الفصل 33 | من 40 فصل

رواية وعد ريان الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم اسماء حميده

المشاهدات
18
كلمة
4,867
وقت القراءة
25 د
التقدم في الرواية 83%
حجم الخط: 18

ارتدت همس ملابسها المكونة من بنطلون جينز باللون الغامق (بلو بلاك) ، وتيشيرت قطني نسائي باللون الأسود، وأطلقت العنان لشعرها. أخذت حقيبتها الصغيرة وبها بعض من الأشياء الضرورية، وتوجهت تفتح باب الشقة، فلم تشأ إيقاظ نجوى فالوقت لا يزال باكرًا.

أغلقت الباب خلفها بهدوء لم يخفَ على الحارس القابع بمدخل البناية، والتي لم تكن تعلم بوجوده، ولم يلوح بخيالها أن هوسه بها أطاح بعقله، وجعله طوال الليل مرابطًا بالمقهى، وعيناه مثبتة على مدخل البناية. وحتى بعدما عاد من جولته الاستكشافية لمنزل الزوجية الذي ذهب برفقة المعلم سلطان لمعاينته، ظل ما تبقى من الليل بذلك المقهى حتى قام الصبي حوكة بلملمة ما أسدله أمام المقهى من كراسي، ومقاعد.

فاضطر مصطفى لقضاء ما تبقى من الليل على درج السلم متأهبًا تحسبًا لقيامها بتنفيذ ما قالت، عازمًا هو على تنفيذ ما يريد، وأمامه حلان لا ثالث لهما، إما إثناؤها عن قرارها بالسفر إلى أختها وعد، وإما... هبطت همس درجات السلم وعيناها مثبتة عليه بهيئته المهندمة، وذقنه الحليق، فبدا أكثر وسامة. وكلما اقتربت خطواتها منه كلما اهتز ثباتها، وخاصة أن هذا المكان له معهما ذكرى، لم يمضِ عليها سوى ساعات قليلة، مما زاد ارتباكها.

وما إن أصبحت أمامه حتى علت وجهها ابتسامة يشوبها التوتر والقلق قائلة: جود مورنينج، مصطفى. مصطفى وقد قرر التخلي عن الدور الذي تقمصه بالأمس عندما ادعى غضبه منها، رد عليها ببسمة ووجه بشوش: صباح الزبادي، يا معذب فؤادي، يا زبادو فراولة أنت. ناظرته همس باستغراب فقد ظنت أنه سيظل على بروده معها كما حدث بالأمس أثناء تناولهما العشاء، وذلك بعد أن اقتحم الغرفة دون استئذان، وهي تبدل ثيابها. مصطفى مستكملًا حديثه: على فين يا هموستي؟

مصطفى: ما أنا قولتلك إمبارح إني مسافرة لوعد. مصطفى وهو يقترب منها بخطوات متمهلة؛ فزاد توترها. وهي تتفرس ملامحه في محاولة لاستكشاف نواياه، فهل ما زال غاضبًا بشأن ما حدث؟! أو ما سيحدث؟! وهي تعني بشأن سفرها. سرعان ما تحولت نظراتها المستكشفة إلى أخرى هائمة، فهو حقًا وسيم. أما هو فظل يقترب بثبات يبتسم لها بثقة، بعدما لاحظ نظراتها الهائمة إليه، فبدت كالمخدرة.

مد مصطفى يده ملتقطًا كفها بيد واحدة، وهو ينظر إلى عمق عينيها قائلاً بتسبيل: يعني القمر بتاعي عاوز يسافر ويسيبني. رفع كف يدها يقبل باطنه، وعيناه ما زالت مثبتة على جارتها العسل خاصتها، فلم تستطع الرد، وكأنها فقدت النطق مع انتفاض جسدها برجفة، عندما لامست شفتيه باطن كفها، انتقل صداها إليه؛ فبثت به ثقة فوق الثقة.

بعد قبلته الخاطفة لكف يدها هبط بها أسرًا إياه بين كفيه يتلمس خطوط باطنه بسبابته، ولا زالت عيناه مسلطة عليها قائلاً بنبرة رجولية دافئة وصوت متحشرج: طب لو قولتلك إني مش عاوزك تسافري، هتسافري بردو وتسبيني؟ لاحظ هو اهتزاز حدقتيها بتفكير، ففك أسر عينيها هابطًا بنظراته إلى كف يدها، يتابع حركة سبابته على باطن كفها، وهو يبتسم بخبث.

هو يستطيع إبقائها بالقوة، ولكنه لا يريدها جواره رغم إرادتها، لا يريدها تابعة له، يريد قرار بقائها نابعًا من شخصها، لا من سلطته عليها. كما أنه يعلم أن دون القوة لن يستطيع إثنائها عن السفر، ولكنه يريد أن يصل إلى هدف آخر.

همست بتوتر فهي حقًا لا تريد الابتعاد، ولكن يجب عليها السفر كما طلبت أختها، ليس لكون هذا أمرًا من وعد واجب النفاذ، ولكنها تحتاج إليها، وتريد أن تعطي عقلها فرصة للتفكير، ولن يحدث هذا ما دامت في قربه، فقلبها بات يسيطر عليها ويشوش تفكيرها. فتحت فمها لتتحدث قائلة: يا مصطفى افهمني...

رفع سبابته عن كف يدها واضعًا إياه على شفاهها يمنعها من استكمال الحديث، وهو يهبط بكف يدها يعيده جانبها، ولكنه لا يزال يأسرها بكفه الآخر، مقتربًا منها أكثر مستغلًا تشتتها وتشوش أفكارها، بما تريد، وما يجب عليها أن تفعل، ساحبًا إياها من تلك الأفكار المشتتة متجهًا بها صوب الهدف.

رفع سبابته عن شفاهها يلتقط كفها الآخر زافرًا أنفاسه الساخنة المعطرة برائحة النعناع، العائدة لتلك الحلوى التي دسها في فمه عند سماعه لصوت فتحها لباب الشقة. قائلاً وهو على نفس هدوئه: طب يرضيكي أسيب مراتي حبيبتي، تسافر لوحدها مع راجل غريب؟ فقالت همس بخدر من قربه: ده السواق، يا مصطفى. استكمل مصطفى: عارف يا قلب مصطفى إنه السواق، بس راجل. رجفة أخرى أحس بها مصطفى، بعد تلقيبه لها بقلب مصطفى. قد بدأ مصطفى يدنو من هدفه:

طب افرضي يا عمر مصطفى السواق طلع مش تمام؟ وصدرت منه حاجة كده ولا كده؟ وإنتي معاه في عربية لوحدكم؟ على طريق صحراوي؟ تفتكري ممكن ساعتها يحصل إيه؟ وإنتي وقتها هتتصرفي إزاي؟ بات هو الآخر يتخيلها في موقف مماثل. ومع تخيله هذا احتدم بداخله نيران مدمرة طفت ألسنتها على ملامحه، فبدأت ملامحه بالتحول، ولكنه حافظ على ثباته الظاهري، حتى لا يخيفها.

أما هي فارتجف داخلها لتلك التخيلات، التي رسمها هو، فتصورتها هي حقيقة أمامها، وباتت تتساءل ماذا لو حدث هذا بالفعل؟ عاد إلى منصور الذي بقى طوال الليل يفكر في خطة محكمة للهرب، نعم سيضحي بمستقبله المهني، ولكن لن يتزوج من جوال الفحم الذي رآه أمس. سيغادر ولو أدى به الأمر إلى أن يعيش مع مطاريد الجبل، فذاك عنده أهون، من أن يفني زهرة شبابه مع أخت همام تلك المسعدة. منصور لنفسه:

لا يا منص، أنا مش ممكن أسكت على كده، ابن الصرمة لبسني مع غراب البين دي، وفي قعدة واحدة خلاني قريت فاتحة، هفضل متكتف كده لغاية ما ألاقي نفسي مخلف منها سبع عيال؟ سبع عيال ده إيه؟ سبع مقاطير شبه خالهم ميمو.

عند تصوره لمستقبله هذا معها، انتفض واقفًا من جلسته على الأريكة الموجودة بالغرفة القبلية، المحددة بها إقامته من قبل الصقر، يمد يده ملتقطًا الحقيبة العائدة إليه، والتي جلبها له عوض من الدار التي كان يمكثها، والآن فلم تعد إليه تلك الدار. فتح باب الغرفة بحرص، ينظر يمينًا ويسارًا، قبل أن تطأ قدماه عتبة الغرفة، يستكشف ما إذا كان أحد بالخارج، زافرًا بارتياح يبتسم قائلاً بهمس مبتهج: yes، فلت منهم فلت منهم.

خرج مسرعًا وهو يتلفت في جميع الاتجاهات كلصوص، وها قد دنا من البوابة القبلية للدار، وهو يحمد الله أنه لا يوجد حارس عليها. مد يده يجذب المقبض الحديدي للبوابة ظنًا منه أنها مغلقة، ولكن يا له من حظ، فبالتأكيد اليوم يوم حظه، فقد وجد الباب يفتح دون أدنى معاندة من القدر. منصور: طب وعهد الله، أنا أمي داعية لي في ليلة القدر، وهي كاشفة رأسها، لا كاشفة رأسها ده إيه؟! دي وهي قالعة بلبوص، طب ما هي متيسرة أهه؟!

أمال أنا كنت معقدها ليه؟ خرج من البوابة ملتفتًا يعطي ظهره إلى الخارج يغلقها خلفه، لئلا يراه أحد من الداخل، وهو يحاول الفرار. منصور: باااااس، كده تمام أوي، أخلع أنا بقى، وأبقى قابلني يا أبو الصقور. Meet in The hell (نلتقي في الجحيم) وما إن التف مطلقًا العنان لساقيه، حتى اصطدم بشيء ما، رافعًا رأسه ليرى هذا العائق.

فوجده همام مشرفًا عليه بقامته الطويلة، كاشر الوجه، بأعين مستفسرة، وإلى جانبه تلك المسعدة التي ألصقها به الصقر عنوة. منصور بأعين جاحظة متمتمًا: فقر من يومك، لف وارجع تاني. وبالفعل استدار عائدًا من حيث أتى، وهو يقول بصوت مرتفع حتى يصل إلى مسامع همام، وهو متوجهًا بنظره إلى الخلف: إيه يا جماعة في حد يسيب البوابة مفتوحة كده، ما فيش إحساس بالمسؤولية، مش خايفين حرامي يخش يخلص علينا جميعًا إن شاء الله، خلينا نخلص.

وهو على تلك الحالة، اصطدم مرة أخرى بشيء ما. الصقر قائلاً بتسلية، وهو يقف شامخًا، يناظره بتشفٍ، فقد كان يراه من الأعلى من خلف ستار شرفة غرفته التي بالجهة القبلية من المنزل، وتطل على النيل في منظر طبيعي خلاب. وما إن رآه منصور، هبط الدرج بخطوات واسعة، فهو يعلم أن إذا رآه منصور، سيعاود أدراجه دون أن تنبث شفاهه بكلمة.

عندما اتجه منصور ببصره أمامه ليرى ما حال دون تقدمه هذه المرة أيضًا، وجد الصقر أمامه يقف بشموخه المعتاد، يرفع أحد حاجبيه وهو يناظره بتسلية قائلاً: معرفينش من غيرك كنا هنِعمله إيه يا دَكتور؟ بس تفتكر في حد بالغباء دِه؟ بدأ منصور بالتعرق لتظهر قطرات الماء الساخنة تنسدل من أعلى رأسه على جبينه قائلاً بتهتهة: ده إنت؟ آه والنبي إنت صح. الصقر مستكملًا بنبرة تهديدية واضحة:

هو فيه حد ممكن خياله المريض، يصور له إنه يعمل حاچة زي إكده؟ منصور بريبة: حاجة إيه؟ لاء، أوعى تفهمني صح، قصدي غلط، واستكمل قائلًا ببراءة: أنا كنت بقفل البوابة، ثم ازدرد لعابه قائلًا: آه والله. الصقر وهو ينظر إلى الحقيبة التي بيده: لاه في دي، صادق من غير يمين، بس ما تجلجش ما حدش يستچري يعملها. منصور بتساؤل: هي إيه دي؟ الصقر:

إنه يفكر ولو بس تفكير، ثم اشاح بسبابته في الهواء مستقرًا بها على يمين جبهة منصور مستكملًا: أو يخطر في باله، إنه يدخل دوار الصقر بدون إذن، أو حتى يخرُج منه. منصور وقد علم أنه هالك لا محالة، فأراد تغيير الموضوع، وهو يتجنب إصبع يده المثبت على جانب جبهته، يدير رأسه إلى همام ومسعدة قائلاً: ميمو، حبيبي، إنت فين يا أبو نسب؟ اتأخرتوا كده ليه؟ قلقتوني عليكم. وتوجه بنظره إلى مسعدة قائلاً: ازيك يا مسموستي. همام باستهجان قائلاً:

إيه مسموستك دي عاد؟ هتچلعها وآني واجف؟ اتحشم يا واكل ناسك إنت. منصور بقوة مزيفة: إيه في إيه؟ ده أنا قاري فاتحة، يعني نص كتاب، بس واضح إنه غير مرحب بيا في العيلة دي يا صقر باشا؟ ، فأنا هضطر آسفًا إني انسحب وأعفيكم من الحرج، وممكن تعتبروا الفاتحة دي، وكأنها لم تكن. الصقر موجهًا حديثه لهمام: چرى إيه يا همام؟ ما تبجاش دجة جديمة إكده يا راچل، الدَكتور بردك عيتكلم صوح، دِه جاري فاتحة!!

همام وكأنه على اتفاق مسبق مع الصقر، وكأن الصقر يضرب بالدف، والآخر يواليه بالرق: يا كابير ما چانبك شايف عاد، إحنا مفيش عندينا الكلام الفارغ ده، أما يبجى يعجد عليها، يبجى يتحدت وياها كيف ما هو عاوز، لكن دلوك الكلام بحساب. الصقر وهو يحك ذقنه وكأنه يفكر في حل لقضية هامة أو أمر مُلِح: لاه يا ميمو، في دي بالخصوص إنت إمحبكها، والراچل ما غلطش بس تاهت ولجناها. وجه منصور بصره إلى الصقر مشيرًا إليه قائلًا لهمام:

اسمع علك تستفيد. الصقر: الدكتور ما هيخلصهوش زعلك. منصور: ده ميمو ده، حبيبي. الصقر مستكملًا، بينما منصور يهز رأسه بإستحسان، وكأنما يستمع لغنوة بصوت أم كلثوم، حتى قال الصقر: عشان إكده الراچل عيصلح غلطته، وبدل ما تبجى شبكة، تبجى شبكة، وكتب كتاب. توقف رأس منصور فجأة، وهو يرتد ببصره إلى الصقر، فكادت رأسه أن تنخلع من موضعها قائلًا بنبرة أقرب للبكاء: غلطتي إيه حضرتك؟ ده أنا ما شفتش منها صُباع، تقول لي غلطة؟ الصقر قائلاً:

آني عامل عليك وعاتل همك. منصور: لا ما هو واضح. الصقر مستكملًا: عشان تاخد راحتك في الحديت، وتچلعها كيف ما إنت عاوز. منصور مقلدًا للهجة الصعيدية: ما عاوزش. الصقر متجاوزًا ما قاله منصور بتجاهل: يبجى على بركة الله نكتبوا الليلة. منصور: ليلة إيه يا عمدة؟ قصدي يا صقر باشا، أنا مش مستعد. منصور مستدركًا: قصدي مش مؤهل نفسيًا. الصقر: كلام إيه ده يا دكتور؟

آني عجولك كتب كتاب، ما جولتش دخلة، وجبل الدخلة ابجى اجعد ويا العروسة، وشوف اللي يناسبك جصدي اللي يناسبها. بينما تقف مسعدة تتلظى بحرج، بالطبع يصل إليها مغزى الحديث، فهي حكيمة ولديها خلفية عما يتحاوران. أنهى الصقر حديثه قائلاً: روح إنت يا دَكتور، غير خلاجاتك دي اللي بايت بيهم من عشية، واحلج دجنك (ذقنك) ، عشان تنزل ويا عروستك، وهمام، همام هه عشان تچيبوا الشبكة. وربت على كتفه قائلاً: إمبارك يا عريس.

بينما عند سارة ومحمد الذي بقي ليله يتقلب على تخته، وكأنه يفترش بالجمر، وأي نار تعادل نار وعذاب الغيرة ورهاب القلق من فقدان الحبيب. وبينما هو على تلك الحالة، سمع صوت صراخ مدوي وعويل يأتي من الخارج، فخرج مسرعًا يستقصى الأمر، وكذلك الفتاتان هناء وسارة اللتان خرجتا بدورهما لاستكشاف ما يجري بالخارج، ولم تكن سوى تحية وإلى جانبها على الأرض هاتفها المحمول، تلطم خديها بكلتا راحتيها.

توجه محمد مسرعًا إليها، وهي شاخصة بعد أن أطلقت تلك الصرخة المدوية، وتنظُر ناحية سارة بحزن وشفقة. ظل محمد يهزها في محاولة منه لمعرفة ما في الأمر، قائلاً: إيه يا أمي؟ مالك في إيه؟ وأيضًا لا إجابة: يا أمي، ردي الله يخليكي، فهميني إيه اللي حصل؟ تحية وكأنها فقدت النطق، ولكن نظراتها المصوبة نحو سارة كانت أبلغ من أي حديث.

مال محمد إلى الهاتف الساقط أرضًا، يلتقطه فوجد من كان على الهاتف قد قطع الاتصال، فأخذ يقلب بالهاتف باحثًا عن آخر رقم في سجل المكالمات، ولكن وجده بدون اسم. فقام سريعًا بمحاولة الاتصال به ولكن وجد الرقم مشغولًا. وفي تلك الأثناء رن هاتف سارة الموضوع على المنضدة الموجودة بالصالة، فقد تركته سارة على الشاحن قبل خلودها إلى النوم.

اتجهت سارة بأقدام مثقلة ناحية الهاتف، تلتقطه بأيدي مرتجفة من هيئة زوجة خالها، ونظراتها التي توحي بوقوع خطب ما، ليس بالهين، وهذا الخطب بدون شك يطالها. نظرت سارة إلى رقم المتصل على شاشة هاتفها بأعين قاتمة، وجدت أن المتصل هو علاء ابن عمها، فالتقطت الهاتف تضعه على أذنها، وهي تجيب بصوت مخنوق: السلام عليكم، أيوه يا علاء.

عندما ذكرت اسم هذا السمج من وجهة نظره، تنبهت حواسه متقدمًا منها يلتقط الهاتف من على أذنها، ولكن الآخر قد أطلق السهم مجيبًا عليها بما جعل أوصالها ترتعد، وأطرافها تتراخى، وجسدها يهوي ساقطًا أرضًا على ركبتيها، تضع كلتا راحتيها على فمها، تكتم صرخة متألمة لفقدان السند، وما سند الفتاة يا سادة، غير عمودها الداعم الأب، ومن غيره سندًا لها.

أجاب محمد على الهاتف ليخبره من على الطرف الآخر بالخبر المؤلم، فطالما كان زوج عمته أبًا ثانيًا له. كانت عيناه تتابع تغير معالم وجهها إلى أن تهوي جسدها أسفل قدميه، ترك الهاتف من يديه على المنضدة، يخر جسده إليها، راكعًا لها على ركبتيه، وهي تهز رأسها برفض وعدم تقبل.

فجذبها وهي تستند برأسها إلى صدره بتيه، وهو يلف ذراعيه حولها يحيطها باحتواء أب فقدته، وأخ لم يولد قبل أن يكون حبيب، يواسيها ببعض الكلمات، وجسدها ينتفض بين ذراعيه. خرجت منها آهة مدوية تنم عن ألم عميق، تتصاعد حممه من أعماق جوفها، مارًا بقلبها، يخرج مع الآهة التي أحرقت صدرها، ليليها نوبات ونوبات من الألم. محمد بمواساة، وهو لا يقل عنها حزنًا: أهدى يا حبيبتي، أهدى، إنتي كده بتعذبيه. سارة بكلمات غير مترابطة وغير مفهومة:

بابا، بابا يا محمد، طب أشوفه، واديني عنده، هم مش فاهمين، هو لما يشوفني هيقوم يروح معايا. وتحية وهناء تزداد شهقاتهما بالدموع، مع كل كلمة تخرج من فمها حزنًا على هذا الرجل الحنون، وألمًا للحالة التي عليها سارة، واستحضارًا لموقف مماثل عند وفاة زوج تحية ووالد محمد وهناء، وهو يهددها بين ذراعيه كطفلة صغيرة، وجسديهما يتأرجح معًا، وهو يحاول السيطرة على نوبة الحزن الهستيرية التي انتابتها يقبل أعلى رأسها بحنو.

والأخريتان لا يكفان عن البكاء والنحيب. محمد موجهًا حديثه إليهما: إيه يا جماعة ده؟ قضاء ربنا هنكفر ولا إيه؟

أنا حزين أكتر منكم على عمي، بس اللي أنتوا بتعملوه مش هيرجع اللي راح، وإنتي يا سارة لازم تبقي قوية على الأقل عشان خاطر عمتي، ولا عايزاها هي كمان يجرى لها حاجة بعيد الشر، من حزنها على عمي، وكمان على الحالة اللي إنتي فيها، قومي يا هناء خديها تغسل وشها وتتوضأ وتصلي له ركعتين، وإنتي يا أمي غيري هدومك عشان نروح لعمتي المستشفى، ولا هنقعد هنا نحزن، ونسيبها هي هناك لوحدها، ولسه في إجراءات لازم تخلص.

فقد كان وفاة والد سارة إثر حادث انقلاب إحدى سيارات النقل الجماعي، أثناء توجهه في الصباح الباكر إلى عمله، ولم يأتيهم الخبر سوى الآن، فلا بد وأن جثث الضحايا في حالة يرثى لها، لذلك أخذ الأمر بعض الوقت للتعرف على أصحابها، وإبلاغ ذويهم. سارة بتوسل وبكاء وأعين تفيض بالدموع أنهار: لا يا محمد، خدني معاك عاوزة أشوفه لآخر مرة. بالطبع لن يجعلها توضع في مشهد كهذا. محمد بنبرة قاطعة:

إنتي مش هتتحركي من هنا، وعمتي كمان مش هتحضر دفن ولا غيره، أمي هتيجي معايا عشان تاخدها، وهي شوية وجايالك، ولازم لما تيجي تشوفك قوية، إكبري شوية، وبعدين قصة الإجراءات والدفنة دي بتاعت الرجالة، وطلوع الستات ورا المتوفي حرام. أراد محمد إثنائها عن رغبتها في المجيء نظرًا لبشاعة وهول ما ستلقى، فاستخدم معها الحدة في الحديث، مشيرًا إلى هناء بعينيه لتأخذها للوضوء والصلاة، لجوؤها إلى الله يطفئ نيرانها وحزنها.

وتوجه هو مع أمه التي قامت بوضع عباءة سوداء على جسدها استعدادًا للذهاب. بعدما أجرى ريان اتصالاته مع مكتب تأجير السيارات بالإسكندرية، ليبلغهم برغبته في استئجار سيارة بسائقها، وإعطائهم العنوان ورقم همس الذي تلته عليه وعد، واستكمال إجراءات الدفع الإلكتروني. هبط إلى الطابق السفلي ومنه إلى الحديقة، بعد إخبار ماجد له بضرورة حضوره للحديث في أمر هام.

وعندما خرج إلى الحديقة وجد ماجد يجلس على أحد المقاعد الخشبية المصنوعة من عيدان البامبو شاردًا وهناك أصوات، بالجهة القبلية للحديقة. ريان لماجد مشيرًا برأسه اتجاه الصوت: إيه في؟ ماجد بتوتر: ما خابرش، آني لمحت الصقر من هبابة رايح الناحية اللي إهنكه بس معرفش إيه في؟ ...... فوتنا دلوك من صجر وخلينا في اللي كت عاوزك فيه.

جلس ريان في المقعد المقابل لماجد يحادثه بانتباه فيبدو أن هناك أمر هام، فقد بات كلاهما يفهم على الآخر دون حديث. ريان: إيه في يا ماچد؟ مالك إكده مش على بعضك؟ ماجد: آني كلمت عمي إمبارح. ريان: وإيه فيها يعني؟ أراد ماجد إلقاء ما بجوفه دفعة واحدة: عمي جچاي بكرة الفچر. ريان بأعين جاحظة: كيف ده؟ آني لساتني مكلمه من عشية، وجال إن جدامه وجت عجبال ما ياچي. ماجد وهو يفرك كفيه بحرج: ما آني جولتله إنك إتچوزت.

أخذت عينيها تهتز بمحجريهما، وقد تملكها الخوف من تلك التخيلات التي هيأها لها في صورة تتجسد واقعًا أمام عينيها. فانقبض قلبها رعبًا وقد أصاب مصطفى هدفه. رفع مصطفى كفيها المحاصران بين راحتيه قائلاً ببراءة: مالك يا قلبي إيديك بتترعش كده ليه؟ هي بعقل مغيب: أنا خايفة أوي يا مصطفى؟

جذبها مصطفى من كفيها إليه يفرقهما، وهو يحاوط بهما خصره يضمها إليه، وبعدما استقرت راحتيها على ظهره من الخلف، تستند برأسها على كتفه بتيه، تلتمس الأمان بمحيطه، رافعًا كفيه عن راحتها، يحاوط كتفيها يضمها إليه بحنان، وهو يتأوه بلوعة، وإحدى راحتيه تدعم رأسها من الخلف إليه، وشفاهه بالقرب من أذنها، وأنفاسه الحار، الساخنة، المعطرة، تداعب جانب عنقها. قائلاً بنبرة مطمئنة أقرب إلى الهمس:

بقى خايفة، وأنا جنبك، ده عمري كله فدا لحظة خوف تحسيها، ساعتها حياتي كلها ما يبقاش ليها قيمة، لو ما كنتش قدامك مش في ضهرك بس. رفعت رأسها سريعًا إليه قائلة بإقرار: أنا عندي حل يا مصطفى. اللهفة التي رآها بعينيها لذلك الحل، علمته أنه لم يحرز هدفًا فقط، وأنتهت المباراة لصالحه. فلما الاستعجال على الاحتفال، فلينل الكأس أولًا. أعاد رأسها إلى موضعه قائلاً بنبرة متأثرة لقربها منه: قولي يا قلب مصطفى. رفعت رأسها

إليه مرة ثانية قائلة: إنت لازم... بعدما رفع بصره إليها، وهي بهذا القرب قائلاً: فعلاً أنا لازم أعمل كده...

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...