الفصل 2 | من 29 فصل

رواية وعد في العتمة الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
20
كلمة
1,393
وقت القراءة
7 د
التقدم في الرواية 7%
حجم الخط: 18

تسلق الدكتور معاذ درج السلم نحو شقته القابعة في الطابق الثاني. كان الدكتور معاذ محددًا حين بحث عن سكن، أرادها شقة لا مرتفعة ولا منخفضة. كان يجد ذلك يمنحه مزاجًا رائقًا. ولأنه كان يعيش بمفرده ويشعر بالوحدة، كان يحب أن يستمع لأصوات المارة والباعة الجائلين أثناء نومه. ألقى دكتور معاذ جسده النحيل على الأريكة ورزع كيس المشتريات على الطاولة، فأحدث صوتًا غير معتاد جعله يفرك أذنه.

أطلق تنهيدة طويلة وسحب لفافة تبغ بعد أن مد ساقيه على الطاولة. بصعوبة أخرج الولاعة من جيب بنطاله الأزرق. ألقى السيجارة داخل فمه وأغمض عينيه. في العادة، يساعده التأمل على التخلص من توتره. أغمض عينيك وصك أذنيك. ابتعد عن العالم كله. راحت أصوات المارة تبتعد عن ذهنه وينمحي صخب العالم من أمام عينيه. لم يكن في تلك اللحظة مستعدًا أن يفتح عينيه حتى لو قضمه جرذ أو هر أو مر فوق وجهه جُعْلُوم قذر.

طق. طق. سمع طرقات أصبع تشاغب أذنه بوتيرة واحدة. طرقات تصدر من مكان قريب. إنها على الطاولة التي يمدد عليها ساقيه. كان معاذ مصرًا أن لا يفتح عينيه مهما حدث. شنق الشاب منذ ساعات. لابد أنه دفن الآن. ثم فجأة سأل نفسه. هو المشنوق مين بيدفنه؟ الحكومة ولا أهله؟ هاجس جعله يضحك. تغضن وجهه فجأة وكان الطرق لازال مستمرًا. لو كان الشاب ده ملوش قرايب. مصلحة السجون هتدفنه ولا يعرف أحد أن كان عاش في هذه الحياة من قبل.

تلك اللحظة توقف الطرق. أنا لازم أحضر الدفنة بتاعت الشاب ده. شعور تملك كل عقله. رفع تليفونه وكلم دكتور سعيد. يا دكتور سعيد هو المشنوق مين بيدفنه؟ صمت سعيد من غرابة السؤال، بعد كده ضحك. انت لسه بتفكر فيه؟ تكنش ناوي تحضر الدفنة والعزاء؟ يا راجل فكك من كل ده ونام. ألح معاذ على دكتور سعيد حتى أخذ الإفادة. كلم مصلحة السجون وعرف أن أهله سيدفنونه. سيستلمون الجثة بكرة الصبح. ***

لم يحس دكتور معاذ برغبة للأكل. أخذ شورًا طويلًا ونام. وطول الليل كان بيسمع طرقات أصبع داخل غرفته. كأن شخصًا يجلس على مقعد ملاصق للسرير. يضرب طاولة مكتبه باستمرار. بلا توقف. اللعنة على العقل إذا تملكه أمر ما لا يتوقف عن خلقه مرة واثنين وأربعين حتى تظنه حقيقي. أنا هموت لكن هو هيعيش يا دكتور. مين اللي هيعيش؟ وليه؟ وكيف تشعر جثة متعفنة في المقبرة بالسعادة كما ادعى الشاب؟ دا مجنون يا معاذ. مختل. سيكوباتي. نام. نام. نام.

الشيء المؤكد أن النوم لا يأتي بالإكراه ولا يمكن إجباره على الحضور إلا حينما تكون لديه رغبة في وضع جسد في حالة الموت المؤقت. قبل الفجر نام دكتور معاذ. نوم قلق. يذكر أنه فتح عينيه أكثر من مرة ورأى نفس الشاب يجلس على المقعد يضرب الطاولة بأصبعه. *** الساعة عشرة الصبح آفاق دكتور معاذ. عيون حمراء مشتكية. هاتف المشفى وأعطى أخبارية بإمكانية عدم حضوره حيث أن لديه أمر طارئ.

بدل ملابسه. ارتدى بدلة زرقاء قديمة. ساعة اشتراها من تخفيضات إحدى الماركات العالمية. قبعة بحواف مستقيمة. لف وشاحًا حول عنقه. وتأكد أن علبة السجاير داخل جيبه. والولاعة. كان مقتنعًا تمامًا أن طلب قداحة أو كبريت داخل جنازة أو دفنة أمر في غاية الوقاحة. توقع حضورًا كبيرًا. لكنه لم يلق إلا سيارة قديمة واقفة قدام السجن داخلها ستة قعيدة ورجل يبدو أنه يساعدها يتحدث مع حارس السجن وفي فمه سيجارة.

خرج الجسد من باب السجن مكفنًا. نحيلًا وهادئًا كأنه ميت. التحق دكتور معاذ بالكفن وساعد في وضعه داخل السيارة. انت مين يا ابني؟ التفت معاذ. كانت المرأة العجوز تتحدث إليه. أنا. أنا صديق المتوفى يا حجة. تقصد صديق مدحت؟ أيوه طبعًا. مدحت!! غريبة. تصعبت المرأة. مدحت مذكرش إن ليه أصدقاء أبدًا. ولا انت واحد من اللي ما بيظهروا غير بعد فوات الأوان؟ تردد معاذ لحظة. ثم كسر صمته. الظروف يا حجة. الدنيا مش بترحم حد.

همست الست. لكن هو ربنا هيرحمه. عمره ما عمل حاجة وحشة في حد. انت معاك عربية؟ لا يا حجة هاخد تاكسي وأمشي وراكم. تاكسي ليه يا ابني؟ اركب معانا العربية واسعة ولا انت شايف المعزين ماليين الشارع؟ هو حضرتك مين؟ سأل معاذ بعد ما تعطل عقله. أنا حماته. والدة خطيبته الله يرحمه ويرحمها. هو مدحت حكاش ليك عني؟ آسف يا حجة لكن أنا من مدة بعيدة ما اتكلمتش مع معاذ ولا قابلته. أخص عليك!!

دا مدحت كان حتة سكرة مش معقول حد يعرفه ويقدر يبعد عنه. صوب معاذ بصره إلى الطريق. بقا دي والدة خطيبة مدحت؟ هي اللي جايه تدفن جثته بنفسها؟ هي نفسها الست اللي كانت بتقول عنه بريء رغم إنه خنق بنتها لحد ما ماتت. هو يا حجة ممكن أسألك سؤال بايخ شوية؟ قول يا ابني الطريق طويل مش معقول هقعد أكلم نفسي. بتردد ونبرة مهتزة مثل إشارة بين سبورت مسروقة همس دكتور معاذ. هو إيه اللي حصل يوم ما مدحت قتل المرحومة بنتك؟

كأنه طعنها بخنجر أو شق صدرها بساطور جزار. رمت عليه أقسى نظرة رآها في حياته. يا ابني حرام عليك. مدحت ما قتلهاش. انت كمان هتعمل زيهم. مدحت كان بيراعييني وبيراعي بنتي. بنتي اللي كانت زي فلقة القمر. لكن مرضت فجأة. كان بيروح يشتغل النهار بطوله عشان يصرف علينا. عشان يقدر يوفر لنا أكل وشرب وعلاج ودكاترة وتنفس صناعي. المستشفيات مش بترحم يا ابني وقبل ما يحجزوك جوه المستشفى عايزين عربون وكل أشعة وتحليل فلوس.

حتى الحقنة لازم تشتريها. وجد معاذ الشجاعة جواه يسألها. هي المرحومة اتحجزت في مستشفى قبل كده؟ رمقت المرأة جانب الطريق حيث تنهض شجيرات يابسة حزينة. كتير يا ابني. مدحت ما خلاش حاجة غير لما عملها. كان بيحبها وروحه فيها. مستخسرش فيها قرش واحد من اللي كان بيكسبه. كان بيشتغل ورديتين عشان يوفر الفلوس. همس مدحت. والدكاترة قالوا إيه؟

يا ريتهم قالوا. لو قالوا كان قلبي ارتاح. اللي سمعته كلام معوج لا يقدم ولا يؤخر عن حالتها الصحية والنفسية. مكنش عندها مشاكل صحية خالص. وبعد ما دفعنا دم قلبنا. قالوا يمكن تكون تعرضت لأزمة نفسية وإنها جسديًا سليمة. طيب وأنا أعمل إيه يمكن يا ابني؟ *** لاحت المقابر من بعيد. ساكنة. وصامتة تعطى إيحاء بانتهاء العالم وعدم فائدته. بوابة الخلود الأبدي الأقل تبجيلًا في هذه الحياة القذرة. هو كل دا بدأ إمتى يا حجة؟

لا بدأ ولا انتهى. كانت بتشتغل عشان تساعد خطيبها. فجأة تعبت في الشغل ورجعت على البيت. قلنا شوية وجع ويمروا. إحنا على طول بنقول كده. نزلة معوية. برد. ضربة شمس. غزة في القلب. مسمار في الرجل. كله بيعدي. لكن يا عيني وجعها مكنش ليه نهاية. تقوم مفزوعة نص الليل وتصرخ بعلو صوتها على مدحت يساعدها. كانت بتقول إنها بتموت من الوجع ولما مدحت يكون موجود ويقرب منها تهدي.

توقفت السيارة القديمة والتي تشعر أن لا فائدة ترجى منها إلا أخذ الأرواح. إيدك معايا يا هندسة. صاح الرجل الذي كان يقود السيارة. قال معاذ. إيه ده هو مافيش حد تاني موجود غيرنا؟ على قد إيدك مدك أديك يا أستاذ. الحجة مش معاها فلوس تأجر رجالة وأنا مش هشيل لوحدي انت ربنا بعت ليا من السما والله. ألقى دكتور معاذ بدلته القديمة على الأرض وشال الجثة مع الراجل. كان في سره يقول. معقول محدش موجود هنا؟

مدحت مكنش ليه صحاب ولا معارف ولا أحباء؟ وشعر بالإحباط لما تذكر عزلته فهاتفه لا يرن إلا إن طريق أطباء المشفى. إذا مات هو الآخر لن يجد من يدفنه. الدكاترة النفسيين لا يمكن توقع أفعالهم. كان التربي أعد كل شيء. تربة لينة تشبه العجينة وفتح باب المقبرة. هكذا ستنتهي حياتنا ولا يهم عدد الحاضرين. إذا جاءت نهايتك يمكن أن يدفنك ألف شخص أو شخصين فقط.

نزل التربي داخل المقبرة. ناولني الكفن يلا وكان القبر مظلمًا رغم أن الشمس ساطعة. كاد يقسم دكتور معاذ أن الجثة تحركت أو ارتجفت. عندما عاد معاذ نحو السيارة وجد الدموع تغمر عيون المرأة. دفنت الاثنين يارب. مليش حد غيرك. يارب متتأخرش وقتي بعدهم مش عايزة اتبهدل من غير سند. الحساب يا حجة؟ الجثة دخلت القبر وأنا عايز حسابي. حسابك كام؟ خاطب معاذ بحنق. لحلوحين يا هندسة. أيوه دول يطلعوا كام يعني؟ ورقة بميتين مش هاخد أقل من كده.

طلع دكتور معاذ أربعمائة جنيه. خد حسابك ووصل الحجة شقتها واشتري ليها أكل يكفيها. كلك نظر والله يا هندسة. متقلقش من أي حاجة. الحجة في عيني. يقول العامل يا هندسة. يقول الكمسري يا هندسة يقول سائق التاكسي يا هندسة. حتى الفكهاني ونادل المقهى. لم يصادف معاذ شخص واحد يقول يا دكتور نفسي إلا المجانين. اختفت السيارة. ولاحظ معاذ التصاق التربي به مثل ذبابة شتاء ولم يتركه حتى منحه اللي فيه النصيب.

وجد معاذ نفسه بمفرده أخيرًا. أشعل سيجارة وجلس تحت شجرة. انت حكايتك إيه بقا؟ حاول أن يحل المشكلة كدكتور نفسي لكن خبراته لم تساعده. شخص زي مدحت هيقتل خطيبته ليه؟ كان بيحارب الدنيا كلها عشانها وبعد كده يقتلها؟ وكمان يعترف على نفسه؟ مد بصره ولمح سترته ملقاه على الأرض وسط التراب. إزاي مشفتهاش من شوية؟ ليه الحاجات بتكون قريبة جدًا ورغم كده مش بنشوفها؟ انت فين يا دكتوره؟

أنا في… وصمت معاذ. استدرك نفسه أنا في مشوار والله يا دكتور سعيد. أنا اتصلت بمصلحة السجون عشان الموضوع اللي كلمتني عليه. لم يجد معاذ في نفسه الرغبة في سماع أي شيء وكاد أن يغلق الهاتف. الولد مقطوع من شجرة لكن حماته أصرت تدفنه بنفسها وتتحمل تكاليف نقله. آه قبل ما أنسى كان فيه واحد قعد مع الشاب دا قبل ما يتشنق. القوانين يا سيدي بتقول لازم المحكوم عليه بالإعدام يقعد مع قرايبه قبل ما يتشنق. واحد مين؟

انتبه معاذ. مدحت لم يكن له أقارب. إش عرفني يا دكتور أنا قلت بس أبلغك.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...