تحميل رواية وعد في العتمة بقلم اسماعيل موسى pdf
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
من على المقعد صمت رهيب لا يقطعه إلا صوت طقطقة أصابع على الطاولة. "على الأقل هتاخد حكم مخفف، لكن انت كده بتودي نفسك على عشماوي على طول." رفع وجه مغضن بالتجاعيد بصره، وبرزت عين لم ترى النوم منذ عام. همس بصوت غير مفهوم: "بتقول إيه؟ أنا مش سامع حاجة. يكون في علمك دي آخر فرصة قدامك، خلص نفسك من حبل المشنقة!" ابتسم: "أنا هموت، لكن هو هيفضل عايش. أنا عملت كده عشان أساعدها، مكنش ممكن أشوفها بتتعذب وأقعد ساكت." "كنت بتحبها؟" "انت إزاي بتسأل سؤال زي كده؟ كنت بحبها أكتر من نفسي، بحبها للدرجة اللي خلتني أضح...
رواية وعد في العتمة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم اسماعيل موسى
هناك أشياء يجب عليك القراءة عنها، الأشباح والماورائيات جزء من العالم الذي يسحقك كل طليعة شمس.
عندما يصبح جسمك في حالة بروناميتا، لا يمكنك السيطرة عليه وتصبح كل الطاقات التي يجذبها نحوه متألفة مع حالة العقل وتخلق عالم كامل من الهيستوري وتتدفق الذكريات المرعبة بلا توقف نحو ذهنك، وسط مرعب تعيش داخله بكل تفاصيله، حتى أنك تشعر بالألم المنطقي الذي يعذبك.
رن هاتف معاذ في الصالة. كان قد ألقاه على الأريكة وصدحت منه نغمة دينية.
ارتعش مصباح الحمام وعادت الإضاءة للثبات. لا زيت أو مازوت، لا ديدان.
فقط وجد معاذ نفسه يصرخ أمام صورته المنعكسة في المرآة.
ركض معاذ نحو الصالة وجسمه يقطر ماء.
مسح جسمه يبحث عن الديدان التي كانت تزحف فوق جسده. كان يمشي يديه على جسمه كالمجنون ومش مصدق أنه سليم.
كان يتنفس بصعوبة، أنفاس متسارعة مرعوبة ويمسح الشقة بعينيه.
كان الهاتف يواصل رنينه مما دفع معاذ للنظر في اسم المتصل.
فريدة السنهوري!!
أمسك الهاتف بيد مرتعشة وفتح السماعة الخارجية.
"أهلاً.. فريدة."
"ازيك يا دكتور معاذ عامل إيه؟"
"الحمد لله بخير يا آنسة فريدة." لكنه لم يكن بخير على الإطلاق.
"معاذ أنت كويس؟ أنا حاسه إنك مش على طبيعتك."
"أنا تماماً." ثم همس معاذ بنبرة خافتة واطئة: "ممكن تفضلي معايا على التليفون؟ متقفليش من فضلك."
همست فريدة بتعجب: "حاضر."
كان معاذ يحتاج لإنسان يتحدث معه ويظل قربه. اللحظات التي مر بها أفقدته اتزانه.
يعرف أنه لن يستطيع ارتداء ملابسه إذا أغلقت فريدة الهاتف.
"اتكلمي من فضلك يا آنسة فريدة، متبطليش كلام."
"أتكلم أقول إيه يا دكتور معاذ؟"
"برجاء." همس دكتور معاذ. "قولي أي حاجة، لكن من فضلك متغلقيش الخط."
"احكي أي حاجة، أنا محتاج أسمع صوتك."
ركنت فريدة للصمت لحظة، وربما فهمت أن معاذ يمر بلحظة عصيبة.
فجعلت تتحدث عن الشغل وحياتها، وكل دقيقة معاذ يهمس: "من فضلك خليكي معايا، متقفليش."
ارتدى معاذ ملابسه وخرج نحو الشارع. محسش بالأمان غير لما بقى وسط الناس وتعفر فمه بريحة التراب.
"أنا متشكر جداً يا آنسة فريدة، أنتي أنقذتيني من ورطة حقيقية."
"كان ممكن تقضي عليه."
"فيه إيه يا دكتور معاذ؟"
"الكلام ده مينفعش في التليفون يا آنسة فريدة، لما أقابلك هقولك على كل حاجة."
ترددت فريدة. لم تتوقع أن تقابل معاذ مرة ثانية وكانت على وشك الرفض.
لكنها تذكرت عوني والذي مر به، فوافقت وأنهت المكالمة.
أخرج عوني سيجارة بيد مرتعشة وولعها.
"رنة التليفون أنقذتني من حالة البارنوميتا اللي كنت فيه."
"لكن لحظة... أنا عمري ما حطيت نغمة رنين دينية لتليفوني."
"وكمان متذكر إني مديتش فريدة رقمي."
هاتف فريدة مرة ثانية. "فريدة أنا آسف، لكن عندي سؤال أتمنى متفهميش غلط لأنه هيساعدني جداً."
"خير يا دكتور معاذ، فيه إيه؟"
"هو أنا أخدت رقمك؟"
ضحكت فريدة بخجل. "في المستشفى أنت سبت تليفونك معايا لأن ممنوع تزور مريض نفسي والتليفون معاك."
"ساعتها أنا أخدت رقمك و..." وترددت فريدة.
"وغيرت النغمة بتاعتك، بس يارب ما تزعل مني."
"أزعل منك إيه يا آنسة فريدة؟ أنتي حرفياً أنقذتي حياتي."
"دكتور معاذ؟ فيه إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة وبدأت أتوهغش."
"هحكيلك يا آنسة فريدة، لازم أحكيلك على كل حاجة."
"على فكرة." وتنهد معاذ. "صوتك جميل."
ضحكت فريدة. "أنا قعدت ساعة أتكلم، حكيتلك قصة حياتي وكل اللي أخدت بالك منه إن صوتي حلو؟"
بحرج همس معاذ: "الصراحة أيوه، أنا مش متذكر أي كلمة سمعتها منك."
"آنسة فريدة ارجوكي متزعليش مني ولا تفهميني غلط، لما أحكيلك هتقدري موقفي."
"مش زعلانة يا دكتور معاذ، أنا حياتي كلها تافهة أصلاً مفيهاش حاجة ملفته، كويس إنك مركزتش معايا."
همس معاذ: "ممكن أقابلك دلوقتي؟!"
"إحنا كنا لسه مع بعض يا دكتور." وتوقع معاذ أن ترفض. "لكن لو أنت مصر وهتدفع تمن المشاريب، معنديش مشكلة."
"وشك.. مخطوف كده ليه؟" همست فريدة أول ما قعدت على الكرسي.
شربت كوباية مياة وحكيت لفريدة كل اللي حصل معايا.
فريدة كانت بتسمع وهي مبلمة.
"مش مصدقاني يا فريدة؟"
"متوقعتش إن كل ده يحصل معاك بسرعة كده."
إن كان في فريدة ميزة، فإنها كانت صريحة ومباشرة.
"يعني إيه يا فريدة؟"
"ده اللي حصل مع عوني قبل ما يقرر يحجز نفسه في مستشفى المجانين."
شعرت بالهم والغم. "يعني إيه؟" ورفعت يدي بعصبية.
"النهاية قربت خلاص؟"
"معرفش يا معاذ، معرفش." لكن لو عايز رأي.
"مينفعش تحارب كيان مجهول."
"لازم تكون عارف خصمك عشان يكون عندك فرصة تنتصر عليه."
"أنا... أنا معرفش أي حاجة يا فريدة!!"
"فكر يا معاذ، أكيد لاحظت حاجة كده ولا كده، مش معقول مفيش أي خيط."
"أنت محتاج تركز أوووي كمان يا معاذ."
"مش عارف يا فريدة، عقلي متوقف عن العمل وخايف أرجع الشقة."
ثم قفزت عيون معاذ فجأة. "عوني أخوكي كان بيلمح للنار."
"لسعات نار أو جلد؟"
"جني ناري؟"
رواية وعد في العتمة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم اسماعيل موسى
فريدة عندى سؤال مجننى من اول يوم شفتك فيه!!
معاذ مش ملاحظ انك بتقفز قفزات هائلة أثناء الكلام؟
يعنى الكلام بيكون رايح فى مكان وفجأه القيك نقلته مكان تانى خالص؟
ايه سؤالك بقا يا سيدى؟
___اول يوم قابلتك فيه يا فريدة، ازاى عرفتى انى هطلب شاى ودفعتى الحساب مقدمآ؟
ابتسمت فريدة وكان فى ابتسامتها راحه لهموم معاذ، اصل دكتور عونى كان دايما بيطلب شاى لم نقعد هنا.
فأنا خمنت انك انت كمان هتشرب شاى مجرد توقع مش اكتر.
لم يقتنع معاذ رغم كده وجد من الأدب عدم تكرار سؤاله او التشكيك فى كلام فريدة.
مضى الوقت بسرعه، اكتر من ساعه وهما بيتكلموا مع بعض.
وجد معاذ الشجاعه جواة، انا مش هعطلك اكتر من كده.
انا بقيت كويس تقدرى تروحى بيتكم انسه فريدة.
نهضت فريدة ورفعت ايدها بوجه ضاحك، اسمحلى ابقا اتصل اطمن عليك.
دا شيء يسعدنى يا فريدة فى اى وقت.
وصلها معاذ إلى السيارة وانتظر حتى ارتدت نظارتها السوداء وانطلقت خلال الطريق.
تأخر معاذ شويه جوة الكافيه، كان محتاج يقعد لوحدة ويفكر هيعمل ايه.
وهو غرقان فى شروده وافكاره لقى رقم غريب بيرن عليه.
انت دكتور معاذ السنهورى؟
ايوه انا، انت مين؟ همسها معاذ بترد.
ياه الحمد لله، انا بدور عليك من زمان يا دكتور.
حاول معاذ ان يتذكر الصوت إلى مكنش غريب عليه.
انا مين؟
انا حارس المقابر يا دكتور معاذ، معقول قدرت تنسانى بالسرعة دى؟
اسف، بس كنت مشغول شويه، اقدر اساعدك بأيه؟
عايز حاجه منى؟
مش انا الى عايز يا دكتور، والدى طالب يقابلك.
والدك؟
ايوه والدى يا دكتور بيقول ان فيه كلام مهم لازم تسمعه.
استقل عونى سيارة أجرة نحو منزل الحارس وقد تملكه الفضول، ممكن يكون عايز ايه منى؟
اكيد ابنه حكاله عن إلى حصل معانا فى المقابر وهيصدعنى بالنصايح.
وشعر ان الغم عاد له مره اخرى وان كل الأبواب اغلقت فى وجهه، بمضى الايام تزداد أيامه صعوبة، وكان قلبه قد دق لأول مره ويشعر باللهفه لرؤية فريدة كل لحظه وعندما ينتابه احساس انه من الممكن أن يجن او يقتل وهو بعيد عنها ازداد حزنه.
امام بيته استقبلة الحارس، اهلا دكتور معاذ وأطلق ابتسامه خبيثه مع ايمائه هادفه.
اتفضل يا دكتور، نورت العماره!! دا نور المصابيح يا عوض انت هتأفور كده ليه؟
تعود يا دكتور مش اكتر، البنى ادم مننا بيقول حجات كتير ميكونش بيعنيها.
فتح باب الشقه طفل صغير مبتسم ثم ركض للعب مع اخوته.
ابنى على يا دكتور، بتمنى يطلع دكتور قد الدنيا زيك.
ولم يعرف معاذ كيف يعده عوض قد الدنيا وهو من الممكن أن يجن فى اى لحظه.
لحظه واحده وارجعلك يا دكتور والدى فى الاوضه إلى قدامك، ادخل انت مش غريب، هعمل شاى وارجعلك.
ولا انت بتشرب حاجه تانيه؟
تنهد معاذ، كل شخص هيقلك بتشرب شاى، مش غريبه شويه ان كل الناس دى عارفه انى بشرب شاى.
شاى يا عوض ماشى.
دخل دكتور معاذ الغرفه البسيطه التى يتوسطها سرير متهالك رقد فوقه رجل مسن حاد التقاسيم.
ازيك يا دكتور اتفضل اقعد، اسف انى ازعجتك.
لا ازعاج ولا حاجه يا ابو عوض انا تحت امرك.
ابتسم الرجل ابتسامه حزينه، عوض مش ابنى يا دكتور بس هو زى ابنى.
شعر معاذ بالحرج.
قبل أن يردف الرجل لكن هو ميعرفش انه مش ابنى، انا سامحت والدته واتخذته ابن لى، ثم تنهد وترحم على زوجته وهو يهمس الله يرحمها عانت كتير وضحت عشان اعيش.
ثم نظر تجاه معاذ وقال!!! اصلا محدش مننا يعرف هو ابن مين.
انتاب معاذ شعور غريب واحساس غامض بوجود مفاجأه.
ذلك الاحساس الذى يدفعك الاعتقاد ان هناك مصيبه تذحف نحوك.
انا حارس للمقابر من اكتر من أربعين سنه يا دكتور وشفت العجب إلى مقدرش احكيه لحد.
لكن من سنتين حصلت معايا حاجه غريبه، شاب اتحكم عليه بالإعدام ووالدته جابته تدفنه هنا.
كانت جايه لوحدها وتقريبا كانت متأجرة أشخاص علشان يشيلو الكفن.
كانت بتعيط وبتدعيله انا افتكرتها امه لحد ما واحد فيهم همسلى انها حماته والدة خطيبته إلى هو قتلها.
استغربت اووى ونزلت عشان ادفن الشاب ده، ومش عارف ليه جانى شعور افتح الكفن وابص على وشه.
كان عندى فضول اشوف وش شخص مشنوق وفتحت الكفن وشفت يا دكتور معاذ، شوفت وجه بشع مبتسم كأنه حى والله العظيم قسمات وشه كانت بتقول ان حى.
اترعبت ورميت الكفن وخرجت من المقبره مزعور.
قفلت المقبره وفضلت مراقبها، ايام زمان كنت بنام فى المقابر مكنش عندى مطرح يتاوينى.
ولعت حطب وفضلت سهران وبعد ما عدى نص الليل حسيت بحركه جايه من ناحيت المقبره.
وشفت القبر بينفتح كانت فيه ايد بتحفر فيه من جوه.
رواية وعد في العتمة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم اسماعيل موسى
عارف يا دكتور معاذ يا ابني كان لازم أهرب، لكن البني آدم ده غريب جدًا.
أحيانًا كل حاجة بتقولك اهرب، بتترجاك تنفد بجلدك وأنت تفضل مكلبش فيها بإيديك وأسنانك.
قلت: هيحصل إيه يعني؟
أكيد فار جوه المقبرة وشوفت جسمه خارج من المقبرة والنار مولعة قدامي. مقدرتش أتحرك ولا حتى أصرخ. جسمي كان متخدر ولساني مربوط. كان نفس الشاب اللي أنا دفنته، لكن مكنش هو. يمكن جسمه وشكله، لكن جواه كان حاجة تانية. مفيش ميت بيرجع للحياة، دا حتى اللي بيتعرض لخذلان مش شخص عزيز عليه عمره ما بيرجع زي الأول.
ونظر أبو عوض تجاه دكتور معاذ:
هو أنا راجل جاهل يا دكتور، بس حسيت بإحساس غريب مزعج. ورغم إني مفهمش حاجة قوي، قلت له: "متأذنيش، أنا مليش ذنب". كان بيبص عليا كأنه مش شايفني، أو أنا تخيلت كده. لما وصل عندي حسيت ببرد جامد قوي. عداني وقلت: "خلاص الحمد لله، شكله مش واخد باله".
لكنه استدار وابتسم ابتسامة وحشة قوي يا دكتور وقال:
"أنت هتعيش. هتعيش عشان تحكي، لما يحين وقتك. هتعيش، لكن مش هتشوف".
ومعاها راح نظري مني، مبقتش شايف حاجة.
أكتر من سنتين يا دكتور، لحد ما أنت وصلت عوض هنا في الليلة دي وشميت ريحته. ريحته هو يا دكتور، ورجع لي بصري تاني. سنتين عشتهم أعمى، وحكالي عوض عن اللي حصل في المقبرة معاه، وعرفت إنها العلامة اللي كنت منتظرها.
طلبتك يا دكتور عشان أحكيلك شفت إيه وحصل معايا إيه.
وأنا مش خايف منه. أنا مجبتكش هنا عشان الخوف، لا.
جبتك عشان تنتقم لي منه. دا مكنش أول لقاء بينا. أنا اتأذيت منه كتير يا دكتور. يمكن مكنش في نفس الصورة، لكن أنا متأكد إنه هو. عايزك تفكر، هو أذى عوض ليه وسابه يخرج حي، رغم إنه كان ممكن يقتلك أنت لو فضلت جوه المقبرة؟
لأنك عدوه.
همس معاذ:
الصراحة أنا مش فاهم انت تقصد إيه يا حج.
مش فاهم يا ابني، لأنك بتحاول تفكر بالمنطق والعقل، ودي حاجة خارج حدود العقل والمنطقية.
فتش تحاربه إزاي؟ لأن كل لحظة هتتأخرها هتكلفك كتير قوي، وهتفضل ندمان طول عمرك.
ثم سعل أبو عوض وبدأ أن روحه هتخرج منه. ركض عوض وزوجته، واستأذن معاذ وغادر الشقة.
في الطريق فضل صامت:
أحارب مين وإزاي؟ إذا كان كيان، شبح، جان، محتاج شيخ يحاربه، مش أنا.
"أنت التالي؟"
تذكر معاذ الكلمة اللي كتبت على المراية: "دوري قريب قوي".
"أنا سمعت صوته".
وحاول يتلاعب بيا في الشقة، وأنا سمحت بكده. النفس المجردة متقدرش تحارب كيان، مهما كان ثباتها.
أخرج هاتفه وبحث خلال الإنترنت عن أنواع الجان وكيفية محاربتها.
كلام عام لم يخضع لتجربة.
"لازم تتحصل على الثبات يا معاذ. لازم، لازم".
كان عليه أن يبدأ بالدلائل. لما التليفون رن بنغمة دينية، تأثيره انعدم.
استغرقت سيارة الأجرة وقت لا نهائي في الوصول إلى شقته.
صعد معاذ السلم وتردد قبل أن يفتح الباب. كان الهاتف لا يزال في يده على خانة البحث في جوجل، وقد كتبت لوحة الكتابة عنوانًا غريبًا بطرق مستمر على الحروف بلا وعي. وعندما دلف إلى داخل الشقة ونظر إلى الهاتف، تفاجأ بعنوان غريب ضمن نتائج البحث وصورة غامضة لبشر بهيئة غريبة.
ثبت معاذ الهاتف أمام عينيه وألقى بجسده على الأريكة، واضعًا كل تركيزه على العنوان الذي جذب انتباهه.
في زمن بعيد ساحق، كان هناك قوم كلما ارتكب شخص منهم معصية عوقب في الحال، وكان يظهر له ذيل.
ذيل يطول مع كل معصية يرتكبها، وكان أصحاب المعاصي واضحين للعيان ويشار إليهم، وكان شكلهم يختلف بين ذيل طويل وذيل قصير، ومن يحافظ على نفسه يظل كما هو. وإلى جوارهم قرية أخرى، يزداد وجه أصحاب المعاصي سوادًا مع كل خطيئة يفعلها. وكانت القريتين متجاورتين، وأصحاب المعاصي يشعرون بالخجل والعار ويختفون من أمام عيون الناس، حتى وصل إلى القرية رجل غريب راح يجتمع بأصحاب المعاصي، وكان قد زاد عددهم.
رواية وعد في العتمة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم اسماعيل موسى
وبعد أن كان أصحاب المعاصي يخجلون ويستترون، جعلوا يجهرون ويفخرون بذنوبهم. وعندما اعترض الصالحون، تجمع أنصار المعاصي وتغلبوا عليهم، وأصبح الحكم والسيطرة للعصاة.
وأصبح كل واحد يفخر بطول زيله، ونصبوا الغريب حاكمًا على القريتين. ولم يكن الغريب شخصًا عاديًا، بل ماردًا من الجان لديه قدرات جبارة جعلتهم يعبدونه.
تحقق معاذ من صفات الجني ووجد أن بعضها موجود في ما يعانيه ويمر به. لكن القصة تذكر الجني ولا تذكر كيف تغلب عليه رجل صالح من القريتين، بل تنتهي بهروب الجني واختفائه من القرية.
حاول معاذ أن يتعمق في موضوع البحث أكثر، لكن للأسف لم يعرف كيف عثر عليه وما الكلمات التي نقرها على لوحة المفاتيح حتى أوصلته لتلك النتائج.
شرد معاذ بعمق ونسي العالم وما حوله.
يعني فيه طريقة لهزيمته؟
طيب ليه المقال ما ذكرش الطريقة؟
استمتعت صح؟
دوى صوت مرعب داخل الشقة.
تلفت معاذ من حوله، لم يرى أحد، لكنه يعرف الصوت.
أمسك معاذ هاتفه بسرعة، وقبل أن يرتعش مصباح الصالة وينطفئ، شغل القرآن الذي حمله في طريقه.
وبعدين بقى في لعب العيال ده؟
انت فاكر بكده نقدر نتخلص مني؟
كان الصوت هذه المرة أقرب لأذن معاذ وأكثر رعبًا.
أنا ممكن أمحيك من على وش الدنيا.
بس أنا مش هعمل كده، أنا سايبك عايش لأن فيه دور لازم تقوم بيه.
دور محدد من زمان أوي يا دكتور، ولا يمكن تغييره.
ثم ارتفع الصوت.
انت التالي!!
تمكن معاذ من البسملة والحوقلة، فاختفى الصوت لحظيًا.
قبل أن تنفتح نافذة الصالة بقوة مرعبة جعلت معاذ يرتعش.
شرد معاذ لحظة، وقبل أن يدخل معاذ في واقع مخلوق، رن هاتفه.
استيقظ معاذ من شروده وسمع ضحكات متقطعة سوداوية مجحفة.
لو خيرتك يا معاذ بينك وبين حبيبة القلب، هتختار نفسك ولا تختارها؟
ودون تردد صرخ معاذ: هختارها هي.
قهقهقه متقطعة بدرت من اللاشيء.
هي البنت تستحق الصراحة.
تشبه مونيكا بيلوتشي.
عارفها ولا انت آخرك ياسمين صبري؟
صاح معاذ باستسلام.
اطلع من دماغي.
اطلع من دماغي.
رن الهاتف مرة أخرى بلا توقف، ويد معاذ عاجزة عن الرد.
بتحبها يا معاذ؟
لم يتلقى الكيان ردًا من فم معاذ المغلق.
عارف يا دكتور؟ أقوى أنواع الحب.
الحب غير المعلن.
الحب اللي بيخليك تتعذب ليل ونهار وانت شايف حبيبك ولا داري بيك.
ويمكن بيلعب بديله مع شخص تاني.
انت عايز ايه مني؟
وشعر معاذ أن عقله سينفجر من الدوار والصداع.
بتقاوم ليه يا معاذ؟ اسمحلي أدخل جواك.
كل اللي قبلك ارتاحوا لما سلموا أمرهم ليا.
وانت مش هتكون استثناء.
طرق باب شقة معاذ بقوة حتى أنه كاد أن يتهشم.
بينما لم يسمع معاذ سوى طرقات طفيفة على باب الشقة.
تحرك بصعوبة وفتح باب الشقة، وجد فريدة واقفة على باب الشقة.
لاحت من عينيه نظرة مستجدية، وقبل أن يسقط أرضًا تعلق بيد فريدة.
لم يدرِ معاذ كم مضى من الوقت وهو فاقد للوعي.
"اهو فاق يا آنسة الحمد لله"، رن صوت الحارس في أذن معاذ.
"الحمد لله".
ركضت فريدة من المطبخ في يده كوب عصير.
اشرب يا معاذ.
اشرب.
انت بخير.
انت فقدت وعيك وملقتش قدامي غير حارس العمارة استنجد بيه.
حصل إيه معاك يا معاذ؟
هو فين؟ راح فين؟ صرخ معاذ بخوف.
لا حول ولا قوة إلا بالله.
هو مين يا دكتور؟
مفيش حد موجود هنا غير أنا والآنسة.
كان هنا. كان موجود.
وضعت فريدة يدها الناعمة على فم معاذ ومنعته من مواصلة الكلام.
استكان معاذ وهدأ بين يديها.
عندما رحل الحارس، قص معاذ على فريدة الأوهام التي حاصرته.
"عونى كان بيحصل معاه كده يا معاذ. لما رنيت عليك أكتر من مرة من غير ما ترد حسيت إنه فيه حاجة غلط معاك."
"اتخضيت عليك الصراحة"، وهمست فريدة بخجل.
"ركبت عربيتي وجيت على هنا."
"أنا قابلت حارس المقابر يا فريدة"، همس عوني عندما استطاع الكلام.
وقلك إيه؟
صمت عوني دقيقة يتفكر.
قال كلام غريب يا فريدة.
أيوه، يعني قال إيه؟
نظر عوني إلى فريدة وأشفق أن يحمل هذا الوجه الملائكي همومه.
بعض الهموم خلقت لنسير بها بمفردنا.
"معاذ من فضلك"، همست فريدة بنبرة متوسلة.
"مش عايزة أخسرك زي عوني."
ثم تذكر معاذ فجأة كلام الحارس.
"تفتكر هو ما قتلش عوض ليه؟"
"كان يقصد إيه لما قال فكر في الموضوع ده؟"
"يعني عوض"، همس معاذ، "فيه علاقة بينه وبين..." وصمت معاذ خوفًا من أن يذكر اسمه.
"لا لا مش معقول"، نطقها معاذ بصوت مسموع وكأنه يطرد فكرة من دماغه.
"معاذ"، قالت فريدة بنبرة حادة.
"بتفكر في إيه؟"
"إن فيه علاقة بين عوض والكيان اللي بنحاربه."
"علاقة زي إيه يا معاذ؟"
صوب معاذ عينيه تجاه فريدة.
"عوض ابن الكيان."
رواية وعد في العتمة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم اسماعيل موسى
اتسعت عيني فريدة البندقيتين بنظرة مدهشة تجمع بين اللهفة والفضول، وكان في عينيها بحر وقارب ومجداف.
واستغرب معاذ! آن لها كل هذا الثبات؟ يا ربي وأنا أحدثها عن أشباح وعفاريت وميت يحضر شنق حي!
كيف بهذا الوجه البريء أن يخفي ملامحه عني؟ وأنا الذي ظننت أني أحفظ تفاصيله، فإذا به يفاجئني كل مرة بشكل مختلف!
همس معاذ بنبرة متسائلة: "فريدة، انتي مش خايفة؟"
"لو قلتلك مش خايفة أبقى كدابة يا معاذ، لكن فيه شيء أصعب من الخوف، الاستسلام، وأنا متعودتش أستسلم."
وكان لديها حكي كثير اختصرته بابتسامة: "معاذ، اوعى يغرك شكلي، أنا قوية جدًا."
وسمع معاذ صوته اللعين يهمس داخل عقله: "قل لها إن كل حاجة فيها مغرية، خايف ليه؟ أنت جبان!"
"أنا أستمد قوتي من ثباتك، وحلاوة روحي من ابتسامتك، أنت قادرة على إخراجي من أحلك أوقاتي ضبابية بهمسة واحدة من فمك."
"عندما أظن أنني وقعت، وتحضرني صورتك، أنهض مرة أخرى."
اعتلى الخجل وجه فريدة: "دي أجمل مغازلة سمعتها طول عمري يا معاذ."
"أنا بتكلم بجد يا فريدة، قبل ظهورك كنت تايه ومليش حد، الآن أعرف أن هناك من قد يقاتل من أجلي."
"أقاتل إيه يا عم! أنت فاكرني واخده حزام أسود؟"
وشعر معاذ أن خوفه رحل، وأن ثباته عاد إليه تلقائيًا بتوقف التفكير فيه، توقف الهمس داخل أذنه وعقله.
"بقلك إيه يا معاذ، إيه رأيك أوصلك المستشفى؟ أنت مش لازم تفضل في الشقة لوحدك على الأقل دلوقتي."
"اشغل وقتك، متديهوش مساحة أكبر من حجمه."
استبدل معاذ ملابسه، وأقلته فريدة إلى المشفى.
"نزليني هنا يا فريدة، بلاش تدخلي المستشفى"، همس معاذ عندما فتح حارس الأمن البوابة.
"ليه بتقول كده يا معاذ؟" خاطبته فريدة وهي تضغط البنزين وتركن في ساحة السيارات.
"أنت مش ناوي تعزمني على قهوة ولا إيه؟"
رافق معاذ فريدة نحو مكتبه تحت نظرات الممرضات الفضولية.
على السلم قابلته ريهام الممرضة، أطلقت ابتسامة خبيثة وهي تعاين فريدة.
"إزيك يا دكتور معاذ؟"
"الحمد لله بخير يا ريهام، ياريت ملفات المرضى تكون على مكتبي بسرعة."
"اعمل حسابك في الساندويتشات يا دك."
قالت فريدة بابتسامة عريضة متدخلة في الحوار: "أنا عازماك على العشاء يا دكتور معاذ."
همس معاذ وهو يفتح باب المكتب: "مكنتش قولتي كده يا فريدة قدام الممرضة."
"ليه خايف منها؟ أو فيه علاقة تجمعك بيها؟"
أشعل معاذ سيجارة وجلس على مكتبه: "الممرضات هيحفلو عليا يا فريدة وأنا مش ناقص دوشة."
"ثم أنت جميلة بطريقة غير ممكنة تجعل كل من ينظر إليك يعتقد أنني محظوظ."
انطلقت ضحكة من فريدة: "حلوة يحفلو عليا دي، بتفكرني بأيام الجامعة."
"وبعدين يا سيدي خليهم يحفلو عليك، هو فيه حد لاقي."
استغرق معاذ دقيقة ليجمع شتاته: "أنا لا أحاول أن أجذب انتباهك ولا أبالغ في مدحك، أقسم أن كل ما أنطقه يخرج من قلبي."
"فريدة، أنت مش منافق."
"عارفه يا معاذ، عارفه، هتطلب قهوة ولا أمشي؟"
طرق باب مكتب معاذ وأطل وجه ممرضة عريض: "دكتور معاذ عايز حاجة؟"
"عايز قهوة لو سمحتي يا آمل، قهوة مظبوط."
وطرق مكتبه بيده.
شعر معاذ أن جسده تعرض لماس كهربائي عندما لمس الخدوش على مكتبه دون أن يشعر، ومرت ألف صورة في ذهنه مما أجبره أن يطلق تنهيدة ألم.
"شايف الخدوش دي يا فريدة؟"
"الخدوش دي عملها مدحت على مكتبي وعلى مكتب دكتور سعيد، خمس خدوش في تلت مجموعات، استخدم أظافره في نحت الطاولة. عارفة؟ وصلت بيه إنه يدخل مكتبي أثناء غيابي ويكمل الخدوش على الطاولة وعلى الصورة اللي ورايا دي."
"مش قادر أفهم إيه المهم اللي كان عايز يوصله ليا أو لدكتور سعيد."
"تلت خمسات يا فريدة، رمز الشيطان ٥٥٥، ليه مدحت نقش الخدوش على مكتبي؟ كان عايز إيه؟"
رفعت فريدة بصرها: "بتقول تلت خمسات رمز الشيطان؟"
"أيوه يا فريدة."
"مش تلت ٦٦٦ يعني؟"
"لا مش تلت ستات، فريدة، تلت خمسات."
همست فريدة بلا مبالاة: "يبقى عايز يقولك إنك بتحارب الشيطان يا معاذ."
انصدم معاذ من غبائه، اتكأ بظهره على المقعد غير قادر على منع ابتسامة ساخرة أن تعتلي محياه.
"ياه، أنا غبي للدرجة دي؟ أفكر في كل اتجاه وأستبعد أكتر فكرة منطقية قدامي. الضرورة اللي خلت مدحت ينخر الخشب بأظافره الخشب!"
"أنت مش غبي يا معاذ، أنت ذكي أكتر من اللازم، لكن العين مش بتشوف غير اللي احنا في الطريق عايزين نشوفه، والعقل أحيان بيمشي وراها."
"أنا اتسببت في موت إنسان بريء، بذل كل جهده المتاح لإثبات براءته."
"أنت متسببتش في موت حد يا معاذ، هو كمان مقدرش ينطق ويتكلم ويقول خايف من إيه، هو كمان إرادته كانت ضعيفة وخنق خطيبته."
"معاذ، ممكن تسمحيلي أفكر معاك بصوت عالي؟"
همس معاذ: "ياريت يا فريدة، ياريت."
"هو قالك قتل خطيبته ليه؟"
تردد معاذ لحظة: "آه قال، قال إنه قتلها لأنه كان بيحبها."
"قتلها عشان ينقذها وأنها ضحت عشانه."
"كلام كتير مش مفهوم."
وضعت فريدة إصبعها على ذقنها الناعم وضمت شفتيها.
"بالعكس، كلامه واضح جدا."
"لو ربطنا بين الخدوش على المكتب وخنقه لخطيبته عشان ينقذها، هتلاقي في ترابط كبير."
رفع معاذ يده وهز كتفه: "فريدة، من فضلك متقوليش إنه كان مجنون والكلام الفارغ ده."
"مش مجنون يا معاذ، بعد اللي عرفناه، احتمالية يكون مجنون انعدمت خلاص."
"أنا عندي فكرة كده بس خايفة إنك مش هتوافق."
"بتفكري في إيه يا فريدة؟"
همست فريدة وعيونها تلمع: "والدة القتيلة، خطيبة مدحت مخبية حاجة."
"هي عارفة مدحت خنق بنتها ليه وموافقة على اللي عمله."
"السر عندها يا معاذ، لازم نقابلها."
"تقصدك أقابلها يا فريدة؟ أنا مش ممكن أورطك معايا في مشاكلي."
"أنا اتورطت خلاص يا دك."
"خلص شغل واديني تليفون نروح نقابل الست دي."
"ولا تليفون ولا حاجة، يلا بينا، أنا مش هقدر أشتغل أصلًا وعقلي في مكان تاني."
رواية وعد في العتمة الفصل السادس عشر 16 - بقلم اسماعيل موسى
بتعرف تسوق يا معاذ؟ ونظرت فريدة تجاه الطريق المزدحم.
اسوق العربية يعني؟
آه يا معاذ، همست فريدة بشرود وكأن هناك ما يشغلها.
ماشي. استبدل المقاعد واستقر معاذ خلف عجلة القيادة، ولم يتمكن من فهم فريدة. للنساء آراء ومفاهيم ووجهات نظر واهتمامات أكثر تعقيدًا من امتحان مادة الفيزياء في الثانوية العامة.
انطلق معاذ ببطء، فقد كانت مهاراته في القيادة مضمحلة، وكان متوجسًا أن يخدش سيارة فريدة.
وظل حذرًا في قيادته حتى وصل الطريق السريع وانفتحت الأسفلت أمامه.
شد شوية يا معاذ، إحنا زي ما نكون راكبين قطر متعطل.
كل تأخيرة وفيها خيرة يا فريدة. ثم شهق معاذ وبدأت السيارة الزاحفة تنطلق بسرعة.
عبر عداد السرعة ١٢٠ كيلو. نظرت فريدة نحو معاذ.
معاذ، هدي السرعة شوية.
أنا ماشي بسرعة بطيئة جدًا يا فريدة، زي السلحفاة. وضغط البنزين.
معاذ! صرخت فريدة، اضغط فرامل! اضغط فرامل! لكن معاذ واصل الضغط على دواسة البنزين حتى كادت السيارة أن تحلق من سرعتها.
إنت هتموتنا يا معاذ، وقف العربية!
مش قادر يا فريدة، مش قادر. رجليه متكبّلة. ثم صرخ معاذ برعب.
مش أنا اللي بسوق.
قل بسم الله يا معاذ. أذكر الله. مش قادر يا فريدة، مش قادر.
وسط اللخبطة، صفعت فريدة معاذ على خده.
وبحركة مرنة، ضغطت فرامل إرادته سلس حتى لا تنقلب السيارة، لكن الفرامل لم تفعل وظلت السيارة تتماوج على الرصيف.
ثم ظهر طيف مبتسم على زجاج السيارة، طيف بوجه بشع ساخر، يهمس: إنت التالي!!
هتقتلنا؟ صرخ معاذ بجنون. لو قتلتنا تبقى انهزمت، مش دي طريقتك.
قلت لعوني إني هقتل فريدة. إنت مش قادر تسيطر صح؟ عايز تخلص الموضوع بأي طريقة.
ابتعد الطيف وعاد مرة أخرى. إنت بتتحداني؟
أنا عارف إنت مين، وجيت من فين وعايز إيه. وعارف علاقتك بعوض، وعارف مدحت قتل خطيبته ليه.
إنت بقيت مكشوف وأنا مش خايف منك.
قهقه الطيف، وهدأت حركة السيارة حتى توقفت على جانب الطريق.
شهق معاذ من الرعب، وكانت فريدة تحت الصدمة.
فريدة؟ شفتيه؟
تقيأت فريدة على الأرض. أنا غلطانة إني خليتك تسوق أصلًا يا معاذ، كنت هتموتنا.
شوفتيه يا فريدة؟
شوفته يا معاذ.
انطلق معاذ في الضحك. يعني أنا مش مجنون.
هو ده كل اللي همك يا معاذ؟ فيه حاجة أكبر من كده إنت مش واخد بالك منها. رفع معاذ وجهه ينتظر، كطفل يتيم يتمنى مدح أمه. إنت قدرت تشتت انتباهه.
والله ما إنت سايق تاني، انزل!
حاضر يا فريدة.
أوقفت فريدة السيارة تحت منزل المرأة وتأكدت من حلاوة ملامحها في مرآة السيارة حيث أخفت شعرة متمرّدة مرقت من التحجيبة.
تقدم معاذ السلم المظلم مثل فتى جريء، وهمس بامتنان: خلي بالك ليكون فيه درجة مكسورة ولا حاجة.
بعد عدة طرقات استمرت أكثر من دقيقة، انفتح الباب.
كان وجه المرأة متغضن، تشعر أنها أمضت عامين بلا نوم.
إنت مين وعايز إيه؟
همست بنبرة مرتعشة وهي تعاين فريدة.
أنا دكتور معاذ، صديق مدحت. اتقابلنا يوم الدفنة بتاعته.
ضيقت المرأة حاجبيها مفكرة. أنا معرفكش.
أزاح معاذ فريدة عن طريقه بحركة عشوائية. افتكري كويس يا حاجة، الوش ده مش ممكن يتنسى.
ليه هو إنت محمود المليجي؟
لا فريد شوقي. إحنا هنزر يا حاجة، من فضلك ركزي.
قلتلك معرفكش يا أستاذ.
همست فريدة. طيب ممكن ندخل نتكلم جوه الشقة، ميصحش نقف على الباب.
وتدخلوا شقتي تعملوا إيه؟ أنا شقتي طول عمرها محترمة.
أفكارك قذرة، خاطبها معاذ بصوت مسموع. وكانت المرأة تمسك الباب المورب بقوة كأنها أمام سطو مسلح.
وكانت رائحة عفونة تخرج من داخل الشقة وتيار مثلج يشق طريقه نحو الخارج، ولاحظ معاذ أن قدمي المرأة تعاني تورم وأن عروق قدميها ظاهرة أسفل قدميها.
مدحت خطيب بنتك يا والدتي. مدحت اللي اتشنق بريء.
سقطت دمعة من عيون المرأة، دمعة ساخنة أحسها معاذ في يده.
من فضلك يا ابني امشِ من هنا. أنا معرفكش ومعنديش استعداد أتكلم في الموضوع ده.
وضع معاذ رأسه داخل باب الشقة المعبقة بالحزن والفقد والتعاسة.
يلا بينا يا معاذ، همست فريدة بخجل. سيبها على راحتها.
في أثناء هبوط السلم، سبّ معاذ ولعن أكثر من ألف امرأة.
اركب يا معاذ، خليني نمشي.
كان معاذ يضع يده على السيارة بغضب. أنا عايز أبلع ريقي، هشترى حاجة ساقعة وأرجعلك.
قصد دكان البقالة تحت العمارة الذي يرسل له معاذ النقود مع شخص مجهول منذ وفاة مدحت لمساعدة المرأة، وكان صاحب الدكان يضع مشتريات داخل كيس لطفل صغير. انتظر معاذ دوره بصبر.
اطلع للست تحية اديها الكيس ده، قال معاذ بلا مبالاة.
الست تحية اللي ساكنة في الدور التاني؟
آه يا أستاذ، ربنا يكون في عونها.
اللهم آمين يا رب العالمين، رددها معاذ بكل قلبه. وبفكرة سريعة سأل: هما لسه الدكاترة مش لاقيين لها علاج؟
رفع الرجل بصره باستنكار. هو المشلول بيتعالج يا أستاذ؟
تجاوب معاذ معه. هي الست تحية اتشلّت؟
من زمان أوي. بعد شهر من وفاة بنتها اتشلّت ومش بتقدر تتحرك من مكانها. ربنا يبارك في ابن الحلال اللي بيبعت لها الفلوس.
دي مش بتقدر تتحرك من مكانها وأحيان مش بتقدر تتكلم، وطول الليل تصرخ كأن فيه شخص ماسك كرباج وعمال يعذبها وصوتها بيوصل العمارة كلها. كفاية حرمت، ارجوك سيبني في حالي.
ولما شكينا في الأمر وخفنا يكون حد بيضربها، دخلنا شقتها أكتر من مرة فجأة ملقيناش حد.
فعرفنا إنها يا حفيظ اتجننت. يارب يشفيها أو يريحها.
ارتطمت الصدمة بقلب معاذ، وركب السيارة بشرود.
مالك ساكت ليه يا معاذ؟
رمى معاذ ابتسامة فاترة. عارفة الست اللي فتحتلنا الباب من شوية؟
مالها يا معاذ؟
عندها شلل ومش بتقدر تتحرك من مكانها.
رواية وعد في العتمة الفصل السابع عشر 17 - بقلم اسماعيل موسى
فريدة بصدمة: عندها شلل ومش بتقدر تتحرك؟
أيوه يا فريدة.
طيب إزاي فتحت لينا الباب؟
معاذ بابتسامة: أو مين اللي فتح لينا الباب؟ وإيه الريحة المعفنة اللي كانت جوه الشقة والتيار الساقع اللي صفع وشي.
وصراخ تحية كل ليلة.
كل دي علامات وجود الكيان يا فريدة!
فريدة: لو كانت بعيدة كيف قدرت تفتح لينا الباب يا معاذ؟
الست تحية لما قابلتها وقت الجنازة كانت سليمة يا فريدة، رغم مرضها إلا أنها كانت بتتحرك. دا عقاب الكيان!
فريدة: ببعقابها ليه يا معاذ؟
معاذ بشرود واثق: لأنها وافقت مدحت يخلص بنتها من سيطرته.
الكيان كان عايز بنتها، ودا اللي لاحظته لما راجعت الفحوصات. البنت مكنش عندها حاجة.
ذنبها الوحيد إن الكيان كان عايزها واختارها تكون ملكه. مدحت عرف كده وحاول يعالجها لكنه فشل، ومكنش قدامه أي طريقة يخلصها منه إلا قتلها. والبنت وافقت على كده لأنها كانت بتحب مدحت، بتعشقه. كل واحد فيهم ضحى عشان الثاني.
البنت في البداية كانت بتتعرض لحالات باتنكيندر، إفقاد تركيز مع تخيلات عالية المستوى. الآثار على جسمها بتأكد إنها كانت بتقاوم ويشتايبر استقدام لعالم موازي.
من اللي عمله معاها الكيان واضح إنها أبدت مقاومة عنيفة ورفضت الاستسلام. في أيامها الأخيرة ضعفت مقاومتها واتفقت مع مدحت يخلصها منه. رفضت إنها تكون واحدة من عشيقاته، حملات ذريته.
في كتاب "إباحة المنكرات" لابن المنذر بيقول إنك لازم تتعامل مع الكيان على إنه إنسان شرير عايز يقضي عليك، مش على إنه جان أو شبح أو مخلوق غيبي بيتمتع بقدرات غير طبيعية.
لأن قوة الكيان بتتدفق من ضعفك وإحساسك بالعجز. أظنك إنه أقوى منك أصلاً، لكن عندما تحاربه كإنسان شرير يمكنك التعامل معه.
معاذ: إنت جبت المعلومات دي كلها منين؟
بحثت عنه يا فريدة، مش إنتي قولتي لازم تعرفي عدوك عشان تقدري تحاربيه؟
شردت فريدة لبعيد مفكرة بتركيز في كلام معاذ.
يعني الولدين اللي قتلوا خطيباتهم رفضوا يخضعوا ليه؟
بالضبط كده يا فريدة، وكان عقابهم الموت. اللي مش قادر أفهمه ليه الكيان هاجم عوني.
عوني لا خاطب ولا متجوز، ليه وضعه جوه اختياراته؟
إنت كمان يا معاذ مش خاطب ولا مجوز. ثم صمتت فريدة.
عوني كان خاطب زمان.
وأيه اللي حصل يا فريدة؟ صرخ معاذ بنبرة مستجدية، فشكل الخطوبة وبعدها بأسبوع خطيبته ماتت في حادثة.
صمت معاذ بشك: خطيبته ما ماتتش في حادثة، هو قتلها.
فاكرة حصل معانا إيه في العربية؟
مفيش حاجة بتحصل بالصدفة، لكن إنت لازم تعرف عوني فشل الخطوبة ليه.
وهل كان فيه حاجة بتحصل معاه ومعاها؟
مش هتستفيد منه حاجة يا معاذ، عوني بيرفض يتكلم الفترة دي في حياته.
لازم يتكلم يا فريدة، لازم عشان ينقذ نفسه وينقذني.
مش قادر أتخيل إن عوني قايض حياة خطيبته قصاد حياته.
عوني مش من النوع ده.
أنا محتاج أقابل عوني مرة تانية، لكن في البداية لازم نخلص الست دي من تعذيب الكيان.
أنا هاخدها تعيش معايا في شقتي.
لا، قالت فريدة بتصميم: هتعيش معايا أنا، لأنني عايشة لوحدي.
انطلق معاذ صاعد سلم البناية وفريدة خلفه.
طرق باب الشقة بقوة، وعندما فتحت المرأة الباب دخل معاك الشقة وسط نظرات المرأة المتوجسة.
إنتي هتيجي معايا يا تحية، مش هسيبك ليه يعذبك.
هطلت دمعة من عين المرأة ونظرت بخوف تجاه غرفة مغلقة.
هو هنا صح؟
عايش معاكي؟ بيعذبك؟
فريدة: خدي تحية ونزليها العربية، أنا هتصرف معاه.
لم تتحرك تحية، واضطر معاذ وفريدة لجرها بالقوة خارج الشقة.
أول ما وصلت السلم قعدت على الأرض من غير ما تقدر تحرك أقدامها، وكانت تفوح منها رائحة عفونة شديدة وآثار تعذيب في كل حتة في جسمها.
بدت مذهولة على السلم وسألت: إنت فين؟ ورايحة فين؟
وإيه اللي حصل معايا؟
كانت مغيبة تمام وغير دارية بأي شيء خلال الأسابيع اللي مضت، وشعرت بالخجل الشديد وهي تعاين نفسها والقاذورات اللي سكنت كل ركن فيه.
يلا يا معاذ مش لازم تدخل الشقة مرة تانية، إحنا خرجنا خلاص.
لازم أدخل غرفة البنت يا فريدة، أنا متأكد إني هلقي حاجة تساعدني.
بتردد همست فريدة: لكنه هناك.
إنت، إنت، مش خايف يأذيك؟
خايف يا فريدة، لكنني مضطر. أنا محتاج أي خيط أتعلق بيه يطلعني من التوهان اللي أنا عايش ده.
وصعد السلم ركض نحو شقة تحية، أول ما دخل من الباب لمح طيف يتحرك بسرعة.
رواية وعد في العتمة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الشقة ساكنة كأنها منزل مهجور على آخر حدود الأرض.
كان معاذ يسمع وقع خطواته على البلاط البارد.
خطوات بطيئة، كئيبة، مرتعشة.
وتساءل معاذ: "هل اخترت المكان الملائم لمقابلتي؟"
رغم أن الأثاث داخل الشقة كان يتحرك باستمرار بحركات عشوائية، إلا أن معاذ لم يشعر به.
فتح باب الغرفة، الذي كان مستعصيًا، بالقوة.
بقع سوداء بدأت تظهر على سقف وجدران الشقة.
غرفة بسيطة تفوح منها رائحة الموت.
صور لشابة تنعى صاحبتها الميتة، تركت في مكانها على الجدار.
حفر عليها رقم ٥٥٥.
مقعد فقد أحد قوائمه.
طاولة رصت عليها كتب وروايات.
زجاجة عطر فارغة رسم عليها رمز القراصنة.
دفتر يوميات غطاه التراب.
مصباح في سقف الغرفة، ترك مكانه وتعلق بسلك الكهرباء العاري.
بطانية مطبقة موضوعة فوق الوسادة.
صورة طفلة جميلة علقت فوق السرير بقصة شعر "بيكي".
رفع معاذ غطاء السرير وحملق بالملل الخشبية المتعددة التي حفر فوق كل واحدة منها رمز الشيطان.
اصطدم باب الغرفة خلف معاذ محدثًا صوتًا مدويًا.
"الإنسان الذي عاش طول حياته بمفرده لا يثق بالآخرين بسرعة. عايزة تقولي إيه يا حنان؟ مش قادر أوصل ولا أفهم، عايزة توصلي إيه؟"
ثم سمع معاذ صوت قهقهة ورأى والدته التي ماتت منذ كان طفلًا تجلس على السرير.
"أوهام!"
وضع معاذ يده فوق وجهه.
"حاجب الصورة!"
تجهم وجه المرآة.
"إنت مش عايز تشوفني يا معاذ؟"
حاول معاذ أن يضع كل تركيزه على تفاصيل الغرفة.
البقع السوداء التي ظهرت على جدران الشقة راح يتساقط منها دود أسود.
دود زحف على الأرض ببطء واعتلى السرير.
"الحقني!"
سمع معاذ صوت أمه يدوي في عقله.
"إنت مش عايز تساعدني؟"
بدأ الدود يأكل جسد الأم الصارخة.
"أنا بلعنك في كل لحظة يا معاذ، إنت كنت سبب موتي!"
الدود الملتهم أزال الجلد واللحم، وتحول جسم الأم لهيكل عظمي.
"طول عمرك بتتخلى عن من اختارك، عشان كده هتعيش وحيد معذب بضميرك الواهي."
هطلت الدموع من عيون معاذ الذي يعرف أن كل هذا تهيؤات من صنع الشيطان.
رغم ذلك، أحس بالوجع.
"كان يمكنني أن أحتضنها على الأقل."
همس معاذ: "ما فيش جديد، في كل مكان بروحه بلاقي نفس العلامات."
"لقد أحضرتك لعالمي، فإن تأثيرك محدود."
وكان معاذ يعيش داخل تفاصيل العالم الذي خلقه قبل دخول الشقة.
رغم اختراق الكيان له، لكنه حتى الآن يسيطر على عقله.
بعد أن يأس معاذ، أشعل سيجارة وجلس وسط الغرفة التي أصبحت مظلمة.
"لما تكون بتتعرض لهجوم كيان كل ليلة، ممكن تضع أسرارك فين؟ لو كنت في وضعها، مرعوب!"
"ها يا معاذ، كمل!"
مسح معاذ الغرفة بعينه بحثًا عن مصحف.
كانت الغرفة خالية من أي آية قرآنية.
"عاشت معذبة وماتت معذبة، فلا تجعل موتها يذهب سدى."
"كل الأمور ملقاة على عاتقك، حتى الذي لم يحدث منها بعد."
رنت فريدة على معاذ بعد ما تأخر.
كانت مرعوبة أن يكون الكيان عمل فيه حاجة.
ترك معاذ الهاتف يرن ونهض قاصدًا باب الشقة.
ثم التفت فجأة ونظر تحت السرير، يمكن يشوف حاجة.
لكن الشرطة كانت أخذت كل الأدلة، حتى غير المفيدة لها.
ركب معاذ السيارة في صمت وحيرة.
"ملقتش حاجة، صح؟"
"نفس العلامات يا فريدة، كلها متشابهة."
"الكيان هاجمك؟"
"آه هاجمني، لكن كنت في عالم خلقته جوه دماغي. أنا جبته عالمي مش بتاعه، عشان كده تأثيره كان ضعيف."
"طيب، إنت بتعيط ليه؟"
وكانت دموعه تنزل دون أن يدري.
"شفت أمي يا فريدة، الكيان كان بيلاعبني ومقدرتش أحضنها حتى."
ربتت تحية على كتف معاذ من مقعدها الخلفي.
"متزعلش يا ابني، أنا عمل فيا حاجات كتير جدًا."
انطلقت فريدة بالسيارة.
وعندما وصلوا الشقة، نظفت المرآة وغسلتها، وألبستها ملابس نظيفة، وأعدت لها الطعام.
"وبعدين يا معاذ، إحنا كده بندور في حلقة مفرغة."
"كان عندي أمل ألاقي حاجة في غرفة البنت، لكنها كانت فاضية من كل حاجة."
تحية كانت تأكل وتسمع الكلام، لكن صامتة.
فجأة، نظر معاذ تجاه تحية.
"هي بنتك كانت بترسم يا حاجة؟"
"أيوه، كانت بترسم. أنا جمعت كل حاجة تخصها في الشنطة اللي هناك دي."
مشي معاذ تجاه الحقيبة وأفرغ محتوياتها على الأرض.
أمسك كراسة الرسم وبدأ يعاينها.
انصدم لما شاف الرسومات اللي داخل الكراسة.
عينيه برقت وراح يفتش الرسومات، ومع كل رسمة دهشته تزداد أكتر.
في البداية، رسمت حنان طيفًا أغبش، مجموعة خطوط قاتمة.
ومع كل صفحة، كانت الرسومات تزداد وضوحًا، تقريبًا مع استمرار ظهور الكيان عندها في الغرفة.
تأمل معاذ ملامح الكيان بدقة.
الصفحة قبل الأخيرة كان الكيان تقريبًا مكتملًا.
وآخر صفحة في الكراسة مقطوعة.
راجع معاذ الرسومات مرة ثانية مع سيجارة وكوباية شاي.
كان نسق الرسم موحدًا.
لكن الرسمة ما قبل النهاية فيها شيء غريب.
حدق معاذ بالرسمة بتركيز، لأنها كانت مختلفة، كأنها توجه رسالة.
ثم أبعد الرسمة عن وجهه وقربها، قبل أن يصرخ.
"شريخ!"
"اسمه شريخ! اسم الكيان شريخ!"
عندما ذكر اسم الكيان، شهقت تحية وتقيأت كتل سوداء لزجة مقرفة على الطاولة، داخلها دود يسعى.
"ومالك مبسوط كده أوي يا معاذ؟" همست فريدة بانزعاج.
ابتسم معاذ بارتياح.
"لأنك عشان تستدعي كيان أو تتغلب عليه، لازم تكون تعرف اسمه."
"اسمه بيوضح لك نوعه وعشيرته وأصله ونسبه."
"الأمر مش بالسهولة دي يا معاذ، إنت محسسني إننا اتغلبنا عليه."
"من حقي أفرح يا فريدة، أنا كنت في متاهة ملهاش أول من آخر، وفجأة ظهر لي قنديل مضيء يدلني على الطريق."
نظفت الطاولة من العفونة، وسرت سكينة داخل الشقة.
وارتفع صوت قرآن فعلته فريدة من أجل الحماية والتجسس.
"لكل أمير علوي من الجان أعوان وخدم ومريدين. تصنيفهم بين الجان مثل تصنيفهم بين البشر، ولكل واحد منهم سر قوته الذي يعتمد عليه."
فاح عطر فريدة داخل الرواق المؤدي لغرفة عوني.
أصرت أن ترافق معاذ تلك المرة.
وكان عوني في ركن الغرفة المظلم، لا تظهر منه سوى عينيه اللامعة.
وكان جسده نحل لدرجة مروعة، ويعاني من أزمة اكتئاب حادة، ومنذ يومين يرفض تناول الطعام.
قابلهم عوني بعدائية وصرخ بصوت مجنون: "مش عايز حد هنا!"
غمز معاذ للحارس بعينه أن يلتزم الطناش والصمت.
رواية وعد في العتمة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم اسماعيل موسى
أنا عايزك يا عوني، عارف إنك موجود في مكان ما داخلك.
صرخ عوني.
قلت: "اطلع بره وخد عشقياتك معاك!"
"إلى معايا أختك يا عوني، وأنت بتحبها أكتر من نفسك. مش أنت اللي بتتكلم؟"
لكن عوني السنوري قادر يسيطر على نفسه.
استدار عوني، وخلال دقيقة واحدة تغيرت ملامحه أكثر من مرة. ابتسم، وحزن، وغضب، وسخر. استسلم، وانهار، ونهض، وفتح فمه. كان لسانه من الداخل ملوث ومتقيح.
"وصلت لحاجة؟"
كافح عوني لينطق الكلمة.
"عرفت اسمه يا عوني، وبعون الله هقضي عليه. اسمه شريخ من العائلة النارية."
لما سمع عوني الاسم، تشنج جسمه وارتعش. دخل في حالة بسستبريتو.
ثم استعاد توازنه.
"مش هتقدر تقضي عليه يا معاذ. دا عايش من زمن بعيد. اتصل بالدكتور محمد إسماعيل."
ثم انغلق فمه تمامًا، ولم تفلح أي محاولة في جعله يتحدث. فقط حشرجات ونخرات لعينه مقززة.
بكت فريدة. لم تتمكن من السيطرة على نفسها.
"يلا بينا يا فريدة، مفيش فايدة من الكلام."
رفع عوني علامة النصر المتحدية بكل سخرية.
همست فريدة: "مش قادرة أستحمل اللي بيحصل لعوني ده يا معاذ. قلبي بيتقطع عليه. أرجوك ساعده. عوني ميستاهلش كل اللي بيحصله ده."
استقرت عيون فريدة البندقيه في قلب معاذ بكل حالاتها.
"مين دكتور محمد إسماعيل ده يا فريدة؟"
"معرفش يا معاذ، معرفش. عوني مكنش بيقولي عن حاجة من أسرار شغله."
اتصل معاذ بالمشفى اللي كان بيعمل بها في آخر أيامه. لم يكن هناك وجود لطبيب باسم محمد إسماعيل.
رجعوا على شقة فريدة لأنها كانت تعبانة وحالتها النفسية سيئة جدا.
شغل معاذ نفسه في تجهيز الطعام في المطبخ ومشروب ساخن لفريدة.
ثم ترك كل شيء وتوجه لغرفة عوني. فتشها وبحث في كل ركن فيها، حتى الكتب فتشها والمذكرات وروشتات العيادة.
عندما انتهى، كانت فريدة نايمة على سريرها فاتحة تليفونها وبتفتش فيه ومبحلقة في صورة شابة لعوني.
"دي صورة عوني يا فريدة؟"
"دي آخر صورة نزلها عوني على الفيس، كل ما بيوحشني بطلعها عشان أفتكر عوني الزماني."
"وريني كده."
"مش دا حساب عوني على الفيس؟"
"أيوه يا معاذ، حساب عوني."
فتح معاذ الماسنجر الخاص بعوني وفتش في محادثاته بدقة، زوجة تبحث عن خيانة زوجها.
التمع الهاتف أمامه كأنه يسخر منه. تحول معاذ لطلبات المراسلة. كان هناك طلب مراسلة من شخص يدعى محمد إسماعيل.
فتح معاذ المحادثة وكتب: "السلام عليكم."
بعد نصف ساعة تلقى الرد: "ياه يا دكتور عوني، بعد سنتين بترد."
"أنا مش عوني، أنا دكتور صديقه."
"أمال عوني فين؟"
بتردد كتب معاذ: "عوني في مستشفى المجانين."
حل صمت ذهاء نصف دقيقة قبل أن يكتب بغضب: "أنا حذرته، قلتله مش هتقدر عليه، لكن عناده وصلب عقله وصلته للمحتوم."
"أنا عايز أقابلك يا دكتور محمد ضروري، أرجوك."
"وماله، قابلني على كوبري قصر النيل وتعالى لوحدك."
تحرك معاذ بسرعة ووصل هناك بعد نصف ساعة. كان الكوبري ضاج بالعاشقين. في منتصف الكوبري كان هناك شاب أنيق يرتدي ملابس كلاسيكية يدخن سيجارة ويحملق بالمياه والفلايك.
"أنت دكتور محمد إسماعيل؟"
"أيوه، أنا همسها، دكتور محمد، مع التفافة بسيطة."
"معاذ مع حضرتك."
"أهلاً دكتور معاذ، احكيلي حصل إيه بقى؟"
قص معاذ القصة على دكتور محمد، والذي كان يستمع بصمت وتركيز.
"عوني متلبس، خاضع لسيطرة الكيان ومحتاج جلسة تطهير أرواح."
همس معاذ بقلق: "عوني ذكر اسمك أنت وطلب مني أتواصل معاك."
"هو حضرتك دكتور إيه؟"
"دكتور بجامعة الأزهر يا دكتور معاذ."
وقبل أن يندهش معاذ، وصف الرجل لمعاذ طبيعة عمله. فقد حصل على الدكتوراه في مقارنة الأديان، لكن أبحاثه كلها كانت تدور عن محاربة الكيانات الشريرة وتأثيرها على البشر.
"طبعًا الأزهر رافض كده، عشان كده أنا دكتور متفرغ."
"كل الشواهد عند عوني كانت بتقول إنه خاضع لمس جنى ثم تلبس كامل. لكن عوني رفض مساعدتي."
"أنا بعاني نفس الأعراض يا دكتور محمد، الكيان هاجمني أكتر من مرة."
صوب دكتور محمد نظره ثاقبة اخترقت وجه معاذ وصدره.
"واضح يا معاذ."
"لكن عوني في خطر كبير، الكيان مش هيسبه عايش أكتر من كده. أنا بتتبع نشاط الكيان، الكيان بياخد روح أو روحين كل عامين قمريين، وعوني قرب يكمل المدة والسيطرة أحكمت عليه."
"مش ممكن نخسر عوني يا دكتور محمد، قول لي نعمل إيه وأنا مستعد أنفذه."
"لازم نخرج عوني من المستشفى يا معاذ بأي طريقة."
"أنا أقدر أقنع فريدة بكده، اديني وقت بس."
"مفيش وقت يا معاذ، اتصرف بسرعة."
هاتف معاذ فريدة، وبعد عشرة دقائق نال موافقتها.
تحدثت فريدة مع مدير المشفى وهاتفت معاذ تطلب حضوره.
"أنا هروح معاكم، لازم أكون موجود، وإلا الكيان هيمنعه يخرج من المشفى."
"عوني معتقد إن وجوده داخل المشفى حماية ليه. الكيان زرع الفكرة جواه وثبتها ويستحيل تمحى بسهولة."
رواية وعد في العتمة الفصل العشرون 20 - بقلم اسماعيل موسى
همس دكتور محمد إسماعيل بلكنة أحسها معاذ مزخرفة:
اعتقد أن كل حاجة بقت واضحة، وإحنا عارفين هنعمل إيه كويس يا دكتور معاذ. لازم نخرج عوني من المشفى بأي طريقة، من أجل حياته.
ثم لمس ياقة قميصه الأزرق المكوي بطرف يده:
هنتحرك دلوقتي.
استقلا سيارة أجرة نحو المشفى، وكانت فريدة في انتظارهم هناك بعد أن سبقتهم بسيارتها.
عرف معاذ دكتور محمد إسماعيل على فريدة، والذي لم يتمكن من إخفاء إعجابه بها.
أنا هخرجه على مسؤوليتك الخاصة يا آنسة فريدة.
يكون في علمك أي حاجة يعملها المجنون ده أنا مش مسؤولة عنها.
ولاحظ معاذ تغيراً في نبرة صوت مدير المشفى، فاخذه على جنب.
فيه إيه يا دكتور؟ أنا حاسس إنك متغير شوية تجاه عوني.
اسمع يا معاذ يا ابني. عوني من بداية اليوم وهو قالب المستشفى صراخ بأصوات مرعبة.
وكل اللي طالع عليه: "هيقتلوني، هيقتلوني، مش عايز أخرج".
كأنه كان عارف إنه هيخرج من المشفى النهاردة، رغم إني أنا مدير المستشفى عرفت كده من نص ساعة بس.
ثم إنه تهجم على الحارس وكان هيموته.
فكر معاذ أن رد فعل دفاعي من الكيان اللي مسيطر على عوني، لأنه أكيد قرأ أفكاره.
اتفق معاذ أن يذهب بمفرده للتحدث مع عوني لإقناعه.
عندما بلغ الغرفة، وجد عوني مختبئاً في الركن بجسد مرتعش.
رفع عينين متوسلتين نحو معاذ:
أنا مش عايز أخرج من المشفى. لو خرجت هيقتلني.
رفع معاذ يده:
دي الطريقة الوحيدة لإنقاذك يا عوني. أنت فاضلك أيام قليلة والكيان هيقتلك.
مش عايز أخرج من هنا. قالها عوني بصعوبة، كأن أحد يمسك لسانه كي لا يتكلم. ثم توقف لسانه عن الحديث، لكن عينيه المتوسلتين ظلتا معلقتين بوجه معاذ. وأحكم قبضته على عامود السرير.
مش عايز تخرج ليه يا عوني؟ خاطبه دكتور محمد إسماعيل وهو يدخل الغرفة وعلى وجهه ابتسامة طيبة.
انت مين؟ همس عوني بنبرة محشرجة وعايز إيه؟
ده دكتور محمد إسماعيل يا عوني، هيساعدنا في علاجك.
وإنت مين؟
تصعب معاذ:
دي فريدة أختك يا عوني.
أنا، أنا معرفش حد بالشكل والمواصفات دي. انتوا مجرمين.
قتلة، سفاحين. وارتفع صراخه:
أنقذني يا معاذ، متخليهمش ياخدوني من هنا.
أنا اتفقت معاه، لو خرجت من هنا هيقتلني.
اتفقت مع الشر يا عوني.
بعت دينك وعقلك ومنطقك مع كيان وسخ شرير.
ملكش دعوة. صرخ عوني بصوت صاخب. ابعدوا عني.
أخرج دكتور محمد إسماعيل حقنة ترايليبتال من جيب بنطاله، وغمز لمعاذ أن يمسك عوني. كافح عوني بجسده النحيل ضعيف القدرة، قبل أن يحقن في وريده.
ثم حقنه دكتور محمد إسماعيل بحقنة ديازيبام، وسرى مفعول المنوم في عروقه.
كان وجهه شاحب عندما تم نقله هكذا، لاحظ معاذ.
نقل عوني لشقة أخته فريدة.
اتفضلوا. همسة فريدة بصوت خاجل فور دخولهم الشقة.
أوضة النوم هناك. أسقطت تحية التي كانت في المطبخ الطبق من يدها، ثم حركت كرسيها المتحرك بسرعة نحو غرفتها وشغلت القرآن بصوت خافت، وصكت على نفسها الباب.
هي الست دي اتجننت ولا إيه يا فريدة؟ خاطبها معاذ وهو يضع عوني على سريره.
سيبك منها يا معاذ. دي ست عجوزة وفيها اللي مكفيها.
هنعمل إيه دلوقتي يا دكتور محمد؟
لازم ننتظر وقت إفاقته. أنا حقنته بمهدئ قوي قدام أكتر من خمس ساعات عشان يفوق.
هرجع شقتي أجيب شوية حاجات وأرجع. أنا شايف إنكم تربطوه لحد ما أرجع.
عوني ممكن يكون خطير جداً دلوقتي وأفعاله غير متوقعة.
وكمان هتسمعوا كلام كتير منه بيشكككم في نفسكم وفيه.
ده رد فعل الكيان، خلوا عندكم لا مبالاة. ربنا يفوقني وأقدر أساعده قبل ما يضيع.
ظلت فريدة في غرفة عوني، جلست على طرف السرير تحدق بوجهه، بينما أخذ معاذ تعسيلة على الكنبة.
معاذ يا ابني.
فيه إيه يا حاجة تحية؟
همست تحية وهي تنظر لغرفة عوني المغلقة:
ممكن تيجي تصلي معايا المغرب في غرفتي؟
يوه. تنهد معاذ بغضب. هو أنا في إيه ولا إيه؟ ثماناً أنا مش محرم ليكي ولا ابنك ولا حتى قريبك، مينفعش أصلي معاكي.
طيب. همست تحية بنبرة متوسلة. تعالى صلي المغرب في غرفتي وأنا هصلي على الكرسي بعيد عنك. ارجوك يا ابني نفذ كلامي.
توضأ معاذ وصلى المغرب في غرفة تحية، ومع صلاته استيقظ عوني بصراخ.
فكّوني أنا لازم أرجع المستشفى!!
اهدئ يا عوني، أرجوك اهدئ. همست فريدة والدموع تغمر عينيها.
إنت مين؟ ابعدي عني. ابعدي عني.
اقتحم معاذ الغرفة:
اهدئ يا عوني من فضلك.
معاذ أنا بحذرك، انقلني المستشفى أرجوك، أنا بموت.
هيقتلني.
عوني أنت دكتور نفسي وعارف إن اللي بيحصل معاك من تأثير الكيان اللي أحكم سيطرته عليك.
متسمحش للتهياؤات تفسد خطتنا.
ابتسم عوني السنوري ابتسامة لا مبالية ساخرة، ولمعت عيونه السوداء الذكية.
ولعلى سيجارة يا دكتور معاذ بعد إذنك.
أخرج معاذ لفافة تبغ وناولها لعوني، ثم أشعلها له بين يديه المكبلتين.
سحب عوني سحبة مديدة وتنهد.
أنا عارف حاجة واحدة يا دكتور معاذ. إنك بتحب فريدة.
لكن فريدة مش بتحبك.
نهق معاذ داخله وهمس:
بدأنا في شغل ألأعيب بتاعتك.
مفيش واحدة بتحب واحد ممكن تسمح إنه يتعرض للأذى بسببها.
عاجباك يا دكتور معاذ؟ صوب عوني عيون ضاحكة تجاه فريدة.
مقدرش أنكر إنها تيجي وتعجب، لكن عالم الستات ده غريب يا معاذ. غريب أوي.
إذا أحببت امرأة بشدة اركض بعيد عنها بكل قوتك ولا تسمح لها بالاقتراب منك.
الستات زي الشمعة وإحنا الفراشات، لو قربنا منها بنشتعل ونموت. خليك بعيد واتفرج عليها بتولع بهدوء وسكينة، وقبل ما تبقى رماد وتصبح عدم، طفيها.
لا يقتل المرأة سوى فضولها، ولا يسحق الرجل إلا تعلقُه.
مبسوطة يا فريدة؟ خرجتيني من المشفى عشان حبيب القلب؟ وثبت عوني نظره تجاه الباب.
كل ما يحدث سوف يحدث، حتى الأمور السيئة منه.
دكتور معاذ ممكن تسيبلي علبة السجاير جنب السرير؟
أصل أنا لازم أكون متكيف طالما هسمحلكم تعملوا اللي عايزين تعملوه.
معاذ. أنت أغبى دكتور نفسي في العالم.
عارف يا معاذ؟ أنت كنت أشطر دكتور في وقتي. أنا رفضت الدكتوراة من الجامعة. وأبحاثي لفت العالم كله.
تثاءب عوني وفرك عيونه.
الديازيبام ده مش مخليني قادر أتمالك أعصابي.
شاطر دكتور محمد ده مش بيضيع وقت خالص. داخل التقيل على طول.
إلا هو فين؟ مش شايفه؟
همس معاذ:
راح شقته ورجع تاني عشان جلسة التحضير.
برقت عيون عوني.
تعاون مخجل مش كده ولا إيه يا فريدة؟
فريدة. أنا معجب بيكي. هي جات على أنا يعني.
ثم أحس عوني بهزة عصفت بكل كيانه.
صلي يا معاذ. صلي إنك متتمتش خلال الأسبوع اللي جاي.
اصطك فم عوني.
قيد لسانه وشرد لبعيد في متاهات لا يعرفها أحد غيره.
ترك عقب السيجارة ليسقط على الأرض ورقد على السرير.