الفصل 35 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
18
كلمة
6,440
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

موجة من المشاعر العارمة تضرب بقوة حصون قلبه تدكه، وتحيله إلى أشلاء متناثرة تدعسها بقدميها. عندما أحس باستجابتها له، رفع جسدها عن الأرض، يجلسها على جدار السلم، فارتفع جسدها عن مستواه سنتيمترات قليلة، وأصبحت هي المشرفة عليه بجسدها، ويداها المحاصرة لخصره بفعل يداه ارتفعت تلقائياً تحط بكفيها أعلى كتفه، تدعم جسدها الذي إنهارت مقاومته أمام تلك المشاعر الجارفة التي تجتاحها في هجوم معذب للأنثى بداخلها.

فلقد اعتادت همس الدلال على من حولها، لكن دلالها عليه غير. كلما تدللت عليه أرضى هو كبريائها بحنانه الذي يروي أنوثتها، فتستمد من ضعف مشاعرها تجاهه قوة وثقة بحالها. أما هو هائم في طوفان مشاعره، ويتساءل أي لذة تلك؟! فإذا كان هذا إحساسه بها من مجرد قبلة، وتلامس بسيط، فماذا إذا أغلق عليهما باب واحد؟! الفكرة ذاتها قادته إلى الجنون. وكلما هدأت موجة مشاعره محاولاً الإبتعاد، تضج رأسه بصور قادمة من مستقبلهما معا في شقة الأحلام.

فاشتعلت حماسته مجدداً، وهو ينهل من شهد شفتيها المزيد، وبات وضعهما يثيره للتمادي، فهبط بكفيه يضعهما أسفل فخذيها يرفعها عن الجدار يضمها إليه. فأصبح جسدها معلقاً إليه في الهواء، فلفت ساقيها حول خصره تدعم جسدها إليه، ويداها مستندة على كتفه. وبفعلتها تلك صدر عنه آهة تبعها أنين مستلذ، وهو يغزو شفتيها بسيل من القبلات، يدير هو هذه المرة هذا اللقاء الحالمي، فيستحق وبجدارة لقب عاشق مع مرتبة الشوق.

وفي أثناء تلاحمهما الروحي والجسدي، الذي غيبت فيه همس عقلها، وأطلقت العنان لأجنحتها تحلق في سماء عشق هذا المجنون. وهذا العاشق الذي أدمن شهدها، فلم يعد يطيق صبراً للانتظار، وفكرة واحدة هي ما تلوح بعقله، من سيحاول أن يبعدها عنه فلقد اعتمد شهادة وفاته ووقعها بيده. لا ليس من سيحاول إبعاده عنها، من سيصور له خياله أن يحاول، فليعتبر نفسه في تعداد الموتى. همس له وحسم الأمر حتى لو اضطر للقتل، أو تحالف مع الشيطان.

أخذ بوق السيارة يعلو مراراً وتكراراً، إلى أن أخرجهما من نعيمهما، دق على باب البوابة. فقد أخبرت همس السائق عن اسم صاحب المنزل الذي تقطن به عندما طلب منها اللوكيشن، قام السائق بسؤال أحد المارة، فأخبره أن تلك هي بوابة المنزل المنشود. عندما استمعت همس لطرق على البوابة، حاولت الفكاك من بين ذراعيه القابضة على خصرها، وهي تنزل ساقيها الملتفة حول خصره ولكنه يأبى الإبتعاد، وأخذ يزأر برفض.

ومع تعالي صوت الطرقات، أفلت ساقيها مجبرًا، فلامست قدميها الأرض، ولكن لازال يحاصرها يستند بجبهته على جبينها، وعلى شفتيه آثار شهدها الذي لا يزال رطباً يمرر لسانه على شفتيه يلعقهما بروية وهو مغمض العينين يلتهم ما بقى من آثار، وأنفس كلاً منهما تتلاحق من فرط المتعة والإثارة. أجاب مصطفى السائق بنبرة متحشرجة، ولا زال مستندًا إلى جبينها، ويداً ارتفعت تحاوط عنقها، وهي ما زالت مغمضة العينين. مصطفى: أيوه لحظة واحدة.

أخذ مصطفى يعدل من وضعية ثيابها، وشعرها الذي تشعثت خصلاته، وهو يرجع خصلات شعره إلى الوراء، ويهندم ثيابه سريعاً، ثم قام بفتح البوابة. السائق لمصطفى: السلام عليكم، لو سمحت يا حضرة، الآنسة همس ساكنة هنا؟! مصطفى مجيباً بعناد: أيوه ده بيت مدام همس، وأنا جوزها. السائق بحرج: طب استأذن سيادتك، تندهلها عشان ريان باشا نصار اتصل بمكتبنا، وطالبلها عربية توصلها سوهاج.

التفت مصطفى برأسه لهمس، وهو يسد البوابة بجسده، يحجب رؤية من بالخارج عنها، حتى تستعيد ثباتها وتعدل من هيئتها قائلًا والغضب يبدو على محياه: مين ريان باشا ده إن شاء الله؟! اجابت همس بنبرة مذبذبة، بسبب ما لاحظته من غضب جلي على ملامح وجهه، واستشعرته من نبرة صوته المتسائلة بإتهام: ده المدير بتاع وعد في الشغل.

إجابتها لم تهدئه بل أثارت غضبه اللعين الذي تأجج غيرةً، وتسائل لماذا يرسل رئيس أختها بالعمل سيارة لها، فهي لم تخبره بعد أنها حكت لوعد قصة زواجهما، بالرغم من أنها لم تخبرها عن العريس بعد، مما دعى وعد إلى استعجال سفرها إليها. مصطفى بغضب وهو يعتقد أن هذا الريان ربما يعرف جنيته، أو رأى إحدى صورها مع وعد على هاتف الأخرى، قائلًا: ومدير أختك يبعت لك عربية بالسواق ليه؟! أجابته همس بضجر: وانا هعرف منين؟!

أكيد وعد اللي طلبت منه. مصطفى بعناد: خلاص اتصلي بيها أسأليها. همس بعناد مماثل: أنا مش فهماك بصراحة!! اتصل بيها اسألها عن إيه؟! وفي أثناء مشاحنتهما رن جرس هاتفها، فأخرجته من حقيبتها التي لم تشعر بسقوطها أرضًا، أثناء بداية تلك الملحمة قريبة العهد، تناولته من جيب الحقيبة. وعندها قام مصطفى بسؤالها: مين؟! فأجابت بتأفأف: دي وعد، استريحت؟! جذب مصطفى الهاتف سريعاً من يدها، ضاغطًا على زر الإجابة، يرد بدلاً

منها فقال: السلام عليكم ورحمة الله. أجابت وعد مستغربة، وحدثها يخبرها أن هذا هو زوج أختها المزعوم، فردت بحدة: سلام إيه؟! وبتاع إيه؟! إنت مين يلا؟! وفين همس؟! رفع مصطفى الهاتف عن أذنه، ينظر إلى شاشته، وهو يضعها في مستوى نظره، يتأكد من اسم وعد على الشاشة، ولكن بات يشك ببصره، من تلك التي تجيب على هاتف وعد؟! هل هذه وعد إبنة الحسب والنسب، تربية الڤلل و السرايات. لا، لا بد وأن هناك شيء خاطئ. مصطفى: إنتي مين يا بت إنتي؟!

وفين الآنسة وعد؟! وعد بردح، فهي لا تريده أن يظن بأنهما لقمة صائغة، ستجلب همس، ومن ثم تبدأ في التصرف مع هذا الوقح: بت في عينك، يا صايع يا ضايع، يا خايب يا عايب، يا اللي الأدب عنك غايب. لا لقد طفح كيله، وبدأت ملامحه في التحول، وهو يسب تحت أنفاسه سلاطة لسان من على الهاتف: أنا مش عاوز أغلط فيكي، عشان إنتي واحدة ست، ولو إنك مش ست أوي يعني، امشي انجري اندهيلي ستك وعد أكلمها، خدامة بلسان مبرد عاوز قطعه.

وعد وهي تحملق بعينيها من بجاحة هذا الدخيل، وتهب من جلستها على التخت، تنزل ساقيها من عليه بحدة متناسية قدمها المصابة، فصدرت عنها صرخة مدوية، وهي تلعنه. فأجاب مصطفى بشماتة، رغم عدم علمه لما يدور هناك: إيه وقعتي و اتكسرت رقبتك ان شاء الله؟! وعد بغضب: الله يلعنك يا شيخ في كل كتاب حتى كتاب الموتى، ده أنا هطفحك الدم، أنا ستك وعد يا روح خالتك، ولو ما تعرفنيش أكيد سمعت عني. بماذا تهزي تلك؟! عن أي وعد تتحدث؟! عن وعد عزام؟!

أخت همس كتلة الرقة والرقي والزرافة. ولكنه أجابها بمهادنة، فهو لا يريد كسب عداوتها منذ الآن، فأمامه معركة، بل معارك، سيخوضها ليحظى بجنيته. مصطفى: أنا آسف، بس سوري يعني ما تخيلتش إنك تكوني إنتي، أنا مصطفى إبن الحاجة نجوى. وعد مجيبة بحرج بعد أن هدأت نوبة غضبها قليلًا: مصطفى إبن مامي نجوى، يا أهلا بريحة الحبايب، إزيك يا درش؟! وإزي أمك؟! مصطفى مجيبًا بذهول: أفندم. وعد بتصويب: سوري يا درش، عامل إيه؟! ومامي نجوى عاملة إيه؟!

وعمو زكري؟! ف وعد تعرف الحاج زكري، لقد أتى إلى القاهرة عدة مرات؛ ليصطحب نجوى، عندما كانوا يذهبون لقضاء العطلات الدراسية خارج البلاد أو عند ذهابهم للمصيف. بينما تعجب مصطفى منها ومن تغير مزاجها بلحظة، فللآن لا يعرف كيف يسيطر على نوبة غضبه منها تلك الوعد أم لسانين، كما أطلق عليها بينه وبين حاله. مصطفى: الحمد لله كلنا في نعمة. وفي داخله لا بأس من تحمل لسانك ما دام هذا سيقرب بيني وبين فاتنتي.

استكمل مصطفى متسائلاً: آنسة وعد، فيه سواق وعربية برة، والسواق بيقول إن فيه واحد كده اسمه ريان بعتها عشان تاخد آنسة همس، وإنتي عارفة إنها في أمانتنا ولازم نطمن عليها. أجابته وعد بعد ما اطمئنت له قائلة: رجولة يا درش ما فيش كلام، أيوه ريان باشا ده يبقى مديري في الشغل، وأنا اللي طلبت منه يبعت العربية لهمس، عشان تيجي هنا عندي بدل ما أنا في حتة وهي في حتة، وكمان عشان ما نتقلش عليكم أكثر من كده.

فأجابها مصطفى سريعاً: تتقلوا ايه بس؟! ده أنتوا خف الريشة، واستكمل غامزاً لهمس التي استحال وجهها إلى اللون الأحمر من شدة الخجل، بعد تلميحه عما كان الوضع منذ قليل: ده إحنا نشلكم على كفوف الراحة وتلى جملته قضمة لشفاهه السفلى: بس يا آنسة وعد حضرتك مش شايفة إن حكاية سفر الآنسة همس لوحدها مع راجل غريب مش حلوة، وكمان ما تضمنيش إيه اللي ممكن يحصل، فأنا بأقترح إني أوصلها وأسلمهالك بنفسي. أعجبت وعد برجولة ونخوة مصطفى،

وقد استحسنت رأيه قائلة: طب والله قولت رجولة، بس مش عاوزين نتعبك معانا يا درش. مصطفى: تعبكم راحة، إحنا خلاص بقينا أهل. استشاطت تلك الواقفة غضباً من تجاوزه السابق مع وعد عندما اعتقد أنها الخادمة، وكذلك تلميحاته المتتالية، فهي تريد أن تمهد القصة لأختها، وتكون هي أول من تصرح لها بما حدث. استغربت وعد لتصريحه الأخير (إحنا بقينا أهل) ، ولكنها أرجعت ذلك لكون والدته السيدة نجوى أو كما تلقبها وعد وهمس (مامي نجوى)

، فهي بمثابة أم ثانية لكلتاهما. فأجابت وعد: حبيبي يا درش، مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه؟ خلاص مستنياك إنت والأمانة، وتعني هنا همس. ولكن من صعد مسرعاً لم يستمع سوى لجملتها الأخيرة، وبدايتها حبيبي يا درش. فبعد أن تركه ماجد في الحديقة؛ ليحل تلك المعضلة، ويفكر كيف يقنع وعد بإتمام الزواج، وحتى لو كان على ورق؛ لحفظ صورته أمام والده والصقر والجميع. قرر اللعب على وتر صورتها هي الأخرى أمام أختها الصغرى التي أرسلت في طلبها.

ولكن بعدما استمع إلى ما قالت احتدمت بداخله براكين مثارة من النيران. وما إن أغلقت الخط مع مصطفى، واطمئنت على همس معه. اندفع الآخر يفتح باب الغرفة دون استئذان. مما جعلها تنتفض بفزع قائلة: إيه ده؟! فيه حد يدخل كده من غير استئذان؟! افرض كنت بغير هدومي؟! اقترب بعد أن أغلق الباب خلفه بحدة قائلاً: وإيه فيها يعني؟! ما إنتي مطرياها آهه، وحبيبي يا درش ومجضياها مرجعة، وعندي آني تعملي خضرة الشريفة. وعد بحدة: إنت إزاي يا ح....

ولكنها لم تستكمل اللقب الذي كانت تنوي قذفه به. بعد ما رأته يعقد ذراعيه أمام صدره، يرفع أحد حاجبيه في تهديد صريح موجزه (أتحداكي أن تكملي، وإن فعلتي لا تلومي في تلك الحالة سوى حالك أنتي) فتراجعت؛ خشية بطشه أو وقاحته فكلاهما مخيف بهيئته تلك، فتحدثت بنبره أقل حدة، وهي تبتلع لعابها، وقد جف حلقها، وشعرت بلسانها قد تيبس: إنت إزاي حضرتك بتكلمني كده؟! وبأي حق؟! لقد أصابت الهدف بأي حق؟!

تأنى يجيبها: حسك كان جايب لآخر الطرجة بتاعت الجاعات، فرضنا حد غيري كان سمعك، كان هيُبجى شكلي آني كيف، وإنتي المفروض جدام الكل مرتي؟! أجابت وعد وهي تعترف بخطأها، فبينهما اتفاق، قبضت نصف المتفق عليه بشيك قابل الصرف، فلابد لها وأن تحاذر: آسفة ما خدتش بالي، المرة الجاية هكون حريصة أكتر من كده. أجابها بضيق: هو لسه فيها مرة چاية؟! ومين ده اللي كتي بتتحدتي وياه؟! وچاي لك فين؟! وإيه الأمانة اللي معاه؟!

إنتي متورطة في حاچة جولي يمكن أجدر أساعدك. أجابته وعد بتلقائية: لا يا حتة، ده مصطفى ابن المربية بتاعتي، بيستأذن يوصل همس، عشان خايف تيجي لغاية هنا لوحدها مع السواق. فسأل مستفسرًا: وده يخليكي تجوليله حبيبي يا درش؟! وعد وهي ترقص حاجبيها: دي غيرة دي بقى ولا إيه؟! ريان بتهرب: وعغير عليكي ليه إن شاء الله؟! آني بس بستفسر يعني، ليكون في حاچة بيناتكم، فياچي هو وخيتك يلجاكي اتچوزتي، فيتصدم وتَچيله ساكتة جلبية إن شاء الله.

شردت وعد في حديثه، فهي لم تكن تحسب حساباً لكل هذا، طرقت على جبهتها بكفها: أيوه صح، أنا هعمل إيه في الورطة السودة دي؟! ريان بخبث: ما اظنش هيعارض لو جولتيله إن دي تمثيلية، وهتجبضي فيها 2 مليون چنيه. اجابت وعد بشرود: يولع هو، أنا شكلي هيبقى إيه قدام همس أختي؟! علم من حديثها أن هذا الدرش لا يعنيها، فبقى أمامه أن يصل بها إلى حقيقة واحدة، وهي ضرورة إتمام عقد الزواج، حتى لا تظهر بمظهر غير لائق أمام أختها.

أما هي فقد غاصت في بحر أفكارها، بالأمس هاجمت أختها لزواجها بتلك الطريقة من دون علمها وفي القسم، بما ستبرر لها فعلتها بالمكوث مع رجل غريب، وتتشارك معه نفس الغرفة والكل يعلم أنها زوجته، ولكن دون عقد زواج. انتشلها ريان من بين أفكارها قائلاً: هو الصراحة شكلك مش هيبجى تمام لا جدام أختك، ولا جدام اللي اسميه مصطفى دِه، أخذ يفرك جبهته مدعياً التفكير مستكملاً بتردد مصطنع: هي ليها حل. انتبهت وعد لحديثه، عندما

ذكر الحل قائلة بلهفة: الحقني بيه إلهي تنستر. ريان بتقزز: إيه إلهي تنستر دي؟! إنتي عتشحتي؟! وجال إبن المربية!! يعني المفروض إنك بت ناس. وعد بضيق في الوقت يمر ولابد من إيجاد حل: الحقني بس بالحل الأول، وبعدين نبقى نقعد على رواقة احكي لك كتاب حياتي، ونفتحه من أول صفحة كمان.

ريان بمراوغة وهو يدور بالغرفة، وكأنه يقلب الحل الذي اتخذ فيه قرار مسبق، ليس من أجلها، ولكن لكون هذا الحل يصب في مصلحته أولًا قائلًا: بس آني إيه اللي هيچبرني أعمل إكده🤔. وعد: ما تفهمني يا عمهم إنت بتفكر في إيه؟! ريان بمكر: يعني بجول.... وتمهل قليلاً: ولا أجولك أكيد فيه حل تاني، سيبيني جيمة ساعتين تلاتة إكده افكرلك في حل للجصة دي. وعد برجاء واستماة: أنا لسه هستنى ساعتين تلاتة في حرقة الدم دي؟!

قول بس اللي عندك، وإن شاء الله هنلاقي حل وسط ينجدني من المشكلة دي، ويرضيك في نفس الوقت. ريان وهو يقول مدعيًا التردد: آني بجول إننا نكتبوا ورجة عشان ما حدش يتكلم إمعاكي. لطمت وعد خدها قائلة بصدمة: عرفي؟! عاوزني اتجوزك عرفي؟! طب ده ألعن. بعد أن غادر منصور ومعه مسعدة وأخيه همام. ذهب صقر تجاه الباب الداخلي للدوار قاصدًا مكتبه؛ لإنهاء بعض الأمور الخاصة بالعمل.

وفي طريقه قابل أنيتا في بهو الدوار، وتبدو تائهة وكأنها تبحث عن أحد ما. وعندما رأته ذهبت إليه مسرعة تقول: إيه يا أبوي؟! فينك؟! عدور عليك بجالي ياما، وما شيفاكش، لا إنت ولا حدا من الدار غير المراة الرطاطة اللي اسميها صابحة دي. انحنى الصقر إلى مستواها يرفعها عن الأرض. وهي تتعلق برقبته، وكأنه والدها حقًا وباتا معتدين على الأمر. الصقر قائلًا: مالك يا جلب أبوكي؟! إيه فيه؟! وإيه اللي منزلك وإنتي لساتك تعبانة؟!

أجابته أنيتا بتأفأف: مش وجت حديت دلوك، آني زينة، أمي هي اللي بعافية، باينها إكده لجطت الدور اللي عندي ده، وهملتها فوج وهي بتفرفر من الحمى، وجولت اتدلى أشوف حد ياچي يشوف الوحلة اللي آني فيها دي. انقبض قلب الصقر عند استماعه لما قالت تلك الصغيرة. أنزلها صقر أرضا بحرص، وهو يقول: طب روحي إنتي يا جلب أبوكي، أفطري عشان تاخدي دواكي، وآني هطلع أشوف إيه فيه؟!

إمتثلت الصغيرة لما قال، بينما صعد هو الدرج سريعاً؛ ليتقصى ما في الأمر، ويطمئن فؤاده الملتاع عليها. قام بالطرق على باب الغرفة، وعندما لم يجد استجابة منها، زاد قلقه عليها، فقام بفتح باب الغرفة. وجدها متسطحة على التخت بوهن، فاقترب منها، وجدها ترتجف بشدة من الحمى، ويبدو أنها لم تعتاد هي الأخرى على جو الصعيد، أو ربما أصيبت بهذا الدور الشديد، كما قالت (ست أبوها أو ست الدار) أنيتا.

وضع صقر كف يده يلامس جبهتها ممررًا إياه على خدها، فوجد أن حرارتها مرتفعة بالفعل، فذهب سريعاً إلى المرحاض الملحق بالغرفة، يبحث عن أحد المناشف الصغيرة؛ ليبللها ويضعها أعلى رأسها؛ لكي تمتص بعضاً من تلك الحرارة، وتقلل من شدة الحمى، حتى يعود هذا المنصور من المركز برغم من أنه لا يستصيغ فكرة أن يراها منصور ثانية، ولكن مجبراً أخاك، لا بطل.

خرج صقر من الحمام مسرعًا عندما لم يجد بالحمام أية مناشف، فوجدها تأن في محاولة لفتح عينيها. اقترب من التخت يجلس إلى جوارها على طرفه،، وهو يتلمس جبهتها مجدداً، وقد بدأت في التعرق، وهي تزيح الغطاء عنها، فهكذا حال المحموم تارةً يشعر بالبرودة ويحتاج إلى التدفئة، وتارةً يشعر بالحر الشديد ويبدأ في التعرق.

وبإزاحتها الغطاء وهي ما زالت على حالها منذ أمس بهذا الرداء الأحمر المثير، بالإضافة إلى انحصاره أعلى فخذيها يظهرهما بسخاء أمام عينيه، في مشهد بات طوال ليله يتخيله في أحلام اليقظة، وحتى عندما غفت عينيه قبيل آذان الفجر، فكانت بطلة أحلام يقظته وغفوته. ابتلع لعابه بتأثر مع اهتزاز تفاحة آدم خاصته، وأخذ يوبخ حاله.

أبعد نظره عن ما شتت تفكيره محاولاً إعمال العقل، ولم يجد حل سوى أن يساندها إلى الحمام؛ ليضع رأسها تحت الماء البارد علها تهدئ من حرارتها. أخذ يربت على وجنتها برفق قائلا: انجيل إنتي سمعاني؟! ولكن لا إجابة فقط أنات مكتومة، وهي ترمش بجفنيها تحاول فتحهما، ولكن يبدو أن الحمى الشديدة أثقلت أهدابها فكل محاولاتها تبوء بالفشل. أزال الصقر الغطاء عنها يحاول معاونتها على النهوض، ولكن كان جسدها مثقلًا بإرتخاء لا يستجيب.

لم يفكر كثيراً وهب ناهضاً من على الفراش، يغلق مزلاج الغرفة من الداخل، حتى لا يدخل أحد من الخدم ويتساءل ما الذي أتى به إلى هنا، والأسوء أن يراها أحد على تلك الهيئة وبهذا الثوب المثير، حتى لو كانت الخادمة إمراة مثلها فهو يغار.

بعد إغلاق الصقر المزلاج توجه ثانية ناحية التخت، يضع يداً أسفل ظهرها يحاوط الجزء العلوي من جسدها، واليد الأخرى أسفل لامؤاخذة فخذيها، يستقيم بها واقفًا متوجهاً ناحية المرحاض ينحني بجزعه لأسفل يحاول ايقافها تحت رشاش المياه (الدش) ، ولكن قدميها باتت كالهلام لا تحملناها. حاوط الصقر خصرها يدعم جسدها بذراع واحد إليه، حتى لا يتراخى جسدها فتسقط أرضاً، وباليد الأخرى فتح الصنبور؛ لينهمر الماء البارد على كليهما...

فإذا بها.......... أسرع محمد خارجًا من المشفى، فوجد صديقه حسن ومعه نفس السائق يستندان إلى السيارة، وعندما وجدوه يخرج من المشفى متعجلاً، استقام كلاهما في وقفته، يتوجهان إليه. حسن والسائق وكل منهما يتناوبان السلام بالأيدي مرددين عبارات المواساة: البقاء لله يا محمد. محمد وهو يرد على كليهما مشغوفاً: البقاء لدين محمد. يلا بينا يا جماعة على الحارة. أجابه حسن بإستغراب: مش لما نكرموا الراجل الأول، ونوصلوه؟!

وبعدين نبقوا نروحوا. محمد وهو يتجاوزهما متوجهاً ناحية السيارة: يلا بينا وهفهمكم في الطريق، بس الأول هعدي على مكتب الأستاذ طارق المحامي اللي مكتبه في شارع..... حسن: طب ما الأستاذ نجيب جنب البيت، ومعانا في المنطقة، ومش هيتأخر في أيتوها خدمة، وبعدين هي الإجراءات صعبة كده، محتاج محامي؟! أشار محمد للسائق قائلًا: إركب يا اسطى وإطلع، واستكمل وهو يوجه حديثه إلى حسن: أنا عاوز الأستاذ طارق لإني بثق فيه، واركب بقى مفيش وقت.

استقل الثلاثة السيارة، ومحمد يجيب حسن بالقليل عن اسئلته التي إنهالت عليه، وهو صاحب العقل الشارد، وقد قاده عقله إلى حل واحد سيكون آخر حل في جعبة الحاوي تحسباً لأي أمر قد يستجد بعد سفرهم إلى الصعيد. عندما وصلت السيارة أمام المبنى الذي يوجد به مكتب الأستاذ طارق المحامي، أوقف السائق مكابح السيارة، فإرتجل منها محمد قائلًا: تمام يا رجالة، ما نجلكمش في حاجة وحشة، العزا هيبقى بعد ما نرجعوا من الصعيد بعد الدفنة.

حسن بشهامة: طب ما يلزمش أي خدمة يا أبو الصحاب؟! لو عاوزني أسافر معاك أنا في الخدمة. محمد: تشكر يا حسن، شايلك لعوزة، اتوكلوا على الله أنتم يا رجالة. تحركت السياره وبها السائق وحسن. بينما صعد محمد السلم سريعاً، ولم ينتظر هبوط المصعد، فعلى كل حال مكتب المحامي بالدور الثالث.

دخل محمد مكتب الأستاذ طارق يسأل السكرتيرة عنه، فأخبرته أنه لازال بالمحكمة، فلديه جلسات هامة يتوجب عليه حضورها بشخصه، ولا يمكن إحالتها إلى أي أحد من المتدربين الجدد. أخرج محمد هاتفه يحاول مهاتفة طارق، ولحسن حظه كان الثاني قد إنتهى فعلياً من آخر جلسة توجب عليه حضورها، فهو بالمحكمة منذ الثامنة صباحاً والساعة الآن أشرفت على الثانية عشر إلا بضع دقائق.

أجاب الأستاذ طارق على محمد، فأنبئه محمد بما يريد، وقد طلب طارق أن يعطي محمد الهاتف لسكرتيرة مكتبه فأملاها ما يجب عليها فعله، نظرًا لاستعجال محمد في إنهاء الأمر سريعاً. فأعطت السكرتيره لمحمد الهاتف، ويدها تمتد إلى أحد أدراج مكتبها تعبث بمحتوياته تخرج بعض الأوراق، تمررها لمحمد الذي التقطها سريعاً، يهبط الدرج وهو يطوي تلك الأوراق ويضعها بجيبه. أخذ محمد يسلك منعطفات مختصرة ستصله سريعاً إلى منزله.

وما إن أصبح أمام بنايته، أخذ يصعد السلم كل درجتين معًا بخطى أقرب إلى الوثب، فوجد صوت المذياع يتلو بعض آيات من الذكر الحكيم. عندما ولج إلى الشقة، وجد العديد من سيدات الحارة يرتدين ملابس الحداد، من بينهن والدة صديقه حسن التي وبالطبع أخبرت الأخريات اللاتي لم يتأخرن في مؤازرة سارة وهناء لحين عودة تحية وفتحية ومحمد. أخذ يبحث بعينيه عنها، وجدها تجلس بين هناء وفتاة أخرى من حارتهم.

تستند بحزن إلى كتف هناء، وعيناها شديدة الإحمرار من كثرة البكاء. اقترب منهما قائلًا: وبعدين يا سارة؟! إحنا قولنا إيه، وتوجه بحديثه لهناء فهي الأكثر تماسكًا: هناء، إنتي عارفة بطاقة سارة فين؟! هناء: أيوه، دي من ساعة ما طلعتها من شهرين، وهي فرحانة بيها، وحطاها في شنطتها. محمد: طب خشي هاتيها بسرعة، عشان فيه أوراق لازم تتمضى عشان إجراءات الدفن، وعمتي من صدمتها بالخبر، ما أخدتش معها بطاقة.

هرولت هناء مسرعة لتحضر إثبات الهوية العائد لسارة. بينما جلس هو في المقعد الذي كانت تحتله هناء، يخرج تلك الأوراق التي اعطتها إليه السكرتيرة، ويقوم بوضع القلم في يد سارة المغيبة لتقوم بالتوقيع دون إطلاع، ويقوم هو بإيداع الرقم القومي لبطاقتها الى جانب الإسم بعد أن جلبت هناء البطاقة، وهو يخبر هناء بأن تجهز حقيبة سريعة بها ما قد يلزمهما حتى يسافروا إلى سوهاج؛ لإتمام مراسم الدفن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...