الفصل 29 | من 29 فصل

رواية وعد في العتمة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى

المشاهدات
17
كلمة
1,059
وقت القراءة
6 د
التقدم في الرواية 100%
حجم الخط: 18

رفع عوض سلاحه. "نسيتني أنا يا شريخ؟ اختفى صوت الكيان، بدا أنه رحل من الشقة والعالم. تعلقت عيون كل واحد منهم بالآخر. "هو مشي فعلًا؟ " همست فريدة بنبرة مرتعشة. "لسه موجود،" خاطبها عوني بسخرية ونظرة تنم عن معنى عميق وفهم. "أمال راح فين؟ " صرخت تحية بيد مرتعشة. كان معاذ ينظر تجاه عوض بقلق. "عوض، نزل سلاحك! "مش هنزله يا دكتور، لازم أقتله النهاردة." "هتقتل شبح يا عوض؟ " استفهمت فريدة.

رد عوض: "أيوه هقتله. هقتله وأنتقم من كل اللي عمله في والدتي ووالدي." همس عوني وهو يشعل سيجارة: "جبان." وسحب سحبة مديدة من لفافة التبغ ونفسها في الهواء. التبغ الذي عبق الغرفة وراح يتضخم مشكلًا غيمة صغيرة راحت تتضخم تحت سقف الصالة. "انت الكيان؟ " صرخ عوض بغضب وهو يصوب سلاحه تجاه عوني. ابتسم عوني: "لأول مرة من سنتين مبقاش الكيان. انت فاكر الأشباح بتدخن سيجارة؟ "عقلك مصورلك إن ممكن يظهرلك دلوقتي؟

هرش عوض رأسه يفكر. "أظهر يا ملعون. مش انت قوي؟ أظهر نفسك." ارتفعت سرية من فوق الطاولة في الهواء وسقطت على الأرض خلف ظهر عوض، جعلته يرتعش ويستدير بسرعة مطلقًا رصاصة على الجدار. "عوض! " صرخ معاذ. "امسك نفسك. انت ممكن تعور واحد فينا! "الكيان جوه واحد فينا،" صاح عوني بصوت واضح. "مختفي من غير علامات." "وهنعرفه إزاي؟ " صرخ عوض. قال عوني: "كل واحد فينا هيقرأ القرآن، واللي مش هيقرأ يبقى الكيان جواه."

تأرجحت النظرات بينهم. "اقرأ انت يا عوني." فتح عوني فمه لكنه لم ينطق كلمة. بدا أنه يكافح لكن الكلمات لم تخرج. "الكيان جواك يا عوني،" صرخ عوض. "أنا هقتلك." ثم ارتفع صياح معاذ: "اقرأ انت يا عوض." "أنا؟ " همس عوض. "حاضر، هقرأ. بسم... " وتوقف عند هذا الحد. "مش قادر أقرأ، مش قادر." "ولا أنا كمان،" همس معاذ بنبرة خافتة. بينما عاود الشلل لسان تحية، فبدت صامتة مثل صنم.

ارتفع صوت فريدة وقرأت الفاتحة بصوت واضح تحت عيون عوني المتألمة. "فريدة بره الموضوع،" أوضح معاذ وهو ينظر إليهم. وكانت يد عوني تشير تجاه فريدة بإصبع معوج. "لو هموتكم كلكم وأموت نفسي، لازم أقتل الملعون." وكان عوض قد خرج عن السيطرة. وفريدة خلفه تقف مرتعشة بأسنان مصطكة. رفع عوض سلاحه. "دي عشان والدتي يا ملعون." وأطلق رصاصة اخترقت ذراع عوني.

ثم صوب السلاح تجاه معاذ. "آسف يا دكتور." انبطح معاذ على الأرض وزحف بسرعة واشتبك مع عوض. انطلقت رصاصتان في سقف الشقة، وفريدة صامتة بوجه شاحب، وعوني يصرخ من الألم: "كفاية. كفاية." "مفيش حد هيخرج من هنا حي،" ارتفع صوت الكيان. "شريخ مش بيسيب أدلة وراه." "أنت. أنت الكيان؟

" وكان أصبع عوني المعوج يكافح ليشير تجاه شيء ما. وتواصل مع معاذ بصريًا. توقفت العلامات على وجه معاذ. اصفر وجهه. انسحبت الدماء من عروقه. كان المسدس لا يزال بيد عوض، بعيدًا عن معاذ، لكنه يحاول أن يحكم سيطرته عليه. "هتقتله يا مجنون يا غبي! سيب معاذ حبيبي،" صرخت فريدة بخوف. "سيبه يا عوض!

"ميكالفيكينآ إن أضعف الاختيارات هي أقواها، ولا يصل إلى الحقيقة إلا الذين يغردون خارج السرب، الذين يعبرون الجدار الذي يقف خلفه كل العقلاء ويظنون أن الحياة تنتهي فور عبوره." عندما تمكن معاذ من القبض على المسدس، كان عوض لا يزال متشبثًا به. نهض عوني بصعوبة بيده السليمة. قبض على يد معاذ المرتعشة. صرخ معاذ: "لأ. لأ. لأ. أرجوك لأ." ثم انطلقت رصاصة جعلت الكل يصمت. رصاصة اخترقت صدر فريدة وقلبها من يد معاذ المجبرة.

ترنحت فريدة مع صرخة ألم. "قتلتني يا معاذ؟ قتلت حبيبتك؟ غبي من يثق أن الحب من الممكن أن ينقذه." كان الصمت قد فرد جناحيه عليهم. عيون معاذ الدامعة تلعق آهات فريدة ووجعها. ثم فجأة انفجر جسد فريدة وطار الرماد في كل ناحية. الرماد الذي سقط على الأرض وراحت ريح تزحفه تحت باب الشقة. "مات. مات! " صرخ عوض بفرحة. "الكيان كان داخل فريدة مش جوانا إحنا." حلت نظرة كئيبة على وجه عوني. بدا أنه تحرر للتو من حكم بالإعدام.

"قلتلك دي مش فريدة أختي يا معاذ." سقط معاذ على الأريكة غير مصدق. لم يتمكن من كبح جماح دموعه التي هطلت مثل الودق. كان ينوح ويصيح: "فريدة، ليه سبتيني؟ ليه يا فريدة؟ بعد ربع ساعة انقشعت آثار الصدمة. راحت العقول تعمل بالمنطق. "فريدة مش داخل مصر. فريدة تخلت عني وسافرت إسبانيا تكمل دراستها." "أول ما شفتها معاك يا معاذ كان عندي شك وآمل إنها هي." "لكن الكيان كان مانعني من الكلام." "وقتها قلتلك انت هتقتل فريدة يا معاذ، فاكر؟

"إزاي واحدة مفكرتش تتصل بيا من سنتين تنزل مصر فجأة علشان تنقذني؟ تذكر معاذ أول لقاء له مع فريدة. الشاي والقهوة. كيف توقعت فريدة ما يشتريه ودفعت الحساب. "الحمد لله انتقمت لبنتي ولمدحت،" همست تحية بعيون دامعة. "وأنا انتقمت لوالدتي اللي الكيان أجبرها. اغتصبتها." ودمعت عيون عوض. "أنا آسف يا أمي. آسف. ربنا يتولاكي برحمته." "دلوقتي والدي يقدر يرتاح في تربته." كان عوني قد عاد لحالته الطبيعية وراح يتجول داخل شقته مثل سائح.

بينما بدا معاذ منهار. "الكل عنده ما يخسره. الكل يخسر شيئًا ما عند نقطة معينة في الحياة." "لكن خسارته أكبر. لماذا يشعر بالوجع وقد كان واقعًا تحت الخيانة منذ أول لحظة؟ "أنا هرجع شقتي،" همس معاذ بضعف. "عايز أكون لوحدي." "خدني معاك يا ابني. أنا خلاص مبقاش لي لازمة أفضل هنا." عندما وصلوا الشارع وقبل أن يوقف معاذ سيارة أجرة، وصلت الشرطة. كان هناك زحمة وصخب قرب سيارة كيا بيضاء. سيارة فريدة.

"الشرطة. السيارة دي مسروقة من الحرز بتاع الشرطة. انسرقت من مخازن الشرطة وكانت ملك شخص ميت مجهول الهوية." "امشي انت يا معاذ،" قال عوني. "أنا هخلص المشكلة دي." ساعد معاذ تحية الوصول لشقتها وأمدها بطعام يكفيها شهر آخر، وترك نقودًا عند البقال تستخدمها عند الحاجة. في شقته ظل معاذ أيامًا متخبطًا، غير قادر على تجاوز الصدمة. كانت صورة فريدة تظهر له في كل مكان. على الجدار. في المطبخ. على طاولة الطعام وفي أبخرة الحساء الساخن.

كان عوني قد استعاد وظيفته، ولم يجد معاذ بدًا من العودة للمشفى وترك الأيام تطبب جراحه. وظل أيامًا صامتًا شاردًا لا يتحدث مع أحد. كانت الخدوش على طاولته قد انزاحت ومحيت، عادت الطاولة واللوحة الجدارية نظيفة مطلية بالدهان. والزمن كفيل بالأوجاع والذكريات. مخطيء من يخبرك أنه يعيش بين ذكرياته، أو أنه رغم مرور الزمن لم يتخط أحزانه.

أو أن مصيبته أقوى من الأيام، لأنه لم يسأل نفسه كيف أنه لازال هنا واقفًا على قدميه رغم مرور الزمن؟ بعد مرور ثلاثة أشهر، وكان معاذ قد عاد لطبيعته. كان واقفًا في شرفة المشفى البعيدة يدخن سيجارة، عينه على ساحة المشفى يتابع المرضى. عندما عبرت سيارة مرسيدس سوداء بوابة المشفى وركنت في مساحة السيارات. ونزلت منها فتاة أنيقة ونحيلة. فتاة شعر معاذ أنه يعرفها لكنه لا يتذكر أين.

وكانت ملامحها جميلة عندما تبتسم وحولها هالة برتقالية جذابة. سحق معاذ عقب لفافة التبغ. "ما أنثى من الممكن أن تحل مكان فريدة." "حتى لو كانت شبح." "حتى لو كانت شريخ." "حتى لو كانت خيال من صنع عقله." فقد كان يحبها. والحب لا يتكرر في الحياة بسهولة. جلس معاذ على المقعد ومدد قدميه على الطاولة. إنه لا يمانع في إشعال سيجارة أخرى ليخترق قوانين المشفى ويوقع نفسه في ورطة. طرق باب غرفته. "دكتور معاذ، أنت هنا؟

" همست ريهام الممرضة بصوت ناعم. "أيوه يا ريهام، فيه إيه؟ "فيه ضيفة عايزة تقابلك." وانفتح الباب الخشبي الأزرق وظهر وجه الفتاة المبتسم. "أنا تلا...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...