تحميل رواية وعد في العتمة بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من على المقعد صمت رهيب لا يقطعه إلا صوت طقطقة أصابع على الطاولة. "على الأقل هتاخد حكم مخفف، لكن انت كده بتودي نفسك على عشماوي على طول." رفع وجه مغضن بالتجاعيد بصره، وبرزت عين لم ترى النوم منذ عام. همس بصوت غير مفهوم: "بتقول إيه؟ أنا مش سامع حاجة. يكون في علمك دي آخر فرصة قدامك، خلص نفسك من حبل المشنقة!" ابتسم: "أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش. أنا عملت كده عشان أساعدها، مكنش ممكن أشوفها بتتعذب وأقعد ساكت." "كنت بتحبها؟" "انت إزاي بتسأل سؤال زي كده؟ كنت بحبها أكتر من نفسي، بحبها للدرجة اللي خلتني أضح...
رواية وعد في العتمة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماعيل موسى
لقد حاولت باستماتة أكثر من مرة أن أكون إنسانًا جيدًا.
وماذا فعلت؟
لا زلت أحاول.
كان عوني راقدًا على السرير عندما وصل دكتور محمد إسماعيل.
"همس عوني: اصحيه يا دكتور محمد."
"سيبه يا دكتور معاذ. هو هيفوق لوحده." لم تمضِ سوى خمس دقائق واستيقظ عوني. شعر أن نارًا تحرق جسده.
فتح عوني عينين ضعيفتين. حملق بالحضور: معاذ، فريدة، دكتور محمد.
"إنها النهاية." همس بصوت خافت وتناول سيجارة أشعلها له معاذ.
منذ حضوره، ومعاذ يراقب عوني ولم يلحظ عليه أي سلوك شائب حتى الآن سوى بعض الكلمات غير المفهومة التي يتشدق بها. خلاف ذلك، يبدو عوني طبيعيًا بصورة منطقية لا جدال فيها.
"إحنا هنبدأ دلوقتي يا دكتور معاذ." قال دكتور محمد إسماعيل بنبرة آمرة.
"إزاي نبدأ دلوقتي يا دكتور محمد؟ مش لازم نلاحظ أي سلوك للكيان عشان ندخل؟"
"عوني طبيعي جدًا. أعتقد ده مش الوقت الملائم لجلسة طرد."
"الأرواح."
"أنت متفهمش أعيب الكيانات يا دكتور معاذ. الكيان هو اللي بيصور لنا إن عوني طبيعي عشان يأخر جلسة الطرد."
"سيبه يا معاذ خليه يعمل شغله." قال عوني بنبرة ساخرة.
"انت دورك انتهى خلاص يا معاذ. ده بيني وبينه."
قال دكتور محمد: "لو كنت فاكر إنك هتنتصر تبقى غلطان. أنا مش ممكن اسمحلك تاخد روح تانية بريئة. حركاتك دي اعملها على شخص ما يعرفكش. أنا حافظك وفاهمك."
ثم راح دكتور محمد يتمتم بصوت خافت أكثر من دقيقة.
قبل أن تصطك زجاج النافذة بقوة.
"وصل!!" همس دكتور محمد وهو ينظر إلى معاذ. "مهما حصل يا معاذ متحاولش تتدخل."
"الكيان هيتلاعب بعقلك. خليك ثابت. وانتِ يا آنسة فريدة من فضلك ممكن تنتظري بره؟"
ثم بتردد همس: "لو مش هتقدر تقاوم يا دكتور معاذ استنى بره انت كمان."
"لا، أنا هفضل معاك يمكن تحتاج حاجة."
رفع عوني السنةوري يده وعلى وجهه ابتسامة ساخرة.
"احقني بالبتريوم يا دكتور محمد. خليني أبقى سهل عليك عشان تعرف تخلص. ولا انت نسيت أصول اللعبة؟"
برقت عين دكتور محمد إسماعيل واكتست ملامحه بالغضب.
"أنا هخرجك غصب عنك."
"طيب ما تقرأ قرآن كده يمكن أتحرق؟ ولا انت مش حافظ؟"
"حافظ، لكن مش هتجرني للعبتك."
"انت اسمك شريخ صح؟ معاذ بلغني بكده."
"انت اللي اسمك شريخ وعوني السنةوري مش هتخلص منه بسهولة."
"امسكه يا معاذ هحقنه بمهديء."
قبض معاذ على يد عوني وحقن في وريده بالمهديء. ارتخت أعصابه راح يصدر أصواتًا غريبة ويتحدث بلغة غير معروفة.
"انت هتنفذ اللي أؤمرك بيه يا شريخ."
"هتخرج من جسد دكتور عوني. هترجع لأرض الظلام."
همس عوني بصوت ضعيف: "انت اللي هترجع لأرض الظلام ولازم تتعاقب على أفعالك."
"كتفه يا معاذ بالحبل!!" أحكم معاذ تقييد عوني بالحبل وشل حركته. نزع دكتور محمد إسماعيل ملابس عوني ودهنه بدهان أسود ذو رائحة نفاذة جعلت الغرفة كريهة وقذرة.
ثم أخرج قلم فليماستر وكتب على معدة عوني نقوشًا وطلاسم غريبة جعلته يصرخ من الوجع.
"اصرخ يا شريخ! اصرخ! أنا من زمان منتظر اللحظة دي. كم روح بريئة وقعت في براثنك اللعينة."
كان عوني يصيح بصوت مرتفع جدًا. صراخ مؤلم قاسٍ.
تحية في غرفتها تستعيذ بالله من الشيطان والغرفة مغلقة من الداخل.
كان عوني يستعيد وعيه ويحدق بمعاذ بنظرة متوسلة والدموع تنهمر من عينيه.
كان شريط حياته يمر أمامه ببطء. كل الذكريات التعيسة التي كان يحاول نسيانها هاجمته بقوة وعصفت بكيانه.
تحول لون جلد معدته للأسود وراحت تنتفخ ولاحظ معاذ أن عوني يعاني بشدة من الألم.
"عونى بيموت يا دكتور محمد." همس معاذ برعب.
"إحنا قربنا نخلص خلاص. متضعفش دلوقتي يا معاذ."
"الكيان هيخرج من جسم عوني." وكان في صوته بحة غريبة.
ارتفع صوت أذان العشاء من مسجد قريب جعل دكتور محمد يجفل.
"ترك كل ما في يده وقال بنبرة غاضبة: هنكمل بعد ما أصلي العشاء يا ملعون."
وترك الغرفة وخرج.
رواية وعد في العتمة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
قال عوني بنبرة مشروخة:
ما تاخدني أصلي معاك يمكن أتحرق.
ولا أنت مش ناوي تصلي وخارج ورا السنيورة.
كانت فريدة قد غادرت الشقة للتو، ولا يعلم أحد بتركها للشقة لأن الغرفة كانت مغلقة، ولم يلحظ معاذ ذلك إلا بعد مغادرة الدكتور محمد إسماعيل.
وكان عوني في غرفته يصرخ ويصدر أصوات غريبة وينخر ويشتم بأشنع الألفاظ.
خرجت تحية من غرفتها على الكرسي المتحرك، اقتربت من معاذ الذي يدخن سيجاره.
معاذ يا ابني، متنساش تصلي العشاء.
حاضر يا تحية، هصلي بعد شوية.
لا يا معاذ، اتوضأ دلوقتي وصلي عشان أطمئن عليك لأني لازم أدخل غرفتي.
وشعر معاذ أنه يعيش في وسط كله جنان، حتى جلسات طرد الأرواح التي تورط بها لم يكن يعتقد بها من الأساس.
وأن كل من حوله يقوم بحركات غير مفهومة.
رغم ذلك، نهض وتوضأ وصلى العشاء. بعدها، دون كلام، دخلت تحية غرفتها وأغلقت الباب على نفسها.
"الست دي اتجننت خلاص"، همس معاذ بسخرية.
ثم رن هاتف معاذ، وتوقعها فريدة، لكنه كان رقمًا غريبًا.
مين؟ سأل معاذ بتوجس.
أنا عوض يا دكتور معاذ، عوض حارس المقابر.
خير يا عوض.
والدي اتوفى امبارح يا دكتور معاذ، همس عوض بحزن.
صحينا الصبح لقيناه ميت.
ربنا يتولاه برحمته يا عوض، هي الدفنة إمتى عشان أحضرها.
مش دي المشكلة يا دكتور معاذ.
أمال فيه إيه يا عوض.
والدي كتب ورقة قبل موته، لقيناها تحت السرير.
بيطلب فيها إنك أنت تغسله.
أغسله! بس أنا معرفش أغسل.
أرجوك يا دكتور معاذ، دي كانت وصية والدي الوحيدة.
ثم يكفي إنك تكون حاضر الغسل وهيكون فيه ناس غيرك.
صمت معاذ دقيقة، وكان يفكر بغضب.
حاضر يا عوض، أنا هغير هدومي وأجي عندك.
ترك معاذ شقة فريدة وقصد شقته، بدل ملابسه ووقف أمام المرآة ووجد أن كلمة "أنت التالي!" مكتوبة بخط عريض أحمر.
قلم روج.
لكن عوني لم يحاول أن يشغل باله، وقصد منزل عوض الحارس من فوره.
كان هناك صراخ ولطم وبكاء. أفسح عوض الطريق للدكتور معاذ، الذي قرأ عن الغسل أثناء طريقه.
ووقف يساعد الشخص الآخر الذي تولى الغسل.
كان وجه والد عوض شاحب، تشعر أنه مختنق أو أن الرجل تعرض للخنق.
عاين معاذ رقبته ولم يجد أثر لأي خدوش. وعندما تعرى الجسد، لاحظ وجود علامات تعذيب تشبه تلك التي رآها في جسد عوني.
"الكيان هو السبب، والد عوض كان عايز يعرفني إن إلى هحصلي بسبب الكيان."
تحركت الدفنة، وشارك معاذ في حمل الكفن إلى المقابر. وصلت الدفنة المقابر، وبحثت عيون معاذ عن مقابر العائلة.
لكن عوض قرر دفن والده في المقبرة الملعونة التي دخلها معاذ في الليلة المشؤومة.
ولم يكن هناك وقت للجدل والنقاش، انتهت مراسم الدفن.
وقرأ معاذ الفاتحة لروح الميت.
أسى معاذ عوض المنهار وعرض عليه المساعدة.
لكن عوض كان في حالة شديدة من الحزن، حتى أنه لم يسمع كلام معاذ.
عندما عاد معاذ لشقة فريدة، وجد الدكتور محمد إسماعيل وفريدة يقفان أمام غرفة تحية، يطرقون الباب بقوة.
فيه إيه؟ سأل معاذ بنبرة مستفسرة.
تحية يا سيدي، نقلت عوني فل غرفتها ورافضة تفتح الباب.
خاطبه دكتور محمد إسماعيل بنبرة غاضبة.
صرخ معاذ:
افتحي يا تحية.
مش هفتح الباب، سيبوه عندي.
إحنا هنزر يا تحية، افتحي الباب.
تحرك كرسي تحية قرب الباب.
خليهم يمشوا وأنا هفتح الباب يا معاذ.
هتدخل لوحدك.
إيه التهريج ده! صرخ دكتور محمد إسماعيل وضرب الباب بقدمه بقوة.
الست دي ممكن تكون قتلت عوني جوه، أنا مش سامع صوته.
وبعد محاولات كثيرة، لم ترضخ خلالها تحية لفتح الباب.
ابتعد دكتور محمد إسماعيل وفريدة.
ودخل معاذ بمفرده الغرفة.
أغلقت تحية الباب بسرعة خلفه وحمته بجسدها.
كان عوني قرب السرير متكوماً على نفسه بجسد مرتعش، يسمع القرآن الذي تشغله تحية باستمرار.
والدموع تهمل من عيونه بلا توقف.
رواية وعد في العتمة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
قافله ليه الباب يا تحيه؟ وازاى قدرتى تنقلى دكتور عونى هنا؟
كان لازم اعمل كده، همست تحيه وهى تنظر تجاه الباب.
أنا فكيت قيود عونى وهو دخل غرفتى.
وعملتى كده ليه يا تحية؟
كان لازم اعمل كده يا معاذ. عونى كان بيموت فى غرفته.
طيب شكرا يا تحيه.
يلا يا عونى نرجع غرفتك خلينا نخلصك من الزفت إلى حاضر عليك.
مش هيطلع من هنا، صرخت تحيه بتحدى. مش هسيبه ياخده ورمقت عونى بعيون كلها رحمه.
توجه معاذ تجاه الباب فسدت تحيه طريقه.
بص لعونى يا معاذ. شايف فيه حاجه مختلفه؟ عونى رجع لطبيعته فى غرفتى. اتكلم معاه. اسأله.
سيبيهم يا تحيه. مش هتقدرى تقنعيهم. كأنك بتقولى لواحد ما تنامش فى الصيف تحت المروحه وانت نايم على ضهرك.
صرخ دكتور محمد إسماعيل. معاذ احنا هنفضل اليوم كله منتظرين هنا.
افتح الباب من فضلك خلينا نخلص. اى دقيقه بنضيعها فيها خطر على روح عونى.
صاحت تحيه مش هيطلع من هنا. مش هسمحله يقتله زى ما قتل بنتى وتخلص من مدحت.
مدحت إلى كان قرب اووى يتخلص منه.
صمتت الشقه كلها. لم يسمع بها اى صوت سوى صوت ريح تعصف بالخارج.
وصل معاذ لنهاية صبره. ازاح تحيه من أمام الباب بقوة.
وجر عونى المستسلم إلى خارج الغرفه.
أطلقت تحيه قهقهه. كلكم هتموتو. انت هتموت وشاورت على معاذ. وانتى هتموتى يا فريده.
وانت كمان هتموت قبل ما الصبح يطلع. وانا كمان يمكن اموت ويمكن لا.
واصلت تحيه ضحكاتها المرعبه إلى كانت تقلع الشقة من الصخب.
توتر معاذ ودكتور محمد إسماعيل وظهر الخوف على وجه فريده.
على وجع عونى اكتست ابتسامه ساخره وخرج لسانه بصوره متحديه.
احنا هنكتفو تانى. مقدرش أضمن حركات الكيان.
صرخ عونى وراح يدافع عن نفسه لكنهم قيدوه. هاتيسبسكا اوريلتسمتو قاكنوخ. صرخ عونى بصوت مرعب.
هبت ريح داخل الغرفه طيرت الطاوله والمقعد وطوحتهم فى الجدار.
راح دكتور محمد إسماعيل يهمس بثبات بينما ذعر معاذ وارتجف. بتقراء قرأن يا محمد؟
فاكر ان القرأن هيحرقنى؟ انا عايش من زمان اووى يا محمد. عاصرت مشايخ وصالحين.
انا إلى عملت أولياء الله الصالحين. وانا إلى عملتك علشان اللحظه دى.
شعر دكتور محمد إسماعيل ان لسانه تقل وان الكلمات تهرب منه.
فاكر والدتك ماتت ازاى يا دكتور محمد؟
لم ينسى محمد إسماعيل كيف ماتت والدته ولا ماذا فعلت من أجله.
اسكت. صرخ محمد إسماعيل بينما تتدافع الصور فى عقله بلا توقف.
شارع مظلم ومحمد اسماعيل يمسك يد والدته إلى تسرع فى السير.
ماما رجلى وجعتنى. الكوتش ضيق مش قادر امشى.
المكان دا خطر يا محمد اول ما نوصل الشارع الرئيسى اقعد براحتك.
مش قادر يا ماما. مش قادر.
توقفت والدة محمد إسماعيل. خمسة دقائق كانت كافيه لتجمع الاوباش حولها.
فكرت ان تصرخ وكانت تعرف ان لا أحد سيسمع صوتها. احتضنت ابنها وحاولت المشى لكنهم اعترضو طريقها.
يا اما انتى يا اما الولد اختارى!!
خاطبها الرجل بعد أن اخرج سكينه ووضعه تحت رقبتها.
كان صراخ محمد إسماعيل يملاء الدنيا لكنه مكان منقطع ولا يمر به احد الا نادرآ.
اخلصى. انتى؟ ولا ابنك.
كان الرجل جاد بما لا يحمل اى استهانه. سيبو ابنى. خدونى انا.
وكانت حتى تلك اللحظه تعرف ان المجرمين لن يتركو ابنها حتى لو استسلمت.
أفلت الرجل يد الطفل محمد إسماعيل وهمس أجرى يلا ومتبصش وراك.
وشعرت والدته بالفرحه رغم أنها ميته. رغم أنها لا تعرف ما ينتظرها.
أجرى يا محمد. أجرى. روح لعمك. وتواصل صراخها حتى ركض وهو يصرخ نحو الطريق العام.
لم يعرف محمد اسماعيل اى شيء عن والدته بعدها وحتى الآن.
لا يعرف ان كانت حيه او ميته. عندما كبر بحث عنها فى كل مكان. المستشفيات ودار المسنين أقسام الشرطه ولم يستدل على اى شيء يصله بها.
اسكت. صرخ دكتور محمد إسماعيل بغضب. اسكت يا ملعون.
اسكت. لمح معاذ الدموع تنزل من عينى محمد إسماعيل.
يا دكتور محمد. متسمحش ليه يأثر عليك. انت إلى قولت كده.
الكيان بيحاول يتلاعب بيك.
تنهد محمد إسماعيل. كتم حزنه واوجاعه وراح يواصل جلسة.
التحضير.
بداء عونى يرتعش ويهزى ويصرخ بكلام جارح قذر وبدا ان الكيان مرتبك.
فجأه صرخ عونى بعيون مشتعله. عايز تعرف امك فين يا دكتور محمد؟
توقف محمد إسماعيل عن ما يفعله وانتبه للكيان.
همس معاذ يا دكتور محمد كمل!!
امى فين؟ صرخ محمد إسماعيل فى الكيان. قولى والدتى فين؟
توقف عن ما تفعله فورا.
توقف محمد إسماعيل عن الهمس. والدتك ما ممتش. والدتك بعدت عنك. قطعت كل علاقتها بيك بعد تلك الليله.
والدتك عايشه فى العار المستعر والخذى إلى بيقطعها كل ليله.
امى فين انطق؟
فكرك لو قلتلك على مكانها هتقدر تسامحها؟
خليك عايش فى الجهل افضل.
ملكش دعوه هعمل ايه. انطق امى فين؟
خليك فاكر انى حذرتك يا دكتور محمد. والدتك ساكنه فى عماره قديمه متأجره شقه ومدوراها.
انتفض محمد إسماعيل. هجم على عونى وصفعه بالقلم.
وكاد يخنقه.
والدتى اشرف منك يا ملعون.
متتكلمش عن الشرف يا محمد. إلى والدتك بتعمله مفيهوش ريحة الشرف.
احكم محمد اسماعيل قبضته على رقبة عونى. قال عونى بصعوبه.
العنوان 6 شارع الازوردى عماره رقم 5.
ترك محمد اسماعيل الشقه تحت صرخات معاذ المحذره التى تحاول منعه.
بعدها نظر عونى تجاه معاذ. دكتور معاذ؟ عايز تعرف الحقيقه؟
ارجع للبدايات. روح المقابر وهناك هتعرف الحقيقه.
رواية وعد في العتمة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
"إيه اللي حصل يا معاذ؟ رايح فين؟ والدكتور محمد مشي وساب عوني ليه؟"
"أنا رايح المقابر يا فريدة، ومحمد إسماعيل الكيان لعب بعقله واقنعه إن والدته لسه حية، وراح يدور عليها."
"طيب أنا مش هقدر أقعد لوحدي هنا، هاجي معاك، أنا مخنوقة أصلاً."
استقل دكتور محمد إسماعيل سيارة أجرة، والتي شعر أنها تسير ببطء رغم أن السائق كان يبذل كل جهده.
"سوق بسرعة من فضلك."
كان الرجل يعتقد أن كل دقيقة تضيع تعتمد عليها حياته.
"يا ترى الكيان صادق ولا دي لعبة بيحاول عن طريقها يبعدني عنه؟"
"وفي الحب كمان بتختلق الأعذار عشان الرحيل."
وضع محمد إسماعيل يده فوق قلبه المضطرب، جزء فيه يتمنى أن يكون صادق، والآخر يخشى المستقبل. عندما توقفت السيارة، قفز منها دكتور محمد إسماعيل وركض تجاه السلم.
"انت رايح فين يا بيه؟ فاكرها عمارة من غير بواب؟"
"عايز إيه؟" صرخ محمد إسماعيل في الحارس اللزج.
"بقولك رايح فين يا جدع انت؟"
"طالع العمارة، عندك مشكلة؟"
"لكن انت مش ساكن في العمارة ولا تعرف حد فيها؟"
"أنا طالع شقة رقم ٣."
ابتسم الحارس، "آها قول كده بقى، وحضرتك واخد معاد؟ ولا الهوا رماك؟"
"ابعد عني!" صرخ محمد إسماعيل وركض فوق السلم، ما كان شيء يمنعه أن يصل إليها، أن ينظر إلى وجهها مهما كانت العواقب.
رفع الحارس سماعة هاتفه وأجرى اتصالاً قلقاً، "الحق فيه عندنا مشكلة."
"شرطة؟"
"لا، أعتقد ممكن يكون زبون سكران."
"طيب متخليهوش ينزل لحد ما أرجع، أمنعه بالقوة. وأنا هبعت لك الولا سرنجة ابن الكلب، هو قريب منك."
سمعت طرقات مدوية على باب الشقة، انفتح الباب وأطل منه وجه فتاة شابة ناعسة بلباس منزلي.
"عايز مين؟"
أزاحها دكتور محمد إسماعيل من طريقه واقتحم الشقة.
"هي فين؟"
فتحت الفتاة فمها بلا فهم، "مين؟ إللي فين؟"
"بالشقة أربع غرف." فتح محمد إسماعيل أول غرفة.
وجد فتاة راقدة على السرير غارقة في النوم. في الغرفة الثانية كانت فارغة.
باب الغرفة الثالثة كان مفتوحاً، دفعه محمد إسماعيل ودخل.
الغرفة كانت خالية، السرير مرتب والوسائد.
غرفة كئيبة بملامح حزينة.
ضربت الفتاة كتف محمد إسماعيل برفق، "انت عايز إيه؟"
تسمر محمد إسماعيل وهو يعاين الغرفة.
صور له أيام طفولته معلقة على الحائط، وهو يضحك وهو يبكي، أول مرة مشي فيها، وأيام كان يحبو.
صور أخرى له أيام الثانوية، ثم صورة كبيرة له يوم التخرج وهو يرفع شهادة التخرج وعلى وجهه ابتسامة كبيرة.
ثم صورة لوالدته متأنقة ويكسو ملامحها الحزن. حملق محمد إسماعيل بصورة والدته ومشى تجاهها والدموع تغمر عينيه.
"دي مش ليك يا جدع!! لو عايز حاجة أنا موجودة، ولولا موجودة."
"لولا؟ الفتاة الأخرى النائمة في الغرفة الثانية؟"
"هي فين؟" سأل محمد إسماعيل وهو يشير للصورة.
"خرجت بره، إيه؟ عاجباك؟ أنا كمان حلوة."
"اسكتي!" صرخ محمد إسماعيل صرخة جعلت الفتاة ترتعش.
"انت تعرفها؟"
"دي والدتي ولازم أقابلها حالاً."
تغيرت ملامح الفتاة ونظرت تجاه باب الشقة بخوف.
"طيب أمشي وأنا هبلغها إنك كنت هنا."
"مش همشي، لازم أقابلها، لازم."
بقلق همست الفتاة، "من فضلك امشي دلوقتي، حسن ميحصلش خير."
"مفيش خير ولا شر هيمنعني إني أقابلها."
"لسه عندك؟" انطلق صوت من الهاتف فور أن فتح الحارس هاتفه.
"آه لسه فوق، انت خايف حسن ما يحاسبش؟"
شتم الصوت الحارس وطالبه أن يسد طريق الخروج لحين وصول سرنجة.
"أبوس إيدك امشي يا بيه!" همست الفتاة وقد لاحظت الشبهة بينه وبين الصور المعلقة.
"لو داغو وصل مش هيسيبك تخرج حي." ثم نظرت من الشرفة نحو الطريق!!
وسط الفوضى رن هاتف محمد إسماعيل، فتح المكالمة وسمع صمت ثم تنهيدة طويلة، مريرة وحزينة لامرأة مسحوقة.
"محمد، اخرج من عندك."
دار الصوت داخل عقل محمد إسماعيل، ترجم العقل الكلمات والحروف لذكريات ومشاعر.
"يا لهوي! سرنجة وداغو وصلوا!" صرخت الفتاة بصوت مخنوق.
"قلق متوسل."
"اطلع السلم بسرعة وخليني معاك على التليفون." صمت محمد إسماعيل غير قادر على الرد.
ثم صرخة، "بقولك اطلع السلم!" صعد محمد السلم إلى نهايته فوجد سطحاً متسعاً خالياً. "امشي إلى آخر السطح ناحية الشمال بسرعة."
عند نهاية السطح كان هناك سطح آخر أقل في الارتفاع بثلاثة أمتار.
"اقفز يا محمد، متضيعش وقت!" وضع محمد إسماعيل الهاتف في جيب بنطاله، تعلق بالجدار ونزل على المنزل الآخر.
"انزل السلم بتاع البيت يا محمد، انزل دورين هتلاقي سلم جانبي، حدة هيوصلك للشارع وخد في إيدك أي حاجة صلبة."
"حديدة، حجر، أي حاجة."
أوصله السلم إلى الطريق واعترضه باب حديدي بقفل. استخدم محمد إسماعيل حجراً لكسره.
"وصلت الطريق؟"
"آه." همس بتعاسة.
"طيب اقفل دلوقتي، هبقى أكلمك."
"مش هقفل!" صرخ محمد إسماعيل وهو يسير وسط الزحام.
"انت فين؟ عايز أشوفك، عايز أقابلك، لازم أعرف حاجات كتير."
"بقولك اقفل." همس صوت مخنوق خائف وانقطعت المكالمة.
اتصل محمد إسماعيل خمسين مرة على رقم الهاتف، وفي كل مرة كان مشغولاً، كان واضحاً أنه وضع على قائمة الحظر.
فكر أن يعود إلى الشقة، فكرة الانتقام بدأت تراوده بعد أن خلق عدة سيناريوهات كلها قاتمة محملة بالضغينة والعار.
أخرج هاتفه ودون تفكير بحث عن متجر الأسلحة، لم يجد نتائج، لكنه عثر على عدة حسابات تعرض بيع أسلحة.
أجرى محادثة قصيرة على الواتس أوصلته لدكان بقالة.
"فين الفلوس؟"
"انت اللي عندك الحاجة؟"
"يا عم انت هتبرطم كتير، طلع الفلوس."
دفع محمد إسماعيل يده داخل بنطاله وأخرج النقود التي سحبها من ماكينة النقود.
ناوله الرجل كيساً أسود وطلب منه أن يرحل وأن يتأكد أن ما من أحد يلاحقه.
كانت البناية التي هرب منها على مقربة منه، يرى مدخلها، في يد سيجارة، ويده الأخرى تضم معطفه على جسده تتحسس السلاح.
مضى وقت غير قليل دون أن يحدث شيء. ثم ظهر شخصان يحيطان بفتاة، الفتاة التي قابلها محمد إسماعيل داخل الشقة، يدفعانها بقوة. صوب محمد إسماعيل بصره على الرجلين، أحدهم كان مسناً يعتقد أنه رآه من قبل، والآخر شاب نحيل، شاحب، سرنجي يهز رأسه باستمرار.
____توقفت سيارة مرسيدس سوداء بمحاذاة محمد إسماعيل، انفتح الباب المجاور للسائق وسمع كلمة "اركب".
"انتي مين؟" خاطب محمد إسماعيل الفتاة التي تقود السيارة مرتدية نظارة شمس سوداء وبنطال جينز أزرق يعتليه قميص أبيض قصير فوق خصر نحيل.
"قصر واركب، مفيش وقت."
ولما لاحظت ارتيابه، همست بغضب، "يعني هخطفك؟ اركب وخلصني."
حركة الفتاة مزود البنزين للسرعة القصوى، قفزت السيارة فوق الطريق وصفعه شعرها الناعم المتمرد.
"معاذ، إحنا هنعمل إيه في المقابر؟"
"مش عارف يا فريدة، عوني قال روح المقابر فتش عن البدايات هتوصلك الحقيقة."
"يعني جايبنا المقابر عشان كلمتين سمعتهم من عوني؟"
همس معاذ بثقة، "لأ."
"أنا دلوقتي بقدر أفرق بين الحالات اللي بيتكلم فيها عوني."
"لما يكون الكيان راكبه بيستخدم نبرة مختلفة."
"كنت عارف إنك هتيجي يا دكتور والله!!" صرخ عوض الحارس لما لمح معاذ وفريدة وسط المقابر.
"هو قالك تيجي هنا؟ أنا كمان قالي أستناك."
رواية وعد في العتمة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
رفع معاذ عيون مستفسرة وهمس لفريدة: "دا عوض حارس المقابر إلى كلمتك عليه زمان."
سلم معاذ على عوض وسرت برودة في جسده. كانت يد عوض الحارس مثلجة كأنها خرجت للتو من فريزر ثلاجة.
"انت سبت الجنازة وجاى تعمل ايه فى المقابر يا عوض؟"
ابتسم عوض ابتسامة ساخرة خرجت من نفس محبطة.
"هو انا سبت المقابر اصلا يا دكتور؟"
"تقصد ايه سيد عوض؟" همست فريدة بنبرة رقيقة ناعمة.
ارتفع حاجب عوض الحارس وتلفت حوله: "ابويا يا دكتور معاذ، من لحظة الدفنه بعد ما الناس ما مشيو وهو بيصرخ في قبرة طول الليل، مقدرتش اسيبه وامشى."
"ميت بيصرخ؟" استفهمت فريدة.
"وميت بيحضر شنق مدحت؟" أردف معاذ متذكر تلك الأيام التي فتحت عليه أبواب الجحيم، رابطًا بين الأحداث.
"انا... انا لازم اخرج والدي من المقبره دي وادفنه في مقبرة تانيه."
أطلق معاذ السؤال الذي تأخر يوم كامل وكان يدرسه في عقله: "انت ليه اصلا دفنته هنا؟ انا من امس وانا بفكر في كده."
"معرفش يا دكتور معاذ عملت كده ازاى، لكن امبارح من ساعة ما والدي اتوفى وحاجه بتصرخ في عقلي ادفنه هنا، الغريبه اني استجبت من غير تفكير، حاجه أقوى مني اجبرتني اعمل كده."
"وانت يا دكتور معاذ ايه إلى جابك المقابر؟"
"عونى يا عوض، عونى طلب مني انزل المقابر، اخبرني ان الحقيقه موجوده هنا."
"مفيش حقيقه للأسف يا دكتور، انا نفسى مش حقيقه وانت مش حقيقه والعالم كله مزيف."
تسحب الليل من خلفهم وأغرق المقابر في ظلام حالك.
"هتساعدني يا دكتور معاذ؟ انا عايز والدي يستريح في تربته."
"هساعدك يا عوض يلا بينا."
ابتعدت فريدة عن مكان الحفر، أعصابها مكنتش تستحمل رؤية جثة ميتة تخرج من المقبرة وتجر لمقبرة أخرى.
بينما فتح عوض باب المقبرة.
من داخل القبر المظلم خرجت رائحة قاتمة، رطوبة متعفنة لأجساد أكلها الدود. "انزل معايا يا دكتور معاذ."
نزع معاذ سترة زرقاء من الجينز وهبط إلى القبر: "هو ده."
"امسك معايا يا دكتور معاذ."
رفع الكفن الذي كان بخفة ريشه!!
"هو الكفن خفيف كده ليه انا حاسس انه فاضي، ابويا راح فين؟"
فتح عوض الكفن ولم يكن به سوى عظام لجثة ماتت من سنين طويلة.
"ابويا راح فين؟" صرخ عوض بفزع، ثم انطلق بلا وعي يبحث داخل القبر.
"عوض استنى اكيد فيه حاجه غلط." همس معاذ برعب.
"مفيش حاجه غلط لازم اعثر عليه."
سمع فحيح ثعبان لمعت عينيه في الظلام، ثعبان بدأ ضخم.
"عوض! عوض لازم نخرج."
"مش هخرج لازم الاقي والدي." كان بصيص من الضوء يتسرب من فتحة المقبرة ثم فجأة تحول كل شيء لظلام وسد باب القبر.
ارتفع صراخ معاذ: "فريدة! فريدة!"
لكن صوته لم يغادر جدران القبر ولم تسمعه فريدة ولا غيرها.
ثم دوى صوت مفزع: "انت التالى، انت التالى!"
زحف عوض على الأرض حتى عثر على المعول الذي فتح به باب المقبرة.
"هتسيب ابويا فى حاله هسيبك فى حالك، غير كده انا مستعد للموت."
"انا ابوك يا عوض سيب المعول."
"انت مش ابويا، ابويا مات وشبع موت." صرخ عوض بنبرة متحدية.
"انت فاكر انك تقدر تقتلني؟ انا الى عملتك ياعوض."
"هو ابوك محكش ليك انت جيت ازاى؟"
كان الرعب قد تملك معاذ تماما وغير قادر على التفكير أو أخذ أي قرار. باب القبر كان خلفه فراح ينبش بأظافره في التراب والطين الذي بدأ مثل سد ضخم وليس مجرد فتحة صغيرة.
فقد عوض أعصابه وارتفع صراخه كالمجنون: "قلتلك سيب ابويا فى حاله ابويا كان رجل طيب وميستاهلش كل إلى بيحصل معاه." وراح يضرب الهواء بشكل عشوائي. آخر ما يتذكره معاذ، صرخة عوض المستغيثة، الحشرات التي تزحف فوق جسده ويد فريدة التي تجذبه خارج القبر.
"هو فيه ايه يا معاذ؟" قالت فريدة بصراخ. "فين عوض وايه الصراخ ده؟"
لمح معاذ التراب تحت قدميه يتحرك نحو باب المقبرة قبل أن يتجمع مع بعضه ويشكل كتلة طين سدت باب القبر. ارتسمت صورة مدحت على المقبرة هكذا لمحها معاذ في الظلام، صورة تحمل نظرة ساخرة تخبره أن لا فائدة من المقاومة.
راحت فريدة تصرخ من الرعب: "معاذ خرجني من هنا."
"انا قلبي هيقف من الخوف." ودوى صوته الساخر في كل المقابر: "انت التالى." مع صراخ عوض المفزع ونخراته المتقطعة.
تحرك معاذ وهو يهرش جسده مهرولًا بعيدًا عن المقابر.
همست فريدة بخجل: "عوض مات يا معاذ ولا ايه؟ هنبلغ الشرطه؟"
رفع معاذ مع أول ضوء كم قميصه ولمح لسعات الحشرات التي كانت تزحف فوق جسده.
"معاذ رد عليه، احنا سبنا عوض داخل القبر؟"
"انتي سمعتي بنفسك صوت عوض، تتوقعي لسه حي؟"
صرخ معاذ بيأس: "كل إنسان بيواجه مصيره بمفرده في لحظة من العمر من غير مساندة."
"وبعدين عوض كده كده كان نازل القبر وهينفذ إلى في دماغه."
"طيب عونى طلب منك تروح المقابر ليه؟"
"فين السر إلى هنكتشفه؟"
"فين الحقيقه يا معاذ؟"
"مفيش حقيقه يا فريدة احنا عايشين في الوهم ولا نستحق الحقيقه، قدرنا ان نلهث خلف الأوهام ونعيشها."
"الحقيقه تحتاج رجال شرفاء لا وجود لهم الآن."
"انتى مين وواخدانى على فين؟" سأل محمد إسماعيل الفتاة التي تقود السيارة بلا مبالاة.
"انا فاعلة خير يا دكتور واول ما اوصلك وجهتك مش هتشوف وشي تاني."
"دوري في قصتك صغير جدا، مع ان لو كان سمح لي كنت هعمل دور أكبر من كده."
"اصل لكل واحد في الحياه دور محدد يا دكتور وللأسف مقدرش يحيد عنه."
"عايز اعرف واخداني على فين؟"
"انا بنقذك من سرنجه وداغو لأنك مش قدّهم وبنصحك تبعد عن كل ده وبلاش تفتش في الماضي."
"لازم اعثر على والدتي لازم."
"والدتك هي إلى طلبت مني ابلغك الرساله، متدورش عليها متحاولش تقابلها."
"اتفضل انزل."
توقفت السيارة على جانب الطريق العام في وسط القاهرة.
باستسلام نزل دكتور محمد إسماعيل.
وسجل في ذاكرته رقم لوحة السيارة وهي راحلة.
ثم أشعل سيجارة دخنها بغضب: "طول عمري بدور عليها ببحث عنها واول ما أقرب تبعدني عنها."
ثم رن صوت الكيان في عقله: "انت مستعد للغفران يا دكتور؟"
"والدتي ماشيه مشي بطال."
ثار الغضب بداخله، لم يتحمل فكرة أن والدته تبعده عنها بالقوة، تتبراء منه.
"ليه بتعملي كده؟ انا عشت حياتي كلها مستني اللحظه دي."
"يا ريتني فضلت أعمى ولا عرفت انك حية."
"الكيان هو اللي وصلك ليها يا دكتور محمد، واكيد الكيان مش بيفكر غير في مصلحته." همس صوت المنطق بداخله.
لكنه غير مستعد بعد أن وصل لتلك المرحلة أن يدير ظهره ويترك كل شيء خلفه ويعود لحياته السابقة.
"انها تعيش في العار في الخزي كيف ترضى ذلك؟ كيف تخلت عنه؟"
أخذ محمد إسماعيل بعضه بعد أن نظر إلى هاتفه الذي أوشكت بطاريته على النفاذ.
كانت هناك عدة مكالمات فائتة من معاذ، لم يجد رغبة في الرد عليها.
وصل شارع البناية وبدأ يمشي بحذر متحسس سلاحه المخفي تحت سترته.
كان مدخل العماره هادئًا إلا من حارسها الذي يتملق المارين في الشارع.
"سرنجه وداغو انهم أعدائه الحقيقيين، داغو بالذات يتذكر أنه رآه من قبل، نعم كان ذلك وجهه الذي أطل تلك الليلة، الصوت الذي همس في أذنه أجري يلا."
احتمى بسترته من دفعات الريح التي تلسع جسده أكثر من ساعتين.
ثم رآها تدلف من مدخل العمارة. كانت والدته تبدو مثلما تركته لكنها أكثر أناقة. يسير جوارها شخص مسن تبدو صحته جيدة، حياهم الحارس بحماس ووجه مبتسم.
ضغط محمد إسماعيل على سلاحه تلفت في كل اتجاه حتى وجد طفل صغير منحه عشرة جنيهات وطلب منه أن يخبر الحارس أن هناك امرأة تنتظره على ناصية الشارع. كان يعرف أن ما من رجل يرفض امرأة تأتيه بالمجان. عندما غادر الحارس البناية عبر الشارع ثم تسلق السلم شهرًا سلاحه.
رواية وعد في العتمة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
كان باب الشقة مفتوح عندما وصل محمد إسماعيل. رغم ذلك تردد في الدخول. انتابته لحظة شك جعلته يرتعش.
سمع صوت والدته، كان واضح وحاد مع الرجل الذي دخل معها. تذوق محمد إسماعيل النبرة التي أوحشته من عمر فات.
يا روحي أنا مقدرش أرفض ليكي طلب.
لمح محمد إسماعيل الرجل يحاوط خصر والدته.
اثبت مكانك يا كلب! صرخ محمد إسماعيل وهو يشهر سلاحه.
وإنتي؟ عمري ما تخيلت إنك ممكن تعملي كده. يا ريتك كنتي متي ولا شوفتش بعيني إنتي بتعملي إيه.
إنتي مش فاهمة حاجة يا محمد.
عايزاني أفهم إيه؟ ومشي تجاه داغو. إنتي الكلبة اللي كنتي في الليلة إياها. أنا فاكراكي كويس. سكينك على رقبة والدتي. همسك الخسيس أجرى يلا.
أنا استنيت اللحظة دي كتير أوي. يا أما إنتي يا أما هو. اختاري.
برقت عين محمد إسماعيل من الغضب وسمع همس داخل عقله. أنا وصلتك للحقيقة اللي كنت بتدور عليها. خليك راجل ودافع عن شرفك.
يا ابني متضيعش مستقبلك. اديني فرصة أتكلم.
اسكتي إنتي. أنا ميشرفنيش إنك تكوني والدتي.
أنا عملت كل ده عشانك يا محمد. عشان أحميك. بلاش النظرة دي في عينيك.
صرخ محمد إسماعيل. قلتلك اسكتي. مش عايز أسمع صوتك.
ودوى الصوت داخل عقله مرة أخرى. انتقم لشرفك. مستني إيه؟ إنت جبان. جبان!
صوب محمد إسماعيل الطبنجه على رأس داغو. إنت لازم تموت ألف مرة مش مرة واحدة. وضغط على الزناد.
دوى صوت الرصاصة وجانب رأس داغو. محمد إسماعيل غير معتاد على إطلاق الرصاص.
لازم تموت. صرخ محمد إسماعيل. وقبل أن يطلق الرصاصة الثانية تلقى ضربة على مؤخرة رأسه. هاجمه سرنجه من الخلف.
ترنح محمد إسماعيل وفقد توازنه وأشهر سرنجه سلاحه.
ارمى سلاحك يلا إنت وإلا هموتك.
رفع محمد إسماعيل يده.
أيوه كده. همس سرنجه. كنت عارف إنك عيل سيس وآخرك حتة جاتوه.
لم يتمكن سرنجه من مواصلة سخريته. الطلقة التي خرجت من مسدس محمد إسماعيل اخترقت رأسه وطوحته على الأرض.
انطلقت صرخة من والدة محمد إسماعيل. صرخة هلع. إنتي عملتي إيه؟
إنتي إيه اللي جابك هنا؟ مكنتش عايزاكي تيجي هنا.
تضلع وجه محمد إسماعيل. سحقته الصدمة. إنتي مش ممكن تكوني أمي. مفيش أم تقول لأبنها كده.
سيب سلاحك وامشي من هنا.
أنا مصدقت لقيتك يا أمي. ليه بتعملي كده. ليه.
ترنح محمد إسماعيل وسقطت الطبنجه من إيده.
أمسكتها المرأة بيدها. امشي من هنا.
وصل محمد إسماعيل باب الشقة بالعافية تحت همس المرأة. أنا مش أمك.
استدار محمد إسماعيل. وقبل أن ينطق بكلمة قبض داغو على الطبنجه وأطلق رصاصات سريعة قتلته على الفور.
كان العار يسير مع معاذ بعد أن ترك المقابر. الخزي من تركه عوض خلف ظهره يموت داخل القبر.
رن هاتف معاذ وواصل صداعه ولم يتحرك معاذ للرد.
شوف مين بيتصل عليك يا معاذ. همست فريدة وهي توقف سيارة أجرة.
مش عايز أكلم حد يا فريدة.
رد يا معاذ. ممكن تكون مكالمة مهمة من محمد إسماعيل.
أخرج معاذ الهاتف من جيب بنطاله.
فيه إيه يا ريهام؟
كان مكبر الصوت شغال.
أنا فين يا معاذ؟ سايب المستشفى بقالك كام يوم ولا على بالك.
فتحت فريدة فمها. مين ريهام دي يا معاذ؟
ريهام ممرضة في المستشفى يا فريدة. إنتي قابلتيها قبل كده.
وإنتي بتكلمي كده ليه أصلاً.
طلب معاذ من فريدة الصمت وسأل. فيه حاجة حصلت يا ريهام في المستشفى؟
همست ريهام بخجل. لا يا دكتور. لكن اشتقنا لوجودك.
إيه بتقول إيه البنت دي يا معاذ؟
بنت مين يا أمورة. إنتي احترمي نفسك. صرخت ريهام مداعبة عن نفسها.
نزلني هنا. صرخت فريدة في سائق السيارة.
وسمع معاذ همس داخل أذنه. إذا تمردت عليك أنثى استبدلها بغيرها. العمر قصير ومفيش وقت تضيعه.
اسكت. صرخ معاذ وهو يمسك رأسه. اخرج من عقلي.
كان الخط انقطع من الجهة الأخرى. ونزل معاذ يركض خلف فريدة في الشارع.
الساعة كانت حدود الحادية عشر صباحاً. اختفت فريدة بين الحشود ومعاذ يمسح الشارع بيده.
لمح طيف يسير بين الناس. مجرد ظل قاتم يعرفه معاذ ورآه من قبل.
ركض معاذ خلف الظل بكل سرعته. أزاح الناس بعيد عن طريقه. ركض حتى وصل الظل. وعندما وضع يده فوق ظهره.
استدارت فتاة بعيون مستنكرة.
إنت بتعمل إيه؟ إنت متحرش؟
اعتذر معاذ. أنا آسف. افتكرتك شخص أعرفه.
كان بعض الناس تجمع حولهم. لكن الفتاة رفضت تصعيد الموقف.
تركت معاذ المصدوم وقصدت سيارتها المرسيدس السوداء المركونة على جانب الطريق. وعلى وجهها ابتسامة ساخرة وقادت السيارة منطلقة لبعيد.
أحس عوني بالضعف داخل غرفة تحية. جعل يهمس. أنا حاسس إني ضعيف. قوتي بتتحسب مني!!
فيه إيه يا ابني مالك؟ إنت كنت كويس؟
عونى: حاسس إن الكيان قلص قوتي. أكيد فيه حاجة كبيرة حصلت وأنا معرفهاش.
محمد إسماعيل كان قريب أوي يبعده عني. لكنه رحل من غير سبب. كنت خلاص حاسس إنه هيسبني. لكنه توقف فجأة.
مع كل خسارة بتزداد قوة الكيان.
صداع غتت هيفرنق دماغي يا تحية.
همست تحية. سلامتك يا ابني. سلامتك.
إنت ليه مقلتش لمعاذ إنك كنت تعرف مدحت؟ ليه خبيت عليه وعلى دكتور محمد إسماعيلي إنك تعرفه وأمك زرته قبل موته؟
همس عوني بضعف وهو يرقد على الأرض. عايزاني أقول إني هربت من المستشفى عشان أزور شخص معرفوش وأحذره إنه هيقتل خطيبته؟
مين هيصدقني يا تحية؟
أنا صدقتك يا عوني. صدقتك. أول ما نطقت وقلت إن بنتي ملبوسة كلامك وقع في قلبي وصدقتك.
مفيش فايدة يا تحية. أنا آسف. محمد إسماعيل مش هيرجع تاني. مش هيرجع تاني. إنتي وحيدة طول عمرك هتعيشي معذبة. همس عوني وهو يغلق عينيه.
رواية وعد في العتمة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
اختفت فريدة، لم يجدها معاذ بين المارة وكان قد استعاد وعيه الفكري جزئيًا.
"هي ريهام بتكلمني بالطريقة دي إزاي!"
ريهام عمرها ما رفعت الكلفة بيني وبينها، ورغم التيه والوجع والضياع أطلق ابتسامة.
"فريدة بتغير عليا؟ معقول ده؟"
منذ صغري وأنا على قناعة بعدم قدرتي على نيل إعجاب ضفدع.
__ اخرج عوني هاتفه الذي كان بيده أصلًا وطلب ريهام.
استغرق ردها بعض الوقت وكان صوتها ناعس.
"ريهام، إنتي إزاي بتكلميني بالطريقة دي وتحرجيني قدام فريدة؟"
"أنا آسفة يا دكتور، والله لسه صاحية من النوم، صوتي بيبقى غريب أول ما أصحى من النوم، تحسيه صوت راجل."
"لأ، أنا أقصد المكالمة اللي قبل دي."
صمتت ريهام. نظرت لهاتفها أكثر من مرة.
"دكتور معاذ، أنا كنت نايمة، مكلمتش حضرتك."
"بصي في التليفون كويس يا ريهام."
"والله يا دكتور معاذ كنت نايمة، وبعدين أدي المكالمات أهي." وأرسلت له سكرين شوت.
بلع معاذ ريقه. حملق في آخر مكالمة وكان رقم ريهام.
لكنه يعرف أنه كما أن ريهام قادرة على ارتكاب الحماقات، فإنها لا تكذب أبدًا.
"خلاص يا ريهام، حصل خير، ده كان سوء تفاهم."
ثم لعن في سره. "ده الكيان بيتلاعب بيا."
اتصل بفريدة عشرين مرة ولم تعره أدنى اهتمام. أنثى مجروحة لن ترد على المهاتفات.
هاتف دكتور محمد إسماعيل ولم يتلقى ردًا أيضًا.
لم يجده أمامه سوى الشقة وعوني. "ستأخذ فريدة وقتها من الزعل ثم تفهم أن كل ما حدث لعبة كبيرة."
عندما دلف إلى الداخل استقبلته تحية.
"إزيك يا تحية؟"
"الحمد لله يا ابني، تمام."
"فيه حاجة حصلت جديدة؟" كان يقصد الكيان.
"لأ، كل حاجة هادية وعوني نايم."
"دكتور محمد مظهرش يا تحية؟"
"لأ يا ابني، عوني بيقول إن محمد إسماعيل مش هيظهر تاني."
"مش هيظهر إزاي؟"
"معرفش، هو قال كده."
وجد معاذ نفسه بحاجة إلى فنجان قهوة وسيجارة. ترك هاتفه وقصد المطبخ. صنع فنجان قهوة وجلس يدخن سيجارة.
بعد نصف دقيقة رن هاتفه. كان رقمًا غريبًا.
فتح معاذ الهاتف. "مين؟"
سمع حشرجة وأزيز مرعب.
"مين؟" تذكر معاذ البدايات عندما كان الكيان يتصل به.
"أنا عوض يا دكتور معاذ، بقا كده تسيبني في المقبرة وتهرب؟"
"مستحيل!" صرخ معاذ. "انت الكيان؟ انت شريك؟"
"أنا عوض يا دكتور، عوض."
لم يتفهم معاذ الأمر. "انت شريك."
"والله أنا عوض ولسه جوه المقبرة."
تنهد معاذ بقلق. "أنا سبتك والكيان مسيطر عليك!"
"أنا ضربته يا دكتور! ضربته! الكيان مصاب."
كاد معاذ أن يضحك. "ضربته إزاي؟"
"هو انت متعرفش يا دكتور معاذ؟"
"أعرف إيه يا عوض؟"
"لما الكيان يتجسد في أي شكل تقدر تقتله. ولو قدرت تصيبه أو تضربه جسمه بيتأثر."
"تقصد إيه يا عوض؟"
"أقصد إن الكيان دلوقتي مصاب، ضعيف ونقدر نخلص عليه."
"أنا أعرفه أكتر منك."
"يعني؟" غمغم معاذ. "لو قدرنا نخلي الكيان يتشكل نقدر نقتله؟"
"أيوه يا دكتور، بالضبط كده."
"لازم نجبره يتشكل."
"ودا مش ممكن يحصل إلا داخل القبر." أو فكر معاذ. "لما يتشكل على جسم عوني أو أي شخص تاني."
"أضعف شخص في الديرة الكيان هيروح عليه يا دكتور معاذ."
"الشخص اللي مش متحصن."
"أديني عنوان الشقة وأنا هاجيلك فورًا."
انتهت المحادثة ووجد معاذ عوني يخرج مترنحًا من غرفته.
"دكتور محمد مات! أنا شفته بيموت."
"عونى كفاية هزار من فضلك، أنا مش ناقص!"
"بقلك شفته يا معاذ. أنا بحس بكل حاجة بيعملها لما يكون حاضر عليا."
"طيب هو فين دلوقتي؟"
"موجود هنا."
صمت عوني دقيقة طويلة كالدهر. "أيوه موجود يا معاذ."
"فين يا عوني؟"
"وراك يا معاذ."
تنهد معاذ برعب. "ورايا؟"
لم يتمكن من الالتفاف، منعه الخوف والرعب أن ينظر خلفه.
همست تحية. "بسم الله الرحمن الرحيم."
وحركت الكرسي المتحرك بسرعة نحو غرفتها قاصدة الراديو الذي توقف فجأة.
وضعت يدها تضبط القناة الإذاعية على القرآن الكريم.
طار المذياع في الهواء وسقط على الأرض تحطم لألف قطعة.
"يارب!" صاحت تحية. "أنقذنا منه، مش هقدر أستحمل وجوده تاني."
رواية وعد في العتمة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
معاذ استجمع كل شجاعته، ما تبقى منها، استدار بصراخ:
"انت غلطان!"
لم يرى شيء. لم يسمح له الكيان برؤيته.
"غريبة"، همس عوني بسخرية. "أول مرة أشوفه خايف للدرجة دي، لدرجة إنه خايف يظهر."
"لأ غريبة ولا حاجة يا دكتور عوني. هو فعلاً خايف."
دوى صوت مرعب داخل الشقة، كأنها قصفت بقنبلة موجهة. تطاير التراب واندلع حريق في غرفة تحية.
"كانت المرة الأولى التي يرى فيها عوني الكيان بمثل هذا التخبط. تخلى الكيان عن فرض سيطرته ولجأ لاستخدام القوة."
انبطح عوني على الأرض وتبعه معاذ بعد تطاير أثاث المنزل.
كل ما يحدث في الخيال فهو حقيقة.
كل ما يحدث داخل عقلك يمكنه أن يصيبك.
رفع عوني يده بصعوبة ولوح لمعاذ، إشارة يفهمها الأطباء النفسيين عندما يواجهون حالة انفصام في الشخصية.
رفع معاذ صوته:
"هو دا آخر اللي عندك؟"
"كنت فاكرك أقوى يا شريخ، أكثر ذكاء. عوض قضى على قوتك، انت مجرد كيان عادي."
حل صمت رهيب، اتبعته قهقهة طويلة ساخرة.
"قوم افتح الباب يا معاذ!"
لم تمضِ سوى لحظة وسمع طرق على باب الشقة.
فتح معاذ باب الشقة والضحكات تملأ الغرف والرواق.
"فيه إيه؟" صرخت فريدة لما لاحظت هلعهم وخوفهم.
أشار معاذ تجاه عوني:
"شريخ هنا."
"بتقول إيه؟" همت فريدة بالهرب، وعندما وصلت الباب المفتوح، صك الباب بقوة.
"مفيش شخص هيخرج من هنا حي."
ارتمت فريدة في حضن معاذ بخوف، كأنها تحتمي به من أخطار العالم.
"متخفيش"، همس معاذ بعطف. "مش هيقدر يعمل أي حاجة."
"شريخ اخرج من هنا، انت ملكش مكان. خطتك انكشفت، مبقاش فيه أسرار!"
تحول صوت شريخ لصوت والدة معاذ تبكي وتصرخ، ثم صوت خطيبة عوني.
ثم مدحت.
ثم خطيبته، ثم آخرين. الكل يصرخ ويطلب النجدة.
صخب حل بالشقة كأنها حانة سكارى، ثم صوت محمد إسماعيل الذي كان أكثر وضوحاً، ومرت صورته وهو مقتول أمام عيونهم.
صرخ صوت شريخ:
"الكل تجمع هنا، الحفلة اكتملت!"
"لسه واحد!" صرخ عوض وهو يقتحم باب الشقة. "نسيتني أنا يا شريخ!"
رواية وعد في العتمة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
رفع عوض سلاحه.
"نسيتني أنا يا شريخ؟"
اختفى صوت الكيان، بدا أنه رحل من الشقة والعالم. تعلقت عيون كل واحد منهم بالآخر.
"هو مشي فعلًا؟" همست فريدة بنبرة مرتعشة.
"لسه موجود،" خاطبها عوني بسخرية ونظرة تنم عن معنى عميق وفهم.
"أمال راح فين؟" صرخت تحية بيد مرتعشة.
كان معاذ ينظر تجاه عوض بقلق. "عوض، نزل سلاحك!"
"مش هنزله يا دكتور، لازم أقتله النهاردة."
"هتقتل شبح يا عوض؟" استفهمت فريدة.
رد عوض: "أيوه هقتله. هقتله وأنتقم من كل اللي عمله في والدتي ووالدي."
همس عوني وهو يشعل سيجارة: "جبان."
وسحب سحبة مديدة من لفافة التبغ ونفسها في الهواء. التبغ الذي عبق الغرفة وراح يتضخم مشكلًا غيمة صغيرة راحت تتضخم تحت سقف الصالة.
"انت الكيان؟" صرخ عوض بغضب وهو يصوب سلاحه تجاه عوني.
ابتسم عوني: "لأول مرة من سنتين مبقاش الكيان. انت فاكر الأشباح بتدخن سيجارة؟"
"عقلك مصورلك إن ممكن يظهرلك دلوقتي؟"
هرش عوض رأسه يفكر. "أظهر يا ملعون. مش انت قوي؟ أظهر نفسك."
ارتفعت سرية من فوق الطاولة في الهواء وسقطت على الأرض خلف ظهر عوض، جعلته يرتعش ويستدير بسرعة مطلقًا رصاصة على الجدار.
"عوض!" صرخ معاذ. "امسك نفسك. انت ممكن تعور واحد فينا!"
"الكيان جوه واحد فينا،" صاح عوني بصوت واضح. "مختفي من غير علامات."
"وهنعرفه إزاي؟" صرخ عوض.
قال عوني: "كل واحد فينا هيقرأ القرآن، واللي مش هيقرأ يبقى الكيان جواه."
تأرجحت النظرات بينهم. "اقرأ انت يا عوني."
فتح عوني فمه لكنه لم ينطق كلمة. بدا أنه يكافح لكن الكلمات لم تخرج.
"الكيان جواك يا عوني،" صرخ عوض. "أنا هقتلك."
ثم ارتفع صياح معاذ: "اقرأ انت يا عوض."
"أنا؟" همس عوض. "حاضر، هقرأ. بسم..." وتوقف عند هذا الحد. "مش قادر أقرأ، مش قادر."
"ولا أنا كمان،" همس معاذ بنبرة خافتة.
بينما عاود الشلل لسان تحية، فبدت صامتة مثل صنم.
ارتفع صوت فريدة وقرأت الفاتحة بصوت واضح تحت عيون عوني المتألمة.
"فريدة بره الموضوع،" أوضح معاذ وهو ينظر إليهم. وكانت يد عوني تشير تجاه فريدة بإصبع معوج.
"لو هموتكم كلكم وأموت نفسي، لازم أقتل الملعون." وكان عوض قد خرج عن السيطرة.
وفريدة خلفه تقف مرتعشة بأسنان مصطكة. رفع عوض سلاحه. "دي عشان والدتي يا ملعون." وأطلق رصاصة اخترقت ذراع عوني.
ثم صوب السلاح تجاه معاذ. "آسف يا دكتور." انبطح معاذ على الأرض وزحف بسرعة واشتبك مع عوض. انطلقت رصاصتان في سقف الشقة، وفريدة صامتة بوجه شاحب، وعوني يصرخ من الألم: "كفاية. كفاية."
"مفيش حد هيخرج من هنا حي،" ارتفع صوت الكيان.
"شريخ مش بيسيب أدلة وراه."
"أنت. أنت الكيان؟" وكان أصبع عوني المعوج يكافح ليشير تجاه شيء ما. وتواصل مع معاذ بصريًا. توقفت العلامات على وجه معاذ. اصفر وجهه. انسحبت الدماء من عروقه. كان المسدس لا يزال بيد عوض، بعيدًا عن معاذ، لكنه يحاول أن يحكم سيطرته عليه.
"هتقتله يا مجنون يا غبي! سيب معاذ حبيبي،" صرخت فريدة بخوف.
"سيبه يا عوض!"
"ميكالفيكينآ إن أضعف الاختيارات هي أقواها، ولا يصل إلى الحقيقة إلا الذين يغردون خارج السرب، الذين يعبرون الجدار الذي يقف خلفه كل العقلاء ويظنون أن الحياة تنتهي فور عبوره."
عندما تمكن معاذ من القبض على المسدس، كان عوض لا يزال متشبثًا به. نهض عوني بصعوبة بيده السليمة. قبض على يد معاذ المرتعشة. صرخ معاذ: "لأ. لأ. لأ. أرجوك لأ."
ثم انطلقت رصاصة جعلت الكل يصمت. رصاصة اخترقت صدر فريدة وقلبها من يد معاذ المجبرة.
ترنحت فريدة مع صرخة ألم. "قتلتني يا معاذ؟ قتلت حبيبتك؟ غبي من يثق أن الحب من الممكن أن ينقذه."
كان الصمت قد فرد جناحيه عليهم. عيون معاذ الدامعة تلعق آهات فريدة ووجعها.
ثم فجأة انفجر جسد فريدة وطار الرماد في كل ناحية. الرماد الذي سقط على الأرض وراحت ريح تزحفه تحت باب الشقة.
"مات. مات!" صرخ عوض بفرحة. "الكيان كان داخل فريدة مش جوانا إحنا."
حلت نظرة كئيبة على وجه عوني. بدا أنه تحرر للتو من حكم بالإعدام.
"قلتلك دي مش فريدة أختي يا معاذ."
سقط معاذ على الأريكة غير مصدق. لم يتمكن من كبح جماح دموعه التي هطلت مثل الودق.
كان ينوح ويصيح: "فريدة، ليه سبتيني؟ ليه يا فريدة؟"
بعد ربع ساعة انقشعت آثار الصدمة.
راحت العقول تعمل بالمنطق. "فريدة مش داخل مصر. فريدة تخلت عني وسافرت إسبانيا تكمل دراستها."
"أول ما شفتها معاك يا معاذ كان عندي شك وآمل إنها هي."
"لكن الكيان كان مانعني من الكلام."
"وقتها قلتلك انت هتقتل فريدة يا معاذ، فاكر؟"
"إزاي واحدة مفكرتش تتصل بيا من سنتين تنزل مصر فجأة علشان تنقذني؟"
تذكر معاذ أول لقاء له مع فريدة. الشاي والقهوة. كيف توقعت فريدة ما يشتريه ودفعت الحساب.
"الحمد لله انتقمت لبنتي ولمدحت،" همست تحية بعيون دامعة.
"وأنا انتقمت لوالدتي اللي الكيان أجبرها. اغتصبتها." ودمعت عيون عوض. "أنا آسف يا أمي. آسف. ربنا يتولاكي برحمته."
"دلوقتي والدي يقدر يرتاح في تربته."
كان عوني قد عاد لحالته الطبيعية وراح يتجول داخل شقته مثل سائح.
بينما بدا معاذ منهار. "الكل عنده ما يخسره. الكل يخسر شيئًا ما عند نقطة معينة في الحياة."
"لكن خسارته أكبر. لماذا يشعر بالوجع وقد كان واقعًا تحت الخيانة منذ أول لحظة؟"
"أنا هرجع شقتي،" همس معاذ بضعف. "عايز أكون لوحدي."
"خدني معاك يا ابني. أنا خلاص مبقاش لي لازمة أفضل هنا."
عندما وصلوا الشارع وقبل أن يوقف معاذ سيارة أجرة، وصلت الشرطة.
كان هناك زحمة وصخب قرب سيارة كيا بيضاء.
سيارة فريدة.
"الشرطة. السيارة دي مسروقة من الحرز بتاع الشرطة. انسرقت من مخازن الشرطة وكانت ملك شخص ميت مجهول الهوية."
"امشي انت يا معاذ،" قال عوني. "أنا هخلص المشكلة دي."
ساعد معاذ تحية الوصول لشقتها وأمدها بطعام يكفيها شهر آخر، وترك نقودًا عند البقال تستخدمها عند الحاجة.
في شقته ظل معاذ أيامًا متخبطًا، غير قادر على تجاوز الصدمة.
كانت صورة فريدة تظهر له في كل مكان.
على الجدار. في المطبخ. على طاولة الطعام وفي أبخرة الحساء الساخن.
كان عوني قد استعاد وظيفته، ولم يجد معاذ بدًا من العودة للمشفى وترك الأيام تطبب جراحه.
وظل أيامًا صامتًا شاردًا لا يتحدث مع أحد. كانت الخدوش على طاولته قد انزاحت ومحيت، عادت الطاولة واللوحة الجدارية نظيفة مطلية بالدهان.
والزمن كفيل بالأوجاع والذكريات. مخطيء من يخبرك أنه يعيش بين ذكرياته، أو أنه رغم مرور الزمن لم يتخط أحزانه.
أو أن مصيبته أقوى من الأيام، لأنه لم يسأل نفسه كيف أنه لازال هنا واقفًا على قدميه رغم مرور الزمن؟
بعد مرور ثلاثة أشهر، وكان معاذ قد عاد لطبيعته. كان واقفًا في شرفة المشفى البعيدة يدخن سيجارة، عينه على ساحة المشفى يتابع المرضى.
عندما عبرت سيارة مرسيدس سوداء بوابة المشفى وركنت في مساحة السيارات.
ونزلت منها فتاة أنيقة ونحيلة. فتاة شعر معاذ أنه يعرفها لكنه لا يتذكر أين.
وكانت ملامحها جميلة عندما تبتسم وحولها هالة برتقالية جذابة.
سحق معاذ عقب لفافة التبغ. "ما أنثى من الممكن أن تحل مكان فريدة."
"حتى لو كانت شبح."
"حتى لو كانت شريخ."
"حتى لو كانت خيال من صنع عقله."
فقد كان يحبها. والحب لا يتكرر في الحياة بسهولة.
جلس معاذ على المقعد ومدد قدميه على الطاولة. إنه لا يمانع في إشعال سيجارة أخرى ليخترق قوانين المشفى ويوقع نفسه في ورطة.
طرق باب غرفته. "دكتور معاذ، أنت هنا؟" همست ريهام الممرضة بصوت ناعم.
"أيوه يا ريهام، فيه إيه؟"
"فيه ضيفة عايزة تقابلك." وانفتح الباب الخشبي الأزرق وظهر وجه الفتاة المبتسم. "أنا تلا..."