الفصل 1 | من 29 فصل

رواية وعد في العتمة الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
22
كلمة
843
وقت القراءة
5 د
التقدم في الرواية 3%
حجم الخط: 18

من على المقعد صمت رهيب لا يقطعه إلا صوت طقطقة أصابع على الطاولة. "على الأقل هتاخد حكم مخفف، لكن انت كده بتودي نفسك على عشماوي على طول." رفع وجه مغضن بالتجاعيد بصره، وبرزت عين لم ترى النوم منذ عام. همس بصوت غير مفهوم: "بتقول إيه؟ أنا مش سامع حاجة. يكون في علمك دي آخر فرصة قدامك، خلص نفسك من حبل المشنقة! ابتسم: "أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش. أنا عملت كده عشان أساعدها، مكنش ممكن أشوفها بتتعذب وأقعد ساكت." "كنت بتحبها؟

"انت إزاي بتسأل سؤال زي كده؟ كنت بحبها أكتر من نفسي، بحبها للدرجة اللي خلتني أضحي بحياتي عشانها، عشان تعيش في سعادة." "ممممممم. لو كنت بتحاول بكلامك ده إنك تأثر علينا ونقرر إنك مجنون ونحولك مستشفى نفسي تبقى غلطان، التهمة لبساك لبساك." طقطقة متوترة على الطاولة: "مين قالك إني عايز أنجو؟ أنا عايز أموت. اكتب قرارك وحولني على عشماوي. أنا لازم أموت وبسرعة." عاينه الطبيب بذهول: "عشان أريح ضميري. دا آخر كلام عندك؟

"أيوه يا دكتور، ومش عاوز ضميرك يأنبك. انت بتعمل شغلك، بتعمل الصح وملكش ذنب في موتي! سحبه جندي من داخل المكتب نحو السجن. بعد يومين تحدد وقت إعدامه. وضعت عنقه في حبل المشنقة بزيه الأحمر. "عايز تقول حاجة؟ تردد مرتبك تبعه ابتسامة: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله." تدلى عنقه من حبل المشنقة، وتلطخ ثوبه بالبول، وتوقفت قدماه عن الحركة. "إيه يا دكتور معاذ مالك كده شارد وكل شوية تبص على ساعتك؟

"ده وقت تنفيذ حكمه، زمانه ميت دلوقتي. مش قادر أنسى كلام الولد ده وثباته على أقواله اللي سلمته لحبل المشنقة." "يا دكتور معاذ كلنا بذلنا كل ما في وسعنا معاه، لكنه كان مصر على الموت ومتمسك بيه." "وبعدين متحسش بالذنب يا دكتور معاذ، دا واحد قتل خطيبته، خنقها لحد ما ماتت. أنا شفت جثتها بنفسي وآثار أصابعه على رقبتها كانت واضحة جدا."

"وبعدين هو مهربش، أول ما الشرطة وصلت كان قاعد جنب سريرها، الدموع مالية عينيه وبيصص على الجدار كأنه بيقرأ كتاب." "تحقيقات الشرطة بتقول إن خطيبته كانت مريضة جدا وإنه كان بيزورها باستمرار، ولأن والدة خطيبته ست قعيدة كان بيشتري أكل البيت بنفسه وبيْقعد هناك لوقت متأخر وبعدين يروح." صمت الدكتور معاذ: "الوضع ده استمر قد إيه؟ "أربع شهور يا دكتور معاذ قبل الحادثة. وخطيبته خلال المدة دي ما تحركتش من على سريرها."

"ليه صبر أربع شهور قبل ما يقتلها؟ "وإيه السبب اللي خلاه يقتلها أصلاً؟ "الحقيقة يا معاذ محدش عارف حاجة. لكن في تحقيقات الشرطة هو اللي طلب النجده بعد وفاتها بساعتين، وهو اللي اعترف بقتلها." "الغريبة إن حماته كانت زعلانة عليه وبتصرخ على الشرطة: سيبوه دا ملوش ذنب، دا حبيبي وزي ابني." صوب معاذ عين منهكة تجاه المقعد اللي كان الشاب قاعد عليه. وقال بشرود:

"في الحالة دي موضوع الخيانة مستبعد أو إن خطيبته تكون على علاقة بشخص تاني. ليه قتلها؟ "يا دكتور معاذ، إنت عارف تعقيدات العقل البشري. معظم الجرائم المأساوية العقل الباطن بيصور لصاحبها إنه على حق وبيخلق مبرر مقنع للجريمة." "وبعدين يا سيدي، إحنا شغالين في مستشفى نفسي وياما هتمر عليك جرائم ملهاش عدد. دا لأنك التحقت من وقت قريب بالمستشفى عشان كده حاسس بتخبط."

"بكرة تتعود يا سيدي وتشوف وتسمع حاجات مكنتش تتخيل تقابلها حتى في الخيال." كان بصر معاذ لا يزال مصوباً على المقعد: "أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش." "تفتكر يقصد إيه بالكلام ده يا دكتور سعيد؟ أشعل سعيد سيجارة: "قلتلك يا معاذ، عقله الباطن بيخترع مبرر لجريمته."

"الفعل اللي ارتكبه، قتل خطيبته. شكله صدمة عملت حائل بين العقل الباطن والخارجي. عقله مقدرش يتحمل كمية المشاعر اللي تدفقت دفعة واحدة. بقى فيه شخصين، شخص منهزم قابع جواه مش قادر يدافع ولا عنده رغبة في الكلام، وشخص تاني ظاهري اندفاعي بيخلق مبررات للجريمة ودا تحديداً اللي كان قاعد معاك هنا." تنهد معاذ وزفر دفعات غاضبة وطلب لفافة تبغ: "طيب ليه محاولناش نوصل للشخص القابع جواه واللي رافض للكلام؟

"دا أمر صعب يا دكتور ومحتاج وقت طويل والمحكمة مش هتصبر كل ده." "أنا عايز أكدلك إن الحكم اللي أخده يستحقه تماماً. يلا قوم روح. خد شاور ساخن ونام. بكرة الصبح هتبقى تمام وتنسى كل حاجة وبكرة تقول سعيد قال لي." أغلق الدكتور معاذ مكتبه وشعر إن جسده يترنح كأنه تلقى ضربة ببلطة في ذهنه. استند على الدرابزين أثناء هبوطه ومرر عينيه على مصابيح الإضاءة: "إزيك يا دكتور؟

خاطبته الممرضة ريهام بابتسامة كانت كفيلة في وقت آخر أن تغير موده ويومه. رفع معاذ يد منهكة: "بخير يا ريهام، شكراً." مشى على طول الرصيف وظله ينعكس على الأسفلت كشبح مهول، شبح تعبر من فوقه المركبات دون أن تقتله. أخذ نفساً من السيجارة: "مين اللي هيعيش؟ "وإيه طقطقة الأصابع اللي كانت على الطاولة؟ قبل نهاية الشارع فاجأه هر ضخم يأكل من الزبالة كاد أن يوقف قلبه.

وعندما أعاد بصره نحو الطريق لمح طيف يعبر الشارع بسرعة قبل أن يختفي وسط الزحام. تذكر أنه لا يملك طعام في الثلاجة. توقف أمام دكان. ابتاع جبن وبيض وخبز وقهوة. ومن عند الفكهاني اشترى كيلو عنب أحمر بحبات صغيرة. لا شيء يحدث بلا سبب. الذين يحلمون الألم معهم لديهم قائمة من الهزائم. يخدم والدة خطيبته ويحضر لها الطعام أربعة أشهر. يمرض خطيبته ثم يقتلها. شعر بصداع فأمسك رأسه: "ليه التفكير المستمر ده يا معاذ؟

"الولد اتشنق وكل حاجة خلصت...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...