الفصل 29 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
15
كلمة
5,253
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

عند سارة ومحمد. بعدما حاصرتها تحية بالأسئلة والإلحاح، وردها المندفع الذي لم تقصد به ما وصل لزوجة خالها من موافقتها على الخطبة إلى علاء ابن عمها، فبهذا وضعت نفسها بمأزق كبير. لقد أرادت محاورته، فوقعت هي بالفخ. تحية: يبقى على بركة الله، أما أقوم أفرح أمك. محمد بصوت جحيمي وهو يناظر سارة بتوعد: أنا قلت ما فيش كلام في الموضوع ده تاني، وسارة لسه صغيرة، وما تشغلوهاش بخطوبة وجواز من دلوقتي.

ارتعدت سارة من نظرة التوعد تلك، ولكن لا مانع من اللعب قليلاً. سارة بغنج وهي تقترب منه، فلقد اعتادت على التدلل عليه في بعض الأحيان هي وهناء قبل وقوعه لها، تتشبث بذراعه تحيطه بكفيها موجهة حديثها إلى تحية، وهناء تشاهد تحول أخاها وبداية شرارات العشق وهي تشعل غيرته. سارة: خلاص بقى يا توحة، البوب بردو خايف على مصلحتي، ده مهما كان أخويا الكبير. رفع محمد ذراعه الحرة يقرص خدها بقوة قائلاً، وهو يبتسم لها ابتسامة صفراء جازًا

على أنيابه: قلب أخوكي الكبير. تحية باستسلام: خلاص يا محمد، إنت بردو متعلم وفاهم وأدرى بالمصلحة، وبعدين لو نصيبها هيستناها. سارة وهي تدعي التفكير: تفتكري هيستناني يا توحة؟ محمد وقد طفح كيله منها، غارزًا أصابعه يفك تشابك يديها التي تحيط ذراعه بغل نافضًا إياها عنه بغضب مستتر قائلاً: وماله! هنشوف الموضوع ده بعدين، خشي اتخمدي، قصدي نامي إنتي وهناء دلوقتي، يا قلب أخوكي.

قال الأخيرة بتلكؤ متكئًا على كل حرف بها وهو يرسل لها رسالة خفية لهم، واضحةً لها، ألا وهي لقد بدأت اللعبة. ترك ماجد ريان متصلبًا أمام باب القاعة، مترددًا في دخولها مرة أخرى، حيث أنه وجد امرأة لم يتحقق من وجهها متشحةً بالسواد، تأخذ مكان وعد على التخت، مما جعله يشك بأنه قد اختلط عليه الأمر وأخطأ في القاعة المنشودة، ولكن كيف؟!

وهو صاحب الذاكرة الفولاذية، حسناً سيستأذن طارقًا على الباب ليتبين الأمر، ربما هي نفسها القاعة، وقد أتت إحدى العاملات بالدوار لتعاون وعد نظرًا لحالها. طرق باب الغرفة فوجد صوتها المألوف إليه والذي حفظه عن ظهر قلب، يأذن له بالدخول، فتأكد ظنه بأن من رأها لم تكن سوى إحدى الخادمات، فتلك هي قاعتهما. وعد من الداخل: اتفضل. فتح ريان باب الغرفة، وما إن دخل إليها حتى جحظت عيناه في ذهول، من تلك؟! وأين وعد؟!

فقد كانت وعد قد أبدلت ثيابها بمعاونة صابحة، وخلعت عنها ثوب الاحتفال تلك العباءة الفضية، وارتدت الأخرى التي ابتاعتها من الدلالة التي أخبرها ريان بأن تشتري منها ما تريد، والذي أحضرها الصقر لتشتري منها انجيل أيضاً ما يلزمها.

ريان وقد استدارت عيناه من هيئتها تلك، بهذه العباءة السوداء الفضفاضة التي تتسع لامرأتين معها، وكانت ترتدي أيضاً غطاء الرأس الخاص بالعباءة قديمة الطراز كإيشارب تعقده من الأمام على هيئة فيونكة تتدلى أطرافها على جبينها مغطية نصف وجهها، فأصبحت تبدو كالندبات، وكانت تلك مهنة قديمة لبعض السيدات في الصعيد والأرياف، حيث كانت مهمتهن الذهاب إلى المآتم بزي الحداد الأسود؛ لمشاطرة أهل المتوفي الحزن، مع قيامهن بالندب والعويل، وإلقاء

بعض كلمات الرثاء التي تحمل نفس الوزن والقافية، تلك المهنة التي تشبه نبطشي الأفراح، وفي المقابل يعطي لهم أهل المتوفي بضع جنيهات إلى جانب تناولهن الطعام في المأتم، الذي يتعاون الأقارب والأهل والجيران في القرى والنجوع على إعداده مؤازرةً لأهل المتوفي، حيث تخرج كل دار صينية محملة بالطعام تسمى صينية العزاء، تحملها السيدات فوق رؤوسهن إلى دار المتوفي؛ ليتناول المعزون واجب الضيافة، وكل دار على قدر استطاعته، تلك الأجواء التي

يفتقدها أهل المدينة، ولا زالت تلك العادات المراعية متوارثة لدى أهل الصعيد والأرياف الكرماء، ولكن مع اندثار تلك المهنة، مهنة الندبة.

ألقى ريان كيس الأدوية الذي بيده إلى جانبها على التخت. ريان: إيه ده؟! إيه اللي إنتي عاملاه في حالك ده؟! حد مات لك إياك؟! وعد وهي تشيح له بيدها: والنبي يا أخ، أنا مش فايقة لك، وأبعد عني الله يسهل لك. وهو الذي كان يمني نفسه بالانفراد بها؛ ليحظى بما لم يحظى به هناك بالأسفل. ريان بخيبة: يا أخ!! والله يسهل لك!! ليه هشحت منك إياك؟! وعد

وهي تشهر سبابتها في وجهه: لا بص، إنت اللي إياك ثم إياك تفكر بس إني ممكن أسمح لك تنام هنا على السرير، كفاية إن أنا وإنت هننام في أوضة واحدة، ولولا رجلي واللي حصل لها، كنت مشيت وسبتها لك مخضرة. ريان: حيلك، حيلك، وعيالي هموت وأنام چارك؟! وعد: أنا بنبهك بس.

وما إن أتمت جملتها، حتى اقترب منها ريان، وهو يفتح أزرار جلبابه، ويمد إحدى يديه يرفع أطرافه من الأمام، واليد الأخرى يمدها إلى ياقة الجلباب من الخلف، يشلحه عنه بحركة واحدة سريعة. شهقت وعد على أثرها بتفاجئ وخجل رافعة كفيها تغطي أعينها، ووجهها بالكامل هاتفةً: اهدى، يا ابن المجنونة، هتعمل إيه الله يخرب بيتك؟!

نظر لها ريان بتسلية وقد أعجبه خوفها وانكماشها على نفسها والذي يناقض حالتها منذ قليل وهي تملي عليه الأوامر والشروط، تغطي وجهها براحتيها؛ ظناً منها أنه لا يرتدي شيئاً أسفل الجلباب. ريان متصنعًا الجدية: هعمل ايه كيف؟! هعمل زي ما أي راجل هيعمل في قاجته مع مرته؟! ريان وهو يلقي بالجلباب على الأرض مصدرًا صوتًا: وادي البوكسر كمان. شهقت وعد بخجل: هي حصلت للبوكسر.

لم تجد جدوى من معاندته، فهي في موقف لا تحسد عليه، فلقد أوقعت نفسها بنفسها في فخه، وأصبح هو المسيطر والمتحكم بالموقف، فماذا ستفعل إن أراد إكراهها على شيء ما؟! وإذا صاحت مستنجدة بأحد فماذا تقول؟! وهي من وافقت على هذه اللعبة منذ بادئ الأمر. أجابته بمهادنة: على فكرة بقى مش انت خالص، انت أكبر من إنك تعمل كده، وبعدين ترضاها لأختك يا حتة، مش أخلاق الصعيدة دي على فكرة.

حِيَلِها لا تَخِيل عليه، ولكنه بات مستمتعًا بخفة دمها، وحنكتها في إحالة الأمور لصالحها. ريان بتسلية: لاه ما تبجيش واثجة إكده، مش آني ابن مچنونة كيف ما جولتي، والمچنونة عتخلف إيه يعني، وآني ما يرضنيش اطلعك كذابة. اجابته وعد سريعاً: مين الصرمة اللي قال عليك كده؟! ده إنت سيد العاقلين وبالوراثة كمان. ريان بمشاكسة: شايفك چبتي ورا، ولمن إنتي مش كد اللعب وياي، بتطولي لسانك ليه عاد، يا صرمة؟!

وعد وقد تناست الموقف برمته، ورفعت كفيها تفتح عينيها، وتناظره بغضب، وقد اتسعت مقلتيها عندما وجدته يرتدي سروالًا يشبه ذلك الجلباب الذي خلعه أرضاً، وتيشرت بدون أكمام أعلاه. حسناً، فقد كان يلاعبها، وها هي تقع في الفخ، وقد جفت الدماء بعروقها لتلك الخدعة، فقد ظنت أنها لن تنجو من براثنه. وعد بردح: مين دي اللي صارمة؟! يا خواجة على ما تفرج، يا صعيدي بالإسم، يا خرمانت إنت..

ناظرها ريان بأعين مفتوحة، وبؤبؤ عينيه متسعاً، فلقد فهم من كلماتها أنها تسخر منه، ولكن ماذا تعني بخرمانت؟! اجابها بثورة، وقد اقترب منها وهو يميل بجسده إليها ووجهها على بعد إنشًا واحدًا منه. وهو يفح أنفاسه في وجهها بغضب مما جعل هيئته لا توحي بالخير. أخذت هي تلعن نفسها في سرها: أبو شكلك غبية، أنتي بني آدمة برأس كلب، أهو هيتحول أهو. ريان: إنتي عتردحي لي؟! ولا إيه؟! ما كنتي كيف الجُطّة من شوية، وبعدين إيه خرمنت دي؟!

إنتي ما هتلميش لسانك ده اللي عاوز جطعه؟! اخذت تتراجع بظهرها على السرير برعب كمن يناظر شبحًا، وعادت إلى انكماشها مرة أخرى: فداك يا زعيم، وبعدين إنت فهمت إيه؟! خرمنت دي مش حاجة وحشة لا سمح الله. ريان: أمال إيه؟! يا أم العريف إنتي؟! وعد وهي ترمش بعينيها تدعي البراءة، راسمًة ابتسامة سمجة على وجهها: يعني مجنس حضرتك. ريان بغضب وعدم فهم، وهو يقبض على إحدى ذراعيها متسائلاً: إنتي بتچيبي الكلام ده منين؟! انطجي تجصدي إيه؟!

وعد بتسرع: يعني ملعوب في.... بطرت جملتها، بماذا تهزي؟! ستوقع نفسها بمشكلة حتمية، ولكنها أسرعت بالقول: بص يا كبير اقطعه وخلصني. نظر لها ريان بعدم فهم وقال مستفسرًا: هو إيه ده؟! وعد: اللي جايب لي الكفية، لساني، اللي عامل لي مشاكل مع الناس. ريان مشاكسا: إنتي اللي طلبتي، بس كيف دي؟! إبتاعتي آني عاد. وعد: لا، لا، لا، أنا مابفهمش الكلام الصريح، فما بالك بالتلميحات كل اللي أنا فهمته إنك بتهددني.

ريان: لو تحبي أفسر ماعنديش مشكلة. وعد: اتفضل المايك مع حضرتك. ريان: من حيث إن لسانك عاوز حشه، فده حجيجة لكن الطريجة دي إبتاعتي آني، وآني اللي هختار هجطعهولك بيدي ولا...... وعد بعد ما استشفت تلميحه الوقح تخضب وجهها بالحمرة. فاستكمل ريان بعد ردت فعلها تلك قائلاً: شكلك فاهم يا نصة؟! أرادت وعد تغيير مجرى الحديث الذي سيؤدي حتماً إلى وقوع ما لا يحمد عقباه. وعد: أمال فين الدوا اللي رحت تجيبه؟!

على فكرة ده واجب عليك إنك تعالجني، أنا أصبت في أثناء فترات العمل الرسمية، ما تنساش إننا بينا بيزنس واتفاق؟! أرادت تذكيره بأن ما بينهم يقع تحت مسمى المصلحة، فلا مجال فيه للمشاعر. اجابها ريان، وقد فهم ما ترنو إليه، وهو يضع يدها على حقيقة تراها وتتغافل عنها: لو اللي بيناتنا شغل، فحضرتك يعتبر استجلتي جبل الإصابة، لما جررتي إنك عتمشي وبالنسبة للعلاج فهو چارك. مشيرًا إلى الكيس الذي ألقاه إلى جانبها على التخت.

وعد وقد فهمت أنه يرمي إلى أن تواجدها هنا ليس بدافع المصلحة كما تدعي: أنا فعلاً همشي والصبح. أراد ريان اثنائها عن قرارها، فقال باغواء: طب والمليون چنيه و100، ولا نجولوا ونص. اجابته وهي تهز رأسها بنفي دون أن تستوعب عرضه بعد: لا، لا، لا، أنا أخدت قرار...... توقفت باقي الكلمات في حلقها بعد استيعابها لقيمة العرض، بينما ظن ريان أن الزيادة لم ترضها، فقام برفع قيمة العرض، ولنقل المزاد.

ريان وهو يفرك راحتيه ببعضهما، رافعًا إحدى حاجبيه بتسلية وكأنه يتحدها أن ترفض: على جولك نخليهم اتنين مليون چنيه. ذهول، كل ما بها ذهول، أيعرض كل هذا المبلغ مقابل تلك التمثيلية. اطرقت رأسها، وهي تجيب بتراجع: مش القصد يا ريو، يا خويا، الحكاية كلها إني بس... ناظرها بعبوس رغم أنه استشف مدى إغراء عرضه بالنسبة لها من إذعانها في ردها الأخير فقام بإلقاء الكرة في ملعبها قائلاً: Take it or leave it.

اجابت دون أن تحسب حسباناً لما هي مقبلة عليه، عرضه مغري بالنسبة إليها، فهي وأختها بحاجة للمال لتقوم بسداد دين الانتهازي زين، ودفع أقساط جامعة همس الباهظة، فلا زالت أمامها عام أخير، وحتى تستطيع شراء شقة صغيرة يقيمان بها، وما يتبقى ستقوم بعمل مشروعاً صغيرً يكون مصدر دخلٍ لهما، ويكفيهما الحاجة، وبالرغم من احتياجها هذا إلا أن البقاء جواره أكثر إغواء. وعد: Deal، اشتريت، بس إيه اللي يضمن لي إنك هتنفذ كلامك؟!

ريان: مش هجولك إن كلمتي عهد، لاه. وتوجه إلى سترة بدلته الفاخرة المعلقة على المشجب بجوار السرير، يخرج من جيبها شيء ما يبدو أنه دفتر شيكات وقلم. اقترب يجلس على طرف السرير بجوارها حافظًا المسافة بينهما، يصب اهتمامه على ما في يده، يقوم بتحرير سندًا بنكي بقيمة مليون جنيه لحامله، وقام بنزعه من الدفتر، يمد يده إليها قائلاً: ده شيك بنص المبلغ، والنص التاني بعد فرح ماچد وإنجيل.

مدت وعد يدها سريعاً تلتقط الشيك، ولكنه سحب يده قبل أن تمسه يداها قائلاً بلهجته القاهرية: بس أوعي خيالك المريض يصور لك إنك ممكن تاخدي الشيك، وتفَلّقي، لاء، ده إنتي لو في جهنم هجيبك.

ابتلعت لعابها وعقلها يحذرها من خطر قادم، لكنه مد يده إليها به مرة أخرى بعدما استشعر تراجعها، يومئ لها برأسه، وكأنه يحثها على القبول، فمدت إحدى يديها تلتقطه بارتطاف، وهي تطمئن حالها بأن لا ضير من المكوث لبضعة أيام في سبيل تأمين مستقبل أفضل لها ولهمس. اجابته طاردة من رأسها تلك الأفكار اللعينة، تفكر فقط فيما يمكن أن يفعله هذا المبلغ بحياتها القادمة، وقالت بمرحها المعتاد: أفَلّق أروح فين بس يا ريو؟! وأشارت

إلى قدمها المصابة مستكملة: وأنا مكسحة كده، هات يا شيخ، هات، ربنا يزيدك وبلاش إحنا. ناظرها ريان بابتسامة ماكرة، لقد وقعت في الفخ مرة أخرى، سيبقيها حتى ينال منها ما يريد، فما قيمة هذا المبلغ مقارنةً بما لديه،

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...