواء وتداعب وجهه، وكأنها تربت على قلبه كي يهدأ.. كان في بعدها يشتاق حد الجنون.. يتألم كلما سمع اسمها، أو طالع شاشة هاتفه، أو دلف لشقه.. لم يكن يعلم أن وجودها حوله سيكون أكثر إيلامًا، ويرهقه شوقًا.. ذلك الشوق الذي دفع الجمرة الجالسة بجواره أن يخرج عن صمته، قائلًا بتذمر غاضب:

_جاسم، أنا خلاص صبري جاب آخره، ومحتاج صبر يصبر له.. جوزني لمى بدل ما أخطفها وأتجوزها غصب عنها وعنكم، والله. زفر جاسم بضيق، وطالعه بنصف عين، قائلًا ببرود: _أنت إيه اللي مقعدك جنبي أصلاً.. أنا ناقصك يا يحيي.. وحياة أبوك، امشي وسيبني، أنا عندي اللي مكفيني. شبك يحيي أنامله، وضم ركبته لصدره، وركل مياه البحر بقدمه الأخرى، وقال بهدوء:

_المفروض تكون فرحان إنك شفتها، واتطمنت عليها.. مش تبقي قالب وشك، وسايب عفاريتك تتنطط قدامك براحتها. سحب جاسم نفسًا طويلًا، وزفره دفعة واحدة، وقال بملامح متهدلة: _ما هي لو جنبي، هتوحشني أكتر.. طالما هي بعيد، أنا مش بكلمها، ومش بشوفها.. بس هي قدامي دلوقتي، أقنع قلبي إزاي إنه ما يجريش عليها.. أقنع نفسي إزاي إنه مش من حقي المسها.. أقنع نفسي إزاي إنه أبعد عنها وأقف أبص عليها من بعيد، كأني حد غريب.. الموضوع صعب يا يحيى.

طالعه يحيي بترقب، وزم شفتيه بإمتعاض، وقال: _عارف أنا الإحساس ده.. ما هي لمى قدامي طول الوقت، مش قادر إني ألمسها، ولا قادر إني أعبر لها عن حبي بطريقة صح.. أنتم السبب.. أنا لازم ارتبط بها في أقرب فرصة.. لغاية إمتى هفضل مستني لما ظروفكم تتحسن.. أنا ما فيش حاجة ناقصاني، وهي كانت بتطلب مني طلب واحد.. تكون موجودة وعد، وهي موجودة.. خلاص، يلا نتمم الخطوبة والجواز، هنصبر ليه. انفرجت شفتي جاسم بابتسامة خافتة، وقال:

_تعرف يا يحيي، أنا أوقات بحسدك على غتاتك دي. قهقه يحيي ضاحكًا، وقال بمزاح: _حتى الغتاتة هتحسد عليها.. أصل أنا أمي دايما تقول إني حلو ومحسود.. علشان كده مش عاوز أتجوز. رفع جاسم عينيه بملل، وقال: _ما هو أصل القرد في عين أمه غزال. زادت ضحكات يحيي، وقال بمداعبة: _كده دخلنا في زون الحقد، مش الحسد.. متغاظ مني علشان أنا أحلى منك. وخزه جاسم في ذراعه، وقال بضيق:

_علشان الشعرتين اللي مطولهم يعني.. يا ابني، أنا كنت لما ببقى سنجل، وقتها بكون على علاقة بعشرة، وهما اللي كانوا بيجروا ورايا. غمز له يحيي بعينه، وقال مازحًا: _يا جاسم يا جامد.. طب جوزني البت بقا.. أنت أكيد حاسس بيا، تعبت والله. ضيق جاسم عينيه، مدعي التفكير، وطالعه قائلًا: _يوم الخميس الجاي إن شاء الله، كتب كتابكم.. كده كويس. لم تصل ليحيي ببادئ الأمر، ولكن بعد مرور خمس ثوانٍ، اتسعت عيناه، وفغر فمه ببلاهة، وقال بصدمة:

_أنت قولت إيه! _اللي سمعته يا أخويا. وقف يحيي مسرعًا، وقال بإبتسامة بلهاء: _يوم الخميس، يوم الخميس اللي هو بعد بكرة ده. أومأ جاسم براسه، وقال مؤكدًا: _أيوه.. هات باباك ومامتك وعيلتك كلها، ونوروني في بيت جدتي.. هجهز المضيفة، ونكتب الكتاب، وتلبسها الشبكة، وهي مراتك.. وحدد ميعاد الفرح اللي يناسبكم أنتم الاتنين، وكل طلبات لمى عليا. صرخ يحيي بجنون، وأخذ يدور حول نفسه، وقال بهيستيرية:

_وأخيرًا.. هروح بقا أعرف أهلي، وأجهز المأذون وبدلتي، وأشتري الشبكة، وأجهز كل حاجة. أغمض جاسم عينيه، وقال بنبرة خافتة: _وأخيرًا هقعد لوحدي. انحنى يحيي بجذعه ناحيته، وقبّله في وجنته، قائلًا: _أنت أحسن أخ بالدنيا كلها والله. دفعه جاسم، وهو يمسح وجنته، قائلًا بضيق: _يخرب بيتك.. أنت اتهبلت يا يحيي، جاتك القرف. مرر يحيي أنامله بشعراته، وقال بسعادة: _محتار أبدأ منين، قدامي يومين بس.. طب هسيبك بقا، ما فيش وقت أضيعه خالص.

تصنع جاسم الابتسام، وقال: _سيبني.. ياريت تسيبني، بدل ما أسيب الدنيا أنا وأرحل. أشاح يحيي بذراعه في وجهه، وقال بتذمر: _مش وقت كآبتك خالص.. وباعدين، ما هي قدامك.. مستني لما الواد المحفلط اللي رجعت معاه ده ياخدها منك، وتيجي هنا تعيد فيلم الأطلال، وأذكريني. كلمات يحيي أصابته في مقتل.. تتزوج غيره! لاحظ يحيي تأثير كلماته عليه، فتابع قائلًا: _لو ما اتعلمتش من كل الندم اللي ندمته قبل كده يا جاسم.. ندمك المرة دي هيدمرك.

وتركه، وابتعد، وجاسم يطالع الأفق أمامه بشرود.. اشتدت قوة الموجات، وصارت تتحطم على الصخور، والتي يجلس فوقها.. وأصبحت ذرات خفيفة تتناثر على وجهه كصفعات، لعله يعود لتعقله. سيراها يوم الخطبة مجددًا.. هل عنده الجرأة في خلق حديث معها، ربما كان بوابة لعودتهما، أم سيظل صنمًا ويشاهد ضياعها هذه المرة أيضًا من بين يديه بعجز. ***

عادت روان وصغيرتها للبيت.. ورغم تمسك عمرو بأن تعود لشقتهما، إلا أن آمال رفضت وبشدة، وأبقت على وجودها معهم بشقتها هي، كي ترعاها طوال الوقت. كان الجميع طوال الوقت يدورون حول وعد الصغيرة بسعادة.. حركاتها، صوت بكائها، وملابسها الصغيرة، مثلها.. كل شيء فيها يدعو للبهجة والحب. دَلفت روضة غرفة وعد، فوجدتها جالسة على مكتبها تدون شيئًا بملف، ويبدو عليها الجدية والانهماك. اقتربت منها، وسألتها بتعجب: _بتعملي إيه يا وعد!

رفعت وعد وجهها ناحيتها، وابتسمت قائلة: _عندي فكرة مشروع مهمة جدًا يا روضة، وكنت بكتب دراسة مبدئية ليه، بعد ما جهزت دراسة الجدوى ودرسته من كل الجوانب. طالعتها روضة بإعجاب، وقالت: _الله عليكي.. وأنا واثقة إنك هتنجحي.. بس هو المشروع ده عن إيه! تركت وعد القلم من يدها، وقالت بجدية:

_هو مشروع جوه مصر، هيكون خيالي وصعب تحقيقه، بس هناك بالكويت، تنفيذه هيكون سهل جدًا لوفره الإمكانيات والدعم، وكمان لأنهم نفذوا حاجات شبه ليه كتير جدًا. جلست روضة قبالتها، وقالت: _مشروع معماري قصدك، ولا حاجة تانية. أومأت وعد برأسها، وقالت:

_مشروع معماري.. هو مشروع كبير جدًا وضخم جدًا، علشان يتنفذ بمصر، عاوز مساحة أرض خيالية.. وأنا بمشروعي قللت المساحة دي، بمعنى إنه على قطعة أرض واحدة، يتعمل مشروع كومباوند وفنادق ومولات ومستشفيات دولية ونوادي ومنشآت كتير جدًا.. بس بمبني واحد فقط. وضعت روضة كفها تحت وجنتها، وقالت بعدم فهم: _لا، صعبة عليا دي.. المتعارف إنه كل المنشآت دي بتكون بمباني منفصلة، مش في مبنى واحد. طرقعت وعد بأناملها، وقالت بحماس:

_أنا فكرت برة الصندوق.. لأن مشروع زي ده عاوز بنية تحتية تشيل صرح عملاق زي ده.. وخلال شغلي مع جاسم والشباب، بقا عندي فكرة معمارية مش بطالة.. صحيح، مشروعي كلام على ورق، لغاية ما تاخده شركة هندسة تغامر وتعمله بمصر.. مشروع هيشتغل بيه عمالة تقدر بالآلاف، وهيرد فلوسه بوقتها. لمعت عينا روضة، وقالت بإعجاب: _فكرة عالمية.. كملي شغلك، ومتوقفيش.. لأنه مشروع زي ده مفيد للبلد من كل النواحي. حملت وعد القلم، ولفته بين أناملها،

وقالت: _قولتلك من البداية، هيكون صعب تنفيذه بمصر، وإنه هينفع بالكويت أكتر. عقدت روضة حاجبيها، وقالت: _قصدك إنك قررتي تستقري بالكويت، وهتسيبى مصر يا وعد! سحبت وعد نفسًا طويلًا، وطالعتها بهدوء، وقالت: _مش هنسميه استقرار بالمعنى الحرفي، بس أنا حابة أسميها دراسة واحتكاك بفكر جديد.. وعلى فكرة، حابة إني كل فترة أسافر بلد شكل، وأتعلم أكتر فترات تعايش زي بتوع الكورة. تهدلت ملامح روضة، وقالت برزانة:

_وده أسميه تطوير ذات، ولا هروب من الواقع يا وعد. ابتسمت وعد بخفوت، وقالت: _أنا بعيش أحلى واقع في الدنيا.. مش لازم نكون مع اللي بنحبهم علشان نبقى في كامل سعادتنا.. مجرد إن جاسم بخير وكويس، ده مريح قلبي جدًا عليه.. أنما موضوع تطوير الذات، ففعلاً ده هدفي.. غير إني ناوية أشتغل على الماجستير.. تعرفي يا روضة، سبب إني أتخطى كل اللي حصلي. سألتها روضة بفضول: _إيه يا ترى! ابتسمت وعد براحة، وقالت:

_وأنا بالكويت، اتعرفت على دكتورة مصرية.. كانت هناك لفترة قصيرة، بتعمل معايشة في مستشفى استثماري كبير، لأنه عندها خبرة، رغم إنها صغيرة بالسن، وزي القمر، حاجة كده تحبي بس تفضلي تبصي ليها.. هي شافتني بالمستشفى، كنت تعبانة جدًا، قدرت تعالجني نفسيًا بشكل غريب.. أدتني طاقة ودفعة، وشجعتني أشتغل وأكمل دراستي وأقوى. كانت روضة تتابعها بإندماج، بينما أردفت وعد قائلة:

_لما اشتغلت وبدأت أجهز للمشروع ده.. هي أخدت الفكرة، ونقلتها لزوجها.. هو مهندس ناجح جدًا، وعجبه المشروع، بس أكد لي إنه هيحتاج شريك ثقة معاه.. فحسيت إنه تنفيذه بمصر هيبقى صعب. أومأت روضة برأسها موافقة، وقالت: _ربنا يوفقك يا حبيبتي، وأنا واثقة من نجاحك إن شاء الله.. هتروحي كتب كتاب لمي يوم الخميس الجاي.. مالك وسامر طلبوا مني أنا وعلا نروح معاهم، علشان البنت ما تبقاش لوحدها. اتسعت ابتسامة وعد، وقالت بمداعبة:

_لازم هروح طبعًا.. مش علشان لمى لأ.. علشان أشوف الأستاذ يحيي اللي بتقعد بالساعات توصف فيه، وجننها ده. ضحكت روضة قائلة: _وعلا كمان رايحة علشان كده.. والله أنتم مجانين. أغلقت وعد ملفها، ووقفت، وهي تقول بحماس: _البت وعد وحشتني، أنا هروح أشوفها، وأنتي قومي روحي مع جوزك.. ده أنتوا بالهاني مون يا هبلة.

تركتها وعد وخرجت.. بينما فكرت روضة قليلًا، وتذكرت كلماتها لوعد يوم طلقها جاسم بمنزل جدته واختفى.. يومها وعدتها روضة بأن تعيدها لجاسم مهما حدث. طالعت روضة الملف المغلق، ووقفت وفتحته، وتصفحت أوراقه، حتى ابتسمت شفتيها بمكر، وأخرجت هاتفها، وأخذت صورًا للأوراق، وأغلقت الملف كما كان.. وخرجت، وهي تتنفس براحة، وتقول بداخلها:

_مش هتسبيني تاني يا وعد.. وسفر بره مصر مش هيحصل.. وكل خطط ماما وطنت دولت الفاشلة دي، أنا بقا هوريهم التخطيط على حق، والوش التاني.. لروضة. *** عادت روضة ومالك للبيت.. فارتَمى مالك بجسده على الأريكة، وقال بتعب: _روان بتنشن.. أهه شهر العسل بتاعي بقا يوم.. الجوازة دي منقوقة، أنا عارف.

انتبه لروضة، التي تعدل من وضع الأرائك وتنظم البيت، وهي ما زالت مرتدية ملابسها ونقابها.. تخطى هذا الأمر، ووقف، وقربها منه، وغمز لها، قائلًا: _بقولك إيه يا وحش، أنا هحجز في أي حتة بحر أحمر، ونسيب تليفوناتنا هنا، وأخطفك أسبوع كده في حتة فاضية.. إيه رأيك! تصنعت روضة الابتسام، وأجابته ببساطة: _لأ طبعًا، ورانا حاجات مهمة. رفع مالك حاجبه، وسألها بتعجب: _حاجات إيه إن شاء الله.. هنقدم للعيال على إجازة من المدرسة مثلا.

ابتسمت روضة على مزحته، وقالت بمكر: _دقايق وهتفهم قصدي. ضمها إليه، وهو يقول بمداعبة: _والله ما عندي صبر.. طب ما تفهميني دلوقتي، ده أنتي وحشاني قوي. انتبها على طرقات بباب الشقة.. فابتسمت روضة ابتسامة متسعة، وقالت له: _ربنا بيحبك، وهتفهم دلوقتي.. مش هتصبر. ابتعدت عنه، وسارت ناحية الباب، وأنذلت نقابها على وجهها، وفتحته، قائلة بترحاب: _يا أهلاً وسهلاً.. البيت نور. دَلَف سامر وعلا، ليقول الأول بود:

_منور بيكم يا عرسان والله. احتضنت روضة علا، وقبلتها، قائلة: _أخبارك إيه يا علا، وأخبار توتا؟ ابتعدت علا عنها، وأجابتها بإبتسامة هادئة: _إحنا بخير يا قلبي. أغلقت روضة الباب، ومالك يطالعهما بتعجب.. ليقول له سامر بمداعبة: _أخبارك إيه يا عريس؟ أجابه مالك ببديهية: _كويس إنك عارف إني لسه عريس والله. طالعته روضة بلوم، وقالت لهم مشيرة بيدها: _اتفضلوا اقعدوا. جلسوا جميعًا، فتابعت حديثها قائلة بجدية:

_طبعًا كلكم مستغربين من لمتنا دي، بس أنا وعدت وعد إني هرجع جاسم ليها بأي شكل، ولازم أوفي بوعدي. هزت علا رأسها، وقالت: _أنا معاكي.. جاسم صعبان عليا، وأنا متأكدة إنه بيموت من غير وعد، بس المشكلة في إزاي هننجح بده.. ماما وطنت سلوى تعبوا خطط. جلست روضة أمامهم، وقالت: _أنا في الأول هشرح ليكم فكرة مشروع سكني، وعاوزة رأيكم، ممكن. سألها مالك بإمتعاض: _مشروع سكني حتة واحدة.. اتفضلي يا هندسة، بس في الإنجاز لو سمحتي.

ابتسمت علا بخجل.. بينما وقفت روضة، وشرحت لهم جميع ما فهمته من وعد، وهم يطالعوها بتركيز.. حتى خرج مالك عن صمته، وقال بتعجب: _أنتي جبتي الفكرة دي منين! حملت روضة هاتفها، متجاهلة سؤاله، وأرسلت لهم جميعًا الصور التي التقطتها من ملف وعد، وقالت: _عاوزاكم تراجعوا دراسة الجدوى دي أول، قبل ما أفهمكم كل حاجة. حمل كلاهما هاتفه، وتنقل بين الصور بإعجاب، حتى قالت علا بعملية:

_الفكرة جميلة وعملية، وفعلاً شوفتها في أكتر من بلد، وأتمنى تتنفذ بمصر، خصوصًا إن دراسة الجدوى تقريبًا ملمة بتفاصيل كتيرة، ولسه محتاجة شغل. رفع سامر حاجبه، قائلًا: _أنا أقدر أساعد صاحب الفكرة إنه يكمل الدراسة بطريقة بروفشنال أكتر. ابتسم مالك بدهاء، وأغلق هاتفه، قائلًا بثقة: _أنا عرفت مين صاحب الفكرة، وعرفف قصدك من لمتنا دي يا سوسة. ابتسمت روضة وهي تطالعه بحب.. بينما قال سامر بإمتعاض:

_وأنويين تقولوا في إيه، ومين، وليه، ولا هنبات معاكم النهاردة. التفت إليه مالك، قائلًا ببديهية: _ارجع لأول كلام روضة، هتعرف إنها عاوزة ترجع وعد لجاسم.. يبقى المشروع ده دراسة وعد، وأكيد عاوزة شركتنا تنفذه، وممكن الشغل يقربهم تاني من بعض. غمزت له روضة، وقالت بمداعبة: _الله عليك يا مالك، هو ده قصدي بالظبط. اعتدلت علا في جلستها، وقالت بجدية: _بس مشروع زي ده عاوز تمويل جبار، وأكيد الشركة مش جاهزة لمشروع عملاق زي ده.

تطلعت روضة بهم، وقالت: _وعد قالتلي إنه في حد أخد فكرة عن مشروعها، وعجبه جدًا، وقال إنه محتاج شريك معاه، هيكونوا شركة مشتركة بينهم، وينفذوه. تطلع مالك بسامر قليلًا، حتى قال سامر بثبات: _كده يبقى لازم نجمع وعد وجاسم بأقرب وقت، قبل ما تسافر تاني.. إيه رأيكم تعزموهم بكرة، وأنا وعلا نيجي، ونقطع عرق ونسيح دمه. امتعض وجه مالك، وقال بضيق: _بكرة! يا جماعة، أنا عريس بقالي كام يوم بس، ما فرحتش لسه.. ارحمونا مش كده، والله.

تعالت ضحكاتهم، فاقتربت منه روضة، وقالت: _يا حبيبي، اخلص بس من الموضوع ده، وناخد إجازة، ونروح مكان بعيد لوحدنا، لغاية ما تزهق مني. اقترب منها مالك، متعمقًا في عينيها، وقال بهمس: _أنا أزهق منك انت يا وحش، برضه. تنحنح سامر، ووقف، قائلًا بمزاح: _أنا بقول نستأذن إحنا بقا، بدل ما إحنا شبه عزّال الفرح كده. وقفت علا بجواره، وقالت: _أيوه فعلًا اتأخرنا.. روضة، أنا معاكي على رنة، لو بكرة مناسب ليكم، اتفقنا. أجابتها روضة بتأكيد:

_هنتقابل بكرة إن شاء الله، وهَرِن عليكي أعرفك عملت إيه. استأذن سامر وعلا، وغادرا.. بينما جلست روضة تناجي ربها أن تنجح خطتها. *** في اليوم التالي، وقفت وعد مع روضة بمطبخها، وهي تأكل من طبق حلويات أمامها، وقالت بتعجب: _مش فاهمة إزاي مالك موافق على العزومات اللي في شهر العسل دي. جذبت روضة الطبق من أمامها، وقالت بضيق: _هتخلصي الحلو قبل ما تتغدى، اصبري شوية. رفعت وعد عيناها بملل، وقالت متأففة:

_كمان جايباني علشان تجوعيني، والله حرام. انتبها الاثنان على صوت جرس الباب، فانزلت روضة نقابها، وخرجت لتفتح الباب، فقابلها مالك، قائلًا: _قلبي يا ناس. دفعه سامر بيده، قائلًا: _ده وقت موحنك، ادخل يا ابني وخلصنا.. مساء الخير يا مس روضة. قهقهت روضة في خفوت، وقالت: _مساء النور يا باش مهندس سامر.. علا فين! دَلفت علا من ورائه، تجذب جاسم من ذراعه، وتقول: _أنا هنا أهه. وقف جاسم أمام روضة، وقال بهدوء:

_ألف مبروك يا روضة، وآسفين على هجمة المخبرين دي، بس غصب عني والله، دول مجانين رسمي، فهمي نظمى، فأرجوكي اعذري تطفلنا ده. أشارت لهم روضة بذراعها، قائلة بترحاب: _تطفل إيه بس ده، بيتكم، وتشرفوا وتنوروا بأي وقت. انتفضوا جميعًا على صوت تحطم طبق، فتطلعوا بوعد، التي انحنت تلملم أجزاء الطبق المكسور، كما تلملم مشاعرها من رؤيته.. اقتربت منها روضة مسرعة، وقالت بخوف: _سيبي كل حاجة زي ما هي، هتتجرحي.

لم تجبها وعد، وأكملت، حتى انجرح إصبعها، فتأوهت بألم.. ركض جاسم ناحيتها، وقال بقلق: _هو إنتي مش بتسمعي الكلام ليه، ارتحتي لما انجرحتي. طالعته بشوق، وطالعت لهفته.. بينما وخز مالك روضة بذراعها، وقال: _هاتي لزق طبي علشان نوقف الدم يا روضة بسرعة. وقفت وعد، وقالت بجدية: _أنا هجيبه، خليكم أنتم. وتركته، وابتعدت.. أشار مالك للجميع، قائلًا: _حصل خير يا جماعة، اتفضلوا اقعدوا.

جلس مالك مع سامر، وجاسم يتسامرون، بينما حضرت الفتيات السفرة.. اقتربت منهم روضة، قائلة: _اتفضلوا، السفرة جاهزة. وقفوا، وساروا ناحيتها، ليقول مالك بإنتشاء: _يا جمالو.. أهه الأكل ده كله يا جماعة، طبخ روضة.. مش هتاكلوا بجماله ولا بحلاوته. جذبت علا مقعدها، وقالت بمزاح: _ما شاء الله.. برافو عليكي يا روضة، عندك أنا ووعد على الله حكايتنا، ولا نعرف نعمل أي حاجة. أجابتها روضة بإبتسامة: _بكرة تتعلموا ده، ما فيش أسهل منه.

بدأوا في ملء صحونهم، ووعد وجاسم يلتزمان الصمت.. حتى قال مالك، موجهًا حديثه لوعد: _على فكرة يا وعد، روضة حكت لنا على مشروعك، وعجبنا جدًا أنا وسامر وعلا.. أنتي إزاي جتلك الفكرة دي. تركت ملعقتها، وقالت له بإمتنان: _ربنا يخليك يا مالك. فقال سامر مسرعًا: _صحيح، في ممول مصري للموضوع، وبجد مستعد يشارك أي حد ثقة، ويعمل المشروع. أومأت وعد برأسها، وقالت:

_أيوه، هو شاف دراسة الجدوى، وعجبه المشروع بشكل مبدئي كفكرة.. أنما الشغل اللي بجد هيبان بعد ما مهندس يدرس الموضوع بشكل متخصص، وينفذ الماكيت المبدئي. أسرع مالك قائلًا: _ده تخصص سامر، ويقدر يساعدك في ده جدًا.. وأنا كمان، أي رسومات هندسية، أقدر أظبطها في وقت قياسي.. وبكده، يبقى معاكي المشروع كامل، وتقدري تقدميه للممول ده بكل ثقة. كان جاسم يتابعهم بتعجب.. لم يستطع كبح زمام غيرته، وقال بهدوء: _والممول ده عرفتيه منين بقا!

لم ترفع عيناها ناحيته، وأجابته ببساطة: _زوج دكتورة اتعرفت عليها بالكويت.. هما دلوقتي رجعوا مصر، وهي تقدر توفر لنا تمويل أجنبي، لأنها معاها جنسية أمريكية، وبيدوروا على مستثمر ثقة يدخل معاهم في المشروع ده، علشان يأمنوا حياة ولادهم. ارتاحت ملامحه قليلًا، وسألها بفضول: _هو أنتي ممكن تشرحي مشروعك ده قدامي. أجابته وعد بنبرة قاطعة: _ليه! حرك جاسم كتفيه، وقال: _فضول مش أكتر.

عقدت ذراعيها أمام صدرها، وبدأت في سرد تفاصيل مشروعها بثقة، وجاسم يتابعها بتركيز، حتى وإن كانت تتجنب التطلع ناحيته، حتى انتهت. كان الجميع يطالع جاسم بترقب لرأيه، الذي لم يتأخر، وهو يقول بجدية: _أنا ممكن أساعد في تمويل المشروع ده، ومكتبي يدير كل الشؤون الهندسية من الألف للياء.. وأقدر كمان أجيب متخصصين أجانب، علشان نستفيد من آرائهم وخبراتهم في المجال ده. قال له مالك مسرعًا:

_معاك حق يا جاسم، إحنا نقدر نساعدها في ده جدًا.. بس الأول، هي توافق إننا نمول لها المشروع. طلعها سامر، وقال: _وعد.. محتاجة وقت للتفكير، ولا تقدري تردي علينا دلوقتي. فكرت وعد قليلًا، وأجابتهم قائلة: _ده مشروع كبير، ويحتاج فلوس كتير جدًا، وتمويل أكبر من خيالكم.. مش بس خدمات هندسية. أجابها جاسم قائلًا بعملية:

_أنتي قلتي إن فيه مستثمر حابب إنه يدخل في المشروع، وإحنا نقدر نشاركه.. بس خلينا نقعد معاه، ونطرح وجهة نظرنا، وهو يطرح وجهة نظره، ونتبادل الآراء. تهدّل وجه وعد، وقالت بحزن: _أنا شايفة إنه مشروع زي ده ممكن يتنفذ أكتر في الكويت، أحسن ما يتنفذ هنا في مصر.. وقررت إني هاخد المشروع، وهسافر بيه تاني. امتعض وجه جاسم، ولكن مالك أسرع قائلًا:

_ما فيش سفر تاني.. إحنا عاوزين نفضل كلنا مع بعض، والمشروع هيتم هنا في مصر بإذن الله.. أنا وسامر هنعمل ليه الرسومات الهندسية، وأنتي خلي جاسم يقعد مع المستثمر، علشان يقرب وجهات النظر بينهم. تنفست وعد الصعداء، وفكرت قليلًا، قبل أن تقول بجدية:

_أنا هاتكلم مع الدكتورة مراته، هي صديقتي جدًا، وهطرح عليها فكرة جاسم، وأخليها تتكلم مع زوجها.. ولو هو موافق، هخليه يسيب الرقم بتاعه معاها، وهعطيه لجاسم، وهو يتواصل معاه.. واللي هتشوفوه، أنا معاكم فيه. ابتسمت علا قائلة:

_المشروع ده، كل الديكورات بتاعته مش هتخرج عني.. أنا لازم أكون شريك بشركتي في الديكورات والتصميمات النهائية.. فأتمنى لو جاسم هيقعد مع المستثمر ده، أنا كمان أكون موجودة.. دي خطوة أنا مش عايزها تروح من إيدي، لو اتنفذ المشروع فعلًا. خرجت روضة عن صمتها، قائلة: _أنتم حددتم دور كل حد فيكم.. وأنا مش موجودة معاكم خالص بالأفكار دي. رد عليها مالك، قائلًا بمداعبة، وهو يطالعها بشوق:

_أنت دورك معايا وجنبي يا أحلى حاجة في دنيتي كلها.. عاوزين أولاد كتير، وعايزين حياة كبيرة.. وأنا عليها، أأمن لكم الفلوس، وهتعب على ده، علشان ما تحتاجوش أي حاجة.. هو ده دورك يا روضة. ارتشف جاسم من كوب الماء الذي أمامه، ثم قال: _خطوبة لمى ويحيى يوم الخميس إن شاء الله.. عايزكم كلكم تكونوا موجودين.. البنت يتيمة ومالهاش أي حد، وإحنا لازم كلنا نقف جنبها.. فحضروا نفسكم كلكم يوم الخميس عند بيت جدتي. أجابته وعد مسرعة:

_أنا طبعًا هروح، مش هسيبها لوحدها.. سواء كنت هسافر أو هفضل في مصر، كان لازم أحضر فرحها قبل ما أسافر.. فاكيد أنا أول واحدة هاروح. أجابها جاسم بانفعال: _مالك قال ما فيش سفر، وأنا بقولك ما فيش سفر.. والمشروع هيتنفذ في مصر.. فا ياريت نسمع الكلام، علشان ما أعصبش عليكي. رفعت وعد حاجبها بامتعاض، قائلة:

_هتزعق لمين.. وبأي صفة هتزعق لي أنا.. أقصدي هنا في مصر بمزاجي، ولو حابة أمشي وأسافر تاني الكويت، برضه بمزاجي.. ومن هنا لغاية المشروع ما يتم، أو لأ.. أنت مالكش دعوة بيا خالص. أجابها جاسم بانفعال: _لا، ليا دعوة بيكي، وأقول اللي أنا عاوزه، واللي أنا هقوله هيمشي.. وما فيش سفر من هنا تاني، والمشروع إن شاء الله هيتنفذ، وهقعد مع المستثمر، وأتفق معاه.. وما فيش سفر تاني، كلمة أخيرة، وقلتها يا وعد. وقفت وعد، وقالت بحده:

_قلت لك أنا هعمل اللي أنا عاوزاه.. وصوتك ما يعلاش تاني، وإلا والله العظيم، أركب طيارة بكرة، وأسيب لك مصر كلها.. المشروع اللي بيننا، مجرد شغل.. وما هسمحلكش في التحكم فيا فيه بأي حاجة، أنت فاهم ولا لأ. جذبتها روضة من ذراعها، وأجلستها مرة أخرى، وقالت بهدوء:

_إهدى يا وعد، مش كده.. هو قصده ما فيش سفر، وإحنا عاوزين نفضل ملمومين، ونفضل متجمعين مع بعض.. ليه عاوزة تفرقينا تاني.. خلينا مع بعض.. أيوه، أنتم رافضين ترجعوا، بس على الأقل تكونوا أصدقاء وشركا في الشغل، وبس. طالعتها وعد، وقالت:

_بالظبط.. إحنا شركا، أو لا، لسه ما بقيناش.. إن شاء الله، هنكون شركاء في شغل وبس.. وكل التعامل بتاعي هيكون مع مالك وسامر.. أنا مش هتعامل معه في حاجة.. مش بسبب.. بس لأنه تخصصي، مش هيكون له علاقة بي أنا.. تخصصي هيبقى له علاقة أكتر بمالك وسامر.. وهي فكرة مشروع، هبيعه ليهم، وهاخد حق دراسة الجدوى، وهاخد حق تعبي، وبس.. وبعدها، لو حبيت أسافر، هسافر برضو. وقف جاسم، ولملم أشياءه، وقال بنبرة حازمة:

_أنا هامشي، قبل ما عصبيتي تزيد.. أشوفكم إن شاء الله بكرة الخميس، في كتب كتاب لمى ويحيى.. وأتمنى تكونوا كلكم موجودين.. السلام عليكم. تركهم، وانصرف تحت أنظار الجميع.. حتى قالت وعد بفتور: _فاكر إنه أنا لسه مراته، وبيتحكم فيا.. خلاص خلصنا، هو اللي رفضني.. ما يجيش دلوقتي ويتحكم فيا.. أنا حرة.. هشتغل بمزاجي، وهسافر بمزاجي، وهقعد بمزاجي.. هو ما لوش دعوة بيا.. أنتم لازم تفهموه كده.

تطلعوا جميعهم ببعضهم، وقد علموا أن مهمتهم صعبة للغاية، وليست سهلة.. فعَوْدة وعد لجاسم، قد تكون أصعب مما يعتقدون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...