تحميل رواية وعد في العتمة بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من على المقعد صمت رهيب لا يقطعه إلا صوت طقطقة أصابع على الطاولة. "على الأقل هتاخد حكم مخفف، لكن انت كده بتودي نفسك على عشماوي على طول." رفع وجه مغضن بالتجاعيد بصره، وبرزت عين لم ترى النوم منذ عام. همس بصوت غير مفهوم: "بتقول إيه؟ أنا مش سامع حاجة. يكون في علمك دي آخر فرصة قدامك، خلص نفسك من حبل المشنقة!" ابتسم: "أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش. أنا عملت كده عشان أساعدها، مكنش ممكن أشوفها بتتعذب وأقعد ساكت." "كنت بتحبها؟" "انت إزاي بتسأل سؤال زي كده؟ كنت بحبها أكتر من نفسي، بحبها للدرجة اللي خلتني أضح...
رواية وعد في العتمة الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
من على المقعد صمت رهيب لا يقطعه إلا صوت طقطقة أصابع على الطاولة.
"على الأقل هتاخد حكم مخفف، لكن انت كده بتودي نفسك على عشماوي على طول."
رفع وجه مغضن بالتجاعيد بصره، وبرزت عين لم ترى النوم منذ عام. همس بصوت غير مفهوم:
"بتقول إيه؟ أنا مش سامع حاجة. يكون في علمك دي آخر فرصة قدامك، خلص نفسك من حبل المشنقة!"
ابتسم:
"أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش. أنا عملت كده عشان أساعدها، مكنش ممكن أشوفها بتتعذب وأقعد ساكت."
"كنت بتحبها؟"
"انت إزاي بتسأل سؤال زي كده؟ كنت بحبها أكتر من نفسي، بحبها للدرجة اللي خلتني أضحي بحياتي عشانها، عشان تعيش في سعادة."
"ممممممم. لو كنت بتحاول بكلامك ده إنك تأثر علينا ونقرر إنك مجنون ونحولك مستشفى نفسي تبقى غلطان، التهمة لبساك لبساك."
طقطقة متوترة على الطاولة:
"مين قالك إني عايز أنجو؟ أنا عايز أموت. اكتب قرارك وحولني على عشماوي. أنا لازم أموت وبسرعة."
عاينه الطبيب بذهول:
"عشان أريح ضميري. دا آخر كلام عندك؟"
"أيوه يا دكتور، ومش عاوز ضميرك يأنبك. انت بتعمل شغلك، بتعمل الصح وملكش ذنب في موتي!"
سحبه جندي من داخل المكتب نحو السجن. بعد يومين تحدد وقت إعدامه. وضعت عنقه في حبل المشنقة بزيه الأحمر.
"عايز تقول حاجة؟"
تردد مرتبك تبعه ابتسامة:
"أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله."
تدلى عنقه من حبل المشنقة، وتلطخ ثوبه بالبول، وتوقفت قدماه عن الحركة.
"إيه يا دكتور معاذ مالك كده شارد وكل شوية تبص على ساعتك؟"
"ده وقت تنفيذ حكمه، زمانه ميت دلوقتي. مش قادر أنسى كلام الولد ده وثباته على أقواله اللي سلمته لحبل المشنقة."
"يا دكتور معاذ كلنا بذلنا كل ما في وسعنا معاه، لكنه كان مصر على الموت ومتمسك بيه."
"وبعدين متحسش بالذنب يا دكتور معاذ، دا واحد قتل خطيبته، خنقها لحد ما ماتت. أنا شفت جثتها بنفسي وآثار أصابعه على رقبتها كانت واضحة جدا."
"وبعدين هو مهربش، أول ما الشرطة وصلت كان قاعد جنب سريرها، الدموع مالية عينيه وبيصص على الجدار كأنه بيقرأ كتاب."
"تحقيقات الشرطة بتقول إن خطيبته كانت مريضة جدا وإنه كان بيزورها باستمرار، ولأن والدة خطيبته ست قعيدة كان بيشتري أكل البيت بنفسه وبيْقعد هناك لوقت متأخر وبعدين يروح."
صمت الدكتور معاذ:
"الوضع ده استمر قد إيه؟"
"أربع شهور يا دكتور معاذ قبل الحادثة. وخطيبته خلال المدة دي ما تحركتش من على سريرها."
"ليه صبر أربع شهور قبل ما يقتلها؟"
"وإيه السبب اللي خلاه يقتلها أصلاً؟"
"الحقيقة يا معاذ محدش عارف حاجة. لكن في تحقيقات الشرطة هو اللي طلب النجده بعد وفاتها بساعتين، وهو اللي اعترف بقتلها."
"الغريبة إن حماته كانت زعلانة عليه وبتصرخ على الشرطة: سيبوه دا ملوش ذنب، دا حبيبي وزي ابني."
صوب معاذ عين منهكة تجاه المقعد اللي كان الشاب قاعد عليه.
وقال بشرود:
"في الحالة دي موضوع الخيانة مستبعد أو إن خطيبته تكون على علاقة بشخص تاني. ليه قتلها؟"
"يا دكتور معاذ، إنت عارف تعقيدات العقل البشري. معظم الجرائم المأساوية العقل الباطن بيصور لصاحبها إنه على حق وبيخلق مبرر مقنع للجريمة."
"وبعدين يا سيدي، إحنا شغالين في مستشفى نفسي وياما هتمر عليك جرائم ملهاش عدد. دا لأنك التحقت من وقت قريب بالمستشفى عشان كده حاسس بتخبط."
"بكرة تتعود يا سيدي وتشوف وتسمع حاجات مكنتش تتخيل تقابلها حتى في الخيال."
كان بصر معاذ لا يزال مصوباً على المقعد:
"أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش."
"تفتكر يقصد إيه بالكلام ده يا دكتور سعيد؟"
أشعل سعيد سيجارة:
"قلتلك يا معاذ، عقله الباطن بيخترع مبرر لجريمته."
"الفعل اللي ارتكبه، قتل خطيبته. شكله صدمة عملت حائل بين العقل الباطن والخارجي. عقله مقدرش يتحمل كمية المشاعر اللي تدفقت دفعة واحدة. بقى فيه شخصين، شخص منهزم قابع جواه مش قادر يدافع ولا عنده رغبة في الكلام، وشخص تاني ظاهري اندفاعي بيخلق مبررات للجريمة ودا تحديداً اللي كان قاعد معاك هنا."
تنهد معاذ وزفر دفعات غاضبة وطلب لفافة تبغ:
"طيب ليه محاولناش نوصل للشخص القابع جواه واللي رافض للكلام؟"
"دا أمر صعب يا دكتور ومحتاج وقت طويل والمحكمة مش هتصبر كل ده."
"أنا عايز أكدلك إن الحكم اللي أخده يستحقه تماماً. يلا قوم روح. خد شاور ساخن ونام. بكرة الصبح هتبقى تمام وتنسى كل حاجة وبكرة تقول سعيد قال لي."
أغلق الدكتور معاذ مكتبه وشعر إن جسده يترنح كأنه تلقى ضربة ببلطة في ذهنه.
استند على الدرابزين أثناء هبوطه ومرر عينيه على مصابيح الإضاءة:
"إزيك يا دكتور؟"
خاطبته الممرضة ريهام بابتسامة كانت كفيلة في وقت آخر أن تغير موده ويومه.
رفع معاذ يد منهكة:
"بخير يا ريهام، شكراً."
مشى على طول الرصيف وظله ينعكس على الأسفلت كشبح مهول، شبح تعبر من فوقه المركبات دون أن تقتله.
أخذ نفساً من السيجارة:
"مين اللي هيعيش؟"
"وإيه طقطقة الأصابع اللي كانت على الطاولة؟"
قبل نهاية الشارع فاجأه هر ضخم يأكل من الزبالة كاد أن يوقف قلبه.
وعندما أعاد بصره نحو الطريق لمح طيف يعبر الشارع بسرعة قبل أن يختفي وسط الزحام.
تذكر أنه لا يملك طعام في الثلاجة. توقف أمام دكان. ابتاع جبن وبيض وخبز وقهوة. ومن عند الفكهاني اشترى كيلو عنب أحمر بحبات صغيرة. لا شيء يحدث بلا سبب. الذين يحلمون الألم معهم لديهم قائمة من الهزائم.
يخدم والدة خطيبته ويحضر لها الطعام أربعة أشهر. يمرض خطيبته ثم يقتلها.
شعر بصداع فأمسك رأسه:
"ليه التفكير المستمر ده يا معاذ؟"
"الولد اتشنق وكل حاجة خلصت..."
رواية وعد في العتمة الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
تسلق الدكتور معاذ درج السلم نحو شقته القابعة في الطابق الثاني. كان الدكتور معاذ محددًا حين بحث عن سكن، أرادها شقة لا مرتفعة ولا منخفضة. كان يجد ذلك يمنحه مزاجًا رائقًا.
ولأنه كان يعيش بمفرده ويشعر بالوحدة، كان يحب أن يستمع لأصوات المارة والباعة الجائلين أثناء نومه.
ألقى دكتور معاذ جسده النحيل على الأريكة ورزع كيس المشتريات على الطاولة، فأحدث صوتًا غير معتاد جعله يفرك أذنه.
أطلق تنهيدة طويلة وسحب لفافة تبغ بعد أن مد ساقيه على الطاولة.
بصعوبة أخرج الولاعة من جيب بنطاله الأزرق. ألقى السيجارة داخل فمه وأغمض عينيه.
في العادة، يساعده التأمل على التخلص من توتره. أغمض عينيك وصك أذنيك. ابتعد عن العالم كله. راحت أصوات المارة تبتعد عن ذهنه وينمحي صخب العالم من أمام عينيه.
لم يكن في تلك اللحظة مستعدًا أن يفتح عينيه حتى لو قضمه جرذ أو هر أو مر فوق وجهه جُعْلُوم قذر.
طق. طق. سمع طرقات أصبع تشاغب أذنه بوتيرة واحدة.
طرقات تصدر من مكان قريب. إنها على الطاولة التي يمدد عليها ساقيه.
كان معاذ مصرًا أن لا يفتح عينيه مهما حدث. شنق الشاب منذ ساعات. لابد أنه دفن الآن.
ثم فجأة سأل نفسه. هو المشنوق مين بيدفنه؟
الحكومة ولا أهله؟ هاجس جعله يضحك. تغضن وجهه فجأة وكان الطرق لازال مستمرًا. لو كان الشاب ده ملوش قرايب.
مصلحة السجون هتدفنه ولا يعرف أحد أن كان عاش في هذه الحياة من قبل.
تلك اللحظة توقف الطرق. أنا لازم أحضر الدفنة بتاعت الشاب ده. شعور تملك كل عقله.
رفع تليفونه وكلم دكتور سعيد. يا دكتور سعيد هو المشنوق مين بيدفنه؟
صمت سعيد من غرابة السؤال، بعد كده ضحك.
انت لسه بتفكر فيه؟
تكنش ناوي تحضر الدفنة والعزاء؟ يا راجل فكك من كل ده ونام.
ألح معاذ على دكتور سعيد حتى أخذ الإفادة. كلم مصلحة السجون وعرف أن أهله سيدفنونه. سيستلمون الجثة بكرة الصبح.
***
لم يحس دكتور معاذ برغبة للأكل. أخذ شورًا طويلًا ونام.
وطول الليل كان بيسمع طرقات أصبع داخل غرفته.
كأن شخصًا يجلس على مقعد ملاصق للسرير.
يضرب طاولة مكتبه باستمرار. بلا توقف. اللعنة على العقل إذا تملكه أمر ما لا يتوقف عن خلقه مرة واثنين وأربعين حتى تظنه حقيقي. أنا هموت لكن هو هيعيش يا دكتور.
مين اللي هيعيش؟ وليه؟
وكيف تشعر جثة متعفنة في المقبرة بالسعادة كما ادعى الشاب؟
دا مجنون يا معاذ. مختل. سيكوباتي. نام. نام. نام.
الشيء المؤكد أن النوم لا يأتي بالإكراه ولا يمكن إجباره على الحضور إلا حينما تكون لديه رغبة في وضع جسد في حالة الموت المؤقت.
قبل الفجر نام دكتور معاذ. نوم قلق. يذكر أنه فتح عينيه أكثر من مرة ورأى نفس الشاب يجلس على المقعد يضرب الطاولة بأصبعه.
***
الساعة عشرة الصبح آفاق دكتور معاذ. عيون حمراء مشتكية. هاتف المشفى وأعطى أخبارية بإمكانية عدم حضوره حيث أن لديه أمر طارئ.
بدل ملابسه. ارتدى بدلة زرقاء قديمة. ساعة اشتراها من تخفيضات إحدى الماركات العالمية. قبعة بحواف مستقيمة. لف وشاحًا حول عنقه. وتأكد أن علبة السجاير داخل جيبه. والولاعة. كان مقتنعًا تمامًا أن طلب قداحة أو كبريت داخل جنازة أو دفنة أمر في غاية الوقاحة.
توقع حضورًا كبيرًا. لكنه لم يلق إلا سيارة قديمة واقفة قدام السجن داخلها ستة قعيدة ورجل يبدو أنه يساعدها يتحدث مع حارس السجن وفي فمه سيجارة.
خرج الجسد من باب السجن مكفنًا. نحيلًا وهادئًا كأنه ميت.
التحق دكتور معاذ بالكفن وساعد في وضعه داخل السيارة.
انت مين يا ابني؟
التفت معاذ. كانت المرأة العجوز تتحدث إليه. أنا. أنا صديق المتوفى يا حجة.
تقصد صديق مدحت؟
أيوه طبعًا. مدحت!!
غريبة. تصعبت المرأة. مدحت مذكرش إن ليه أصدقاء أبدًا.
ولا انت واحد من اللي ما بيظهروا غير بعد فوات الأوان؟
تردد معاذ لحظة. ثم كسر صمته. الظروف يا حجة. الدنيا مش بترحم حد.
همست الست. لكن هو ربنا هيرحمه. عمره ما عمل حاجة وحشة في حد.
انت معاك عربية؟
لا يا حجة هاخد تاكسي وأمشي وراكم.
تاكسي ليه يا ابني؟ اركب معانا العربية واسعة ولا انت شايف المعزين ماليين الشارع؟
هو حضرتك مين؟
سأل معاذ بعد ما تعطل عقله.
أنا حماته. والدة خطيبته الله يرحمه ويرحمها. هو مدحت حكاش ليك عني؟
آسف يا حجة لكن أنا من مدة بعيدة ما اتكلمتش مع معاذ ولا قابلته.
أخص عليك!! دا مدحت كان حتة سكرة مش معقول حد يعرفه ويقدر يبعد عنه.
صوب معاذ بصره إلى الطريق. بقا دي والدة خطيبة مدحت؟
هي اللي جايه تدفن جثته بنفسها؟
هي نفسها الست اللي كانت بتقول عنه بريء رغم إنه خنق بنتها لحد ما ماتت.
هو يا حجة ممكن أسألك سؤال بايخ شوية؟
قول يا ابني الطريق طويل مش معقول هقعد أكلم نفسي.
بتردد ونبرة مهتزة مثل إشارة بين سبورت مسروقة همس دكتور معاذ.
هو إيه اللي حصل يوم ما مدحت قتل المرحومة بنتك؟
كأنه طعنها بخنجر أو شق صدرها بساطور جزار. رمت عليه أقسى نظرة رآها في حياته.
يا ابني حرام عليك. مدحت ما قتلهاش. انت كمان هتعمل زيهم.
مدحت كان بيراعييني وبيراعي بنتي. بنتي اللي كانت زي فلقة القمر. لكن مرضت فجأة.
كان بيروح يشتغل النهار بطوله عشان يصرف علينا.
عشان يقدر يوفر لنا أكل وشرب وعلاج ودكاترة وتنفس صناعي. المستشفيات مش بترحم يا ابني وقبل ما يحجزوك جوه المستشفى عايزين عربون وكل أشعة وتحليل فلوس.
حتى الحقنة لازم تشتريها.
وجد معاذ الشجاعة جواه يسألها.
هي المرحومة اتحجزت في مستشفى قبل كده؟
رمقت المرأة جانب الطريق حيث تنهض شجيرات يابسة حزينة. كتير يا ابني. مدحت ما خلاش حاجة غير لما عملها.
كان بيحبها وروحه فيها. مستخسرش فيها قرش واحد من اللي كان بيكسبه. كان بيشتغل ورديتين عشان يوفر الفلوس.
همس مدحت. والدكاترة قالوا إيه؟
يا ريتهم قالوا. لو قالوا كان قلبي ارتاح. اللي سمعته كلام معوج لا يقدم ولا يؤخر عن حالتها الصحية والنفسية.
مكنش عندها مشاكل صحية خالص. وبعد ما دفعنا دم قلبنا.
قالوا يمكن تكون تعرضت لأزمة نفسية وإنها جسديًا سليمة.
طيب وأنا أعمل إيه يمكن يا ابني؟
***
لاحت المقابر من بعيد. ساكنة. وصامتة تعطى إيحاء بانتهاء العالم وعدم فائدته. بوابة الخلود الأبدي الأقل تبجيلًا في هذه الحياة القذرة.
هو كل دا بدأ إمتى يا حجة؟
لا بدأ ولا انتهى. كانت بتشتغل عشان تساعد خطيبها. فجأة تعبت في الشغل ورجعت على البيت.
قلنا شوية وجع ويمروا. إحنا على طول بنقول كده. نزلة معوية. برد. ضربة شمس. غزة في القلب. مسمار في الرجل.
كله بيعدي.
لكن يا عيني وجعها مكنش ليه نهاية. تقوم مفزوعة نص الليل وتصرخ بعلو صوتها على مدحت يساعدها.
كانت بتقول إنها بتموت من الوجع ولما مدحت يكون موجود ويقرب منها تهدي.
توقفت السيارة القديمة والتي تشعر أن لا فائدة ترجى منها إلا أخذ الأرواح.
إيدك معايا يا هندسة. صاح الرجل الذي كان يقود السيارة.
قال معاذ. إيه ده هو مافيش حد تاني موجود غيرنا؟
على قد إيدك مدك أديك يا أستاذ. الحجة مش معاها فلوس تأجر رجالة وأنا مش هشيل لوحدي انت ربنا بعت ليا من السما والله.
ألقى دكتور معاذ بدلته القديمة على الأرض وشال الجثة مع الراجل.
كان في سره يقول. معقول محدش موجود هنا؟ مدحت مكنش ليه صحاب ولا معارف ولا أحباء؟
وشعر بالإحباط لما تذكر عزلته فهاتفه لا يرن إلا إن طريق أطباء المشفى. إذا مات هو الآخر لن يجد من يدفنه.
الدكاترة النفسيين لا يمكن توقع أفعالهم.
كان التربي أعد كل شيء. تربة لينة تشبه العجينة وفتح باب المقبرة. هكذا ستنتهي حياتنا ولا يهم عدد الحاضرين.
إذا جاءت نهايتك يمكن أن يدفنك ألف شخص أو شخصين فقط.
نزل التربي داخل المقبرة. ناولني الكفن يلا وكان القبر مظلمًا رغم أن الشمس ساطعة. كاد يقسم دكتور معاذ أن الجثة تحركت أو ارتجفت.
عندما عاد معاذ نحو السيارة وجد الدموع تغمر عيون المرأة.
دفنت الاثنين يارب.
مليش حد غيرك. يارب متتأخرش وقتي بعدهم مش عايزة اتبهدل من غير سند.
الحساب يا حجة؟
الجثة دخلت القبر وأنا عايز حسابي.
حسابك كام؟ خاطب معاذ بحنق.
لحلوحين يا هندسة.
أيوه دول يطلعوا كام يعني؟
ورقة بميتين مش هاخد أقل من كده.
طلع دكتور معاذ أربعمائة جنيه. خد حسابك ووصل الحجة شقتها واشتري ليها أكل يكفيها.
كلك نظر والله يا هندسة. متقلقش من أي حاجة. الحجة في عيني.
يقول العامل يا هندسة. يقول الكمسري يا هندسة يقول سائق التاكسي يا هندسة.
حتى الفكهاني ونادل المقهى. لم يصادف معاذ شخص واحد يقول يا دكتور نفسي إلا المجانين.
اختفت السيارة. ولاحظ معاذ التصاق التربي به مثل ذبابة شتاء ولم يتركه حتى منحه اللي فيه النصيب.
وجد معاذ نفسه بمفرده أخيرًا. أشعل سيجارة وجلس تحت شجرة. انت حكايتك إيه بقا؟
حاول أن يحل المشكلة كدكتور نفسي لكن خبراته لم تساعده.
شخص زي مدحت هيقتل خطيبته ليه؟
كان بيحارب الدنيا كلها عشانها وبعد كده يقتلها؟
وكمان يعترف على نفسه؟
مد بصره ولمح سترته ملقاه على الأرض وسط التراب. إزاي مشفتهاش من شوية؟
ليه الحاجات بتكون قريبة جدًا ورغم كده مش بنشوفها؟
انت فين يا دكتوره؟
أنا في… وصمت معاذ. استدرك نفسه أنا في مشوار والله يا دكتور سعيد.
أنا اتصلت بمصلحة السجون عشان الموضوع اللي كلمتني عليه.
لم يجد معاذ في نفسه الرغبة في سماع أي شيء وكاد أن يغلق الهاتف.
الولد مقطوع من شجرة لكن حماته أصرت تدفنه بنفسها وتتحمل تكاليف نقله.
آه قبل ما أنسى كان فيه واحد قعد مع الشاب دا قبل ما يتشنق.
القوانين يا سيدي بتقول لازم المحكوم عليه بالإعدام يقعد مع قرايبه قبل ما يتشنق.
واحد مين؟ انتبه معاذ. مدحت لم يكن له أقارب.
إش عرفني يا دكتور أنا قلت بس أبلغك.
رواية وعد في العتمة الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
ظل دكتور معاذ جالسًا في مكانه، متكئًا على جذع الشجرة التي تظلله. كان يطلق أنفاسًا متتابعة من الدخان، وسترتُه في حضنه. إنها من الحالات النادرة التي لا يسأل فيها المرء نفسه: "ماذا يمكنني أن أفعل؟" "انهض جسدك يا معاذ، الحياة تستمر، دونه أو دونك..."
غادر المقابر ولوّح لأول سيارة أجرة، ودعا من كل قلبه أن يكون السائق صامتًا. إنه لا يمانع في كتابة العنوان في ورقة، لكن سماع كلمة أو كلمات في تلك اللحظة يمكنها أن تدفعه لارتكاب جريمة.
حسنًا فعل السائق. سأل عن الوجهة وحدد الأجرة، ثم أيقظ مذياعه وسرح مع نفسه، سامحًا لمعاذ أن يتمطى على راحته.
على سلم المشفى، فتحت الممرضة ريهام عينيها الواسعتين أصلًا بنظرة متسائلة.
"دكتور معاذ؟ أنت قلت إنك مش هتيجي المستشفى النهاردة؟"
همس دكتور معاذ بنبرة رنانة وهو يرفع حاجبه كأنه يتذكر.
"قلت إن هناك احتمالية لعدم حضوري يا ريهام."
صفقت الممرضة ريهام الدفاتر على بعضها.
"دي الحالات اللي حضرتك هتعاينها النهاردة!"
"سيبيها في المكتب لو سمحتي، أنا محتاج أغسل وشي."
ثم استدار بسرعة.
"ريهام؟ اعملي حسابي في السندوتشات اللي هتشتريها انتي والممرضات."
جلس دكتور معاذ على المقعد يعاين الملفات. رَمَقَها بنظرة مطولة كأنه عدو.
"أول أمس كان يجلس هنا رجل محكوم عليه بالإعدام. رجل من المفترض أنني كنت أساعده، وأنا الذي وقعت قرار إحالته لحبل المشنقة. أتفهم أن ضميري يعمل بقوة وينبح مثل كلب. كان مصرًا على أقواله. جلس هنا في صمت وكان يطرق الطاولة بأصابعه اللعينة كأنه يلحن أغنية."
وقعت عينه على البقعة التي كان مدحت يضربها بإصبعه. كان هناك خدش واضح في الطاولة. جرح في الخشب لم يلمحه دكتور معاذ من قبل. حاول أن يتذكر مدحت وكيف كانت أظافره وما يعنيه ذلك.
"حالات الخدش تأتي من الارتباك، أو يحاول المرء أن يجبر نفسه على قول أمر غير مقتنع به، أو أن يكون مرغمًا على الاعتراف بشيء يكرهه."
ضيق معاذ حاجبيه بتركيز، محاولًا تذكر كم مرة طرق مدحت الطاولة. سبعة؟ عشرة؟ لم يكن الأمر واضحًا بالنسبة له.
أشعل سيجارة وعينه على الخدش. اقترب من الطاولة. برقت عيونه من الدهشة. كان يظنه خدشًا واحدًا. شكلت الخدوش مجموعات منفصلة، متباعدة لكنها متصلة. كل مجموعة بها خمسة خدوش غير واضحة. دقق أكثر حتى كادت عيناه أن تلتصقا بالخشب. في آخر مجموعة ست خدوش، محى آخر واحد فيها بعناية.
"كان مدحت يعني ما يفعله ولم يسمح بالخطأ. إن كان فعل ذلك، فإنه كان يأمل أن يلاحظ شخص ما الأمر وينتبه له، ليس هو بالطبع، إنما شخص يحب الألغاز. ثلاثة خمسات، ماذا يعني ذلك؟"
فتش في كتب علم النفس التي قرأها، مدلولات الأرقام والإشارات. بارتوفيز؟ فلدونسى؟ ميكاربوتا؟
"لا لا لا..." وأطلق معاذ دفعة من الدخان الأزرق حلقت فوق رأسه مثل غيمة.
طرق الباب وآطل منه وجه جميل.
"السندوتشات وصلت يا دكتور معاذ."
دون أن يرفع بصره همس.
"ليس الآن. اتركيني بمفردي. أغلقي الباب ولا تسمحي لذبابة أن تمر للداخل."
امتعض وجه ريهام وصفعت الباب بقسوة لا متناهية تدل على الحنق والاستنكار.
"ليس من المعقول أن يكون مدحت فعل كل ذلك في جلسة واحدة. كم مرة حضر مدحت للمعاينة داخل مكتبه؟"
"مرة؟ مرتين؟"
فتح سجل المعاينات. دخل مدحت المكتب مرتين فقط. واحدة كانت منذ أكثر من أسبوع، والأخرى أول أمس. مدحت لم يكن مريض معاذ. كان تحت ملاحظة دكتور سعيد ثم نقله مدير المستشفى تحت رعايته.
نهض معاذ من مكانه وارتطم بلوحة جدراية فوق مكتبه. لوحة معلقة على الجدار يحرص دكتور معاذ على مرافقتها في كل مكان يعمل به. تصور إطارًا من الطبيعة بخلفية صفراء وسحب صفراء وشجرة بأفرع كثيفة تجلس تحتها على العشب طفلة تحمل دمية.
"اللعنة!!" شعر معاذ بالألم في رأسه. وضع يده في مكان الوجع.
في نهاية إطار اللوحة، لاحظ معاذ مجموعة من الخدوش تشبه شرطات بقلم رصاص. ثلاثة مجموعات، خمسة خدوش. الأمر لا يمكن أن يكون صدفة.
ركض دكتور معاذ في الرواق ذي الواجهة الزجاجية، وقد كرّمش قميصه الموف إلى الكوع، مغرقًا إياه في بنطال أزرق ضيق يضغط عليه حزام من الجلد. شعره الناعم المموج في طريق واحد وسيجارته في فمه. عبر مدير المشفى الذي يتمشى داخل الرواق بعيني بومة تدوران بحثًا عن صيد، وفتح مكتب دكتور سعيد وهو يلهث.
انتبه دكتور سعيد الذي كان ينظر إلى كمبيوتِره. استدار بسرعة لمواجهته.
"إيه يا معاذ؟ خضتني."
"مش تخبط يا أخي على الباب؟ يمكن بعمل حاجة لا أخلاقية في مكان العمل؟"
ضرب دكتور معاذ الطاولة براحة يده.
"أنا عارف آخرك يا سعيد. أنت بتخاف من مراتك، وأي راجل بيخاف من مراته بيخونها."
حاول دكتور سعيد أن يطلق ابتسامة تاهت وسط الصدمة.
"مدحت زار مكتبك كام مرة؟"
"مدحت مين يا معاذ؟"
"مدحت، مدحت المريض اللي اتحكم عليه بالإعدام شنقًا."
"أنت لسه الموضوع دا شاغل بالك؟ يا أخي وقعت قلبي."
"كام مرة يا سعيد؟"
"مرتين تلاتة، مش فاكر."
"حاول تفتكر يا سعيد!" وحدق معاذ بالطاولة، تاركًا دكتور سعيد يعبث بدفتر ملاحظاته. ابتسم لما شاف الخدوش على طاولة دكتور سعيد. ثلاثة مجموعات، تلت خمسات.
"ها، كام مرة يا سعيد؟"
"تلت مرات يا معاذ، ها ارتحت؟ ممكن تسيبني أكمل شغلي؟"
"تكمل شغلك؟"
"ولا تكمل اللي بتعمله؟"
وضع سعيد عينيه في رأس معاذ.
"هتفرق يعني؟"
"أيوه هتفرق، لكن مش وقته دلوقتي. سلام."
"مدحت خضع للمعاينه في مكتب دكتور سعيد تلت مرات، وأنا مرتين بس."
"الأمر عشوائي ولا يمكن الاعتماد عليه. في حالات الأوعي العقلية المنتقاة خارج البؤرة الذهنية، لازم الإشارات تكون متطابقة، وده محصلش هنا."
في الرواق، تنهد معاذ بارتياح. اتكأ على الدرابزين ولقى نفسه قدام غرفة المراقبة. ابتلع معاذ ريقه، وفتح الباب.
"هو أنا ممكن أغلس عليك دقيقة؟"
"اتفضل يا دكتور، خير."
"عايز أراجع الكاميرات مكتبى الخاصة بالمعاينات الطبية. يوم..."
وأخرج معاذ دفتَره وذكر التواريخ. حدق بتركيز وتحقق أن مدحت خضع للمعاينة في مكتبه مرتين فقط. شكر الموظف وقصد مكتبه.
داخل المكتب، خضع معاذ لجلسة من اللوم والتقريع على يد مديره.
"سيجارة يا معاذ؟ وكمان قدام الموظفين والمرضى؟ دا أنت مفكرتش حتى تمسي عليه."
اعتذر معاذ، كان في غاية الأسف فعلاً ووعد المدير أن لا يكرر فعلته النكراء مرة أخرى.
في نهاية نوبته، قرر أن يعرج على مطعم ويتناول وجبة فاخرة ترضي معدته الثائرة. قبل نهاية السلم، سمع صوتًا ينادي عليه. أها، تذكر معاذ عندما استدار موظف غرفة المراقبة ولوّح له.
"أعتقد يا دكتور فيه حاجة هنا لازم تشوفها."
كان الفيديو يصور مكتبه. مدحت يتلفت في كل اتجاه قبل أن يفتح المكتب. كان المكتب خاليًا. قصد مدحت الطاولة، خدشها بأظافره خمس خدوش قبل أن يصل للوحة الجدارية ويفعل معها مثل ما فعل في السابق. كان ذلك في اليوم الذي تم فيه نقل مدحت للسجن.
تصدع جسد معاذ، ترنح مثل ورقة شجرة هبت عليها عاصفة هوجاء.
"الشيطان. تلت خمسات. 555. رمز الشيطان."
رواية وعد في العتمة الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
كان عليه أن يبذل جهدًا هائلاً ليبدو طبيعيًا ويرسم تلك الابتسامة اللعينة التي تعني أنه بخير.
نادرون جدًا أولئك الذين يمتلكون القدرة على قراءة الإيماءات والإشارات والحركات، وبذلك نحتفظ بقلوبنا المعذبة دون أن يشعر بنا أحد.
أثناء رحيله، همس معاذ: "نهاية يوم لا يمكن أن تحلم بها".
وكان عليه أن يجد مبررًا لتسلل مدحت إلى مكتبه.
فأيًا كانت الرسالة التي رغب في توصيلها، فإنه فشل.
من أجل ذلك، جثته تتعفن في القبر.
نحن نضيع الفرص ولا نشرح أنفسنا بقدر كافٍ حتى لا يتبعنا الندم حين الرحيل.
إذًا، مدحت مات، شنق، فلا فائدة من وجع الدماغ.
لكن كيف يتخلص من إحساس الذنب الذي يرافقه ويظهر له في كل خطوة؟
آه، لو كانت لديه القدرة على استبدال دماغه يومًا أو أسبوعًا حتى يهدأ ويعيده مرة أخرى، لكان تخلص من كل ذلك.
وصل دكتور معاذ شقته. مكنش عارف هيعمل إيه بالضبط.
أصابه خمول ورغبة في الاندساس في سريره.
لكن جسمه كان متعفنًا. فهو غير قادر على تحمل رائحة إبطه.
قبل أن يغسل نفسه، ورد اتصال من دكتور سعيد.
"إيه يا دكتور معاذ؟ هو أنت بقيت تقتحم مكاتب زمايلك من غير ما تدي مبررات؟"
"إيه اللي بيحصل بالضبط؟ احكي."
تنهد معاذ وقص على دكتور سعيد شكوكه. لم يسمع ردًا سوى الصمت، وتوقع بين لحظة والأخرى ضحكة ساخرة من دكتور سعيد.
لكن دكتور سعيد قال: "انت بتتكلم جد يا معاذ؟"
"أيوه بتكلم جد، واتأكدت من كاميرات المراقبة إن مدحت دخل مكتبي في غيابي وأحدث الخدوش على الطاولة. بل لم يكتفِ بذلك، خدش اللوحة كمان."
"وإيه ناوي تعمل يا معاذ؟ مدحت مات ومفيش وسيلة تقدر توضح لك إيه كان بيحصل معاه. لكن هو مش مجنون يا معاذ، أنا متأكد من كده. نصيحة من أخوك، خلي ضميرك مرتاح، أنت مظلمتش مدحت. مدحت كان واخد قراره وأيًا كانت أسبابه، فخلاص مفيش فايدة."
إسماعيل موسى.
"عارف المشكلة إن مالوش قرايب، الواحد كان سألهم كان بيحصل إيه مع مدحت؟ الولد مقطوع من شجرة."
"إزاي؟ أمال مين اللي كان قاعد معاه قبل تنفيذ الحكم؟"
"مصلحة السجون مش ممكن تسمح لأي شخص مش قريب للمتهم إنه يقعد معاه قبل تنفيذ الحكم."
تذكر معاذ ما قاله سعيد أمس. شكره على السريع وتحجج بالإرهاق وأنهى المكالمة.
"عشان أتخلص من شكوكى وأنهى القصة دي لازم أقابل الشخص اللي كان قاعد مع مدحت قبل تنفيذ الحكم. يمكن يعرف حاجة. أو مدحت قاله حاجة قبل ما يموت."
أجرى معاذ اتصالاته ونجح أخيرًا في الحصول على وعد بالنظر في دفتر الوقائع يوم شنق مدحت.
لم يتأخر معاذ. وصل السجن وكان هناك من ينتظره وقاده إلى الأرشيف.
"قدامك عشر دقايق يا دكتور، أكتر من كده هتعمل لي مشكلة."
"متقلقش، أنا هسجل الاسم والعنوان وأخرج بسرعة."
دون معاذ اسم وعنوان الشخص الذي كان موجودًا مع مدحت.
وكانت خانة القرابة ممحوة.
مقدرش يعرف دكتور معاذ درجة قرابة الشخص ده من مدحت.
وضع الورقة في جيبه وخرج يتسحب نحو الطريق.
في الشارع، وقف تحت عمود إنارة، أخرج هاتفه واتصل بالرقم المدون في الأرشيف.
انتظر دكتور معاذ الرد على أحر من الجمر. عندما ظننا أنها محاولة فاشلة.
انفتح الخط. "آلو؟ دكتور معاذ مع حضرتك، أنا كنت الدكتور الخاص بمدحت وعايز أستفسر عن كام حاجة شغلاني."
لم يسمع معاذ ردًا. وبعد نصف دقيقة سمع أزيزًا صاخبًا كاد يفتك بطبلة أذنه.
أبعد معاذ التليفون بسرعة عن أذنه. "إيه ده؟ آلوووو؟"
"ممكن يكون في منطقة مفيش فيها شبكة؟"
أعاد الاتصال ومثل المرة السابقة عرف نفسه. هذه المرة كان الأزيز أكثر صخبًا وارتفاعًا.
في طريق العودة للشقة، لم يفقد دكتور معاذ الأمل. واصل الاتصال بالرقم ولم يسمع سوى أزيزًا صاخبًا مزعجًا.
امتعض معاذ. طوح الهاتف على الأريكة بغضب.
"بعد ساعة أو يوم أحاول أتصل تاني. يمكن يكون الشخص ده شغال في مكان خارج نطاق الخدمة أو نفق تحت الأرض."
أخذ حمامه أخيرًا واستعاد نشاطه. ملقيش رغبة في الأكل.
كل شوية يبص على تليفونه. للمرة الأخيرة، عاود الاتصال بالرقم وفشل.
"بكرة الصبح يا معاذ تاخد بعضك وتروح تسأل عليه في العنوان."
لكن فضوله وعقله مخليهوش يقدر يقعد ولا يرتاح. بص على الساعة. عشرة ونص!!
"الوقت لسه بدري. يلا يا معاذ، مفيش فايدة من التأخير." نزل بسرعة واستقل سيارة أجرة أوصلته إلى العنوان المدون في دفتر ملاحظاته.
بناية قديمة من ثلاثة طوابق. مكنش فيه حارس ولا غفير.
للأسف، عنوان الشقة مش مكتوب.
يعني لازم يقتحم شقق الناس من غير إذن؟ وجدها فكرة بايخة وخايبة.
جنب العمارة فيه دكان. وقف دكتور معاذ أمامه بتردد.
"من فضلك عايز أسأل عن شاب ساكن في العمارة هنا."
"اسمه..."
"بصق البقال نظرة معتمة في وجه معاذ. معرفش حد بالاسم ده."
"طيب أنا آسف يعني. فيه شباب ساكنين هنا؟"
تنهد البقال. "على ما أعتقد فيه عائلتين عايشين هنا، وفيه عيلة فيهم فيها شاب ساكنين في الطابق الثاني."
شكر دكتور معاذ البقال وتسلق درج السلم. تردد في إشعال سيجارة. لا يحب أن يطرق أحد باب شقته وفي فمه لفافة تبغ.
تردد لحظة قبل أن يطلق تنهيدة صامتة. طرق الباب وانتظر.
سمع خطوات مسرعة تتقدم نحو الباب قبل أن تعود مرة أخرى. "الباب بيخبط يا بابا."
حاول أن لا يبدو مجنونًا وهو يسأل الرجل عن الاسم.
"لم أسمع به من قبل."
"إذا كان هنا كنت سأعرفه."
"يمكنك سؤال الشقة الأخرى، لكنى أؤكد لك أن هذا الاسم غير موجود في بنايتنا."
شكر معاذ الرجل. على كل حال، سيطرق باب شقة العائلة الأخرى فلم يحضر كل هذه المسافة من أجل فرضيات مبهمة.
أثناء صعوده السلم، رن هاتفه. بحلق دكتور معاذ بالرقم.
وهمس: "آلووو؟"
عاود الرقم المجهول الذي طلبه دكتور معاذ مائة مرة مهاتفته.
"آلووووو."
وباغته الأزيز فجأة للحد الذي أرعش جسده.
أنهى معاذ المهاتفة وطرق الباب بقوة بعد أن شعر بضيق في صدره. من خلف الباب ردت امرأة.
"بسرعة، اختصر معاذ القصة." عرف معاذ أن أكبر طفل يعيش داخل الشقة عمره عشرة أعوام ولا يوجد شخص بهذا الاسم.
الشقة العلوية غير مأهولة. يصعد إليها درج مكسر والباب عتيق مدهون بلون بني باهت. أمام الباب هر أسود يحك الجدار بمؤخرته.
يعاني من رهاب الزحام مثله لأنه هرب فور رؤيته لمعاذ.
"إزاي مش موجود في العنوان؟"
"معقول مصلحة السجون ممكن تعدي عليها حركة زي دي؟"
"أو شخص يقول إنها قريب المتهم يخلّوه يقعد معاه من غير إثبات شخصية؟"
"مستحيل. المعلومات المسجلة أكيد من بطاقة شخصية أو باسبور."
"طيب ليه الشخص ده هيزور عنوانه؟ أو يدلي بمعلومات مغلوطة؟"
"إلا لو كان مش عايز حد يوصله."
القصه بقلم إسماعيل موسى.
صمت معاذ يفكر دقيقة. استبعد فكرة أن يكون الشخص غريبًا عن مدحت أو لا يعرفه.
لأن مدحت وافق يقعد معاه.
ليه زور بياناته؟
وهل معقول إن مدحت متعاون معاه عشان محدش يقدر يوصل عنوانه؟
كان خايف من إيه؟
ليه بيحاول حمايته؟
وإزاي حماته متعرفش الشخص ده؟
أعاد معاذ شريط الأحداث في عقله. تذكر أنه لم يسأل حماة مدحت عن الشخص ده.
من حسن حظه أنه يحتفظ بعنوان المرأة ويمكنه سؤالها.
لكن الوقت تأخر.
في الغد سيقصد عنوانها. أجل. في الغد. أشعل سيجارة ونزل درجات السلم ببطء.
قبل أن يصل الشارع وسط العتمة، تحرك طيف لمح ظهره من بعيد يتحرك ناحية الطريق.
رواية وعد في العتمة الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
لا تركض خلف الأطياف ولا تجعل فضولك يقودك، فكر دكتور معاذ قد يكون واحد من ساكني العمارة.
أو أي شخص يؤدي خدمة وسبقني على السلم.
عندما وصل الشارع لم يلمح أي شيء لافت.
الطريق كله أطياف تسير أو تركض أو تمشي مترنحة أو زاحفة أو حتى تنبح وتموء.
العودة بخيبة مؤلمة، ومعاذ كان يحمل داخل صدره لغزًا لا يعرف له حل.
عنوان خاطئ وهاتف يصدر أزيزًا، أمر غير مبشر بالمرة.
وخطر له أن الأمر كله مجرد مزحة.
وأن الاسم الذي يبحث عنه ربما غير موجود في بيانات وزارة الداخلية.
فتش عن مساعدة ولم يجد أمامه سوى دكتور سعيد.
هذه المرة لن ينتابه شك.
منحه اسم الشخص وطلب منه أن يتقصى عنه عند أحد معارفه من ضباط الشرطة.
لم يمضِ سوى نصف ساعة وجاءته الإجابة.
الشخص صاحب الاسم متوفى منذ أكثر من عامين.
آخر عنوان مسجل له كان نفس العنوان الذي قصده دكتور معاذ منذ ساعة.
"انت ليه بتسأل عن الاسم ده بالذات يا دكتور معاذ؟"
"ممكن توضحلي انت مخبي عني إيه؟"
"ولا مخبي ولا حاجة يا دكتور سعيد، واحد قصدني في خدمة وملقتش قدامي غيرك وكاد أن ينهي المهاتفة."
"الكلام ده مش مظبوط يا معاذ، بتكذب ليه؟"
صرخ معاذ، "مش فاهم انت تقصد إيه يا دكتور سعيد."
"بقصد إن سؤالك عن الاسم ده بالذات وراه سر ولازم أعرفه."
فاض الكيل بدكتور معاذ، "ده الاسم اللي كان حاضر يوم وفاة المريض مدحت، انت اديتهولي بنفسك، ارتحت كده؟"
"لا ما ارتحتش يا معاذ، ورغم اندهاشه لنسيانه الاسم، واصل سعيد كلامه."
"ليه بتدور عن الشخص ده بالذات؟"
"قلتلك يا أخي كل حاجة، هو تحقيق ولا إيه؟"
شعر سعيد أن معاذ لا يخفي أي أسرار عنه، "آسف يا دكتور معاذ، لكن الأمر غريب شوية."
"غريب إزاي يا سعيد؟"
"الشاب اللي انت بتسأل عليه متوفى من أكتر من سنتين."
همس معاذ، "خلاص عرفت، وإيه المشكلة يعني؟"
"المشكلة إنه كان حاضر يوم شنق مدحت بشحمه ولحمه."
وشعر معاذ أن هناك أمرًا آخر خلف قلق سعيد، فصمت سامحًا له أن يواصل كلامه.
"الشاب ده اتشنق من سنتين يا معاذ."
ردد معاذ الكلمة بارتياب، "اتشنق؟"
أردف سعيد، "عارف تهتمته كانت إيه يا معاذ؟"
"إيه؟"
"قتل خطيبته، خنقها حتى الموت واعترف إنه قتلها."
"المريض ده كان في نفس المستشفى بتاعتنا قبل ما نوصل هناك."
شعر دكتور معاذ بصدع داخل عقله، أحدهم قذف حجرًا وأصاب جمجمته.
اتكأ على جدار أحد المنازل، "بتقول خنق خطيبته؟"
"أيوة، خنقها. الضابط أكدلي المعلومات دي. طيب اقفل يا سعيد، اقفل هبقى أكلمك تاني."
الساعة كانت عدت منتصف الليل، وأحس معاذ أنه لن يقدر ينام.
لوح لسيارة أجرة وراح على المستشفى.
ألقى التحية على الحارس المندهش وسبح داخل الرواق نحو غرفة الأرشيف.
بحث بالتاريخ والاسم حتى عثر على ملف المريض.
حمله إلى مكتبه وراح يعاينه.
جرت معاينة المريض أيام السادس والتاسع والرابع عشر من شهر أكتوبر.
أبدى المريض إشارات طبيعية وكانت الأعضاء الحيوية تعمل بشكل جيد.
كان منتبهًا للأسئلة وأجاب عليها بحزم وإصرار ودون تردد.
لم تبدُ عليه آثار الشيزوفرينيا أو الانفصام أو الخلل الذهاني العقلي، ولم يكن تحت صدمة عصبية.
أشار الطبيب المعالج في ملحوظة مريبة:
"أن المريض قاد جلسات المعاينة بكل عناية نحو السلامة العقلية ونحو حبل المشنقة."
"ولم يترك لي أي فرصة لمساعدته."
ملحوظة أخرى كتبت بعد يومين من شنق المريض، كتبها الدكتور لنفسه ويبدو أنه نسي محوها.
"لاحظت على المريض طقطقة أصابع وتركيز بصري نحو خلفية مكتبي في فترات كثيرة."
من خلال المطالعة عرف معاذ أن دكتور عوني الورداني قدم استقالته بعد نهاية علاج المريض ولم يعد يعمل داخل المشفى.
غمر دكتور معاذ وجهه بكفتي يده وكاد يقطع وجهه من الفرك.
شخص مشنوق متوفى من عامين يجلس مع شخص في يوم شنقه داخل السجن، بحيثيات مماثلة.
كل واحد منهم قتل خطيبته.
عندما وجد دكتور معاذ نفسه يتحدث بصوت مرتفع عن شخص حكم عليه بالإعدام منذ عامين وكان حاضرًا يوم وفاة شخص محكوم عليه بالإعدام منذ أقل من أسبوع، أحس بالجنون.
ضرب خده بالكف، إن كان خاضعًا تحت تأثير بارانويا، فعليه أن يفيق.
المصباح يرعش في سقف غرفته.
اللوحة الجدارية الخاصة به معلقة خلف ظهره.
كل شيء يبدو حقيقيًا ولا مجال للمزاح.
رواية وعد في العتمة الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
أشعل دكتور معاذ السيرنيسي لفافة تبغ واتكأ بظهره على المقعد ولاحظ قذارة حذائه الناظر إليه من فوق الطاولة.
"هي الأمور بتتعقد كده ليه؟"
"كل ما أحاول أهرب من القضية دي تشدني ناحيتها أكتر."
أطلق دفعة من الدخان وأخرج هاتفه. الساعة تعدت الثانية فجرًا.
"دكتور سعيد مختار تلاقيه نايم في حضن مراته دلوقتي أو على الكنبة. في كل الحالات، لا شك إنه سيفزع."
تنهد وطلب رقم دكتور سعيد.
"خير يا معاذ؟ فيه حاجة حصلت؟"
"كنت عايز أسألك سؤال بسيط كده يا سعيد."
"انت عارف الساعة كام يا معاذ؟ أنا قولت فيه مصيبة حصلت."
وارتفع صوت أنثوي غاضب.
"بتكلم مين يا سعيد في نص الليل؟"
"على الكنبة، ارتاح ضميرك شوية."
"بكلم دكتور معاذ. فيه مشكلة في الشغل. انطق يا معاذ، عايز إيه؟"
"انت أقدم مني في المستشفى. تتذكر دكتور اسمه عوني الورداني؟"
صمت سعيد ذهاء نصف دقيقة.
"مش فاكر أوي. آه، دكتور عوني قدم استقالته بعد وصولي بشهر وغادر المستشفى."
"قدم استقالته ليه؟ تعرف؟"
"الصراحة، دكتور عوني كان غريب شوية، وكان أغرب في آخر أيامه. دايمًا كان صامت وشارد وبيقول حاجات مش مفهومة. بس انت بتسأل ليه؟"
"دكتور عوني هو اللي كان طبيب الحالة اللي اتشنقت وكانت نفس ملابسات قضية مدحت."
بشك همس سعيد.
"هو انت رجعت المستشفى؟"
"أيوه يا سعيد، مجاليش نوم، كان لازم أراجع ملف الحالة."
"على فكرة القضية دي هتجننك زي ما جننت دكتور عوني الورداني."
"هو اتجنن يا سعيد؟"
صمت سعيد.
"يا أخي مقصدتش كده. أقصد إنها كانت سبب في تركه للشغل. وبعدين أنا مش فاضي للعب العيال ده دلوقتي. سلام يا معاذ."
دون دكتور معاذ عنوان وهاتف دكتور عوني الورداني في دفتره وغادر المشفى.
وصل الشقة قبل الفجر. فتح باب الشقة وولع النور ولاحظ حاجة غريبة.
"فيه حاجات مرمية على الأرض. همس معاذ. الشقة اتسرقت؟"
لكن رغم إنه قضى نص ساعة يرتب الشقة، ملقيش أي حاجة ضايعة. الشقة اقتحمت فعلًا، لكن مش بغرض السرقة.
أجبر معاذ نفسه على النوم. ومنع نفسه من التفكير في الاحتمالات. أفاق بصعوبة حدود منتصف النهار.
أخذ شاور سريع. كان لازم يلحق المستشفى. وقف قدام المراية يلبس هدومه.
"إيه ده؟" همس معاذ وهو بيبص على المراية.
قرأ الكلمة المكتوبة على المراية بإصبع بشري وفي وضع مقلوب.
"انت التالي."
ظل معاذ محدق بالمرآة.
"مين اللي كتب كده ويقصد إيه؟"
مسح الكلام واحكم إغلاق الشقة ونزل لحارس العمارة الذي أقسم إنه لم يرى أي شخص يصعد شقته.
"بل ولا حتى قط أو فأر. تقدر تراجع الكاميرات يا دكتور معاذ؟"
راجع معاذ الكاميرات ولم يرى شخص يصعد شقته سواه.
ترك معاذ الحارس الذي راح يبرطم خلف ظهره بكلام جارح ورمى بنفسه داخل سيارة أجرة.
في المشفى كان معاذ شارد. صامت وليس على عادته. حاول أكثر من مرة أن يقنع نفسه أن كل ما لاحظه تهيؤات واطمئن لتلك الفكرة.
"ده عقلك يا معاذ بيلعب معاك لعبة قذرة. ما تسمحش لعقلك يسيطر عليك."
وغادر العمل قبل موعد انصرافه. كانت لديه رغبة في التأكد من أن كل ما رآه وهم خادع.
فحص الشقة كلها حتة حتة. لكنه عندما عاد ووقف صدفة أمام المراية، كانت الكلمة التي محاها وحاول نسيانها موجودة في مكانها.
"انت التالي."
"إزاي ده بيحصل معايا؟ حتى لو ده حقيقي، أنا مسحت الكلمة دي قبل ما أروح الشغل."
شعر معاذ باضطراب وارتباك. زاد منه الخدوش التي وجدها على طرف سريره.
وعلى أبواب غرف الشقة الداخلية. خمسة خدوش لثلاثة مجموعات.
لم يستطع معاذ تحمل التلاعب العقلي الذي راح يعبث بسكينته.
"لازم أخرج من الشقة للشارع وأفكر بهدوء. في مقهى قريب هقعد فيه شوية."
داخل المقهى وجد عقله يحرضه على فكرة واحدة. أن عليه أن يستخدم التقدم التقني الذي يعيشه العالم.
"إذا كان صاحب الهاتف الذي يصدر أزيز لا يرد عليه، فعليه أن يحدد مكانه عن طريق خدمة GPS. لازم يشوف الشخص ده ويتكلم معاه."
بعد أن حدد مكان الهاتف، غادر معاذ المقهى. المكان مكنش بعيد. ساعة واحدة ويكون هناك.
أوقف سيارة أجرة وسأل السائق إن كان يعرف المكان المدون على الورقة.
أكثر من سائق أجاب بالنفي. في الأخير حضر سائق من الذين يعرفون كل مناطق القاهرة.
"أيوه يا ابني أنا عارف العنوان."
"خدني عليه والنبي يا حج بسرعة لو سمحت."
"ومستعجل ليه يا ابني؟ هو اللي هناك هيطير يعني؟"
"آسف يا حج، لكن أنا مستعجل. فيه شخص هناك لازم أقابله بسرعة."
بص السائق على معاذ بارتياب ثم قال.
"أيًا كان اللي منتظرك هناك، فأنا متأكد إنه مش هيمشي قبل وصولك. اطمن يا أستاذ."
استغرب معاذ كلام السائق وثقته اللعينة وكلامه الغامض.
بس محبش يدخل في جدال. فظل صامت والسيارة تخترق طرقات القاهرة.
رواية وعد في العتمة الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
التمعت عين السائق وهو يستمع للمذياع. كانت إذاعة القرآن الكريم والشيخ البنا يرتل ما تيسر من سورة طه. والطريق كالعادة مزدحم بكتل من البشر متلاحمة مثل موج البحر.
"عارف يا أخي، أيام زمان كانت كل حاجة حلوة." ارتفع صوت السائق وهو يترنح وسط الزحمة. "الله يكون في عونا، كل حاجة بقت باهتة وماسخة."
استدار دكتور معاذ برأسه تجاه الطريق. آخر ما ينقصه حديث عن الحياة والعيشة وغلاء الأسعار.
لكن السائق صمت فجأة وكأنه أدرك أن زبونه لا يرغب في الكلام. وما كان يضره لو أومأ برأسه وأرضى خاطره.
"فاضل كتير؟" خاطب معاذ السائق بنبرة مستحثة.
رفع السائق كتفه بوهن. "كله بأمر الله يا أستاذ، أنت شايف الطريق زحمة إزاي؟"
"طيب شد شوية لو سمحت، أنا مستعجل جداً."
تنهد السائق. "مستعجلش على حاجة متهفعاش يا ابني."
"إلى هناك رضيو بحالهم ومش هيروحو أى مكان."
نفذ صبر دكتور معاذ. استفزه حديث السائق الممل المتكرر.
"انت تعرف إيه عني أو عن الشخص اللي مستنيني عشان تصدر أحكام فوضوية؟"
"انت رايح المقابر صح؟"
"مقابر إيه؟ أنا رايح أقابل شخص في العنوان اللي أنا اديتهولك."
"العنوان ده بيوصل لمقابر مصر القديمة."
"بص هناك، قربنا نوصل، عشان كده كنت بقلك إلى هناك مش هيرحل أو يطير."
تنهد معاذ بحسرة. "انت متأكد إن العنوان صحيح؟"
"أنا شغال على التاكسي من أيام السبعينات يا أستاذ ومش ممكن أغلط في عنوان."
"ماشي!" وشعر معاذ بالحسرة. تأسف للسائق وأخرج هاتفه يتأكد من المكان.
كانت السيارة تسير نحو المكان الموضح في العنوان.
توقفت السيارة ونزل منها دكتور معاذ. اعتذر للسائق مرة ثانية.
ومسح الطريق قدامه. مساحة كبيرة من المقابر. "مشى ورا تليفونه وتوغل وسط المقابر."
"هو شغال تربى ولا إيه؟"
"معقول يكون عامل وفيه أعمال حفر داخل المقابر؟"
عندما توسط المقابر وصل المكان المحدد. تلفت يميناً وشمالاً.
"مفيش أي إنسان هنا."
طلب رقم الهاتف ليتأكد. سمع الأزيز المؤذي الذي يجيبه كل مرة.
حاول أن يسمع صوت رنة الهاتف وبحث تحت الأشجار ووسط الحشائش. "ممكن يكون شخص نسي تليفونه أو تركه هنا صدفة."
"أنا قربت أتجنن!" صرخ معاذ بعلو صوته. "فيه حد هنا؟"
تردد صداه وسط المقابر وفزعت هرة كانت نائمة وسط العشب.
"فيه إيه يا أستاذ مالك بتصرخ كده؟"
خاطبه صوت رجل يرتدي جلباباً قديماً ويضع فوق رأسه لثّة رمادية.
لوح معاذ بيده. "تعالى هنا لو سمحت. انت حارس المقابر؟"
مشي الرجل بترنح. كانت هناك إصابة في ساقه.
"أنا ابن الحارس. والدي مريض شوية. انت بتصرخ ليه؟"
"دكتور معاذ." عرف معاذ نفسه. "بص أنا بتتبع تليفون شخص والبرنامج وصلني هنا."
"قدام المقبرة دي." أخرج معاذ هاتفه وطلب الرقم قدام عينين الحارس.
"سامع؟"
سمع الرجل أزيزاً صاخباً يصدر من السماعة. "ده التليفون اللي أنا عايز صاحبه. لكن مفيش حد هنا."
"أنا معرفش بتتكلم عن إيه يا أستاذ. ميت إيه اللي هياخد تليفون معاه؟"
صمت عوني مفكراً لحظة. "معقول يكون التليفون داخل المقبرة؟"
"اتنسى مع الكفن؟"
طلب الرقم ووضع أذنه على جدار المقبرة. ثم صرخ بفزع. "هنا أهو، تعالى اسمع!"
بخوف تقدم الحارس نحو جدار المقبرة وسمع صوت الهاتف.
"أيوه، ده حقيقي داخل المقبرة."
تنهد معاذ بارتياح. "يعني مش وهم، أنا مش مجنون؟"
"عايزين نفتح المقبرة لو سمحت؟"
"انت اتجننت يا جدع انت؟ مقبرة إيه اللي نفتحها؟"
ركن معاذ للصمت وولع سيجارة. "لازم نخرج التليفون."
"مستحيل أفتح المقبرة إلا بأمر الشرطة."
همس معاذ. "بص أنا ممكن أبلغ الشرطة ونفتح المقبرة، لكن شوف الشوشرة اللي هتحصل لما الناس تعرف إنك بتدفن الناس بالمتعلقات الشخصية بتاعتها."
"الموضوع ده هيفتح مشكلة كبيرة عليك وعلى والدك."
"إلا إذا كان الميت محتاج التليفون عشان يتصل بأهله من العالم الآخر."
ارتبك الحارس. "والدي اللي كان بيدفن مش أنا. عايزين نحل المشكلة بسرعة من غير ضجة وشوشرة، إيه رأيك؟"
"إحنا في عز النهار يا أستاذ. مش هينفع أعمل حاجة زي كده دلوقتي."
لأن الحارس هكذا فكر معاذ. "بص أنا هبقى كويس معاك."
"النهاردة بالليل هاجي مرة ثانية ونفتح المقبرة من غير ما حد يشعر. قلت إيه؟"
"ده موضوع خطير يا دكتور."
"لا خطير ولا حاجة. دي عشر دقايق وخلاص. محدش هيحس بحاجة."
في منتصف الليل وصل معاذ المقابر. كان الحارس في انتظاره يحمل مصباحاً ومعولاً.
فتح باب المقبرة وهمس. "ذاكر اسم الله. هتدخل معايا؟"
تردد معاذ. لكنه دخل معه إلى جوف المقبرة. استعمل هاتفه ورد عليه الهاتف الآخر برنة متقطعة.
"هنا أهو."
فتح الكفن وكان بداخله عظام بشرية، لكن مفيش أثر لهاتف.
"مش معقول."
"لازم فيه حاجة غلط." صوب معاذ المصباح على الكفن ووضع يده بين العظام. حركها ببطء وخوف.
كان هناك هاتف مسحوق مدمر لم يتبقى منه سوى خط صغير لشركة هاتف.
"سبحان الله!" صرخ الحارس داخل المقبرة. "دي معجزة يا دكتور."
لكن عقل معاذ كان في حتة تانية.
"إزاي خط بيرن من غير تليفون؟" وشعر في تلك اللحظة بكل رعب العالم. انطفأ المصباح وأظلمت المقبرة. سمع أزيزاً صاخباً داخل المقبرة أعقبه صوت محشرج.
"انت التالي."
لم يتمالك الحارس أعصابه. إصابته فوبيا الظلام وارتعش جسده. ورغم الظلام برقت عيونه ولمعت. انفتح فم وبانت أسنان مصبوغة بالدخان وأطلق ابتسامة ساخرة لكنها مرعبة.
"انت التالي. انت التالي!" وعلا صوت قهقهة مفزع. صوت ملأ كل أرجاء الكون الصامت. زحف دكتور معاذ نحو باب المقبرة.
والرعب ينفخ داخل صدره. وكان يبذل مجهوداً خرافياً لكل خطوة يتحركها كأنه يسير في الوحل أو أن قدمه مربوطة بحبل.
ألقى برأسه خارج المقبرة غير قادر على النظر خلفه.
"متسبنيش هنا!" صرخ الحارس. "متتخلاش عني زي ما تخليت عن مدحت."
لكن اليد الباردة التي لمست قدم معاذ السنهوري جعلته يدفع نفسه خارج المقبرة وهو يصرخ.
كان الرعب حوله في كل مكان. وظل أشجار المقبرة أشباح تصرخ في عقله: "انت التالي!"
ألقى معاذ جسمه على الأرض وتنشق نفساً من التراب. أغمض عينيه وتنهد. "ستمر هذه اللحظة. تمالك نفسك يا معاذ."
تحرك شيء بين أغصان الشجرة الراقد تحتها معاذ. لكن معاذ لم يكن مستعداً لرؤيته أو تبين كنهته. وسط محاولاته البائسة للبحث عن الطمأنينة قفز هر فوق وجهه وركض لبعيد تاركاً معاذ يصرخ: "ابتعد عني!"
"الحقني يا دكتور أنا مش شايف حاجة. مش عارف أطلع من جوه المقبرة. وحاسس فيه حاجات غريبة بتزحف تحت رجلي."
"باب المقبرة مفتوح. بص على النور." همسها معاذ بصعوبة.
"مش شايف نور. كل حاجة ضلمة."
"أرجوك مد إيدك واسحبني. أنا قلبي هيوقف." ما كان لشيء أن يدفع دكتور معاذ أن يضع يده داخل المقبرة.
رغم ذلك نهض وقال: "اتبع صوتي. امشي ورا صوتي. أنا هنا."
خرج الحارس من المقبرة ولم يشك معاذ للحظة أنه تعرض لمس شيطاني.
لأنه مشى تجاه بوابة المقابر دون أن يفتح فمه.
"انت رايح فين؟ إحنا هنسيب باب المقبرة مفتوح؟"
لم يستدر الحارس. راح يهمس: "كل ده بسببك انت. انت اللي تعديت على حرمة المقابر. داري جريمتك يا دكتور."
دفع معاذ بآخر قواه كتل التراب نحو باب المقبرة وطمسها بالطين.
وأشعل سيجارة يستمد منها الأمان وهو يمشي بسرعة لخارج المقابر.
وجد الحارس متكوم خارج المقابر بجسد مرتعش.
همس دكتور معاذ. "كل حاجة خلصت خلاص. انت في أمان هنا."
كان الحارس واضع رأسه بين ركبتيه. "قدرت توصل للي انت عايزه؟"
"أرضيت فضولك يا دكتور؟"
"ده مكنش فضول." قال معاذ وهو يحرق السيجارة. "ده كان بحث عن الحقيقة."
"لكن الحقيقة هتدمرك يا معاذ يا سنهوري."
تشبثت عين معاذ بالحارس. أدرك أن من يحدثه ليس الحارس بل شخص آخر بداخله.
"انت ليه كنت بتصرخ متتخلاش عني زي مدحت؟"
"أنا تعرف مدحت من فين؟"
"أنا لا أعرف مدحت ولا بخيت. أنا لقيت نفسي بقول كلام معرفوش."
"بخيت؟" كان نفس الشخص الآخر الذي شنق قبل مدحت.
"طيب تعالى أوصلك بيتك." أسند عليه. استطاع معاذ أن يوصل الحارس لمنزله.
تركه تحت مدخل العمارة حتى لا يتعرض لسين وجيم.
وكان لا يزال غير قادر على إمساك أعصابه.
استقل سيارة أجرة نحو منزله. رقد في المقعد الخلفي مثل جثة هامدة.
رن هاتفه مما جعله يرتعش من الخضة. "انت عايز مني إيه؟"
صرخ معاذ وهو يحلق برقم الهاتف.
"عايز مني إيه؟" بصراخ مما دفع السائق للنظر نحوه.
فتح معاذ سماعة الهاتف باستسلام. لم يكن هناك أزيز صاخب.
بل صمت. تبعه.
"انت التالي."
رواية وعد في العتمة الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
نزلت من العربية وأنا تايه، بحاول أرتب اللي مريت بيه.
شيء صعب جدًا، لما تكون حياتك روتينية هادية ويحصل معاك في أسبوع واحد اللي عمرك ما حلمت تشوفه.
تحت العمارة شعرت بخوف من طلوع الشقة. كنت حاسس إن أي مكان ليه باب هيظهر لي جواه حاجة مرعبة.
"مالك يا دكتور، فيه إيه؟"
سألني عوض، غفير العمارة، لما شافني تايه وعمال ألف وأدور قدام باب العمارة والسيجارة خلصانة في إيدي.
"مفيش يا عم عوض، شوية مشاغل بس."
حاولت أعتذر لعوض عن غضبي معاه لما سألته عن الشخص اللي دخل شقتي، لكن لساني ما طاوعنيش.
"أجيب لك كوباية مايه يا دكتور؟"
"ياريت يا عوض، ياريت. زورى كان ناشف كأن ليه سنة مشربتش مايه."
قعدت على الدكة قدام العمارة، وعوض جاب لي كوباية مياه شربتها كلها.
"انت بتصدق في أمور الأشباح والعفاريت؟"
ابتسم عوض. "انت عايز تسخر مني يا دكتور معاذ؟"
"انت دكتور نفسى، يعني مش بتصدق في الحاجات دي."
"هصدق يا عوض، هصدق. أصل عندي مريض بيقول إنه لابسه عفريت، وأنا الصراحة مقبلتش حالات زي كده."
"فيه يا دكتور عفاريت. في المطرح اللي أنا جيت منه كنت بسمع كتير عن الأشباح بتقابل ناس في الغيطان، في الحتت المقطوعة اللي فيها دم تحديدًا."
"دم إزاي يا عوض؟"
"يعني كان فيه واحد وقع من فوق نخلة ومات، وعفريته كان بيطلع هناك بالليل، لكن شخص يعدي قرب النخلة."
أومأت لعوض. "لو فيه شخص اتقتل في المكان اللي اتقتل فيه، بيكون فيه شبح. وغالبًا بيكون عفريت رخـم."
"جارتنا رؤيا، كانوا بيطلعوا على نفسها."
"هو ممكن العفريت يعمل إيه يا عوض؟"
"أحيانًا بيتلبس الشخص يا دكتور، ولازم شيخ يطلعه."
"زمان واحنا بنلم دودة القطن وكنا عيال صغيرة في الزرعة البحرية، واحد منا لقيناه بياكل طين. أيوه والله يا دكتور معاذ، كان نايم على الأرض وعمال يحفر وياكل طين."
"كانت أيام بدرية ومحدش يعرف حاجة عن الطب. مسكوه أربعة بالعافية، وفي البيت الشيخ فضل يضرب فيه بجريدة نخل ويصرخ: اطلع، اطلع. طبعًا مكناش حاضرين لأننا أطفال وأهلنا بعدونا عن المكان، لكن عرفنا إن جن تلبسه لأنه عمل حمام فوق عياله."
"هو العفريت بيمتلك القدرة اللي تخليه يتحكم في تصرفات الشخص؟"
"أيوه يا دكتور، بيتحكم وممكن يخليه يعمل أي حاجة."
كنت بسمع وأنا بسخر من نفسي، ما بين الثوابت العلمية اللي درستها والأمور الخيالية اللي بتحصل معايا، واللي لسه خارج منها حالًا.
شكرت عوض الحارس وطلعت شقتي وأنا متخيل في كل ركن هلاقيه شبح.
لكن الشقة كانت زي ما تركتها، مفيش أي حاجة غريبة، والكتابة على المراية اختفت.
خدت حمام ودخلت على غرفتي، نمت. نمت رغم إني مكنتش معتقد أبدًا إن عنيا ممكن تنغلق بعد اللي شوفته من الرعب.
لما فتحت عنيا عرفت قد إيه أنا جعان. مر أكتر من يوم ونص وأنا على لحم بطني. عديت على مطعم وأنا رايح الشغل.
فطرت وحبست بشاي وطلعت على الشغل.
صبحت على دكتور سعيد وروحت على مكتبي، أخدت الملفات ومرّيت على المرضى بتوعي. بعدها رجعت مكتبي وأنا حاسس إن فيه حاجة في حياتي اتلخبطت.
مقدرش أحكي لحد عن اللي شفته ومرّيت بيه. رقم بيرن من غير تليفون، مراية مكتوب عليها كلام غريب.
وشخص ميت من سنتين بيزور شخص مات من أكتر من أسبوع.
ولعت سيجارة بقرف. الطريق اللي أنا ماشي فيه هيدمرني. بيسحق كل قناعاتي العلمية. هيتسبب في طردي من شغلي.
ويمكن أدخل مستشفى المجانين.
طلبت فنجان قهوة. كان لازم أفكر بتركيز لمخرج من الورطة اللي وقعت نفسي فيها.
"مدحت مات. يعني مفيش فايدة من أي حاجة أنا بعملها."
"سواء كان شبح أو هو قتل خطيبته مع سبق الإصرار والترصد."
"كل حاجة انتهت. مفيش داعي أفتح صناديق قديمة."
"وأخدت قراري. موضوع مدحت مات ومش هفتحه تاني."
ومضى أسبوع بحاول أقلم نفسي على الوضع الجديد.
وقف عقلي عن التفكير وبضيع وقتي في الشغل أو لعب الطاولة على القهوة. كان لازم أغرق نفسي في التفاهة لأن الحقيقة صادمة، مرعبة.
كان يوم ثلاثاء وكنت بدور على ملف ضايع مني في المكتب.
فتشت المكتب كله وأنا ببحث، وقعت إيدي على الورقة اللي فيها تليفون دكتور عوني الورداني وعنوانه.
معرفش ليه قلبي اتخض وقعدت دقيقة مبلم. "انت أخدت قرارك خلاص يا معاذ؟"
"أحرق الورقة، متفتحش باب قفلته مهما كانت المغريات، لأن اللي هتشوفه مش هيعجبك."
رميت الورقة في سلة المهملات. خلصت الشغل وركبت مواصلات عشان أروح.
حطيت إيدي في جيبي أدفع الأجرة. طلعت مع الفلوس الورقة اللي فيها عنوان دكتور عوني الورداني ورقم تليفونه.
اتصدمت.
"الأجرة يا أستاذ؟"
أيقظني صوت الكمسري وأنا ببحلق في الورقة.
"إنتِ وصلتي جيبي إزاي؟ أنا تخلصت منك. رميتك في الزبالة."
دفعت الأجرة ونزلت في أول محطة. وقفت تحت يافطة كبيرة لمنتجات ديفاكاتو وإيدي بترتعش، طلبت رقم دكتور عوني الورداني.
لحظة والتليفون رد عليه، كان صوت واحدة ست.
"السلام عليكم، ممكن أكلم دكتور عوني لو سمحتي؟"
"إنت مين؟"
"أنا دكتور معاذ، طبيب شغال في المستشفى اللي كان شغال فيها دكتور عوني."
"عونى مش موجود." وانهت المكالمة.
قعدت باصص في التليفون واتصلت مرة تانية. "أرجوكي لو سمحتي، أنا لازم أقابل دكتور عوني أو أكلمه."
"عونى مش هنا. لو سمحت متتصلش هنا مرة تانية."
"أرجوكي متقفليش الخط، أنا محتاج مساعدته."
"عونى مش هيقدر يساعدك يا دكتور."
بتردد سألت: "ليه؟"
"لأن عونى في مستشفى العباسية."
خبر وقع على دماغي زي الصخرة. "إزاي دا حصل؟"
"لو سمحت أنا مش ناقصة، اقفلي بقى."
"أرجوكي." قلت بتردد. "أنا... بمر بنفس اللي بيمر بيه دكتور عوني."
حل صمت طويل. "وعايز إيه دلوقتي؟"
"عايز أقابل دكتور عوني، يمكن يقدر يساعدني. عايز أعرف إيه حصل معاه."
بعد محاولات، قبلت فريدة، أخت الدكتور عوني، تقابلني.
ضربت موعد في كافيه قريب من بيتها وطلبت إني أقابلها بعد نص ساعة.
وصلت هناك بسرعة، كانت قاعدة على طاولة منعزلة.
شابة في العشرينيات، رفيعة وأنيقة، شديدة العناية بتفاصيلها.
بنطال أزرق من القماش وقميص وردي ووشاح لبني.
وكان وجهها بلون اللبن وعينين بندقيتين تحوطهما رموش ناعسة. عينين باتساع غطاء زجاجة بيبسي.
سلمت على بيد ثابتة وقعدت على المقعد.
"اعتذرت عن الإزعاج. عايز أعرف إيه حصل مع دكتور عوني بعد إذنك."
طلبت بأدب أن تتحقق من هويتي. لما تأكدت إني دكتور نفسي، تنهدت وطلبت ليموناته.
"عونى كان كويس جدًا. شخص ملتزم ومنعزل وملوش علاقة بأي حاجة ممكن تعكر صفو حياته."
"لحد ما وقع تحت إيده ملف مريض متهم بقتل خطيبته."
رواية وعد في العتمة الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
بعدما وقع ملف القضية تحت يد عوني، تبدل خالص.
تنهدت فريدة وكان صوتها مثل رنة هاتف حزينة.
بقى يقضي وقت طويل يدرس الملف.
وكل ما أدخل عليه الغرفة، ألاقيه شارد بيفكر.
ولأننا عايشين لوحدنا بعد وفاة والدتي، كان لازم ألاحظ التغيير اللي حصل مع عوني.
ودا أخد مني وقت شوية.
واردفت فريدة بتعاسة: "لأن عوني انعزالي بطبعه، من أنصار الهدوء والقهوة والموسيقى والقراءة."
وفي يوم، سمعته بيصرخ في غرفته: "المريض ده مش عايز يسمح لي بمساعدته، عايز يودي نفسه حبل المشنقة."
لما قعدت معاه، قص علي القضية وأكد لي إنه الدكتور الوحيد في المستشفى المعتقد ببراءة المريض.
لكن الشاب رافض إنه يتكلم، بيهلفط بكلام غير مفهوم.
وبكرة لازم أوقع على ملفه، هيتشنق خلاص.
حاولت أهدّي عوني، وضحت له إنه ملوش ذنب طالما المريض رافض يتكلم ومصر على جريمته.
عوني قال: "إنتي مش فاهمة حاجة، أنا حاسس إن فيه لغز، شيء مرعب بيحصل مع المريض دا، قوة مجهولة بتمنعه من الكلام وإثبات برأته."
تأملت فريدة.
"وقد أعجبت بها من أول نظرة، كأنك لقيت الحاجة اللي بتدور عليها من زمان في مكان لا يمكنك توقعه."
وسجل عقلي كل حركاتها داخل دفتره.
يدها الناعمة اللي بتلوح بها كل ما تتعصب.
لمعت عينيها كلما ذكر اسم عوني.
التعاسة اللي بتشعر بها في غياب أخيها.
"الحب سمكة تسبح في نهر، النظرات والابتسامات والإيمآت الطعم، والصيد قلب تائه في جوف الفتى."
همس معاذ: "أنا مريت بكل اللي مر بيه عوني، يمكن يتهيأ لك إنها قصة خيالية، لكن أنا كمان كان عندي مريض قتل خطيبته، خنقها حتى الموت. والدة البنت بتقول إن مدحت شخص كويس جدا، وإنه عمره ما يقدر يأذي بنتها، بتعشقه وحتى بعد موت بنتها قدام عينيها معتقدة ببراءة خطيب بنتها."
"أنا اللي وقعت على ملفه بإيدي وسلمته لحبل المشنقة."
قالت فريدة بصوت خافت: "أعتقد إن كل حاجة انتهت طالما المريض اتشنق."
"ثبتت عيني في عين فريدة البندقيتين، أنا قصتي ما ابتدتش إلا بعد موت مدحت، بدأت أحس وأشوف حاجات غريبة غير طبيعية."
"أشياء خارقة للثوابت."
"أنا…" همست بخجل وأنا ألتمس التشجيع منها، "شفت شبح."
ثم صمت معتقدًا أن فريدة ستسخر مني في أي لحظة، لكني لمحت التعاطف في عينيها.
"أنا عايز أقابل عوني من فضلك."
"مش هتقدر تعرف حاجة من عوني، لكن لو كان دا هيساعدك، أنا هروح معاك بنفسي للمستشفى."
دفعت فريدة حساب القهوة والشاي.
وعندما اعترضت، قالت: "طبعًا كنت عارفة إنك هترفض إني أدفع الحساب، عشان كده أنا كنت دافعة للنادل الحساب قبل وصولك وخرجت الشيك عشان تهديني."
"شاي وقهوة…، شاي وقهوة…"
"لو انت فاضي، إحنا ممكن نزور عوني دلوقتي."
"آه لو تتكرم يا ريت دلوقتي، مش هقدر أصبر للصبح."
"شكلك مستعجل أوي يا دكتور."
"آنسة فريدة، الأشياء اللي أنا مررت بها، واللي أخوكي شافها أو مر بها قبلي، متستحملش التأجيل."
ووجدت في نبرتها دعم ودافع خفي، هاجس طفيف إن بإمكاني مساعدة أخيها دكتور عوني.
قادتني فريدة تجاه سيارة كيا زرقاء.
"اتفضل اركب يا دكتور معاذ."
جلست على المقعد وأنا أجتهد في معرفة الشغل اللي ممكن يعطي لفتاة شابة إمكانية شراء سيارة ثمنها يتعدى 400000 جنيه.
كانت السيارة تفوح بعطر فريدة، عطر مس ديور الفاخر.
وكان الشك لا يزال يضطهد ذهني.
كيف عرفت فريدة أنني سأشرب الشاي؟
كيف توقعت ذلك ودفعت الحساب قبل وصولي؟
سمح لنا حارس المستشفى بالمرور بعد أن أخرجت له هويتي.
واستقبلنا مدير المستشفى في مكتبه.
وعرض علي أن يحضر الدكتور عوني الورداني إلى مكتبه.
لكني رفضت بطلب مفضلا أن أرى عوني في غرفته.
قالت فريدة إنها ستنتظرني في مكتب المدير لحين انتهائي.
عبرت الرواق الطويل.
استقبلني عوني الورداني بابتسامة ساخرة.
كان جالس في غرفته بعيدًا عن سريره متكئًا على الجدار.
"دكتور عوني، أنا دكتور معاذ."
رفع عوني الورداني بصره نحوي.
"قتلها صح؟"
قلت: "قتل مين؟"
"مريضك يا دكتور معاذ قتل خطيبته."
"وإنت عرفت إزاي يا دكتور عوني؟"
"مش دا المهم."
وبص عوني الورداني حوله.
"وصل الشقة بتاعتك؟"
قلت له: "مش فاهم حاجة، تقصد إيه؟"
رمقني عوني الورداني بابتسامة قاسية.
"كتب على المراية."
قلت بخوف: "أيوه."
"روحت المقابر؟"
بتردد قلت: "أيوه."
"سمعت صوته."
"صوت مين يا دكتور عوني؟"
انقلبت عيني عوني الورداني وأطلق ابتسامة قذرة خلفها أسنانه المصبوغة بالتبغ.
"معاك سيجارة؟ أصل هنا بيخافوا نولع في نفسنا."
"سمعت صوت مين يا دكتور عوني!"
"ولع يا معاذ، إنت كده كده هتولع."
"فريدة جات معاك؟"
قلت له: "أيوه في مكتب المدير."
"البت فريدة دي خسارة في الموت يا معاذ، لكن هنعمل إيه نصيبها كده."
قلت له: "إنت بتخترف، تقول إيه؟ فريدة مش هتموت، أنا مش ممكن أسمح بكده!!"
قهقه عوني الورداني بعلو صوته.
"أنا كده اتأكدت إنها هتموت."
صرخت بعصبية: "إنت اتجننت فعلا يا عوني؟ أنا كنت جايلك عشان تساعدني وأقدر أساعدك."
"ساعد نفسك يا دكتور معاذ، بس افتكر إني حذرتك تروح…"
وبدا وكأنه يكافح ليكمل كلمته.
ثم انغلق فمه فجأة وصرخ صرخة مرعبة جعلت الحارس يركض نحو الغرفة.
رواية وعد في العتمة الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
صرخ الحارس: اخرج بره لو سمحت يا دكتور. الزيارة انتهت.
لحظة واحدة، همس معاذ في مواجهة الرعب الذي زحف نحو قلبه.
كمل الكلمة يا عوني، عايز تقول إيه؟ كان فم عوني مفتوح وقسمات وجهه تتغير باستمرار. فكر معاذ، عوني بيكافح عشان يقول حاجة.
ساعدني يا دكتور عوني، مش عايز يحصلي نفس اللي حصلك.
ابتسم عوني الورداني: قلتلك ولع سيجارة وانت رفضت.
أساعدك إزاي؟
أرجوك يا عوني، متسمحش له ينتصر علينا.
ضحك عوني: الله، دا انت شلت الألقاب ما بينا كأننا نسايب.
بتاخد على الناس بسرعة انت يا دكتور معاذ.
ثم أدار عوني ظهره، ولاحظ معاذ السنوري آثار جلد أو حرق في مؤخرة رقبته وهمس وهو على تلك الحالة: قلتلك ولع.
لكن انت غبي، ساذج، تافه. ثم استدار فجأة وصاح:
انت التاني!
كانت صيحته مروعة حتى أنها وصلت مكتب المدير. اخترقت الجدران والأشجار وخرجت تبحث عن الحرية خارج أسوار المشفى.
ركضت فريدة نحو غرفة عوني، ومن خلفها المدير. كان معاذ متيبساً في مكانه يسد أذنيه بيديه والحارس يشعر بالصمم.
يلا بينا يا دكتور معاذ، وسحبت معاذ من إيده.
الأمورة وصلت كمان، همس عوني بسخرية. لا شيء يبدو كما يبدو عليه، لا شيء قرر بعد.
قالت فريدة بعصبية: قلتلك عوني مش هيقدر يفيدك بحاجة يا دكتور معاذ.
سار معاذ خلال الرواق دون أن يفتح فمه. أنا آسفة يا دكتور معاذ، حذرتك إن عوني مش على طبيعته.
لم يرد معاذ. واصل صمته حتى غادروا المشفى.
تحب أوصلك بيتك؟
شكراً، همس معاذ. أنا هاخد تاكسي.
لكنه تسمر خارج أسوار المشفى بعد رحيل فريدة. أشعل سيجارة وغرق في تفكير عميق.
عوني مش مجنون، عوني تحت تحكم وسيطرة كيان شرير. مش ممكن شخص مجنون يكون بالثبات ده ويتحول فجأة. إشارات إيده كانت سليمة. لكن عوني كان عايز يوصل لي حاجة معينة وأنا مش قادر أفهمها. إيه العلامات اللي كانت على رقبة دكتور عوني دي؟ راجع عوني ذاكرته. حرق؟ إن جلد؟
فاجأه رقم فريدة على هاتفه. كانت بتطمن عليه.
شكرها معاذ بنبرة جافة. يمكن مش هيقدر يساعد نفسه، لكن لازم يساعد فريدة. أنا مش غبي يا عوني ورسالتك وصلتني.
لم يجد داخله القوة للذهاب للعمل فطلب إجازة. كان قريب من الشقة لما سمع أذان العصر وشعر برغبة عميقة في الصلاة. قصد المسجد. توضأ بعد أن وضع حذائه الأدراج الخشبية. صلى ركعتين تحية مسجد. بعدها وقف خلف الإمام يصلي العصر. حاول ألا يشغل عقله بمشاكله فقد كان الشيطان يلعب داخل عقله.
انت مش بتصلي غير لما تكون في ورطة يا معاذ. فكرك هيتقبل منك؟ ما انت مقضيها موسيقى وقهوة وشغل وعمرك ما ركعتها.
همس معاذ في سره: ملكش دعوة. إحنا عندنا اللي عمرك ما تقدر تحصل عليه. إمكانية التوبة في أي لحظة ورب رحيم مستجيب وقريب. لكن انت مطرود.
اختفى الصوت من داخل عقل معاذ وحلت به سكينة حلقت به نحو الآفاق العلوية.
أنهى معاذ الصلاة وقصد شقته. كان متعب ومنهك ومقرف. جلس بصمت على الأريكة. أشعل سيجارة ودخنها في شرود. ثم نهض ونزع ملابسه وتوجه إلى الحمام. فتح الدش فوق جسمه وتنهد مغمض عينيه ثم فتحها. كان جسمه يقطر قطران وزيت. عندما نظر إلى المرآة وجد جسده أسود كأنه خرج من بئر مازوت.
انتفض جسد معاذ مع سماع صوت حشرجة صنبور الماء.
ارتعش مصباح الحمام عدة مرات قبل أن ينطفئ. صرخ معاذ من الرعب ووضع يده على مقبض الباب وجذب بقوة لكن الباب كان مغلقاً من الخارج.
تفاعل جسد معاذ طبيعياً مع الرعب ومع اندفاع الأدرينالين نحو ذهنه جعل يقفز من الرعب ويصرخ بهلع. زحف دود على ساق معاذ العارية وسط الظلام. دود جعل يزحف بسرعة نحو صدره ومعاذ يضرب بيده جسده وقدميه. انكسر مقبض الباب في يد معاذ مع إصراره على فتحه. تحول الحمام المظلم لوكر من الرعب يحمل بداخله كل أنواع الشياطين والجان. رفض عقله أن يفكر في أي شيء سوى الصراخ.
ارتعش مصباح الحمام مرة أخرى مما سمح لمعاذ رؤية الدود ذو الرؤوس القبيحة الذي يخترق جلده.