الفصل 34 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
15
كلمة
6,284
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 85%
حجم الخط: 18

بعد استماع محمد للخبر المشئوم الذي بثه علاء عبر الهاتف بوفاة زوج عمته، والذي يعتبره محمد أبًا ثانيًا له، وانهيار سارة. رفض محمد بشدة ذهابها معه إلى المشفى لتوديع جثمان والدها، بعد أن لقي مصرعه إثر انقلاب إحدى سيارات النقل الجماعي في حادث أليم وهو في طريقه إلى العمل في الصباح الباكر. توجه محمد ووالدته تحية، بعد أن ارتدت تحية ملابس الحداد، إلى المشفى الذي ذكره علاء، يستقلان إحدى سيارات الأجرة.

وذلك بعد مهاتفة محمد لصديقه حسن، أثناء استيقافه للسيارة، وأخبره بنبأ الوفاة، مما أثار حزن الثاني، فقد كان والد سارة رجلًا محبوبًا من كل أهل الحارة. طلب محمد من حسن الذهاب إلى الحاج رمضان شيخ الحارة ليستأذنه في أخذ سيارة تكريم الموتى في موقف مماثل.

أخبر محمد صديقه الصدوق حسن بأن يوافقه إلى المستشفى، بعد إبلاغه بالعنوان، فبالطبع علاء ووالده لن يستطيعا إنهاء تلك الإجراءات الخاصة بالدفن بمفردهما، فهما ليس من قاطني القاهرة. فترجع أصول سارة وأبيها إلى صعيد مصر تحديدًا سوهاج. والتي لم تذهب إليها سارة سوى مرات قليلة تعد على أصابع اليد الواحدة، وانقطعت زيارتها إلى هناك بعد وفاة جدها، ولحقته جدتها بثلاثة أعوام.

فكانت حينئذ بالحادية عشر من عمرها، أي منذ ما يقارب سبعة أعوام. فقد كانت الروابط بين والدها وعائلته يشوبها بعض التحفظ، بسبب ما حدث منذ 25 عامًا حينما أصر والدها بالزواج من والدتها فتحية، أخت صديقه والد محمد وهناء، ورفضه الزواج من ابنة عمه لحبه الشديد لوالدتها.

حيث كان والد سارة رفيقًا مقربًا لوالد محمد، فقد كان والد سارة قبل زواجه من فتحية، دائم التردد على القاهرة لتصريف محصول الأرض الزراعية العائدة لأسرته بسوهاج للتجار في القاهرة. وتعرف على والد محمد، حيث كان والد محمد يملك وكالة لبيع الخضروات والفاكهة بسوق العبور. وعندما توطدت بينهما العلاقات التجارية، نشأت بينهما روابط صداقة قوية فكان والد سارة يتردد على والد محمد.

إلى أن دعاه والد محمد إلى منزله، وقابل هناك الكونتيسة فتحية، ووقع في غرامها من النظرة الأولى، ونشبت بينهما قصة حب ملهلبة. وأصر حينها على رفضه من الزواج من تلك التي خطبها إليه والده، وانشق عن العائلة، ونقل إقامته إلى القاهرة. باحثًا عن عمل تاركًا خلفه عائلته، وإرثه الذي لم يطالب به، حتى بعد وفاة والديه، والذي سعى من أجل هذا الإرث أخوه، ليزوج ابنه علاء من ابنة عمه سارة.

بعد أن عاود التواصل مع أخيه في الفترة الأخيرة، حتى لا يبدو الأمر مثيرًا للشك، حين يطلب منه يد سارة لولده علاء. وصل محمد إلى المشفى هو وتحية، وجد عمته منزوية في أحد الأركان، تبكي فقيدها بحرقة، تضم جسدها بذراعيها تواسي حالها. محمد لفتحية، وهو يقترب منها ضامًا إياها إليه يدعمها: وحدي الله يا عمته، ربنا يصبر قلوبنا. فتحيه بأنفاس مسلوبة من شدة البكاء، فقد كان ونعم الزوج، يكفي أنه عاد الجميع من أجلها،

وكان لها نعم السند: مات وسابني أنا وسارة يا محمد، وإحنا ما لناش غيره في الدنيا. محمد بنظرة حزينة: ليه بتقولي كده يا عمته؟ أمال أنا رحت فين؟ هو أنا مش ابنك بردو ولا إيه؟ فتحية: ربنا يخليك لينا يا محمد، إنت راجلنا دلوقتي. في هذه الأثناء، اقترب منهم علاء ووالده الحاج سامح. وبالطبع تعرف عليهما محمد، فلقد صادف وراءهما عند عمته وزوجها في الآونة الأخيرة.

الحاج سامح: إحنا خلصنا الإجراءات، يلا بينا عشان نلحقوا قبل الوقت ما يتمسى نوصلوا البلد، عشان ندفنوا إكرام الميت دفنه. محمد وهو يمد يده للحاج سامح الذي قابل سلامه بفتور: البقاء لله يا حاج. الحاج سامح: ونعم بالله. محمد موجهًا السلام لعلاء الذي قابله بعجرفة: البقاء لله يا دكتور. علاء: متشكر. ووجه حديثه إلى زوجة عمه فتحية: أمال سارة فين؟ مش عاوزين نتأخر.

محمد: طب ما مقابرنا هنا موجودة بدل السفر والبهدلة، وعشان كمان عمتي وسارة يقدروا يزوروه هنا براحتهم. الحاج سامح: لاه، أخوي هيدفن إهناك في بلده. علاء: يا أستاذ محمد أفتكر أن دي مسألة ما تخصش غير أهل المتوفي، اللي هم والدي في المقام الأول ومرات عمي. محمد بحرج وتخوف من تلك السفرة: أنا بس كنت بقترح عشان الموضوع مؤلم بالنسبة لعمتي وسارة، وكل ما عجلنا بالدفن هيكون أفضل. الحاج سامح متجاهلاً

حديث محمد: همي يا أم سارة حضري حالك إنتي وبتك عشان ما نتأخروش. محمد متدخلًا وهو يوجه حديثه لتحية والدته، فبالطبع لن يدع عمته والمزة يسافران لحالهما، خاصة بعد الحديث السابق بشأن عرض علاء الزواج من سارة. محمد: خليكي إنتي يا أمي مع عمتي، وأنا هروح أجيب سارة وهناء، عشان ما نأخروش الناس أكتر من كده. ولم يدع فرصة لأحد بالاعتراض، وأسرع خارجًا من المشفى، قبل أن يقدم علاء على الذهاب لإحضار سارة. ***

بعد أن أخبر ماجد ريان بأنه هاتف عمه موسى، قائلًا ما جعل ريان يهب من مقعده منتفضًا يدور حول نفسه، كأسد جريح وقد غافلته الضباع. وذلك بعد قول ماجد: ما آني جولتله إنك اتچوزت. ريان بثورة، وهو يضع يديه على جانبي وجه أعلى رأسه، بغضب يزفر أنفاسه بتدافع، ومن ثم اخفض ذراعيه، يشيح بيده اليمني أمام وجه الآخر: كيف تعمل إكده من غير ما تجولي.

ماجد وهو يستنده بمرفقيه على فخذيه، يناظر الآخر بتسلية، وعلى وجهه ابتسامة، غير عابئًا بالحالة التي أوصل ريان إليها، بما أنزله على مسامع الآخر من خبر يحتاج إلى حنكة وسرعة بديهة ليحل الأمر. ولا يوجد في تلك الحالة غير حل واحد، أن يسرع ريان بالزواج من وعد قبل مجيء موسى، حتى لا ينكشف الأمر لصقر الذي حاك ريان تلك التمثيلية أمامه، ليس خوفًا من صقر.

ولكن ريان لن يروقه أن يبدو أمام الصقر أو غيره بصورة غير لائقة، أو يصفه أحد بالكذب أو الاحتيال أو المراوغة، فتلك الصفات يوصم بها ريان الجبناء. ماجد: ما إنت مكنتش هتتچوز غير إكده. ريان مقتربًا من ماجد يميل عليه، فتراجع الآخر يستند بظهره إلى الخلف متيحًا له الفرصة ليصب جم غضبه، فما فعله ليس بالأمر الهين. استند ريان بكفيه على مقبضي الكرسي الخشبي الجالس عليه ماجد، يناظره بأعين ذئب. ريان: من ميتى وإحنا بنعمل في بعض إكده؟!

من ميتى وإحنا بنستو. سخ مع بعض إكده يا ماچد؟! ماجد وهو يناظره باستغراب: عتجول إيه إنت؟! آني ما فهمش إنت تجصد إيه بحديتك ده!! ريان وهو ينظر إليه باستخفاف، مستقيمًا بجسده، واضعاً يديه في جيب منطاله، فقد ارتدى قميص بدلته على سروال الجلباب يشمر أكمام قميصه المثنية، يُظهر ساعديه بعروقهما البارز، يفتح أول زرارين من القميص مضيفًا صيحة جديدة إلى الموضة.

فما يرتديه بعيدًا كل البعد عن أية تصاميم، ولكن ريان يضيف للأزياء أناقة وليس العكس. ريان: ما فهمش؟! ولا فاكر إن جصة إنك عملت إكده عشان اتچوز عتخيل علي؟! 😏جول إن العروسة اللي كت متچوزها وإنت متغصب حليت إفعينك، وعاوز تعجل من چوازك منيها، فجولت تحرك الموضوع، وتصدرني آني 😎.

ماجد بخزي من افتضاح هدفه الأول مما فعل، برغم من اختلاف أسبابه التي دفعته لذلك، فالأمر ليس كما يتخيله ريان، فهو لا يستعجل الزواج لأنه يرغب بها، ولكن ليتمكن من ابقائها جواره لحمايتها دون أن يعترض أحد على ذلك. ولكن لديه هدف آخر هو يريد دفع ريان للزواج من وعد، بعد ما لاحظ أن ريان يميل إليها وتعجبه. كما أنه يراها مناسبة له، وقد أشرف ريان على السابعة والثلاثين دون زواج.

فهو أدرى الناس بريان الذي تعجبه حياة العزوبية، والانتقال من علاقة عابرة إلى أخرى. وماجد يريده أن يستقر مكونًا عائلة قبل أن يتقدم به العمر أكثر من ذلك، فيشيخ وحيدًا دون زوجة أو ولد يتعكز عليه عندما يهرم. ماجد وهو مطأطأ الرأس يتهرب من النظر إلى ريان قائلًا: الموضوع مش كيف ما إنت مفكر. ريان: أمال لما هو مش كيف ما آني مفكر، وطيت راسك ليه عاد؟! ماجد وهو يرفع بصره إليه، ناهضاً عن مقعده، واقفًا قبالته

ينظر إلى عينيه بثبات: آني معوزش اتچوزها عشان كيف ما جولت حلية أفعيني، آني ما هجربش منيها، هي بس فترة وهطلجها، آني ما عاوزاكش تبجى زي تعيش وتموت إلحالك، من غير لا أب ولا أخ ولا ولد، معوزكش تفوت الدنيا من غير ذرية، كانك شچرة و انجطعت من چدورها. أحس ريان بعمق الألم الذي يحمله ماجد بداخله، ولم يفصح عنه من قبل.

فقد قُتِل والده، وهو طفل صغير قبل أن يعيش معنى البنوة، ويستشعر حنان الأب، وربي وحيدًا دون أخ أو سند، وجرت به الأيام تسحق سنينه، وتتآكلها كالجراد وهو يعثوا بالأرض الخضراء يحييلها إلى خراب كالذي عشش بداخله. رفع ريان كفه يربت على كتف ماجد بمؤازرة قائلًا بنبرة مغايرة: ولما هو إكده طب ما تنصح حالك الول. أمال بتجول هتطلج مراتك ليه عاد؟! ولا عشان حكاية رضوان الله يرحمه، هي ما غلطتش إمعاه، دي كانت مراته على سنة الله ورسوله.

لا يعلم ماجد لما آلمه قلبه بسبب حديث ريان، عن كونها كانت زوجة لآخر قبله، طالما لا يحبها وعازم على فك سراحها وتطليقها بعد ما يضمن سلامتها أو يزوجها هو بذاته لآخر. وتساءل هل هدفه فعلاً استعجال الأمور لحمايتها؟ وهل سيطلقها إذا أرادت الزواج بآخر. هز ماجد رأسه ينفض تلك الأفكار مجيبًا

ريان: آني خابر إنها ما غلطتش جدام ربنا، أي نعم الطريجة كانت غلط، بس ده ما يديش الحج لأمها في اللي عملته فيها، والعذاب اللي المسكينة دي دجته، وعلم في جتتها لغاية دلوك، واللي بسببه عشية كان ممكن إتموت، آني ما هملهاش تروح عند المراة العجربة اللي اسميها حفيظة، مين عارف عتعمل فيها إيه تاني؟!

ولو چرى لها حاچة ما هسامحش حالي إني كان في يدي انچدها وما عملتش إكده، ما هعرفش اطلع لحالي بلمراية، بس كمان ما اجدرش احكم عليها تعيش مع راچل عمره كد عمرها مرتين، يعني كمان عشرة خمستاشر سنة، هكون آني يلا حسن الختام، وهي لساتها صبية في أول عمرها، ربنا جال في كتابه (إياكم والشباب) ريان: وإنت عچزت إياك؟! ما لساتك بعافيتك، و أكم من رچالة كابيرة اتچوزت نسوانها أصغر منيها، وعلى ذمتهم حريم كمان.

ماجد: فيه كتير بس آني لاه. وهملنا مني دلوك، و جولي نويت تعمل إيه 🤔؟ ريان بتوبيخ: چاي دلوك تجولي هتعمل إيه يا چالوص الطين إنت، بعد ما طينتها!؟! ماجد باستفزاز غامزاً: ليه يعني؟! 🙄 كانك مش مال يدك منيها يا كازانوفا، لاه ما مصدجش إنك لو طلبتها للچواز عترفضك. ريان وهو يقرض على أنيابه: هزِر، هزر، جوم وهملني دلوك أفكر وأشوف حل للغارجة، اللي ودرتني فيها دي. ***

عند منصور بعد ما صدق حدثه بشأن ما كان يخشاه، إذا بقي في ما يخص توريطه بخطوة أخرى تقربه مما أرق مضجعه بالأمس، وأطار النوم من عينيه، وهو أن يجد نفسه في قفص الزوجية مع غراب البين. أنهى الصقر الحوار بأمره بالذهاب إلى الغرفة لتغيير ملابسه وحلاقة ذقنه، استعداداً لجلب الأصفاد التي سيكبل بها يديه إلى عنقه مقادًا إلى نحره، ويعني هنا الشبكة، التي سيصله بها الصقر في نهاية هذا اليوم، وبحلول المساء إلى توقيع شهادة وفاته وبيده.

ذهب يضرب الأرض بقدميه كطفل ساخط من أمه لكونها أجبرته على تنظيف أسنانه، وهو يكره طعم المعجون. فبدى لذيذاً مهلكاً بهيئته الساخطه تلك من وجهة نظره. وهو يتمتم بصوت غير مسموع: منك لله يا شيخ، ده إنت مستعجل على جوازي، ولا الحمى اللي بتكيد مرات ابنها. هو بعد أن دخل إلى تلك الغرفة اللعينة كصاحبها، ويقصد هنا الصقر، قذف بالحقيبة أرضًا، فهبطت بثقلها على أطراف أصابع قدمه اليمنى بداخل الحذاء.

فتلقت تلك الحقيبة نصيبها من سيل السباب واللعنات، التي انهالت على لسانه مرتبة كصوت مذيع النشرة الإخبارية، وذلك وهو يرفعها من على الأرض يقذف بها على التخت، يفتح سحابها بعصبية، مما أدى إلى إفلات غالق السحاب، تلك القطعة المعدنية، فبصق على الحقيبة وكأنها تشخصت في هيئة الصقر، قاذفاً بالقطعة المعدنية للغالق أرضاً.

أخرج منصور من الحقيبة ثيابًا نظيفة، مرتدياً إياها بتعجل، عندما طرق عليه الصقر باب الغرفة قائلاً: ما تهم يا عريس، عشان تلحجوا تخلصوا مشواركم عجبال ما اكلملك المأذون عشان يعمل حسابه على الليلة. منصور بصوت خفيض: وبعدين في شغل أم العروسة ده. ثم رفع صوته من خلف الباب قائلًا: خارج، بغير هدومي، ولا عاوزني اطلع من غير بنطلون؟! 🤭ده أنا قلت لها يا مسموستي حسبتوها عليا غلطة، أمال من غير بنطلون هتقول لي مبروك ما جالك؟!

الصقر متأفأفاً: طب خلصنا عاد. منصور خافضًا صوته: الهي تخلص أيامك في الدنيا يا بعيد. خرج منصور وعلى وجهه علامات السخط والنفور. بينما كان الصقر روحه تتغذى بشغف على إذلاله، كمستذئب متعطش لدماء فريسته. الصقر بشماتة: خبرك إيه؟! كل ده ومحلجتش دجنك؟! يا عريس. منصور قائلاً بنزق: نسيت أحط مكنة الحلاقة في الشنطة، لو مش عاجبكم على وضعي كده؟! احنا ممكن نأجلها يوم تاني أو نلغيها أحسن. الصقر بتسلية: لاه، ليه؟!

خليها على المسا عشان يبجى ليك بهچة. منصور بصوت خفيض: بهجة دي تبقى خالتك. الصقر بسماجة: عتجول حاجة يا دكتور منصور؟! منصور: بقول ربنا يجعل كل أيامك بهجة، ثم خفض صوته، وحِزن مضروبين في خلاط ميكس كده. الصقر لهمام: خذ العربية إمعك يا همام، وتوجه بنظره إلى منصور مستكملاً: وخلي بالك على خيتك، عينك ما تغفلش عنيها. همام مجيب: عتوصيني على خيتي يا كابير؟! دي في عيني. الصقر بتصريح متخلياً

عن التلميح: وعينك على الدكتور جبل منيها، چايز الشيطان يخلي واحد ولد حرام يدي له طلجة، ولا عيار طايش إكده و لا إكده ياچي له من حيث لا يدري. همام وهو يهز راسه، بينما يبتلع منصور لعابه بتوتر وخوف وقد فطن ما يرمي إليه الصقر فقال وهو يوجه حديثه لمسعدة: يلا بينا إحنا يا مسعدة عشان ما نتأخرش، وتوجه بالحديث إلى همام: أنا قلت يا مسعدة هه، ألا مش عارف ها ترسي على إيه بعد كتب الكتاب.

توجه ثلاثتهم إلى السيارة، يفتح منصور الباب الأمامى، ليحتل المقعد بجانب السائق، وبالطبع منصور في ظنه ارحم من الجلوس إلى جوار السائق، فخشي أن يصعد بالمقعد الخلفي فتقوم بالجلوس لجواره. استقلت مسعدة بالخلف، وانطلقت السيارة تقطع الطريق إلى المركز وعلى الجانبين مساحات شاسعة من الحقول الخضراء.

أخذ منصور يفكر لو كانت الظروف مغايرة، ومن كانت في الخلف أخرى غير غراب البين كما يدعوها، لكان الآن يجالسها بالمقعد الخلفي يلتقط كفيها بين يديه، يسمعها من كلمات الغزل ما يجعلها ذائبة إلى جواره، وربما يحالفه الحظ ويسترق قبله من خدها في غفلة من أخيها، والذي سيكون أحدًا آخر غير هذا الهمام.

طوال الطريق وهو على حاله صامت، وهي تتأمله من أسفل نقابها وغطاء عينيها، الذي اتاح لها الفرصة لكي تتمعن في ملامح وجهه، كم هو ساحر حتى مع شعيرات ذقنه النامية وخصلات شعره الأشعث الذي لم يهتم حتى بتمشيطه، وعبوس وجهه، كل ذلك جعل منه إيقونة في الوسامة. إلى أن رن هاتف مسعدة، فأجابت على الفور، وكانت إحدى زميلاتها في العمل، تدعى ملك. مسعده: ألو، أيوه، يا لوكا، كيفك يا مزة؟!

فأجابتها من على الطرف الآخر، بينما ابتسم منصور باستهزاء ساخرًا، فبالطبع أي أنثى بالنسبة لتلك الخيمة السوداء، ستكون مزة، حتى لو كانت أنثى البومة. استكملت مسعدة حديثها قائلة: لاه يا جمر، مچياش النهاردة، آني واخدة أچازة.

فسألتها ملك تستفسر عن سبب تلك الإجازة المفاجأة، فهي تعلم أن مسعدة لا تحب التغيب عن العمل، فهي تعشق عملها وتؤمن برسالتها المهنية، وبأن الطب والتمريض مهنة سامية تطيب آلام البشر، وكم هي محبوبة من زميلاتها ورؤسائها والمرضى والحالات التي تتابعها في المشفى. مسعدة: عجبالك يا لوكا، اصلي آني دلوك نازلة مع خطيبي الدكتور منصور المركز، لجل ما نچيبوا الشبكة. صمتت مسعدة برهة تستمع إلى

حديث الطرف الآخر مجيبة: لاه و عخبي ليه عاد، الموضوع چه فچأة. منصور متمتمًا: قصدك توريطة. وبعد أن أنهت مسعدة الحديث مع صديقتها، قال همام بهيام فهو يعشق ملك صديقة أخته، ويريد الزواج منها ولكنه دائمًا يتردد في طلبها، خوفًا أن تقابل طلابه بالرفض؛ لكونها متعلمة، وهو لم يكمل تعليمه، بسبب الظروف التي جعلت منه أبًا وأخًا لأخته، ومسؤولاً عنها، ومتولياً أمر العمل عند كبيرهم، ورعاية قطعة الأرض التي تركها لهما والدهم.

وعندما اكتمل معه المال اللازم لشراء نصيب أخته بالأرض، أعطاها حقها، ورفض أن تنفق منه شيئًا على نفسها، وقد تكفل هو بكل لوازمها، وسانده الصقر في مصاريف تعليمها بالمعهد. همام متسائلًا: ألا جوليلي يا جلب أخوكي؟! عِملت إيه ملك في العريس اللي كان متجدم لها؟! أجابت مسعدة بنبرة حانية تطمئنه: ماتجلجش يا جلب أختك، هي رفضته، وكانها مستنيه حد بعينه.

كان منصور يستمع إليهما، ويستغرب حالة همام، فهيئته لا تدل على كونه تتوافر لديه تلك المشاعر، وكأنه في نظره مجرد آلة. همام وقد بدا الضيق على محياه: تجصدي إيه؟! و مين ده اللي عينها مني؟!

مسعدة بتسلية: هي ما جالتش حاجة بس بيتهيألي إكده إن اللي عينها مني، هو بردك عينه مني، بس خايف يتحدت، مع ان اللي عنديه جلب زي جلبك أي واحدة في الدنيا دي تستمناه، چمد جلبك يا أخوي، واديني الإذن اتحدتلك وياها، يمكن ربك يبرد نار جلبك، واللي إنت خايف منه ده يكون وهم عنديك إنت بس، وتكون هي كمان ريداك كيف ما انت رايدها. همام بنظرة أمل: فكرك إكده يا مسعدة؟! مسعده وهي

تربت على كتفه من الخلف: اتوكل على الله يا اخوي، خليني اطمئن عليك جبل ما اهملك. بدى الضيق على ملامح منصور العابسة من الأساس، فها هو همام يعشق ويتمتع بحق سلب منه، في أن يختبر تلك الأحاسيس، ويعايشها مع من اختارها قلبه. وكأن الحياة ترغمه كل شيء، فهو لم يختار دراسته، ولا المهنة التي يعمل بها، بالرغم من تفوقه فلقد فرض عليه الوقت حبه لتلك المهنة.

كان منصور يريد الالتحاق بمعهد التمثيل، ولكن أباه حال دون ذلك، وكم تمنت والدته أن تراه طبيبًا فلم يرد أن يخيب أملها به. كما أنه لم يختار عمله في هذا المكان، فجاء إليه أمرًا بإنتدابه إلى هنا، ناهيًا على آخر ما تبقى له من مستحقات في تلك الحياة، وبات مجبرًا على استكمال حياته مع مسعدة، استنادًا لرغبات وأوامر الآخرين.

بعد مرور بعض من الوقت توقفت السيارة أمام أحد المحلات لبيع المشغولات الذهبية، ولم ينتبه إلا عندما قام همام بفتح باب السيارة المجاور له، وهمام يجذبه من ذراعه ليخرجه من السيارة، فبدى كمسجون تحت طائلة عسكري عربة الترحيلات. فانصاع يخرج جسده من السيارة، كمن يقاد إلى جلسة محاكمته، والتي يعلم بيقين صدور حكم القاضي مقدمًا بالإعدام وذلك في حالة التماسه للرأفة. تقدم الثلاثة إلى داخل محل الصاغة،

وقام البائع بالترحيب بهم: أهلاً وسهلاً، نورتونا، وبإذن المولى الشغل اللي عِندينا هيعچبكم. منصور بضجر: خلصنا بقى، وشوف لنا الزفت الدبل اللي عندك هتيجي مقاس الغندورة؟ ولا تعمل لها دبلة عمولة؟! البائع وهو ينظر إليه باستغراب قائلًا: لاه، ان شاء الله طلبتكم كلتها عِندي. بينما تحجرت الدموع في مقلتيها، فلقد أفسد عليها فرحتها في يوم كهذا، ولكن لا بأس، يُغلق عليهما باب واحد وستذيقه من العذاب ألوان.

وضعت هاتفها إلى جانبها على زجاج ستاند المعروضات، وأقسمت أن تستمتع وحدها بما يحدث، وتدعه في وجومه وعبوسه، فلن تفوت على حالها متعة اللحظة. وفي أثناء انشغالها رن هاتفها برقم ملك، وقد كانت مسعدة تضع صورتها خلفية لشاشة الاتصال وهي ترتدي إحدى الفساتين المشخلعة في حنة إحدى صديقاتها أسفل عباءتها، وعندما بَقِيَت الفتيات لحالهن خلعن جميعًا ملابس الخروج واحتفلن بأزيائهن الأنيقة.

لفت نظره تلك الحسناء على شاشة الهاتف، وأخذ ينظر إليها بأعين جاحظة. فأجابتها مسعدة بعدما بدأت الأولى بالحديث، فكان جواب مسعدة عليها: أيوه يا لوكا، إمنور على شاشة التليفون آهه، ما إنتي عطيتيني الرقم الچديد ده، بعد أما خلصنا عملية إمبارح، وآني سچلته عِندي. أما منصور فيقف بذهول، مهلًا أتعني أن تلك ملك حبيبة همام أخيها؟! وبالطبع تلك صورتها التي كانت تزين شاشة الهاتف،

فقال بصوت ساخر مرتفع: يا سلاااام، بقى همام عاوز يتجوز لهطة القشطة دي، وأنا!! الدكتور منصور!! اتجوز مسعدة!! دي الدنيا ماشية بضهرها. استمعت مسعدة لتعليقه بشأن الصورة، والتمست الانبهار على قسمات وجهه، ولمعة عينيه. فقررت اللعب معه: إيه فيه؟! مالك إمبحلج إكده ليه؟! أشاح إليها منصور بيده وكأنه يهش ذبابة استقرت على أنفه، ولازال على حالته البلهاء تلك بفمه المفتوح. فرفعت صوتها وهي توخزه في ذراعه: إيه فيك إنت؟!

تنبه منصور إلى وخزتها تلك قائلاً: بقولك يا أخ مسعد، مين المكنة اللي صورتها على تليفونك دي يا شبح؟! ابتسمت مسعده أسفل نقابها مرددة: أخ مسعد. دي ملك ماي توينز، تجدر تجول الفردة بتاعتي. منصور على نفس حاله: طب ما تظبطني معها يا عمنا. مسعده وهي تجاريه: وماله آني وهي واحد، واللي معاي كانه معها تمام، بس هتجدر على ميمو. منصور وقد اندمج وكأنه يحدث مسعد ابن خالته: طب ليه البيعة دي طه؟! وهو إيه اللي هيعرفه بس يا أخ مسعد؟!

مسعدة: على جولك، اتفجنا. *** عوده إلى درش ومزته، وحبة حنان من بتاع زمان. بعدما أوصلها إلى مبتغاه، فهو يريدها أن تعرض عليه بنفسها راغبة صحبته في رحلة سفرها إلى سوهاج، وها قد مرر إليها الكرة، وبقى الهدف مضموناً بغمزة خفيفة بوجه قدمها. رفعت همس رأسها عن كتفه قائلة: أنا عندي حل يا مصطفى.

أعاد مصطفى رأسها إلى موضعه بعدما جذبها إليه، وقام بلف ذراعيها حول خصره، مستغلًا حالة التيه التي ألقى بها هو داخل دوامتها، وكأنها اعتادت على هذا الوضع، وهذا التقارب. قال مصطفى بنبره متأثرة لقربها منه بهذا الشكل المهلك، والذي أثار كل خلية به فبات متشوقًا للمزيد: قولي يا قلب مصطفى. رفعت رأسها إليه قائلة: إنت لازم......

أصبح وجهه على بعد سنتيمترات من وجهها، وهو يتأمل حركة شفتيها بجوع، مبللاً شفتيه لاعقاً إياهما بلسانه، وكأنه يستشعر رطوبة شفتيها على خاصته. باطرًا جملتها، وهو يقترب بوجهه منهيًا تلك المسافة شبه المنعدمة، يحط بشفتيه على خدها الأيمن يلثمه برقة. قائلًا: فعلاً، أنا لازم أعمل كده. سألته بتشوش وخجل: إيه ده يا مصطفى؟! أنا ما اقصدش كده.

مال بوجهه إلى الجهة اليسرى، وهو يلمس أنفها بخاصته يحط بشفتيه على خدها الأيسر يلثمه حتى لا تغار تلك الوجنة من الأخرى. مصطفى ببراءة وقد زلزل كيانها بأفعاله، وكلماته المعسول: أمال تقصدي إيه؟! يا روح مصطفى. همس وقد ذابت بين يديه كحلوى المارشميلو: ممكن تسافر معايا؟! أبعد مصطفى وجهه عنها، ولازال محتضنًا إياها، وهو يقول بتفاجئ ورفض مصطنع: إزاي بس يا هموستي؟! طب وشغلي والمحل؟! همس برجاء ودلال: عشان خاطري يا درش. مصطفى مدعيًا

التفكير: خاطرك غالي أوي يا قلب درش، بس اللي إنتي بتطلبيه ده صعب، صعب. و صمت قليلاً يفرك جبهته بأحد كفيه مستكملاً: إلا إذا..... همس بلهفة، وهي ترفع كفها تداعب وجنته بإستمالة: إلا إذا إيه يا صفصف؟! مصطفى وقد استوى: يا لهوي يا أماه، هو أنا بعد صفصف دي، هعرف اتنيل أخد موقف. مصطفى محدثًا حاله: اثبت ياصفصف مش كده اُمال. همس بتسائل: ما قلتش إلا إذا إيه؟! مصطفى بخبث: يعني... لو أخدت حوافز أو رشوة، اللي تجودي بيه.

همس بأعين متسعة: عاوز فلوس؟! بس أنا ما عيش فلوس. مصطفى وهو يقترب من أذنها قائلاً بهمس دغدغ أوصالها: بوسة. ابتعدت همس بوجهها عنه شاهقة وهي تضع كفها على فمها: عيب كده يا مصطفى. مصطفى وهو ينظر إلى السقف بضجر مصطنع: خلاص خلينا واقفين، وخلي السواق متسقع برة. همت همس لترفض رفضاً قاطعاً، ولكن أصدر السائق زمورًا من بوق سيارته، وتلاه بآخر، مما ينم عن نزقه.

فقامت همس بطبع قبلة خاطفة على وجنته تبتعد سريعًا، ولكنه لم يمنحها تلك الفرصة، وهو يقول: البوسة بتبقى كده.

وسريعًا رفع يده يدعم رأسها من الخلف إليه، يميل برأسه ينقض على شفتيها، يقتنصها بين خاصته، يمتصها بنهم، لاعقًا إياها بلسانه ينهل من عسلهما بجوع، يرتوي بهما بلهفة ظمآن، جاب الصحراء يلهث بعطش، وقد جف حلقه إلى أن عثر على مبتغاه، بعد أن كادت تجف عروقه، فإمتثل يلبي رغبته المتعطشة لها، يعتصر جسدها بين ذراعيه يضمها إلى ضلوعه، رافعاً جسدها عن الأرض، يجلسها على جدار السلم خلفها، يقف بين ساقيها، وشفتيه بعدما ذاقت حلاوة شهدها أخذت تتنقل لاثمة قسمات وجهها عائدًا مرة أخرى إلى كرزيتها يلتهمهما بضراوة تارة وبحالمية تارة أخرى وهي تتأوه بين يديه بإستمتاع.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...