الفصل 28 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
17
كلمة
4,425
وقت القراءة
23 د
التقدم في الرواية 70%
حجم الخط: 18

بعد أن ترك ريان في حيرته، هبط ماجد إلى الأسفل ليحضر لهما طعامًا. سمع صوت هرج ومرج بالخارج، فخرج من الدوار ليستكشف ما في الأمر. فهرع إلى هذين المكبلين بالأشجار ظنًا منه أن هناك من تهجم على الدوار من لصوص أو ما شابه، وأنهم من قاموا بتقييدهما هكذا. أسرع يحل وثاق الطبيب أولاً وهو يسأله مستفسرًا: "إيه اللي حصل؟ ومين عمل فيكوا إكده؟ أتم ماجد سؤاله مع حل آخر عقدة باليد. فأجابه منصور: "أنت دريان بحاجة!

ما إنت متبغدد جنب الو.تكة بتاعتك فوق، وسايب ابن عمك يمرمط فيا، ماكنش العشم يا ميجو." ماجد بغضب: "بتجول إيه يا حزين إنت؟ وإيه وتكة دي؟ منصور برهبة من ثورته: "حزين! ده آخر بوء ابن عمك طرشه في وشي قبل الربطة السودة دي." ماجد بتساؤل: "صقر؟ منصور: "لا يا ميجو، اللي متجوز الفرتيكة أم عيون ملونة." ماجد: "إيه ميجو دي! انت بتعَـاْصِبني ولا إيه؟ وبعدين إيه وتكة وفرتيكة دي عاد؟ دي ألفاظ دكاترة دي؟ منصور: "إيه يا ميجو؟

ما يبقاش خلقك ضيق كده زي ابن عمك السئيل ده." ماجد وهو ينفخ بغضب ممسكًا بتلابيبه من الخلف في عادة اكتسبها من ريان: "مين ده اللي سئيل يا دكتور على ما تُفرچ إنت! صدّج وآمن بالله! ريان عندي حج، وآني غلطان إني فكيتك، إنت الرابطة دي أجل عجاب ليك، ودلوك غور من إهنه جبْل ما يوعلك ريان، وساعتها ما ضامنش هيعمل إمعاك إيه تاني عاد! منصور وهو يهرول مبتعدًا بعد أن أنسل من قبضته واستدار له قائلًا: "طب بالإذن أنا يا ميجو."

وأثناء إسراعه بالفرار اصطدم بشيء ما، وهو يوجه حديثه لماجد دون أن ينتبه أمامه، فأخذ يتلمس الحائل الذي ظهر أمامه من الفراغ. وبسبب الظلام والعتمة التي خيمت على المكان لم يتمكن من الرؤية جيدًا. منصور: "وبعدين في الليلة اللي مش فا.يتة دي ده أنا فاضل لي الڤمباير (مصاص دماء) وأبقى كملت سلسلة الرعب." "مالك يا دكتور؟ إيه فيك؟ "بتتحدث نفسك چنيت إياك؟ منصور بعد أن ميز هوية المتحدث من صوته:

"كده برده يا صقر باشا تسيب ابن عمك يستفرد بيا؟ صقر وقد راقته هيئته المذعورة تلك: "واد عمي مين؟ ومين ده اللي استفرد بيك؟ تلجاك بيتهأيلك ولا حاجة أصل الشمس عندنا في الصعيد شديدة، تلجاك خدتلك ضربة شمس." منصور وقد بدأ يشك بحاله بسبب الثقة والرزانة التي يتحدث بها صقر، وأخذ يفرك جبهته بتفكير: "أمال مين اللي ربطني في الشجرة أنا وعوض؟ وماجد جه وفكني."

واستدار مشيرًا إلى مكان عوض وماجد فلم يجد أحدًا منهما، فارتد ببصره سريعًا إلى صقر ولم يجده هو الآخر، فأخذ يصيح: "عفاريت، البيت ده مسكون." واندفع سريعًا يخرج من البوابة، وبسبب الذعر الذي تملكه أخذ يتعرقل حتى كاد أن ينكفئ على وجهه عدة مرات. والصقر وماجد يناظرانه من بعيد وأعينهم قد أدمعت من شدة الضحك. الصقر من بين ضحكاته: "تلجاه دلوك وصل مصر چري." ماجد:

"برغم سلاطة لسانه، بس صعبان علي والله، چابه لحاله، بس إيه اللي خلى ريان يعمل فيه إكده؟ صقر: "ما إنت جولت چابه لحاله، ابجى اسأل واد عمك، ألا جولي إيه فيها مراتك والدكتور المخبول ده جـال إيه؟ ماجد: "فكرتني صوح، آني طالع لها." واستدار ليغادر، ولكنه عاد إليه مرة أخرى. ماجد: "صقر، آني هكلم عمي ياچي؛ لاجل ما نتمموا موضوع الچواز ده، بت عمك ما هتروحش دارهم." انشرحت أسارير الصقر وكل ما يهمه الآن هو أنه سيحظى بها. صقر:

"صوح اللي عتجوله ده يا ماجد؟ جصدي عشان نرتبوا حالنا."

لم ينتبه ماجد لما قاله صقر، فهو شارد في ما اقترح بتجهم. فمنذ ساعات قليلة كان يستنكر فكرة زواجه بتلك الطريقة من امرأة لا يعرفها بالرغم من تطوعه ليحل ريان من تلك الزيجة، فبالأخير طه والد ماجد هو السبب فيما حدث وما سيحدث. إلا إنه الآن لا يشغله سوى فكرة واحدة ألا وهي عدم عودة سوسن إلى دارهم وهي بتلك الحالة، وخاصة بعد حديث تلك الحية حفيظة. فهو لا يضمن بطشها لسوسن بعد اقتحامها للغرفة وحديثها المسموم لها، وكأنها عدوتها وليست ابنتها. وسيزداد الأمر سوءًا بعد موقفه مع تلك البغيضة وحدته معها في الحديث. فليتمم إجراءات الزواج حسب عرفهم وفي أسرع وقت، حتى يقي تلك المسكينة أذى من لا تمت للأمومة بِصِلة.

جذبه الصقر من دوامة أفكاره، وهو ينكزه بكتفه بعدما لاحظ شروده وتجهمه: "إيه يا واد عمي سرحت في إيه؟ آني خابر إن الچوازة دي ما لداش عليك، بس اللي عستغربله منين ما لداش عليك ومنين عاوز تستعجل عمك عشان تتم الچواز!! ماجد: "ما أنت ماخابرش يا صقر حالة بت عمك، هي غلطت بس لساتها صغيرة، واللي اتعمل فيها ماكانش هين. إنت ماتعرفش مرات عمك عِملت فيها إيه، كيف دي أمها!

البت جـتلتها كُلتها مكوية كي بالنار، لولا الدكتور جِرد ده لحجها، الله وحده العالم كان چرى ليها إيه عاد، وبعدين دي يتيمة كيف تعمل فيها إكده!

اطمئن صقر لحديث ماجد. فقد خشي أن يكون وراء استعجاله الزواج من ابنة عمه الانتقام لما حدث في الماضي، أو لكونه وضع بموقف أجبره على التض.حية من أجل ابن عمه ريان بزواجه من سوسن، مما زاد ضغينته لها فأراد الاستعجال ليكيل لها الثأر دفعة واحدة. ولكنه غاضب بشأن ما فعلته زوجة عمه حفيظة. فقد حذرها صقر من الاقتراب من سوسن، وتعهد هو بحل تلك المشكلة. فبالأخير لم تكن خاطئة، فقد تزوجت رضوان على سنة الله ورسوله، حتى ولو كان سرًا، وحتى لو كان ما فعلته يخالف تقاليدهم وعرفهم. فلو كانت قد أخطأت معه دون زواج لكانت نهايتها على يده، أما زواجها دون علمهم غير مقبول ولكنه ليس محرماً.

ربت صقر على كتف ماجد قائلًا: "إنت راچل صوح يا ماچد، ويمكن ربك عمل إكده لحكمة عنده." ماجد باستسلام وامتثال لإرادة الله: "ونعم بالله، آني هكلم عمي وأشوف هياچي ميتى، و اخبرك."

دخل صقر وماجد إلى الدوار كلًا منهما إلى وجهته. فقد توجه صقر إلى مكتبه مرة أخرى علها تأتي إليه. فقد خرج إلى الحديقة ليستكشف ما إذا كان ضوء غرفتها لازال مضاء، أم تركته مشتاقًا لرؤيتها مؤرقة ليله وخلدت هي هنيئة إلى النوم. ولكن عندما وجد نور غرفتها مضاء تجدد لديه الأمل بمجيئها إليه.

أما ماجد فقد دخل إلى المطبخ يعبث بمحتوياته فالوقت عندهم قد تأخر ولابد وأن خلدت الخالة صابحة إلى النوم. فقام هو بإحضار ما استطاع تجهيزه، فهو بالمطبخ وأموره لا يفقه شيئًا. فأعد كوبين من الحليب وبعض من عسل النحل وفطيرتين (بالسمنة الفلاحي طبعًا) من مشنة وجدها مغطاة أعلى الفرن ووضعهم على صينية عشاء وجدها بالمطبخ، ناظرًا إلى ما فعل بإستحسان (وكأنه فتح عكة)

متوجهًا إلى الغرفة وهو يستغرب حاله. فلو كان أحد آخر في نفس موضعه لتركها تموت مرضًا وجوعًا، ولكنه يشعر تجاهها بالحزن والشفقة (هو بغباوته) طرق ماجد باب الغرفة بيد، والأخرى يسند بها حامل الطعام، ولكنه لم يتلقى ردًا. قبض قلبه عندما لم تجب، ففتح الباب سريعًا واضعًا ما بيده على أقرب طاولة متوجهًا إلى الفراش. زفر براحة عندما استشعر انتظام أنفاسها دليلًا على غفوتها، فأخذ يتأمل ملامحها عن قرب. فصرخ فؤاده معاتبًا

من واره التراب بدار الحق: "ليه إكده يا رضوان! كيف چالك جلب تعمل فيها إكده حتى لو كنت عتحبها ما خطرش في بالك إنك بجوازك منها بالطريقة دي هتتسببلها باللي هي فيه ده دلوك؟! أخذ يجفف لها قطرات العرق التي ظهرت على جبينها بكف يده يتحسس حرارتها فوجدها أفضل من ذي قبل. ودون إرادة وجد أنامله تتلمس تقاسيم وجهها الذي أبدع الله في خلقه، فهي تشع براءة وحسن.

ابتعد عنها عندما وجدها تتململ، وقد قطب جبينه يحاول تذكر اسمها الذي ذكره أمامه صقر بالأسفل والموجود بدفتر توثيق عقد الزواج الذي وقعه اليوم، ولكنه لم يفلح. اقترب يهزها برفق بعدما احتار بماذا يدعوها.

امتثلت هي لهزته الرقيقة تفتح جفونها بوهن في محاولة لرفع جسدها لكي تعتدل بجلستها، ولكن لم تعاونها حالتها على ذلك. فأنت بألم عندما اشتد عليها ألم الجرح إثر محاولتها للنهوض، فهرع إليها يعاونها على ذلك جالسًا إلى جوارها على طرف التخت. سوسن بخنوع: "خلاص ماتتعبش حالك آني معاوزاش آكل." ماجد بعناد: "لاه هتاكلي ولو ماجومتيش......

بطر جملته عندما رآها تهز رأسها سريعًا بخوف وهي تتحامل على نفسها باندفاع تهب جالسة وخرجت عنها صرخة كتمتها بيدها السليمة في هيئة فطرت قلبه. فيبدو أنها بحاجة لتأهيل نفسي بعد ما تعرضت له من عذاب على يد الملعونة حفيظة. لعنها ماجد للمرة التي لا يعلم عددها لما أوصلت إليه تلك المسكينة.

أخذت تتناول ما وضعه أمامها سريعًا دون مضغ ودموعها تجري أنهارًا على وجنتيها ظنًا منها أنه سيعاقبها إذا لم تنفذ ما قال، الأمر الذي جعل أنصال من خناجر حادة تنغرز بصدره على حالها وأقسم على مساندتها وحمايتها، ولكن سيتركها تأكل ولو قهرًا فهذا الأهم الآن.

بعدما وصل مصطفى وهمس إلى مدخل البناية، وهمت للصعود لتنفذ ما قال. استدارت تعتلي الدرج وعندما جاءت لتبتعد مخلفةً ورائها فراغ اجتاحه حتى قبل أن تبتعد عن ناظريه. فجذبها سريعًا إليه، يضمها إلى صدره بشغف دافنًا رأسه بعنقها يملأ رئتيه بعبقها الأخاذ طابعًا قبلةً رقيقة على خدها الأيسر.

وهي مستسلمةٌ لدفء أحضانه، وتوقف عقلها عن العمل وبقي قلبها الراغب المستشعر لكل لمسة، وكأنها جزءًا منه وهو جزءًا منها. بقيا هكذا لا يعلمان كم مر عليهما من الوقت. هو يأبى تركها، وهي تشعر وكأنه ملجأها، وسكنها، وراحتها، وفارسها الذي طالما حلمت به.

رفع رأسه إليها وجدها مغمضة العينين، وأنفاسها المتلاحقة تخبره بمدى تأثيره عليها. رفع كفه يتلمس وجنتها برقة، ومال بوجهه إليها، يناظر شفتيها برغبةٍ جائعة نابعة من عشقه لها. حتى استحوذت عليه تلك الرغبة، وقلبه وجسده يعلنان التمرد والعصيان على عقله الذي يحثه على التمهل. إنهارت حصونه، وتبخر تعقله، ولحت عليه تلك الرغبة؛ فأشعلت بجسده نارًا لا يخمدها غير تواصل جسدي، فقط تواصل بسيط يستشعرها حقيقةً بين ذراعيه، يريد أن يتذوقها.

وبل لحظة استجابة منها، عندما رفعت إحدى ذراعيها تستند بكفها إلى صدره، تزفر أنفاسًا قد حُبست من ترقبها لما ينتوي، وقد توقفت عن إعمال عقلها، ستلبي نداء قلب أرهقته تلك المشاعر التي أثارها واستحوذ عليها بتلك الهالة التي أحاطها بها، ودفئه، ولمساته الرقيقة، ودقات قلبه التي لامس صداها أوتار أنوثتها، فمن تلك التي لا يستميلها لهفة عاشقٍ هواه قلبها وخر صريعًا له، و خاصةً إذا كان حلالها شاءت أم أبت، فهو زوجها العاشق وهي جنيته الفاتنة.

بتحركها تلك وكأنها أعطت له الضوء الأخضر، فاقترب يميل إليها أكثر يضم كفها إلى صدره بيده الأخرى، وهو يتفرس ملامحها عن قرب، وراحته التي تداعب وجنتها شقت طريقها تملس على خصلاتها تحرره من عقدته؛ لينسدل على أكتافها مخللًا أنامله بين تلك الخصلات الحريرية، يجذبها إليه. وما إن لامست شفتيه خاصتها حتى دق ناقوس الخطر، وأرادت التراجع ولكن لم يمهلها هو تلك الفرصة وكأنه يخبرها (لا حبيبتي ليس الآن؛ فتلك القبلة تعني لي الحياة)

، مقتنصًا -ما له كما اعتاد -سالبًا عذرية شفتيها. آسرًا شفتها السفلية بين شفتيه، يتذوق شهدها بروية أذابته قبلها، فأحس بقدميه تميدان، فما بالك بها وقد رفعت كفها الآخر تتشبث بقميصه أعلى كتفه، وما زادته فعلتها تلك إلا رغبةً بها، فتعمق في قبلته محررًا شفتها السفلية مقتنصًا الأخرى في جولة عشقٍ وجنون.

ما عادت أطرافها تعاونها على الصمود أمام أمواج عشقه العاتية، وأحس هو بجسدها يتراخى، فهبط بذراعه محررًا كفها المستند إلى صدره يحيط خصرها، يرفعها إليه، حتى أصبحت قدماها لا تلامسان الأرض، وأنامله تعيث فسادًا بخصلاتها. شهقت من بين أنفاسه؛ عندما أحست بجسدها معلقًا إليه بذراع واحدة، فأفرج عن شفتيها سامحًا لها بفرصة للتنفس، وهو يستدير بها منتشيًا، فأصبح جسدها إلى الحائط وذراعه تدعمها.

رفعت كفها بتهور تدس أناملها هي الأخرى تداعب خصلات شعره القصير وكأنها تطالبه بالمزيد، ويالا كرمه؛ فقد استكمل ملحمتهما برغبةٍ أشد، آسرًا شفاهها مرةً أخرى في قبلة تديرها هي تلك المرة بقلة خبرة منها ومنه، وما أجمل اكتساب الخبرات في العشق مع الشخص الصحيح برابط أشد صحة (الزواج)

بقيا هكذا تبادله ويبدلها، إلى أن رن جرس هاتفه، لكنه لم يعره انتباهًا فهو في نعيم يقسم أنه بالجنة. أيقظها الرنين من واقع أروع من الخيال، فبدأت تتملل بين ذراعيه، وشفاهها تنسحب من أسره. وهو يزأر برفض، فهو لم يكتفِ بعد. قد أراد بتقاربهما أن يطفئ ثورة جسده، ويخمد اشتعال مشاعره وولعه بها ولو قليلًا، ولكن بعد ما عايشه توًا، أصبح كمن تناول جرعة مخدر سريع المفعول سرى بأوصاله مجرى الدم فبات مدمنًا رحيقها وشهد شفتيها إدمانًا لا يريد منه علاج.

ابتعد بوجهه عنها، عندما أحس بتصلب جسدها، وذلك امتثالًا لرغبة من على الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين لاعنًا تحت أنفاسه المتهدجة كل شركات الاتصالات، والهواتف المحمولة، ومخترع الهاتف الخلوي، ومن على الهاتف. ولكن لم يحررها بعد، وقد اكتست خدودها بحمرة قانية متوهجة، وتشعث شعرها إثر إبحاره بين أمواجه، وانتفاخ شفتيها بشكل مغوي بعد ثورة من المشاعر أججها هو ووقعت بها هي، ولنقل كلاهما.

دفعته بكفيها برقة وهي تخفض بصرها عنه بإستحياء. فأرخى قبضته على خصرها، مساندًا كفه بجانبها على الحائط، وذراعه الآخر يحيطها دون تشبث، وكأنه يقول لها أنا أسيرك ولست أنا من يأسرُك. هبط جسدها تلامس منحنياته ضلوعه التي تئن طالبة الوصال، فلامست قدميها الأرض. رفع هو كف يده التي كانت تحيطها يميل رأسها إليه، طابعًا قبلة مطولة أعلى جبينها، وهي مازالت تخفض بصرها بخجل، من اندفاع مشاعرها المخزي، واستجابتها الطائشة.

مصطفى وهو يرفع وجهها إليه واضعًا سبابته أسفل ذقنها وإبهامه يداعب شفتيها برقة: "ما توطيش راسك، وطول ما أنا عايش راسك هتفضل مرفوعة يا ست البنات، إحنا ماعملناش حاجة غلط، إنتي مراتي و حتة مني، أنا آسف لو كنت ضايقتك؛ بس لو ما عملتش كده كان ممكن يجرى لي حاجة."

ناظرته بأعين يلمع بها الحب والعشق والتقدير لاحتوائه لها، فلقد كانت بحاجة لتلك الكلمات ليطمئنها، ويشعرها بأن ما حدث كان أمر مسلمٌ به وارد حدوثه بين رجل وزوجته، حتى وإن لم تعتاد على الكلمة بعد، وحتى وهي لا تعلم كيف سيكون مصيرهما معًا. ولكن بالأخير قد هون عليها سخطها على نفسها من تلك الاستجابة ومشاعرها الغادرة.

أخذت يده تصلح ما أفسدته بخصلاتها منذ قليل، حتى هدأت نوبة جنونهما. رفع كف يدها يلثم ظهره، وكأنما يقول لمعشوقته لقد سقطت في بحور هواكِ مخيرًا، فاخترت أن أكون الغارقُ الناجي، وأدار كفها بين يديه يلثمه تلك المرة بباطنه، وكأنما يقول لها أنت ملكةٌ ببرجها العالي أسقطت زهرةً من سور شرفتها، فالتقطها قلبي راغبًا و بِلَوْعَةٍ شاكي. رن جرس الهاتف للمرة الثالثة على التوالي فأجاب بنزق: "ربنا يسامحك يا نوجة." نجوى:

"ربنا يسامحنا جميعاً، بس إيه سر الدعوة دي يا ابن بطني؟ مصطفى: "لا مش وقت استجوابات خالص يا نوجة، إحنا وصلنا، و آنسة همس طلعالك أهي على السلم." نجوى: "طب الأكل بتاعك إنت والحج عندك تحت متغطي على الترابيزة." مصطفى: "لا يا نوجة انا شبعان لسنة قدام، أنا بس جعان لحاجة تانية." وأخذ يناظرها بهيام، وهي عادت لخجلها مرة أخرى. نجوى: "حاجة إيه دي؟ مصطفى: "نوم يا نجوى، جعان نوم." نجوى:

"طب خلاص خش نام إنت، كده كده أبوك لما إنت اتأخرت قفل المحل وقال رايح القهوة." همت نجوى تغلق الهاتف فاستوقفها مصطفى، بعدما أشار لهمس بالصعود قائلاً: "أماه آنسة همس ما اكلتش حاجة من الصبح، وطول اليوم بنلف على رجلينا، اغصبي عليها تاكلها لقمة قبل ما تنام." نجوى: "من غير ما تقول يا حونين، دي همس دي بنتي." مصطفى: "أصيلة يا أم ديشة، أنا داخل أنام، ولو احتاجتوا حاجة صحوني."

أغلق مصطفى الهاتف مع نجوى، بينما صعدت همس الدرج، وقبل أن تطرق الباب وجدت نجوى تفتح لها وتقابلها بوجه بشوش، والأخرى بوجه يتوهج حمرة. نجوى: "مالك يا همس يا بنتي؟ ارتبكت همس من سؤالها المباغت قائلة: "أبدا يا مامي نجوى، مفيش بس مرهقة شوية." نجوى: "أيوه يا بنتي من اللي حصل."

هوى قلب همس بين قدميها، تراها قد رأتهم، وعلمت ما دار بينهما في الأسفل، أم تقصد ما تم في القسم وتساءلت هل أخبرت نجوى بما حدث، أم تقصد الشجار الذي نشب في المقهى في يومهما كان حافل بالمصائب. همس: "تقصدي إيه يا مامي نجوى؟ نجوى: "يعني قلقك على وعد، ولفكم طول اليوم." تنهدت همس براحة وهي تضع كفها على صدرها. فناظرتها نجوى بشك قائلة: "هو فيه حاجة تانية أنا ماعرفهاش؟ ليكون مصطفى ضايقك ولا حاجة؟ فأجابت همس وعينيها تقطر قلوبًا:

"أبدا يا مامي، مصطفى إنسان محترم، وحد لذيذ و چان و أتراكتيڤ." نجوى وهي تلاحظ حالة الهيام التي تبدو عليها، وأخذ قلبها يدعو الله أن تكون همس من نصيب ابنها. واستكملت تشاطرها الوصف. نجوى: "وطيب وإبن حلال ويا بختها اللي هتبقى من نصيبه، ويا بخته اللي هتبقي من نصيبه." وجدوا خلفهما من يشاركهم الحديث ولم يكن سواه، فقد صعد ليناولها هاتفه الذي سقط منها أثناء تواجدهما بالأسفل. مصطفى:

"طب ما نحطوا بختها على بختي ونصيبها على نصيبي ونجبولك نصايب صغيرة يا نوجة، بدل ما أعمل لكم أنا نصيبة هنا." شهقت كلا من همس ونجوى فلقد أخذهما الحديث عنه ولم تنتبه لوجوده خلفهما، مهلًا فلقد سمع مدحها له ألم يكفيه ما حدث ليزيدها حرجًا وخجلًا؟ توهج وجهها مرة أخرى واعتلت الحمرة وجنتيها. نجوى: "كده برده يا مصطفى، خضتنا." ووجهت حديثها لهمس: "خشي إنتي يا هموسة غيري هدومك عشان ناكلوا لقمة مع بعض."

توجهت همس إلى غرفته التي عادت إليها مؤخرًا بعد مكوثها معهم. نجوى وهي تشد أذنه كطفل صغير، بعد أن أصبحا بمفردهما: "بالراحة على البت، و حذاري يا مصطفى تكون بتلعب بيها هتلاقيني أنا اللي واقفالك." مصطفى ممسكًا بيدها يخلص أذنه من بين أصابعها: "إيه يا نوجة إيدك تقلت و خدتي عليا قوي، بس مش مشكلة أنتي أمي من زمان وواجب عليا استحملك عشان تعرفي إني ابن بار، وبعدين أنا عملت إيه يعني؟ نجوى: "عملت إيه؟

مدلوق يا عين أمك، والبت خام ما تخليهاش تقلق منك، بلاش دخلت القُطُرة دي." مصطفى: "إيه ده؟ إنتي اخدتي بالك؟ مش سهلة أبدًا إنتي يا نوجة." نجوى: "خدت بالي؟ ده أنت مفضوح يا قلب نوجة." مصطفى مطأطأ الرأس بخجل مصطنع: "استري عليا يا نوجة، الله يسترها على ولاياكي." نجوى بأعين جاحظة وهي تميل لتلتقط خفها كأي أم مصرية أصيلة فعلم مصطفى ما تنتوي فعله فلقد اعتاد مزاحها معه بتلك الطريقة فابتعد عن مرمى يدها وهي خلفه تتصنع الجدية.

نجوى: "ولايا!! وأنا اللي مفكرة اني مخلفة دكر، تعالى هنا قولي مين اللي أتغرغر بيك، عشان نلموا الفضيحة." مصطفى باستياء: "جرى إيه يا أماه، أتغرغر بيا إيه؟ وبعدين بلاش القذيفة اللي في إيدك دي قدامها و ما تهلفطيش وتقلي مني و المزة معانا، دي لسه بتشكر فيا وبتقول لك أتركتيڤ وحاجات." نجوى بتساؤل: "ألا يعني ايه اتركتيڤ دي يا درش؟ مصطفى: "أتركتيڤ دي يا أماه يعني مز واد خلاصة." نجوى:

"طب خش يا خلاصة ولع على الأكل اللي جوه على البوتاجاز، على بال ما أنزل أجيب الأكل اللي تحت اسخنه، و أرن على أبوك يجي ياكل لقمة معنا طالما طلعت، ألا إنت إيه اللي طلعك؟ مش كنت عاوز تنام؟ لحقت توحشك؟ مصطفى: "إيه ده؟ إيه ده؟ إنتي هتحفلي عليا يا نوجة." نجوى: "فرصتي، و متزيطش و رد حبتها؟ مصطفى متأوهًا: "آ.ه يا أماه، و أوي كمان، البت بسكوتة في نفسها، حاجة كده شبه البرنسيسات بتوع زمان، من الآخر لو ماجوزتهنيش هخطفها."

نجوى وهي تضرب كفًا بآخر: "لسه بقولك إركز تقولي اخطفها." مصطفى: "أركز ده إيه؟!؟! ده أنا قتيل الجوازة دي، دي لحست الربع اللي فاضل." نجوى: "أنا نازلة، إنت مفيش منك رجى." وهبطت لتجلب الطعام من شقة البدروم. بينما رن هاتفها في جيبه مضيئًا باسم وعد أختها، فتوجه إلى غرفتها ليعطيها إياه فاتحًا الباب دون طرق، وإذا بها....

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...