تحميل رواية «وعد ريان» PDF
بقلم اسماء حميده
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في حي راقي من أحياء القاهرة. تتسلل أشعة الشمس من نافذة إحدى الغرف لتداعب أهداب عينين زرقاويتين فتتململت صاحبتها لتضع كفها في محاولة لمنع وصول أشعة الشمس لها. طرق على باب الغرفة لتنتبه وعد، فاستقامت بجذعها سامحة للطارق بالدخول، وما هي إلا مربيتها السيدة نجوى والتي تدعوها وعد بأمي أو نوجة. هي تلك الرءوم التي عملت على رعايتها وتربيتها هي وأختها همس منذ أن كانت في الثانية عشر من عمرها وطالما أحست معها بحنان الأم الذي حرمت منه وهي فتاة صغيرة. وما إن ولجت السيدة نجوى غرفة وعد حتى أشرق وجه من كانت غافي...
رواية وعد ريان الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم اسماء حميده
عندما علم صقر بأن تلك الطفلة هي ابنة أنچيل، نظر إليها صقر بحسرة:
"أنتِ متزوجة؟"
أجابته أنچيل مسرعة بنفي:
"No, i'm divorced. لا، إنني مطلقة."
همس معلقاً:
"قلبتي ليه يا مزة؟"
صقر:
"تتزوجيني؟"
أنچيل دون تردد:
"لما لا؟ Why not"
وعد بتصفيق:
"أهلاً."
ريان:
"هو ده حديث نتحدثوا فيه على الباب كده."
ريان موجهاً حديثه لوعد وأنچيل:
"خذي أنيتا وادخلوا جوه."
أنچيل:
"ليه أدخل جوه؟"
وعد لأنچيل:
"خلي بالك الجوز دول على آخرهم،" وأشارت إلى صقر وريان. "كلمة كمان وأنا وأنتي هيتقرا علينا في مقابر الحواويش أو في البلابيش أيهما أقرب."
أنجيل:
"I don't understand you. أنا لا أفهمك."
أشارت وعد إلى نفسها:
"Me, أنا؟"
أنجيل:
"Yes, نعم."
ريان بحزم:
"قلت جوه."
فزعت الفتيات الثلاثة من صراخ ريان، وهرولت كل واحدة منهن في اتجاه.
اتجه كل من ريان والصقر وماجد إلى ما يسمى بقاعة الرجال أو المندرة، وهذه مخصصة لتجمعات الرجال فقط، لمنح الحريم بعض الخصوصية. دخل الرجال الثلاثة إلى المندرة. ففي أثناء قدوم ماجد من مطار برج العرب، قام بالاتصال بأحد الرجال الذين يعملون لدى أخواله وأوصاه بإرسال واحدة من النساء لتنظيف الدوار لكونه مغلق منذ فترة، وحدث ما أراده ماجد.
جلس ريان على أحد المقاعد واضعًا ساقه فوق الأخرى في شموخ وكبرياء، وفعل الصقر بالمثل.
وجلس ماجد في المقعد المجاور لابن عمه ريان.
ريان:
"دلوقتي أنچيل ما تعرفش حاجة عن اتفاقنا ولا باللي حصل زمان ولا باللي أخويا الله يرحمه عمله، موافقتها دي على غش تعتبر باطلة."
ماجد متداخلاً في الحديث:
"صقر أنت ما سبقلكش الجواز قبل سابِق؛ يعني ما حدش عندك هيوافق على قصة إنك تتجوز واحدة سبق لها الجواز، وكمان خواجاية."
صقر بانفعال:
"ليه وأنا عيل صغير إياك مستني حد يقرر عني؟! ويجولي أعمل إيه وما أعملش إيه! أنا أعمل اللي شايفه صح، وما حدش ليه حاجة عندي."
ماجد:
"أنا عامل عليك؟"
صقر:
"مالكش صالح."
ريان:
"برضه أنچيل لازم تعرف كل حاجة، ونخيرها إذا كانت حتكمل ولا لأ."
صقر:
"وهي إيش دراها بعوايدنا واتفاقنا، وبعدين أنت إيه اللي يخوفك؟ مش أنتم ناويين على خير ومش هتهينوا بنتنا، وأنت خابر إننا ما هنهينوش حريمنا، يا، يا ريو." قالها صقر ساخراً.
ريان:
"أقولك ما عاوزش تريقة وحديث مالهوش لازمة، إوعاك تكون فاكر إكمنا على أرضك يبقى تعمل ما بدالك، لأ أنت ما تعرفش أخرى، أبسطها أقولك إحنا شيلنا يدنا؛ طالما لوي دراع، وطالما ما فرجش معاك تتجوز مطلقة، يبقى بت عمك أولى، وهي كده ولا كده ما عملتش حاجة حرام؛ دي كانت متزوجة على سنة الله ورسوله، واضح كمان إن جوازك من مطلقة ده ما كانش في بالك،" وابتسم ريان بجانب فمه ابتسامة ساخرة. "لكن دي أنچيل عاد." (بمعنى ما تعملهمش عليا أنا فقسك).
ثوانٍ ووجدوا أنچيل تدخل المندرة وبيدها صينية تقديم عليها ثلاثة أكواب من المياه الغازية التي أحضرها ماجد عند قدومهم، أثناء مروره على إحدى الاستراحات في الطريق، فالدوار خاوي منذ فترة، كما جلب العديد من المعلبات والحلويات لأنيتا وبعض من عبوات الطعام سريعة التحضير.
جز ريان على أسنانه فبالطبع تلك فكرة بلوة حياته وعد، فمن أين لأنچيل أن تعلم أن العروس عليها تقديم مشروب الضيافة للخطيب. توعدها ريان في سره فإذا كان هذا السائد في الإسكندرية حيث اختطفا، ولكنه مرفوض عندهم في الصعيد.
وقفت وعد خلف أحد الجدران المطلة على المندرة بحيث تكون مراقبة وغير ملتقطة، تشاهد احتقان الدماء بوجه ريان بتسلية، وهي تحدث نفسها:
"مش كنت عامل لي فيها عبيط يا ريو."
وما إن دخلت أنچيل المندرة حتى اخفض الصقر بصره على استحياء، بينما أخذت أنچيل تتهادى في سيرها حتى تبرز مفاتنها.
فمال ماجد على ريان:
"مين دي؟ وينها الشاويش أنچيل؟"
ريان:
"شاويش إيه بقى؟! ما إحنا متجرطسين على رأي البلوة التانية."
ريان بتجهم:
"What are you doing Anjel? ماذا تفعلين أنچيل؟"
أنجيل بتلقائية:
"بضايف الكتكوت بتاعي."
لطمت وعد خداها هامسة:
"الله يخرب بيتك أنتِ حافظة مش فاهمة، الله يخيبك ده أنا هتنفخ."
بينما جحظت أعين الرجال الثلاثة مرددين كالكورال:
"الكتكوت بتاعك!"
تأكد حدس ريان بأن فكرة تقديم مشروب الضيافة هذا فكرة تلك المصيبة، وللحق مصيبة لذيذة، فأنچيل تتحدث الصعيدية ولكن من أين لها بالكتكوت بتاعها. فهي حتى ربما لا تعلم معناها.
ريان بصخب:
"واه جرى لك إيه يا أنچيل؟! من ميتى وأنت كده تتمرعني وتتمسخري؟"
والصقر أيضًا ليس بالهين فمغزى حديث ريان يدل على أنها ليست سهلة المنال، فإن تغاضى عن كونها أجنبية ولكنه ما زال رجلًا شرقيًا مصريًا صعيديًا وليس أي صعيدي بل إنه الصقر. انشرح صدره لكونها متحفظة، ولكن ماذا الكتكوت بتاعها؟!
الصقر بهمس:
"الكتكوت يا وجعة مجندلة، الصقر بقى كتكوت؟!"
استمع ريان لما قاله صقر فنظر إليه ساخرًا، فقد كان يتشدق بريو فماذا بشأن الكتكوت بتاعها؟!
أنجيل بريبة:
"وعد هي اللي جالت لي لازم أضيف الكتكوت بتاعي."
لم يكن ريان بحاجة إلى تأكيدها، فهو استنبط من وراء ذلك.
ريان:
"دقيقة، شوفي دقيقة وتكوني خفيتي."
فتلاشت أنچيل وكأنها لم تكن موجودة بالأصل.
صقر وما زال على استحيائه:
"مالوش لازمة واجبكم وصل، جهزوا حالكم عشان هنجل على الدوار عندي."
ريان كان من الممكن أن يصدر قرارًا بعدم انتقالهم إلى دوار الصقر، وأن اتفاقهما ما زال ساريًا، وهو زواج ماجد بابنة عم صقر، وزواج صقر من أنچيل ما دامت راغبة، ولكن بانتقالهم إلى دوار صقر سيستطيع محاصرة مصيبته الأزلية، ما دامت أمام صقر زوجته، فلا مانع من اللعب ما دامت هي من بدأت واستفزته. ولكن لن يبدي مهادنة لصقر حتى لا يفهم الأمر على نحو خاطئ.
ريان:
"مالوش لازمة، طالما أنچيل ممنعاش جوازها منك، فاتفاقنا ساري، يا، يا كتكوت." قالها ريان بسخرية.
صقر:
"واه اتحشم أنت التاني، إيه كتكوت دي؟! أنا الصقر."
ريان مقلدًا إياه:
"واه ما كانش ده موقفك من هبابة؟! ولا الصقر ده على ناس وناس."
قهقه كل من ريان وماجد عندما رأوا احتقان وجه صقر من شدة الحرج والغضب في نفس الوقت.
الصقر بغضب:
"خلصنا بقى."
كتم ريان وماجد ضحكاتهم بعد رؤيتهم لمدى حرجه، وليس امتثالًا لأوامره، ولكن لم يستطع ريان الكتمان أكثر من دقيقة، وبدأ في القهقهة مجددًا وتبعه ماجد وأخيرًا الصقر نفسه، والفتاتان تقفان خلف الجدار كل واحدة منهن سارحة في ابتسامة كتكوتها أعني رجلها، فكلاهما وسيمان كلاهما على طريقته.
بعدما تعب الثلاثة من كثرة الضحك وتهادت قهقهتهم.
أجاب ريان:
"على قولك يا صقر، أنا مرحب بدعوتك، دقيقة حخليهم يجهزوا حالهم."
سار ريان ناحية باب المندرة فرأى الفتاتين تصطدمان ببعضهما في محاولة للمغادرة، قبل أن يضبطن بالجرم المشهد (التلصص).
بعد أن توارى ريان عن عيون صقر وماجد ذاهبًا لإخبار الفتيات بالاستعداد، وجدهما على تلك الحالة من التخبط، فالمكان المختبئتين به على هيئة ممر في نهايته غرفة محكمة الغلق، ويفضي إلى الصالة والمندرة.
اندفعت أنچيل بإتجاه الغرفة بينما اصطدمت بلوته به، فأمسك بها من الخلف كما يقبض المخبر على الخارجين عن القانون، وهو يشير إليها بسبابته ألا تصدر صوتًا، فحبست أنفاسها وبخطوة واسعة كان يقبض على أنچيل من ملابسها بنفس الطريقة والتقط الأخرى على نفس المنوال، وهو يرج كل منهما ذهابًا وإيابًا.
ريان:
"على فين يا مصيبة أنتِ وهي؟! حسابكم معايا بعدين."
وعد:
"وأنا مالي يا لمبي؟!"
أنجيل بجدية:
"Why are you angry Rayan? لماذا أنت غاضب ريان؟"
ريان:
"دلوقتي ظبطت؟! والمسخرة اللي كانت من شوية دي كان عفريتك؟!"
وعد:
"ما تحرقش في دمك أنت عشان الشوجر، وأنا هعرفها غلطها."
ريان محملقًا بها:
"والله، صدقتك أنا كده إذا كان أنتِ أس البلاوي."
وعد وهي تلاعب حاجبيها:
"لا الصعيدي يوكل."
ريان محاولًا كبح ابتسامة تجاهد للظهور على صغره؛ لشقاوتها.
ريان بجدية مصطنعة:
"جهزوا حالكم عشان هنجل في دوار صقر."
وعد:
"أيون يعني أعمل إيه؟! أحضر شنطتي مثلًا، ما اللي خطفونا ما بلغونيش قبلها عشان أحضر شنطة هدومي، مش أصول خطف الصراحة."
ريان موجهاً حديثه إلى أنچيل:
"روحي أنتِ جهزي حالك أنتِ وأنيتا."
غادرت أنچيل وتركت وعد لحالها معه.
وعد:
"بتسيبيني وتخلعي؟! ليكي روئة."
ريان وهو يتقدم منها بعدما كان قد رفع قبضته عنها:
"بقى الصعيدي يوكل، وبالنسبة للحلاوة بالقشطة وانحرافك اللي كان هيبقى على إيدي في إسكندرية كان إيه؟!"
وعد بعد تقدمه منها أصبحت محاصرة بينه وبين باب الغرفة المغلقة خلفها:
"يا باشا أنت طلقة بكل حالاتك، بس بلاش زنقة الأتوبيسات دي الله يكرمك."
ريان مقلدًا كلماتها السابقة:
"عندك حق الإنسان منا ضعيف."
تركها ريان عائدًا إلى الصقر وماجد.
ريان:
"اجعد يا صقر، اشرب الساقع بتاعك عقبال ما يجهزوا."
صقر:
"وادي جعدة."
بدأ صقر في ارتشاف مشروبه وهو يتردد في قول ما يريد ولكنه لم يستطع الكتمان.
صقر:
"ما دام إحنا متفقين، ما نشيعوا الليلة نجيبوا المحامي عشان يكتب لي أنا وأنچيل، ونجيبوا المأذون يعقد لماجد وسوسن، ونخلصوا منيه الموال ده." (البنت أكلت دماغه، يا عيني على الحلو لما تمرمطه النسوان).
ريان نافراً:
"ما ترسى، مستعجل على إيه؟! وبعدين ليه محامي أنچيل مسلمة وورقها معها، أبوي خلص لها كل حاجة هناك، بس ما حدش يعرف إنها أسلمت غير السفارة؛ لأنها طلبت استخراج أوراق لها باسم أبوي كاسم مستعار، بكده ورقها يثبت إنها مسلمة مصرية، يعني حتى في المجلس ما حدش هيعرف يتكلم معاك على أساس إنك اتجوزت خواجاية."
إن وافق ريان على حديث صقر بشأن إتمام الزواج الليلة، فمعناه أن كل شيء سينتهي سريعًا وهذا ما لا يريده.
تفاجأ صقر لكونها مسلمةً ولكنها مفاجأة لاقت استحسان منه.
صقر متحمحماً:
"مش مسألة سرعة، وأنت بتقول إنها مسلمة وورقها جاهز، يبقى هنستنوا ليه عاد، ده هيبقى كتب كتاب، ويبقى نعملوا ليلة كبيرة على مهلنا."
ريان بعد ما استحسن الفكرة، ما دام لا يزال هناك ليلة كبيرة، فلا ضير في ذلك.
ريان:
"خلاص حتكلم ويا أبوي، ولو وافق، نكتبوا الليلة وبعدين نشوفوا قصة الدخلة دي."
وبعد قليل خرج الجميع متجهين إلى الخارج.
ريان لصقر:
"عربيتك ما حتكفيش الكل."
أشار ماجد حيث السيارة التي استأجرها سابقاً:
"أنا أجرت دي لأسبوع."
ريان:
"خلاص اركب أنت مع أنچيل وأنيتا عربية صقر، وأنا ووعد هنحصلوكم."
اتجه كل من ريان ووعد إلى السيارة الأخرى، فاستوقفهم صقر وهو يمد يده إلى ريان:
"تلفوناتكم، الرجالة اللي جابوكم هنا سلموها لي."
برغم ما حدث من رضوان أخو ريان، إلا أن الصقر يستطيع التمييز بين معادن الرجال، فريان لن ينكس وعده.
مدت وعد يدها لتلتقط هاتفها.
ريان:
"يدك جارك."
وعد وهي تتراجع هامسة:
"ليه يعني في الجيش."
التقط ريان الهواتف يدسهم في جيبه.
اتجه كلا منهم إلى السيارات فمدت وعد يدها تفتح الباب الخلفي لتجلس بالمقعد الخلفي.
ريان:
"إيه بتعملي أنتِ؟!"
وعد:
"هكون بعمل إيه؟! بركب."
ريان:
"هتركبي في المقعد ورا؟! ليه أمال سواق الهانم أنا وإياك؟!"
أغلقت وعد الباب بحدة متأففة، لما الجدال؟ وهو محق، وتقدمت لتركب بجواره في الأمام.
مدت أنچيل يدها لتفتح الباب الأمامي لتجلس إلى جوار كتكوتها.
ماجد مع تبادل الأدوار في موقف مماثل عند السيارة الأخرى:
"إيه بتعملي أنتِ؟!"
أنجيل:
"هكون بعمل إيه؟! بركب."
ماجد:
"هتركبي قدام؟! ليه أمال؟! قالوا لك عني وائل."
الصقر:
"وائل من ماجد ما فرقش كتير."
ماجد:
"ما بلاها أنت يا الكتكوت بتاعها." (الجبهتين طاروا).
صقر رافعًا وجهه إلى السماء:
"صبرني يا رب، عشان أنا جبت آخري."
ماجد زاجرًا أنچيل:
"إنتي وأنيتا ورا."
أغلقت أنچيل الباب الأمامي بحدة متوجهة إلى الخلف.
في مكان آخر لم نذهب إليه من قبل. دوار عبد الحميد الزيدي عم صقر وزوجته حفيظة والدة سوسن فهي امرأة قوية الشخصية سليطة اللسان، وقد ساءت معاملتها لابنتها، بعد ما وجدت بين ملابسها عقد زواجها من ابن أخو قاتل عمها، ودون علمهم، والأخرى لم تجد ما تدافع به عن نفسها، فهي حقًا مخطئة في حق نفسها أولًا وعائلتها ثانيًا، بعدما أوهمها رضوان بالحب ولعب بعقلها حتى وقعت في عشقه بعد مطاردته لها في كل مكان، فهي كانت بعامها الأول في كلية الصيدلة جامعة سوهاج، ولكن بعد علم والدتها بزواجها سرًا من ولد نصار، وبالطبع أخبرت كبيرهم صقر الزيدي ابن عمها، منعتها من أن تخطو بقدمها خارج غرفتها، ناهيك عن الإهانة والضرب المبرح، فقد دمرت سوسن نفسها بنفسها، ويحل لوالدتها ما تفعله خاصة بعدما أقنعها رضوان بضرورة زواجهما لفترة حتى لا تتمكن أمها من إجبارها على الزواج بابن خالها الذي يعشقها منذ الصغر وهي لا تبادله، وبعدها سيقوم رضوان بعمل ترتيباته لأخذها معه إلى الخارج، وهي لم تعارض فهي ليست مرتبطة بمصر، أبوها وقد توفى وأمها امرأة قاسية القلب منذ زمن لكونها جبرت على الزواج من عبد الحميد وهي عاشقة لآخر، فما ذنب ابنتها في ذلك الجفاء ولماذا كانت الأم تريد أن تلقى ابنتها نفس المصير، فجفاء أمها كان سببًا في وقوعها في براثن عشق زائف، ولكنها بعدما وضعت رقبتها تحت سيفه، ظهر هو الآخر على حقيقته بعد ما صارحها بأن عشقه المزعوم ليس سوى انتقامًا من عائلة قاتل عمه والمتسببة في شتات شمل عائلته، وهجرة والده إلى الخارج. وبالرغم من أن عمه هو البادئ ولكن رضوان كان يرث العرق التعصبي من عمه لا رحمة عليه ولا شفاعة. ذبلت سوسن وضاعت أحلامها في حياة تعوضها عن قسوة ما مرت به، ولا تعرف هل القدر انتقم لها بموت رضوان أم انتقم منها على ثقتها به.
حفيظة وهي تقتحم الغرفة على سوسن بوجه متجهم وتقترب منها وهي تلقي بفستان وردي اللون بوجهها:
"قومي يا شملولة، حضري حالك عشان واد عمك جال إنه هيخلص موضوعك الليلة إياك تطلع روحك خليني أخلص من عارك."
فقد هاتف صقر زوجة عمه بعدما ترك ريان ليقنع زوجته باستضافته لهم في دواره وتطوع ماجد لحل تلك المعضلة بزواجه من سوسن. لم تفهم سوسن ما علاقة الفستان بتنفيذ حكم الإعدام فيها على ما فعلت فإذا أرادوا قتلها والخلاص من عارها لما الفستان إذن، لا يهم ستفعل ما تؤمر فبكل الأحوال قد فكرت في الانتحار عدة مرات ولكنها عدلت عنه فإن أخطأت بزواجها من رضوان، فلن يكون مصيرها الموت كافرة وبسببه أيضًا، فستبقى ليفعلها غيرها فإن ماتت على يد والدتها القاسية أو يد الصقر، ففي كلا الحالتين خلاصها.
قامت من فراشها بعد خروج حفيظة جسدًا بلا روح لترتدي ما قذف في وجهها وليكن ما يكون فهي غير عابئة.
أما صقر فكان يقود السيارة وهو يسترق النظرات في المرآة الخلفية لتلك الصعيدية وارد الخارج بزي باربي. ولكن هذه أنچيل ألا تستحي؟! فهو كلما رفع بصره إلى المرآة وجدها شاخصة فيه تأكله نظراتها، وهي تتشرب ملامحه بهيام.
صقر لنفسه:
"اثبت يا صقر، خبرك إيه؟!"
ماجد:
"بتقول حاجة يا صقر؟!"
صقر:
"بقول هنتقابل المركز نجيبوا الشبكة متى؟ ولا أقول لك أنا هتكلم ويا واحد جواهرجي معرفة يبعت لنا وإحنا ننجوا."
ماجد:
"مش قصة بخل، بس شبكة إيه؟ وبتاع إيه؟ ما أنت خابر اللي فيها."
صقر:
"ما أنا قلت كل حاجة لازم تتم بالأصول؛ عشان الناس كلامها كتير، وشبكتك هدية مني لبت عمي ولو إنها ما تستاهلش بعد عملتها دي، لكن أمر الله عاد."
ماجد:
"اللي تشوفه."
ماجد الأمر برمته لا يعنيه، فهو المجبور بإرادته على تلك الزيجة ولا مجال للتراجع. أما أنچيل فهي في قمة سعادتها بعد حديثه هذا، حقًا لا تعرف معنى شبكة ولكن ما استشفته أنها هدية وقيمة أيضًا، فمما عايشته من قبل مع والد ابنتها والذي كان يسلبها أموالها ويسيء معاملتها، جعلت روحها كالأرض البور وأي تصرف منه سيرويها فهي عطشة لرجل يحتويها وتشعر في كنفه بالأمان.
أما عند ريان وهو يقود السيارة.
وعد بضجر:
"ممكن أفهم أنت أخذت تليفوني ليه؟! أنا عاوزة أطمن على أختي."
ريان بمشاكسة:
"هديهالك بس لما نوصلوا، ونطلعوا جاعتنا."
وعد بجحوظ:
"جاعتنا؟! ده باينه هيبقى ربراب متطافح، لا لا إحنا ما اتفقناش على كده."
ريان:
"واه مش أنتِ مراتي عاد يا أم سيف؟!"
وعد بنسيان:
"سيف مين؟!"
ريان:
"الله أنتِ دائمًا كده تنسي سيف وشاهندة."
وعد وهي على وشك البكاء مما أوقعت فيه نفسها:
"منك لله يا زين يا ابن أم زين، أشوف فيك تلت أيام ورا بعض."
بعد ما يقارب النصف ساعة قد وصلت السيارتان إلى داخل الحديقة بدوار الصقر، وعندها فتح الغفير لسيده البوابة.
ارتجل صقر من السيارة وهو يتصبب عرقًا من نظراتها الجريئة. (شكلك هتفضحنا، أمال هتعمل إيه يا أبو الصقور في الليلة الكبيرة). بينما ترجلت أنچيل وخلفها أنيتا في خيلاء تتهادى أمامه في خطواتها. (حرام عليكي الواد مش قدك).
بينما ترجل ريان وهو يسير بشموخه المعهود ولم يخفى عليه حالة صقر من الارتباك والتخبط.
ريان لنفسه ساخرًا:
"ده ما أخذش غلوة خام خام يعني، شكله ما راحش لأم منه." (يا واد يا خبرة).
الصقر بصوت أجش عندما اقترب من الباب الداخلي يداري به ارتباكه:
"عوض ولد يا عوض."
حضر عوض من اللا شيء أمامهم يوزع نظراته بين أنچيل ووعد، كأنه لم يرى نساء من قبل حتى استقر على أكثرهم فتنة وللحق كلتيهما فاتنتين، ولكن من لفتت انتباهه أكثر وعد بعيونها الملونة.
وريان تأكله الغيرة فبرغم من وسامته فذلك عوض يفوقه وسامة ولكن مظهره يوحي بالفقر وهذا لم يخفي ملامحه الوسيم.
ريان بغضب:
"إيه يا سفيه أنت؟! أمبحلج في إيه؟! اغرب من هنا يا صقر."
عوض بانكسار فهو شاب في آخر عقده الثاني ولكنه يعاني من تأخر عقلي لا يلاحظه الرائي إلا إذا تحدث:
"يرضيك يا صقر تزعج لي؟ أنا ما حدش يزعج لي غيرك، وبعدين ما هي اللي حلوة جوي كيف الفاكهة الصابحة."
ماذا فيها إذا تغزل عوض فيما لا يخص الصقر، فطالما حنى عليه الصقر وعامله كأخ صغير ودائمًا يدعوه بعوض البركة.
صقر:
"خلاص يا عوض حقك عليا، روح هات الشنطة اللي في العربية وحصلنا."
وعد بعد ما لاحظت حالة عوض ورؤية الحزن والانكسار والرعب في عينيه بعد توبيخ ريان له، وللحق لقد وبخ ريان حاله، فعوض بحالته تلك لا يستطيع التمييز بين ما يصح وما لا يصح، ولكن عوض في الآخر رجل ينظر لها ويتفرس بها.
وعد بحنو:
"ما تزعلش يا عوض حقك عليا يا سيدي."
ريان وهو يجز على أنيابه:
"كسر حقك، سد حنكك."
مالت عليه وعد تهمس:
"هي اسمها خشمك ولا حنكك؟! أصلها تفرق."
ريان:
"اهزري، اهزري، دلوقتي نتدلوا جاعتنا وأعرفك هي حنكك ولا خشمك."
وعد بتراجع:
"ما خلصنا بقى يا عوض."
دخل الجميع إلى داخل الدوار، وبعدما سمعت الخادمات في الدار صوت كبيرهم ينادي عوض توجهت إحداهن لترى ما إذا كان سيؤمر سيدها بإعداد الطعام وكانت السيدة صابحة وهي سيدة في أواخر الأربعينات ترتدي ملابس سوداء، ولكن يبدو عليها الطيبة، ذات وجه بشوش، صابحة مرحبة وهي حتى الآن لا تعرف من هم ضيوف كبيرها:
"يادي النور يا دي النور، ده الدار فج نورها."
وأقبلت تقبل وعد وأنچيل بقبلات متتالية كنوع من الترحيب.
صابحة:
"يا حلاوة يا ولاد إيه النسوان اللي هتلعلط دي."
صقر:
"بزيادة كفاية يا خالة صابحة، وهملي الضيوف يرتاحوا."
وأشار إلى أنچيل وابنتها:
"خذي ستي والجمر الصغيرة دي في الجاعة الجبلية،" وأشار إلى ريان ووعد: "وطلع ريان باشا ومراته للجاعة الشرقية."
وعد باندفاع:
"ما تخليني في الصالة التحتانية هنا، أحسن أنا وريان عليها أوي."
ريان محبطًا محاولتها للفكاك:
"بطلي جلَع عاد، إحنا ضيوف ومعايزينش نتجلوا على الناس، يلا جدامي على الجاعة يا أم سيف."
صقر:
"أنت عندك ولد؟"
ريان:
"لأ لسه ربنا ما ردش، بس ادعي لنا يمكن دارك يكون فيها المشية."
فهم كل الحضور مغزى حديثه فتخضب وجه وعد بالحمرة ولم تسعفها الكلمات وبماذا سترد على هذا الوقح، أما صابحة غطت وجهها بطرحتها على استحياء وهي تضحك. وماجد ليس معهم فهو بملكوت آخر يفكر إلى ما ستؤول إليه حياته بعد تلك الزيجة.
صقر:
"واه أنت جاعدتك في بلاد برة، شالت منك الخشة؟! عامة الدار دارك اطلع أنت ومراتك ارتاحوا." ووجه حديثه لماجد: "وأنت يا ماجد تعالى معايا في حاجات عاوزين نتفقوا عليها وبعدين ابجى اخش المندرة ريح فيها لحد المسا."
صعدت صابحة وخلفها ريان ووعد وهي تقدم رجل وتؤخر الأخرى، ولكن ماذا ستفعل في ما هو قادم، توجهت صابحة بهم إلى إحدى الغرف، وما أن غادرت صابحة حتى قام ريان.....
رواية وعد ريان الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماء حميده
أوصلت صابحة ريان ووعد إلى إحدى الغرف.
صابحة لريان: لو احتاجتوا أي حاجة، ازعج وقول يا خالة صابحة هتلاقيني فوق راسكم، أقصد في خدمتكم.
نظرها ريان بحاجب مرفوع في دهشة وراداً عليها بصراخ: عايز تقول إيه أنت؟
وعد: جرى إيه يا ريو؟ ما براحة على الست.
صابحة وهي تتشدق بفمها يميناً ويساراً: ريو.
ريان وهو يناظر وعد بتوعد وراداً على صابحة: ما عاوزينش حاجة، فرجينا دلوقتي.
صابحة: أنا بقول يعني استنى وياكم يمكن تحتاجوا حاجة.
وعد وهي تتشبث بصابحة وكأنها طوق نجاتها بعد نظراته المتواعدة تلك: أيوه يا حاجة صابحة خليكي، أنا حبيتك حبيتك.
صابحة وهي تناظره بشماتة: يا جلبي أنت صابحة، بينا على جوه.
وهي تعلق كف وعد في ذراعها وتتقدما ناحية باب الغرفة، مدت صابحة يدها لتفتح الباب.
ريان بصوت مرتفع: وقف عندك يا مرة أنت؟ مخبول أنت إياك؟
توقفت يد صابحة في الهواء بعد صراخه قبل أن تلمس مقبض الباب، وثبتت وعد وصابحة مكانهما وكأنه ضغط على زر التوقف.
اقترب ريان منهما وعلى وقع أقدامه وكأنه شغل زر الحركة.
نظرت صابحة لوعد وهما ظهرهما له وهي تنفض كف وعد من ذراعها.
صابحة: جرى إيه عاد؟ إيه خلع الحريم ده؟ أنتِ بكده تبقي بتغضبي ربك، أنا سمعت الشيخ في خطبة الجمعة اللي فاتت، وهو بيقول إن المرأة منا لازم ولا بد تطيع جوزها.
وعد وهي تضع يدها أسفل ذقنها وكأنها تفكر: يا شيخة! ما تقوليش.
صابحة: آه والله، طب أنتِ عارفة إنه في حالتك دي يقصد مين؟
وعد بانتباه: مين؟
جذبتها صابحة من ذراعها لتلتفتا إليه مشيرة تجاهه: ريو.
قالتها صابحة وفرت هاربة، وتركت وعد معه وعيناه تنضحان بالغيظ والغضب.
وعد بصدمة بعد ما هربت صابحة هي الأخرى: هجيبكم كلكم فلول ومدعين.
ريان وهو على وشك الإصابة بجلطة، أدار مقبض الباب ودفعها إلى الداخل.
وما أن أغلق ريان باب الغرفة، حتى قفزت وعد بخفة تعتلي السرير وهي تحدثه كطفلة مذعورة: بص، هفهمك أنا.
ريان بصراخ: هتفهمني إيه؟ أنت في حد مسلطك عليا؟
وعد مجيبة في سرعة وهي تشير إلى نفسها وكأنها تتلو حواراً مكتوباً: أنا، أبداً، ده أنا نسمة، ده أنا قلبي زي البفتة البيضا، ده أنا عمر العيبة ما طلعت من بوقي، ده أنا اتحط على الجرح يبرد، واتحط على النار تولع.
ريان متقدماً منها في تمهل ويداه تلتقط حلية حزامه الجلدي يحل عقدته المعدنية بهدوء معذب لروحها المذعورة.
بعد فعلته تلك ورأسها يدور به العديد من مشاهد الاغتصاب في الأفلام المصرية القديمة، والقهوة الفائرة، والشيش المرتطم.
وعد وهي تقفز من فوق السرير هاربة إلى الجهة الأخرى من الغرفة، وأصبح كلاً منهما بجهة.
وعد برعب: إيه؟ هتعمل إيه؟
لم يجيبها وظل يتقدم منها، ويداه ما زالت تعبث بحزامه.
وعد: إيه جو دعاء الكروان ده؟
وصل ريان إلى ما يدور برأسها إنها تعتقد أنه سيقوم بالاعتداء عليها، تلك الخرقاء!
ف ريان موشيه لا يسعى للنساء، النساء هم من يسعون إليه، كما إنه ليس سادياً ليحصل على إمرأة جبراً ويأخذها عنوة.
ولكن أعجبه حسها الفكاهي، وهي في أشد لحظاتها خوفاً وتوتر، وتصنعها القوة، وبؤبؤ عينيها يتسع ذعراً، يكاد يقسم أنه يستمع إلى دقات قلبها المرتعبة.
تثير أفعالها شياطينه وتستدعيهم للحضور، وتثير شقاوتها وخفة ظلها لبه؛ ففي كل موقف لها ردة فعل وتعليق ينسيه غضبه منها، ويثير جمالها كل خلية بجسده، قوامها، عينيها، خدودها الوردية، شفتيها المنتفختين التي تدعوه لالتهامها، كل هذا جعل منها خلطة لا تتكرر ولن يقابل مثلها.
ريان وهو يوهمها أنه سيباغتها قفزاً من أعلى السرير كما فعلت فاتجهت هي للدوران حول السرير لتأخذ مكانه في الجهة الأخرى، فغير هو اتجاهه وأمسك بها، وقد سل حزامه من عراويه، ولفه سريعا حول أصابعه كالقرباج.
شهقت وعد عندما قبض عليها ورأته ممسكاً بحزامه قابضاً عليه كمدربين الأسود.
وعد بأعين زائغة ما بين يده وشخصه: لا، لا، هو أنت منهم تصدق ما يبانش عليك.
ريان بعدم فهم: بتقولي إيه أنتي؟ جَننتيني، وإيه حوار ريا وسكينة اللي كان بره ده مع اللي اسميها صابحة، وكل شوية ريو، ريو، إهنه ما بنجلعوش الرجالة، فضحتيني يا مقبلة إنتي وكله كوم واللي عملتيه في إنجيل كوم ثاني، أنتي اللي جُلت لها تتمرجع وتتمسخر إكده.
وعد: لا يا سُلْطة، في دي أنت ظالمني، هي كان عندها استعداد للانحراف ومحتاجة حد يوجهها، وأنا حطيت التاتش بتاعي بس.
ناظرها ريان وقد فجرت براكين غضبه وأخذ يطقطق رقبته يميناً ويساراً كالمصارعين وعينيه تنضح شراً.
وعد: انت هتتحول ولا إيه؟ أقسم بالله أنت لو قربت مني...
ريان وهو ينظر لها بريبة يتوقع ضربة أخرى تحت الحزام، فابتعد مسافة لا بأس بها يؤمن حاله.
وعد وهي تناظره بإنتصار: أيون، أيون، من خاف سلم، وبعدين الراجل منكم لازم ياخد حذره، وهو الراجل إيه غير شوية حذر وحبة حاجات فوق بعضها.
ريان بغضب: مجنونة، عليا الطلاق مجنونة.
وعد وهي تشيح إليه بيدها: يا عم روح اتجوز الأول وبعدين ابقى احلف بالطلاق.
ريان وهو يقترب منها بمشاكسة، وهي تتراجع إلى الخلف: طب ما أنا كنت طالع الجمعة عشان كده.
وعد وهي تشهر سباباتها في وجهه: أنا بحذرك.
ريان وهو ما زال يقترب وهي تبتعد: ما بخافش أنا.
وعد وهي ترتجف متراجعةً: ارجع بقول لك.
وأثناء تراجعها تعرقلت بالسرير خلفها، وسقطت على ظهرها، فقفز هو فوقها يعتليها رافعاً جسده عنها دون تلامس.
وعد بتأفف: أوف يا دي النيلة، إيه اللي جاب البتاع ده ورايا، ده أنت لو مرتب المشهد كده مش هيتم بالكفاءة دي.
رفعت نظرها إليه وجدته هائم بها وعينيه بهما بريق لامع، يتفرس ملامحها بوله.
رفعت يدها لتدفعه بعيداً عنها، فقبض على كفيها يرفعهما أعلى رأسها، ولا زال في تأمله لها.
ريان بهيام: وعد أنتي جميلة قوي.
وقبل أن تجيب أو تحرك ساكناً، وجدوا من يدفع الباب دون إذن.
صابحة: يا حومتي.
ريان منتفضًا بفزع: إيه يا جلوس الطين أنتي؟ في حد يخش كده.
هبت وعد واقفة تتجه نحو صابحة تأخذها بالأحضان وكأنهما صديقتان لم يلتقيا منذ زمن: صبوحة حبيبتي ليكي شوقة.
صابحة وهي تأخذها في أحضانها، وتنظر إلى ريان من أعلى كتف وعد، تصيح بيدها له وتخرج لسانها، بمعنى (نطيت لكم).
ريان وهو يدق الأرض بقدميه كطفل صغير سلبت منه دميته المفضلة، واقترب منها ينتزع وعد من أحضانها يجذبها من إحدى ذراعيها إليه، وصابحة تجذبها من الذراع الآخر.
صابحة: جرى إيه خلعت البت يا حبة عين أمها.
ريان بغضب: ارفعي يدك عنها، يا مقلوبة أنتي.
وظل يجذبها وصابحة تفعل المثل.
أصدرت وعد صافرة وهي تسلت ذراعيها من قبضتيهما: game over، استهدوا بالله يا جماعة.
ووجهت حديثها لصابحة: صبوحة إحنا ننزل تحت تحضري لي لقمة على الماشي كده، و نطلع و تكملوا خناق عادي، أصل الأكل اللي كان في المغارة كان طعم قوي.
تأبطت ذراعها تتحرك بها إلى الخارج، وتركته خلفها يشتعل إثر اقترابه منها، فقد كان يمني نفسه بقبلة.
وعد لصابحة: ألا قولي لي يا صبوحة، هو أنتي اللي كنتي عاملة الأكل بتاع المغارة (تقصد الشونة).
صابحة باستفهام: مغارة إيه؟
وعد: الله، هو أنتي ما تعرفيش.
صابحة: ما اعرفش إيه؟
وعد: لاء، ده أنا أحكي لك بقى، بس اتوصي بيا أنتي في الرز المعمر والفراخ.
ريان من خلفهما: أنتي، يا بلوة أنتي، هو ده وقت أكل.
لم تنتبه وعد لما قاله؛ فاهتمامها منصب على الطعام الذي ستجلبه لها صابحة بينما التفتت له صابحة وهي تغمز له بإحدى عينيها: أمال وقت إيه يا ريو يا شقي أنت؟
ريان بأعين جاحظة مرددا: يا ريو، يا شقي، لاه أنا كده بقيت مسخرة.
رفع يده إلى السماء يدعو عليها كما كانت تدعو على زين: منك لله يا وعد يا بنت أم وعد، أشوف فيكي تلت أيام ورا بعض، لاه أسبوع.
عاد إلى داخل الغرفة مرة أخرى صافقاً الباب خلفه متوجهاً إلى الحمام الملحق بالغرفة؛ ليأخذ حماماً بارداً يهدئ به نيران جسده من قربها الذي أرهق رجولته، وأشعل به حرارة جياشة.
وقف ريان تحت رذاذ الماء والبخار يتصاعد منه، يفكر ببلوته ثم انتبه: واه أنا ما شفتش حاجة في الدولاب اللي بره ده، تنفع تتلبس.
فقد تجرد من ملابسه قاذفاً إياها على السرير، ودخل إلى الحمام بسرواله الداخلي القصير، حسناً فهي ليست بالغرفة، وهو يعرف أنها لن تعود قبل أن تنهي على ما نزلت إليه بالأسفل.
هبطت وعد وهي تتأبط ذراع صابحة وهما تتهامسان.
صابحة: ما قولتيش إيه قصة المغارة دي.
وعد: لا يا صبوحة، أنا طالما جعانة مش هركز، بصي مش هو أقرب طريق لقلب الرجل معدته.
أجابت صابحة: معلوم.
وعد: وأقصر طريق بين نقطتين هو الخط المستقيم.
أجابت صابحة: بيقولوا كده، بس ما أخبرش.
وعد: لا هو كده، أنا بقى اكليني تبقي حبيبتي وصاحبتي وكفاءة.
صابحة: بس كده، بس تحكي لي.
وعد: من طأطأ لسلاموا عليكم.
صابحة: يعني هتخلصي أكل وتقعدي معايا؟
وعد: للصبح لو عايزة.
سحبتها صابحة سريعاً تجاه المطبخ وهي تلتقط الأواني المغطاة أعلى الفرن؛ لتشعله.
وعد: انتي بتعملي إيه؟
صابحة: بسخن لك الوكل يا نضري.
وعد: لسه هتسخني هاتي يا شيخة هاتي.
صابحة: الرز المعمر ما يلذش غير وهو سخن.
وعد بخيبة: خلاص استنى، ولا اقول لك ما تشوفيلي جلابية ولا فستان من عندك أخدلي شاور عقبال ما تسخني الأكل.
صابحة ببلاها: هتخدي إيه؟
وعد: قصدي هتسبح.
صابحة: دقيقة، هحط لك البرام في الفرن، وهجيب لك جلابية نضيفة من عند ابتسام بتي، هي أصغر منك بكتير، بس ما شاء الله الله عودها فاير.
وضعت ما بيدها في الفرن ونادت على ابنتها من باب الجنينة الخلفية حيث قن الدجاج والطيور التي كانت ابتسام تطعمهم، فهي تأتي مع والدتها أثناء تواجد كبيرهم بالدوار لتساعدها، كما أن العام الدراسي الجديد لم يبدأ بعد.
صابحة: بت يا ابتسام.
ابتسام: أيوه ياما.
صابحة: روحي يا بت هاتي جلابية من الجلابيتين الجداد اللي عندك.
ابتسام: ليه ياما؟
صابحة: واه ما لكيش صالح عاد، وجهلي شوية يا بت.
ابتسام: حجيب لك الحمرا أصلها دايجة عليا.
صابحة: طب اخلصي، جرى يا بت.
ركضت ابتسام حيث الغرفتين الملحقتين بالدوار في نهاية الحديقة الخلفية، والتي يبيت فيهما الخادمات أثناء تواجد الصقر في الدوار، فهو دائم السفر إلى مصر لحضور جلسات المجلس، ومتابعة أعماله في مصر، ويأتي إلى البلد يومين في الأسبوع لمتابعة أحوال البلدة، وطلبات أفراد دائرته، ومتابعة أعماله في البلد.
ثوان وقد حضرت ابتسام تحمل في يدها الجلابية الحمراء الضيقة.
أخذتها صابحة من يدها واسرعت إلى الداخل تعطيها لوعد.
صابحة: خدي يا ست البنتة، بس عجولك خمس دقايق تكوني أخدتي الابصر إيه ده، عشان تاجي تحكي لي، خمس دقايق وفسوة هكون فوق راسكم فوق.
وعد: حبيبتي يا صبوحة، بس إيه فسوة دي؟
صابحة: ما عرفاش بس هم بيقولوها كده.
وعد: مش عاوزة افاجئك بس دي مش بتتقال.
أخذت وعد الجلابية وصعدت إلى القاعة في الأعلى لتأخذ حماماً وامسكت ما بيدها تقلب به.
بعد أن قام ريان بأخذ حمام وجد منشفة كبيرة مطوية على أحد الأرفف، التقاطها يلف بها خصره بعد ما ارتدى سرواله القصير، وخرج ليبحث عن شيء آخر ليرتديه و إن لم يجد سيرتدي ملابسه مرة أخرى ويذهب بعدها لشراء بعض الملابس له ولها.
وأثناء صعودها كانت انيتا تخرج من الغرفة التي تقيم بها هي وانچيل.
وعد: على فين يا قمر؟
انيتا: بدور على ريو ما لاقياهوش كنت عاوزاه اتحدث وياه.
وعد وهي لا تزال تستغرب حديثها فهيئتها وطريقة نطقها للهجة الصعيدية لا ينسجمان معًا.
وعد: تتحدث وياه، ده أنت تتكلي أكل، أنتي اتعلمتي تتكلمي كده إزاي؟
انيتا: واه جرى إيه يا هديرة أنتي؟ بتتحدث من خشمي.
وعد: هديرة وخشمي، احيه ده بيفرض شخصيته على كل اللي حواليه البت نسخة منه، حتى نفس تكشيمة الوش.
انحنت وعد تجلس القرفصاء أمام انيتا تحادثها: عيب يا حبيبتي، أنا أكبر منك المفروض البنات الصغيرة تبقى رقيقة كده وكيوت.
وضعت انيتا كف يدها على وجه وعد تدفعها إلى الخلف فاختل توازنها ووقعت جالسة.
انيتا: همليني السعادي، جال كيوت جال، وأنا فيجالك.
وعد لنفسها: أنا اتهزأت خالص.
قامت وعد من جلستها تلك ذاهبة إلى القاعة وهي تبرطم: إيه دي، دي طفلة دي، دي كانت هتبلعني، اقسم بالله.
فتحت باب الغرفة وهي ممسكة بالجلابية، وتهز رأسها باستنكار على أفعال الصغيرة، فارتطمت بشيء رطب يقف بجوار الباب عند الدولاب المجاور له، فانتبه لها بعد فتحها للباب وارتطامها به، شهقت وعد بفزع وهي تجده عاري الصدر أمامها، قطرات المياه تتساقط من شعره الأسود الناعم مروراً بشعيرات ذقنه النامية تعرف طريقها على صدره و أكتافه و عضلات ذراعيه في منظر مغري.
الجمتها الصدمة عن الحديث وهي تراه للمرة الثانية على تلك الحالة، فارتدت للخلف تبعد عنه فارتطم ظهرها بالباب خلفها مما أدى إلى غلقه.
وعد: أم الباب والسرير والحسوكة اللي بتحط فيها دي يا جدعان، والله كده ما يصحش.
لم تكمل جملتها حتى انفتح الباب مرة أخرى فأدى ذلك إلى دفعها إليه واقعة بين أحضانه، فالتفت يديه حولها تلقائيًا.
ولم تكن سوى صابحة فلقد نفذت ما قالته وجاءت تستدعيها بعد خمس دقائق وفسوة.
صابحة: هو ده الحمام اللي أنت طالعة تاخديه.
وعد: طبعاً لو حلفت لك إني مظلومة، مش هتصدقيني.
ريان بغضب: تحلفي لها إيه؟ يا مجنونة أنتي! أنتي مراتي.
انتزعتها صابحة من أحضانه وهي تزجره: تموت في قلة الحيا.
وأثناء انتزاعها من أحضانه، فُكَت عقدة البشكير الذي يلفه حول خصره، فجحظت عيناه.
عندما رأته صابحة بتلك الحالة من احمرار الوجه وجحوظ العينين قذفتها إليه ثانية ظناً منها، أنه انزعج بسبب حديثها معه عن قلة حيائه وانتزاعها لها من أحضانه، ارتطمت وعد مرة أخرى بصدره العريض، تضع كفيها على عضلات صدره العاري وفرت الأخرى هاربة مرة أخرى.
هو في موقف لا يحصد عليه إنه الآن أمامها بسرواله الداخلي فقط يضمها إلى صدره ليس تحرشاً ولكن خجلاً من منظره.
هو بهمس خجل: وعد غمضي عينك.
هي بالفعل كانت مغمضة العينين فرطوبة جسده مع رائحة الغسول ورائحة جسده الرجولية قد خدرت حواسها، فهي بالآخر بشر، ولكن بعد جملته انتبهت على حالها تفتح عينيها.
وعد وهي ترفع رأسها وتحاول دفعه بكفيها الرقيقتين، ولكنه متشبثاً بها مخضب الوجه.
ريان: مش هاسيبك غير لما تغمضي عينك.
وعد: ده ليه بقى ان شاء الله؟
اقترب بشفتيه من أذنها يبثها سره الخطير: البشكير وجع ومش لابس حاجة تحتيه.
اغمضت عينيها على الفور وتصلب جسدها بين يديه فكانت في غاية الجمال بإستكانتها تلك تطبق جفنيها بقوة، فطبع قبلة صغيرة على وجنتها وابتعد، وهي لا تعرف ماذا تفعل تخشى ان تفتح عينيها لتنهره يكون لازال عارياً، وتخشى ان تحاول الخروج تصطدم به وهو على حالته تلك، فمن شدة توترها بعد علمها بشأن البشكير، أطبقت عينيها سريعاً قبل أن تحدد إذا كان ظهرها للباب أم وجهها، فخشت التقدم أو التراجع فتصطدم به مجدداً.
انتهى ريان من ارتداء ملابسه بعدما التقط احد الجلاليب الرجالية من الدولاب والسروال الخاص به.
مر بها وهي متصنمة جوار الباب ولا زالت مطبقة جفنيها فشعرت برطوبة شفتيه على خدها الآخر يلثمه وانفاسه الحارة تلامس وجهها.
شهقت وعد بخجل وهي تضع كفها موضع قبلته وهمت لتوبخه، فاستمعت لصوت فتح وغلق الباب خلفها ففتحت عينيها بعد ما خرج، تتنفس الصعداء فقد كانت تحبس أنفاسها بسبب توترها وخجلها وأخيرًا قبلته.
تسارعت وتيرة تنفسها وهي تستشعر رطوبة قبلته تحت أنامل كفها الموضوع على خدها.
وعد: يخرب بيت حلاوة أمك هو فيه كده، والله كده ما نافع أنا أروح اطلب إيده ونخلص.
أخذت ما بيدها ودخلت إلى الحمام لتستحم، ولكنها عادت مسرعة تغلق باب الغرفة بالمفتاح الموضوع به من الداخل، وزيادة في الحرص اخذت الجلباب معها ومنشفة من الدولاب ودخلت الحمام مرة أخرى، واغلقت الباب من الداخل لا تعلم أخوفاً منه أم من نفسها، فلقد بدأت تتأثر به وبأفعاله وبلمساته لها.
أخذت حماماً سريعاً وارتدت ملابسها وخرجت وهي تجفف خصلاتها بالمنشفة، فاستمعت إلى طرق على باب الغرفة فذهبت لتفتح فبالتأكيد هي صابحة، وما إن فتحت الباب حتى تصنم هو هذه المرة، وهو يراها بهذا الجلباب الأحمر الضيق الذي يرسم تفاصيل جسدها ببراعة، وشعرها المبلل الملتصق بجانب وجهها وعلى عنقها الأبيض المرمري.
افسحت المجال له ليتقدم فعلى كل حال لقد انتهت وستهبط للأسفل لتستمتع بوجبتها الشهية التي وعدتها بها منبع الندالة صابحة، ولكن ليس ما يشغلها هو وضعهما الآن، ولكن ماذا سيحدث ليلاً.
تقدم للداخل يفحصها بأعين خبيرة لا يترك تفصيلة بها إلا وطبعها في مخيلته.
عندما تقدم هو إلى الداخل تحركت هي ناحية الباب لتهبط إلى الطابق السفلى.
فوجدته يهدر بها: وقف عندك.
وعد: يادي النيلة، إيه دور الغفير اللي ما تقمصه ده؟
ريان: رايحة فين يا هديرة أنتي؟ بمنظرك ده.
وعد: امم هديرة، أنا قلت هو بغباوته.
التفتت له بعد ما كانت تواليه ظهرها.
وعد: مالك كل شوية وقف عندك وعامل لي فيها العسكري الأخضر.
ريان وهو يقطع المسافة بينهما في خطوة واحدة يمسكها من ذراعها يهزها بقوة آلمتها.
ريان بغضب: أنتي إزاي بتتكلميني كده؟ أنتي نسيتي نفسك إياك.
وهَمَّ يستكمل إهانته لها ولكن استوقفته أناتها إثر تألمها من قبضته القوية وتجمعت العبرات في مقلتيها، فعنف نفسه على إلامها وعلى ما قاله وعلى ما لم يقل، ولكنها أثارت غيرته برغبتها في الهبوط بهذا الزي المغوي ويراها ماجد والصقر وايضًا هذا العوض، والأدهى أنها تتطاول عليه في الحديث وجرأت عليه تلك الصابحة، وهو شخصية قوية ذو كبرياء وعزة، ولا يقبل أن تقلل من شأنه إمرأة، حتى لو كان عاشقًا لها، هو حقًا لا يعلم مسمى لما يشعره الآن، أوليس حبه للتواجد معها ومشاكستها ورغبته بها وغيرته عليها وتمنيه لإبقائها بجواره أكبر وقت ممكن عشقًا؟ فإن لم يكن كل هذا عشقًا فماذا سيكون إذًا؟
جذبها إلى صدره ويده خلف رأسها يحتضنها بحنو ليس رغبة ولكن أسفاً وندمًا على جرحه لها وتقليله لشأنها فهو لا يعلم عنها شيئاً ولكن قلبه يطالب بها إلى جواره، فلا بد من جلسة حديث مطولة بينهما.
وعندما قام هو بجذبها إليه حتى...
رواية وعد ريان الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماء حميده
عند محمد وسارة.
هناء: بت يا سارة، أنتي نمتي؟ إخص عليكي، الله يكسفك، قومي ياختي اغسلي وشك، عشان المصيبة اللي إحنا مقدمين عليها.
بعد أن قامت سارة لتغسل وجهها، عادت إليهم مرة أخرى. وجدت عينيه مصوبة لمكان ذهابها، يشملها بنظراته، يتابعها في كل خطوة. وهو بالفعل كان يتأملها كما لم يرها من قبل، يلوم نفسه وينهرها.
كيف كانت سعادته أمام عينيه وهو يبحث بعيداً، ولكنه لم يكن يرى سوى وعد، وعد وإلا فلا.
لم يشغل باله بتصرفات سارة من قبل، لم يلحظ عشقه الذي ينمو بداخل قلبها. وهو بكل حماقة أتى بوعد إلى هنا ليدعمها ويكون سنداً لها. هو ليس نادماً على ما فعله مع وعد، على العكس تماماً، ولكن ما يندم عليه جرحه لصغيرته؛ وهي تراه يطيب جراح أخرى، يدعمها في محنتها.
وضع نفسه مكانها، ماذا لو كان هو العاشق، وكانت هي الخالية؟ حتماً كان سيجن. وتساءل ماذا كان سيفعل حينها، مقارنة بما يحدث حوله من أشياء وأفعال لا يستسيغها من حوادث قتل الشباب للفتيات. وداخله كان ينتقدهم ويثيرون اشمئزازه. ما الداعي الذي يجعل شاباً يقتل فتاة بهذه الوحشية؟ ودافعهم الأول الحب، من يحب لا يستطيع جرح محبوبه بالكلمة، لا طعنة بالسكين، بل طعنات. هذا أبعد ما يكون عن الحب. ربما حب امتلاك درب من دروب الجنون. من يحب يتمنى السعادة لمحبوبه حتى لو كانت بعيداً عنه. لذلك هي كانت تحبه في صمت، تحبه ولم يعطيها أملاً في هذا الحب. صغيرته تحبه وتتعذب في عشقه، ويتألم قلبها لوعةً وقهراً. هذا هو أحلى ما في الحب عذابه.
تقدمت منهم وجلست على كرسي مجاور للكنبة في الصالة.
محمد: قاعدة بعيد كده ليه؟!
سارة وهي تتطلع إلى أمشاط أقدامها ووجهها تكسوه حمرة الخجل: عشان ما أسندش عليك وعيني تغفل.
محمد وهو ينظر داخل جرتي العسل خاصتها، فلون عينيها تحت الضوء يشبه العسل الصافي: بس أنا عايزك هنا جنبي.
لم تنتبه هناء لما قاله، لإنها حتى لو تعلم علم اليقين أن سارة تحب أخاها محمد، فإن محمد لم ولن يعاملها سوى كأخته الصغرى. وأتم محمد جملته بعد أن تحمحم: يعني عشان تشوفي كويس.
سارة: لا ما تقلقش يا بوب أنا شايفة كويس.
بدأ محمد يشرح لهما الدرس الأول بالمذكرة، والأخت هناء تتطلع إلى المذكرة باهتمام، ولا تعلم شيئاً عن النظرات الحارقة، بعضها المشتاق، وبعضها نادمة وآسفة عن ما تسبب به صاحبها من جرحٍ وألم.
السيدة تحية والدة محمد تجلس مع السيدة فتحية والدة سارة في شقة فتحية.
تقدمت فتحية وهي تحمل صينية بها طبقان من البقلاوة.
السيدة تحية: تسلم إيدك يا فتحية، البقلاوة ريحتها مفحفحة وشكلها يفتح النفس.
السيدة فتحية: طب دوقيها الأول، أنتي طول عمرك لسانك بينقط شهد، أنا عمري ما اعتبرتك مراة أخويا الله يرحمه، طول عمري بعتبرك أختي وصاحبتي.
السيدة تحية: وأنا كمان والله يا فتحية، والشهادة لله عمرك ما كنتي معايا ولا مع ولادي عمته الحربية، لا وأخوكي عايش، ولا حتى بعد ما الله يرحمه ربنا اختاره.
السيدة فتحية: الله يحفظك، ده أنتي أختي، ومحمد وهناء ولادي زي سارة بالظبط؛ عشان كده قلت أقول لك أول واحدة وأفرحك.
السيدة فتحية: قولي يا قمر وفرحيني، ألا الواحد بقى له ياما ما فرحش.
السيدة فتحية: سارة، علاء إبن عمها طالب إيدها من أبوها.
السيدة تحية وهي لا تعلم عن ما تكننه سارة لابنها شيئاً فهما طوال الوقت يتناقرون: علاء ده أنهو واحد فيهم.
السيدة فتحية: علاء إبن عمها الكبير، الإتنين التانيين لسه بيدرسوا.
السيدة تحية: آه عرفته، مش ده الدكتور اللي متخرج السنة اللي فاتت. يا أختي ما شاء الله ده طول بعرض.
السيدة فتحية: شفتي ياختي، وبتي الموكوسة، قال تقول لأبوها لسه شوية، أنا لسه صغيرة، ومش عاوزة حاجة تشغلني عند دراستي، قال يعني قايمين نجوزهم دلوقتي.
السيدة تحية: ده إيه الخيابة دي! هو ده عريس يترفض، بتك بتستهبل.
السيدة فتحية تشعر بحب ابنتها لإبن خالها، ولكن تعلم تمام العلم أنها ليست في باله. وقررت أن تنهي هذه المهزلة، بأن تجعل محمد بنفسه يقنعها بالزواج من ابن عمها، لربما تفهم صغيرتها أنه لن يشعر بها، فلو كان يُكِن لها شيئاً لن يقوم بإقناعها بالزواج من غيره.
السيدة فتحية: عشان كده قاصدكي ياختي تكلميها، هي بتحبك وبتسمع كلامك، وخلي محمد كمان بالله عليكي يكلمها؛ هي بتعتبره أخوها الكبير، وكمان محمد ما شاء الله عليه كلامه مترتب وهيعرف يقنعها.
تحية: معلوم هكلمها، ده عريس لقطة، وإبن عمها يعني هيحافظ عليها، ما تشغليش بالك إنتي، محمد هيعرف يقنعها.
وجلست السيدتان تتجاذبان أطراف الحديث عن ما مضى ويتذكران مواقف سابقة عايشوها في حياتهما وبعضاً من شئون الأبناء وغيرها من أحاديث السمر.
عند ريان ووعد.
عندما رأى ريان تجمع العبرات وتدافعها إلى مقلتيها الفيروزيتين، أحس برغبة شديدة في ضمها إليه، فلقد لام نفسه على ما تفوهت به شفتاه، ولكن غيرته عليها قادته إلى حافة الجنون، فأصبح ريان موشيه رجل الأعمال الأمريكي الشهير، رجلاً آخر. ويبقى الدم الذي يسري في عروقه دماً شرقياً بأصول مصرية صعيدية، وغيرة الرجل الصعيدي ناراً تنهش في أحشائه.
جذبها ريان إليه واضعاً يده خلف رأسها يضمها إلى صدره مطبقاً عليها بين ضلوعه، وما إن جذبها إليه حتى رفعت ذراعيها تطوق خصره وهي تنتحب بشدة، ليس فقط بسبب إهانته ونهره لها، وإن كان هو السبب الأقوى، ولكن تدافعت إلى رأسها ذكريات ما عانته الفترة الماضية والذي كان فوق طاقتها، وبعيداً كل البعد عن ما عاشته في كنف والدها سابقاً. فدائماً الشخص الذي يمرق كل مواقفه بابتسامة، ويحيل ما حوله إلى فكاهة، ويبعث البهجة في نفوس من حوله، يقبض على حزنه بداخله كجمر النار، حتى تأتيه الفرصة لإخراجه دفعةً واحدة، وها قد جاءتها الفرصة.
عندما أحس ريان بانهيارها بين ذراعيه شدد من احتضانه لها، ويده الأخرى تهدهد أعلى ظهرها.
مردداً بأسف: آني آسف، ما كانش جصدي أزعلك صدجيني، آني عمري ما تأسفت لحد.
لم تجيبه ولكن دفنت رأسها في حنايا عنقه تشعر بالأمان، أنفاسها الساخنة تداعب رقبته، مما أرسل بداخله قشعريرة لذيذة جعلته ينفصل عن ما حوله. ويده المداعبة الداعمة، أصبحت تشق طريقها صعوداً وهبوطاً على طول عمودها الفقري، وهو يقربها إليه شيئاً فشيئاً، وتحول احتضانه لها من مجرد دعم واعتذار إلى حضن رجل لامرأة، يندفع عشقها إلى قلبه كإعصار يضرب دون هوادة، خاصةً بعدما رفعت ذراعيها تلفانها حوله، فهي ليست نافرة!
يريدها بين يديه بأية طريقة، فإن لم تمانع سيقتنصها، فقط تعطيه الضوء الأخضر.
ما أن أحست وعد بخطورة ما يحدث وتمادي كفيه في تلمس ظهرها، وتعالي دقات قلبه، وانخفاض وتيرة أنفاسه، رفعت رأسها إليه بعد ما أفضت ما بداخلها بين ذراعيه، تفك حصارهما لها، قائلة: إيه يا عم أنت استحليتها ولا إيه؟ تموت في الاستغلال.
وبرغم حالتها فقد كانت كل خلية بها منتشيةً لتأثيرها عليه، ولكنها ليست سهلة المنال لتجعله يتمادى إلى هذا الحد، فأخذت تلوم حالها، ماذا سيظن بها الآن.
قطعت عليه نعيمه عندما رفعت رأسها عنه وهي تفك تشابك ذراعيه من حولها، زمجر بخشونة بسبب ابتعادها عنه، وبعد جملتها أفاقته من لذة ما كان يستشعره وهي في أحضانه تواً.
ريان: فصلان، إنتي فصلان، ما كنا حلوين مش المفروض بعد الحضن ده بيبقى بوسة باين.
اتسعت حدقتاها من وقاحته وهي تبتعد عنه كمن لدغها عقرباً: أنت قليل الأدب، على رأي صابحة تموت في جلة الحيا.
ريان وهو ينظر إليها ببراءة: هو ده مفهومك عن جلة الحيا، آني نفسي أديكي نبذة مختصرة عن الموضوع.
وعد: اتلم.
ريان بإستسلام: إتلمينا حاضر، بس أنتي كمان لمي لسانك إشوي، وبلاش كل إشوي، ريو، ريو، جدامهم.
مدت وعد يدها إليه تصافحه كعلامة اتفاق: إتفقنا.
ليفعل المثل وهو يجذبها إليه مشاكساً: بس آني رجعت في كلامي، ما هتلمش آني ما فيش أحلى من جلة الحيا.
وأثناء مشاكسته لها انفتح باب الغرفة مرةً أخرى.
صابحة: اتأخرتي ليه يا ست....
وما إن رأته مقترباً منها، حتى دخلت وكأنها تلج إلى غرفتها تقبض على معصمها، وتسحبها خلفها.
صابحة: يلا بينا الوكل جهز.
ريان: ووقفي عندك، وخدها ورايحة على فين انتي؟
صابحة: هخطفها إياك، الوكل جهز وچيت أقطع عليكم، قصدي چيت أخدها؛ عشان تاكل لها لقمة.
ريان: لاه، هي ما هتنزلش روحي انتي وچيبي الوكل إهنه.
صابحة بإعتراض: بس.
ريان بنبرة صوت قاطعة: جُلت روحي.
خرجت صابحة تصفق الباب خلفها.
ريان لوعد: آني مش جلت ما فيش خروج من الجاعة إبلبسك ده.
وعد: أمال هتحبس يعني، وبعدين ما الجلابية طويلة أهيه.
ريان: مات الحديت، جُلت مش هتخرجي إكده، يعني مش هتخرجي إكده، دلوك في واحدة هتاجي لكم إنتي وانجيل، ومعها خلجات چديدة نجوا منها، لمن نزلت من إشوي، صقر جال لي إنه بعت لواحدة دلالة تاچي تشوف طلبات انجيل وجلت له يعمل حسابك انتي التانية وآني عحاسب.
وعد: وده إسمه إيه ده، بقى ان شاء الله.
ريان: اللي جلته يتنفذ، وتنجي كم حاچة واسعين ينفعوا تجعدي بيهم تحت، واستكمل غامزاً لها بوقاحة: أما في الجاعة إهنه انتي وشوجك عاد.
تركها وغادر إلى أسفل مرةً أخرى فقربها يثيره، وحتى يترك لها المجال لتناول طعامها، فقد صعد إليها ليخبرها عن تلك الدلالة التي ستأتي إليها هي الأخرى؛ فلتطلب منها ما تريد.
وأثناء هبوطه للدرج وجد انيتا في الممر بين الغرف، وعندها تقدمت إليه بخطوات غاضبة.
انيتا: أنت إهنه يا ريو؟ و آني أدور عليك.
ريان: جلب ريو انتي، بس عجولك خلي ريو دي بناتنا، إنما جدامهم آني خاله ريان، اتفجنا.
انيتا: خلصنا عاد، إفهمت هو آني بهيمة، خلينا في المصيبة اللي غفلت علينا دي.
ريان: واه مصيبة إيه دي؟! انطجي أمك چرى لها حاچة.؟
انيتا: إيوه فيه إن أمي اتچننت ما كفهاش اللي حصل لها زمان من اللي المفروض أبوي، ده آني لما كنت أسألها عنيه كانت بكاها عيجاوب جبل حديتها، دلوك إحلوا الرچالة وعاوزة تودر حالها إمعهم تاني.
جلس ريان القرفصاء أمامها وهو يحادثها كمن يحادث شخصاً كبيراً بالغاً: يا آني مش كل الرچالة كيف أبوكي، وبالذات إهنه عندينا الوضع يختلف، مش معنى إكده ان إهنه ملايكة وهناك شياطين، كل مكان فيه الزين وفيه العفش، بس اللي أجدر أجولهولك ان صقر غير، يعني اللي انتي خايفة على أمك منيه مش هيحصل مع صقر.
انيتا: كيف مالي يدك منيه إكده! مع إن اللي يشوفكم يجول عليكم كاتلين (قاتلين) من بعض.
قهقه ريان ملء فاه: هو إحنا فعلاً كاتلين من بعض، بس ده ما هيمنعش ان الصقر راچل وهيصون أمك، ويلا عاودي جاعتك انتي وأمك ارتاحوا شوي.
هابط ريان إلى الأسفل خارجاً إلى الحديقة يهاتف والده، ويعرض عليه طلب الصقر الزواج من إنجيل.
عندما رن هاتف موسى برقم ابنه ريان، أجاب على الفور بعد ما تداولته مواقع التواصل الإجتماعي عن شائعة اختطاف ريان موشيه رجل الأعمال الشهير عند زيارته إلى مصر.
موسى: ألو ريان، كيفك يا ولدي؟
ريان: انا بخير يا أبوي، مالك جلجان إكده ليه؟
موسى: من اللي سمعته، إيه اللي حصل؟ و وينك أنت؟! وليه أدليت مصر أنت التاني؟! يعني آني هجرتها عشان اللي باقي من عمري ما أخسروش، وما أخسرش ولادي، وفي الآخر أنتم التنين تروحوا مني واحد وراء التاني.
ريان: إهدأ بس يا أبوي، ما فيش حاچة من دي واصل، آني بخير وكلنا تمام.
موسى: كلنا مين؟
ريان متلعثماً: أصل ماجد كان جلجان زيك إكده واول ماسمع عن موضوع الخط.ف ده غير تذكرته هو و إنجيل على مصر و مارضيش يجولك لتجلج، و أهه اديك جلجان.
موسى: أمال إيه اللي منشور على النت ده؟ وإيه اللي نزلك مصر يا ولدي؟
ريان: لاه ده موضوع يطول شرحه، خلينا في المهم عاد.
موسى: هو فيه أهم منيك أنت وماجد؟! بزيداني اللي راح.
ريان: Don't worry، آني زين.
ريان مستكملاً: عجولك مش إنجيل چالها عريس من مصر، وهي وافقت عليه.
موسى: واشمعنا ده اللي وافقت عليه؟! ما آني ياما چبت لها عرسان!
ريان: ربك لما يريد يا أبوي عاد، المهم العريس مستعجل وبده يكتب عليها، وبعد أما تاچي مصر يبجوا يدخلوا.
موسى: وأنت تعرفه ده؟
ريان: وأنت كمان تعرفه.
موسى: مين ده؟! يكونش ماجد طب ما جالش عليها إهنه ليه؟
ريان: لاه يا أبوي مش ماجد، بس هو كمان هيتچوز.
موسى: واه چاله عريس هو التاني.
ريان: كيف ده يا أبوي! أگول لك أنت تاخد أول طيارة على مصر، ولا أگول لك خد راحتك أنت وإحنا هنخلص الموضوع ده، إنجيل وعريسها زين على ضمانتي، وماجد هو التاني هيكتب، عجبال ما حضرتك تنزل ونرتبوا لليلة الكبيرة.
موسى: طب ما أنتم مجهزين كل حاچة أهه عاد! أمال عاوزني نعملوا بيا إيه؟ ما آني خلاص ما عدليش عازة.
ريان: كيف ده بس يا أبوي؟! ربنا يديمك فوق راسنا، بس النصيب حكم بإكده، والمصلحة عاد.
موسى: أنت عارف آني بثق فيك كد إيه، بس في دي آني ما أفهمش حاچة، إيه علاقة چواز إنجيل وماجد بالمصلحة؟ ومصلحة إيه دي من الأساس؟
ريان: أنت لساتك بتجول بتثق فيا، فآني أتصرف لحد أما تاچي، واحكيل لك كل حاچة على رواقة، وبعدين إيه اللي جلجك؛ إنجيل اللي كنت جلجان عليها عشان رافضة الچواز أهه اتحلت مشكلتها و انفك نحسها وربنا رزجها بعريس زين هيصونها، وماجد هو التاني عجدته انفكت، وعاوز يتچوز نجولوا إيه عاد؟
موسى: خلاص يا ولدي اللي تشوفه، بس آني ما خابرش هعرف أنزل ميتى، آني كنت هحجز دلوك طيارة خاصة لمن عرفت قصة خطفك دي من هبابة، لكن طالما أنت وماجد تمام ونزولي مش أمر لزم، هظبط الدنيا إهنه وأچي لكم كمان سبوع.
ريان: بدري إكده؟
موسى: بتجول إيه؟
ريان: أقصد يعني تاچي بالسلامة.
أغلق ريان الهاتف مع والده تزامناً مع خروج الصقر وماجد إلى الحديقة، بعدما تم الاتفاق على كل شيء بداية من كتب الكتاب حتى تكلفة الزواج التي تعهد بها صقر.
ريان لصقر: اتفقتوا؟
صقر: ايوه كل شيء تمام.
ريان متلاعباً بصقر: بس أبوي جال ما فيش حاچة هتم، إلا لمن ياچي وهيجرر إذا كان هيوافق على چوازك من إنجيل ولا لاه.
استحالت ملامح صقر من البهجة إلى العبوس، على نقيض ماجد التي انبلجت أساريره، فاحبط ريان البسمة التي تشق طريقها إلى وجه ماجد: أما بالنسبة لماجد فموضوعه ما فيهوش مشكلة، ده راجل ويعمل مبادلة.
امتقع وجه ماجد والصقر لما قاله ريان.
اقترب ريان من صقر مربتاً على كتفه: واه ده الصقر عشجان.
لم يجبه الصقر ولكن اتشحت ملامحه بالخجل، فاستكمل ريان: عامة ما تقلقش آني أقنعته وكل حاچة هتم في معادها.
انشرح صدر صقر ولاحت الفرحة على وجهه مرة أخرى قائلاً بلهفة فشل في مداراتها: صوح اللي بتجوله ده يا واد عمي ولا لساتك هتهزر.
ريان: لاه، طمن جلبك، الليلة هتكون أحلام على اسمك.
صقر بدهشة: مين أحلام دي؟
ريان: ده اسم إنجيل في ورجها الچديد اللي معاها.
أومأ الصقر رأسه بتفهم.
عند مصطفى وهمس.
أخذها مصطفى باتجاه كورنيش البحر يجلسون على إحدى الصخور على الشاطئ، وبيديهما كوبين الحلبسة وهمس تناظره بريبة.
مصطفى: يا بنتي مستغربة كده ليه؟ دوقي بس أنتي والدنيا هتبقى تمام.
همس: مش عارفة، بس مش مقبلة عليها.
أسند مصطفى كوبه إلى جانبه وتناول الكوب من يدها ممسكاً الملعقة البلاستيكية يغمسها في الكوب ويقرب الحبوب التي التقطتها الملعقة إلى فمها.
فتحت همس فمها مستقبلة تطالعه بهيام فهو يعاملها كطفلته المدللة، وما إن تناولتها حتى بصقت ما في فمها وهي تسعل بشدة، يبدو أن البائع قد استوصى بالشطة! فلم تحتملها همس وأخذت عينيها تدمع من حرارة الفلفل الحار، ولم تستطع أخذ أنفاسها فجذبها مصطفى إليه (وهو بيتلكك أصلاً) يربت على ظهرها حتى تستطيع التنفس. وإذا بأحد من خلفهما: الله، الله، ده أنت بجح بجاحة، كده عيني عينك في الشارع! طب شوف لك دروة، ده أنتم وقعتكم سودا. ورفع صاحب الصوت صوته بصياح: تعالى يا أمين عطية اسحبهم لي على البوكس.
تطلع مصطفى خلفه إلى مصدر الصوت وإذا به أحد ضباط الدورية.
مصطفى بمهادنة فهو لا يريد أن توضع محبوبته في البوكس مع فتيات الليل سيئي السمعة: يا باشا دي خطيبتي مش زي ما حضرتك فاهم.
اقترب الأمين عطية منهم يمسك همس من ذراعها، فهجم هو على الأمين ينتزعها من يده موارياً إياها خلفه.
مصطفى: إيدك الحلوة دي لو اتمدت عليها هقطعهالك، كلمني أنا.
الضابط بتعنيف: أنت بتقول إيه يا روح أمك.
مصطفى: ما حدش يمد إيده عليها، أبوس إيدك يا باشا خدني أنا تحت أمرك، وسيبها هي تروح دي بنت ناس.
نظر مصطفى إليها وجدها ترتجف وتحول وجهها الذي تزينه الحمرة إلى اللون الأصفر.
الضابط هازئاً: وهي بنت الناس، تتحضن ويتقفش فيها كده على عينك يا تاجر؟
مصطفى: عيب يا باشا اللي أنت بتقوله ده؟
الضابط: أنت هتعرفني العيب يا روح أمك، طالما عامل لي فيها دكر اركب أنت وهي بكرامتكم بدل ما اخلي أمين الشرطة يسحلكم إنتوا الاتنين.
أمسك مصطفى يدها يطمئنها: تعالي يا همس ما تخافيش أنا مش هسيبك.
سار بها تجاه عربة البوكس وخلفهما أمين الشرطة.
أمين الشرطة: كان لازم تبمبك قدام الباشا كنتم جيتم معايا وأنا كنت سربتكم وأنت يعني كلك نظر.
همس مصطفى لأمين الشرطة: طب والحل في القصة دي إيه يا كبير؟ أنا مش عامل عليا، أنا عامل عليها هي دي أهلها صعايدة وممكن يخلصوا عليها.
الأمين: ما لهاش حل غير إنك تشوف لك محامي، وهو يشوف لك صرفة، وبرده كلك نظر.
أخرج مصطفى من جيبه ورقة فئة المائة جنيهات، يعطيها للأمين خلسة.
مصطفى: طب غطيني لغاية أما أشوف حد يجي ينجدنا.
الأمين: انجز نفسك أنت.
أخرج مصطفى هاتفه يحادث محامي قد تعرف عليه منذ مدة ويسكن خارج منطقتهم؛ حتى لا يضع نفسه ويضعها في موقفاً محرجاً، يكفيهم ما هما فيه.
مصطفى: أيوه يا متر، أنا في مصيبة وراكب الأتوبيس ورايح على القسم.
المحامي: اهدا وفهمني اللي حصل، وشوف لي البوكس رايح على فين؟
مصطفى وهو يوجه حديثه إلى أمين الشرطة: إحنا طالعين على قسم إيه يا كبير.
الأمين: قسم...........
مصطفى للمحامي: قسم................ على السخان وحياة أبوك.
المحامي: طب الحكاية على إيه! عشان أعامل حسابي.
مصطفى: اتمسكت أنا وخطيبتي على البحر.
المحامي: القعدة كانت في السليم ولا إيه الكلام؟
مصطفى: والله هي القعدة في السليم، بس أنا قفشت مع الظابط فكدرني.
المحامي: طيب اسأل الأمين اللي معك مين اللي طالع بالبوكس رأفت باشا ولا أدهم باشا؟
مصطفى للأمين: مين الباشا اللي حاطط علينا ده يا حالصول.
الأمين: أدهم باشا.
بعد ما أجاب مصطفى محاميه عن اسم الضابط.
المحامي: ربنا يستر، ده كشري وما بيعتقش.
مصطفى: مش قصتي، الحكاية دي تتحل قبل ما اللي معايا تنزل التخشيبة ولو فيها إعدام اتصرف.
المحامي: طب أقفل على ما أشوف إيه الكلام و هحصل لك دوغري.
أغلق مصطفى الهاتف مع المحامي ووجدها ترتجف بشدة: بس ما تخافيش، هتعدي إن شاء الله.
همس: أنا خايفة قوي، يا ريتني ما سمعت كلامك.
مصطفى: إيه ده! بيعة وش كده، ما لكيش أمان انتي خالص.
همس: وده وقت هزار؟
ركب مصطفى وهمس سيارة الدورية التي اتجهت بمن فيها إلى قسم الشرطة، وما إن توقف البوكس وهبط من فيه، حتى وجد مصطفى المحامي قد سبقهم إلى القسم ينتظرهما أمامه.
مصطفى للمحامي: إيه يا متر، القصة دي هتخلص على إيه؟
المحامي: لما نشوف أدهم باشا ناوي يعمل المحضر إيه؟
دخل كل من كان معهم يصطفون أمام مكتب المأمور حتى جاء دور دخولهما إليه.
كان يجلس مأمور القسم ومعه الضابط أدهم.
المأمور لأدهم: و دول إيه حكايتهم يا أدهم باشا؟
أدهم: دول قفشناهم على البحر مقضينها أحضان وحاجة مليطة.
مصطفى: يا باشا أنت فاهم غلط أنا كنت حاطط إيدي على كتفها بس.
أدهم وهو يهب واقفاً: أنت بتكدبني يا لا، صدق وآمن بالله لابيتك أنت وهي على البرش، وأخلي المساجين رجالة ونسوان يحفلوا عليكم.
المأمور لمصطفى بعد ما رأى الحالة التي عليها همس، فيبدو أنها ليست من الفتيات التي تمتلئ بها زنزانة القسم في الأسفل: أنت معك محامي يلا.
مصطفى محدثاً المأمور بإحترام: أيوه يا باشا واقف برة.
المأمور: أمين عطية، دخل المحامي اللي واقف برة وأنت يا أدهم باشا شوف وراك إيه؟ مش سلمت العدد اللي معك إتفضل أنت.
أدى الضابط أدهم التحية للمأمور وتوجه خارج المكتب وهو يناظر مصطفى بتعالى، تزامناً مع دخول المحامي إلى المكتب.
المحامي للمأمور: أهلاً يا باشا، أنا المحامي اللي حاضر مع المتهم.
المأمور: قصدك اللي حاضر مع المتهمين، دلوقتي الموكل بتاعك مقفوش مع اللي معاه دي بفعل فاضح في الطريق العام، فبدل البهدلة والبت شكلها مش وش برش خلصها مع موكلك.
المحامي: يا باشا خلصانة بإذن الله أنا هاروح أجيب أقرب مأذون ويكتب عليها هنا قدام سعادتك.
همس الصامتة إلى هنا وتحدثت: أنتم بتقولوا إيه؟
المأمور: إيه يا آنسة! مش آنسة بردو؟ أنتوا لو ما خلصتوش الموضوع ده دلوقتي واتكتب محضر هتشرفينا سيادتك في الزنزانة ومنها على النيابة.
مصطفى وقد جاءت له على المرام: لا يا باشا ولا محضر ولا حاجة، إحنا معك في اللي قلت عليه من إيدك دي لإيدك دي.
مصطفى للمحامي: انجز يا متر ربنا يجعل لك في كل خطوة قضية.
خرج المحامي ليحضر المأذون بينما اخرجهما أمين الشرطة متحفظاً عليهما أمام مكتب المأمور.
مصطفى والفرحة لا تسعه، أحلامه تتحقق دون تدخل منه وما كُرِه عليه أصبح باب حظه: ما لك بس يا همس قلبي ما الدنيا حلوة اهه؟
همس والدموع ترسم خيوطها على وجنتيها: المصيبة اللي إحنا فيها وتقول لي الدنيا حلوة، طب هنقول لماما نجوى إيه وعمو زكري وهقول لوعد إيه؟ اتجوزت في القسم زي بتوع الآداب؟
مصطفى: آداب إيه وتجارة إيه! بصي لنص الكوباية المليان.
همس: أنا مش شايفة كوباية أساساً، نص إيه اللي بتتكلم عنه؟
مصطفى: يا ستي نخلص من المشكلة دي الأول، وبعدين نبقى نشوف هنقول لهم إيه.
لم يمر سوى نصف ساعة وكان المأذون يردد جملته الشهيرة في مكتب المأمور (بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير).
كان الضابط أدهم يستشاط غضباً فهو كان يريد حبس مصطفى بعد تجرئه عليه، ومصطفى من فرحته هجم على الضابط أدهم يقبله من وجنته: ينصر دينك يا شيخ، صحيح الشرطة في خدمة الشعب، والشعب بيدعي لك يا باشا.
حضرت الدلالة إلى منزل كبير البلدة وهي تحضر معها بؤجة كبيرة مليئة بعباءات الاستقبال وملابس بيتية وبعضاً من اللانجري أو كما يسمونها قمصان النوم.
انتقت إنجيل مجموعة من العباءات والانجري الأكثر إثارة وأقل سترًا.
ووعد تنظر لها ولما انتقته باستحياء.
وعد: جرى إيه ياختي هو كله كده؟
أنچيل: إكده كيف يعني؟
وعد: كله كده يا عريان، يا مكشوف مش تعملي حساب العكننة والنكد ولا انتي فاكرة الجواز كله عسل.
أنچيل: تفي من خشمك، أنتي بتأولي علي؟
وعد وهي توجه حديثها للدلالة: بقول لك ناوليني الحتة السودا اللي جنبك دي يا عسل.
المرأة: عاوزاها لمين دي يا حلوة؟ دي عاوزة مرة كبيرة، إنما انتي عاد زينة الصبايا. أعطتها المرأة ما تريد.
وانتقت وعد مع تلك العباءة عباءة أخرى باللون الفضي، وانقضى الوقت بين اختيارهما للملابس وتجهيز حالهما، بعد ما أرسل لهما الصقر فتاتين ممن يعملون لدى محل كوافير شهير، قد أرسل إليهما سيارة بسائقها ليجلبانهما من المركز إلى دواره، وكذلك قد حضر الجواهرجي ومعه بعضاً من القطع الذهبية، اختار منها صقر شبكة لها وشبكة لإبنة عمه أيضاً.
تدافعت السيدات والفتيات إلى دوار الصقر يهنئون كبيرهم بعقد قرانه الذي إذاعه رجاله والنساء ممن يعملون لديه، وتدافعت الصواني المحملة بالطعام مجاملة للصقر يحملناها على رؤوسهن قادمات تسبقهن أصوات زغريدهن وبعضاً من أغاني الفلكلور.
أرسل صقر سيارة إلى منزل عمه يحضر العروس سوسن وزوجة عمه إلى الدوار.
وما إن اجتمع الكل، قام ريان بوضع يده في يد الصقر ليعقد المأذون للثاني، بتوكيل العروس للأول ولياً لها.
وقام الصقر بوضع يده في يد ماجد وعقد المأذون للثاني بتوكيل العروس للأول وليًا لها.
صعد ريان وأحد الشهود بعدما أرسل صابحة للفتيات تخبرهن بتغطية رؤوسهن ووجوههن للحصول على موافقة العروستين بتوقيعهما على العقد.
فتناولت إنجيل الدفتر توقع بفرحة عارمة، بينما تناولت سوسن الدفتر بأيدي مرتعشة تخط اسمها كمن تنقشه على شهادة وفاتها.
بعد أن تم العقد أطلقت صابحة زغرودة ترج بها أركان الدوار مما جعل السيدات في الأسفل يحتذون حذوها، وتعالت الزغاريد تملأ المكان.
صابحة: يلا يا عرايس عشان نتدلوا تحت النسوان عاوزين يباركوا لكم.
هبطت العروستان إلى الأسفل ومن خلفهما وعد، وكلهن مغطاة الوجه.
أعلنت صابحة عن دخول العريسين وغطت كل امرأة من الحضور رأسها واعتدلن في جلستهن.
دخل العريسان إلى حيث تجلس العرائس وكل منهما يحمل بيده علبة من القطيفة حمراء اللون، وما إن وقعت أعين الصقر على إنجيل بعد أن رفع عنها غطاء وجهها حتى تسمرت عيناه عليها فقد بدت كأميرة بل ملكة متوجة.
تقدم منها يفتح العلبة التي بيده فوجدت بداخلها طاقماً ذهبياً ومعه ستة أساور وبعض من القطع الذهبية الأخرى ناهيك عن كردان من الذهب ذو صفين.
شهقت إنجيل بفرحة وهي ترتمي في أحضانه تقبله على وجنته بتمهل، حطم ما به من ثبات.
وما كان منه إلا........
رواية وعد ريان الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماء حميده
كانت أنجيل في قمة سعادتها بزواجها من الصقر، ولكنها تشعر أن هناك أمرًا مريبًا في استعجاله الزواج منها. فقد سمعت بعض الكلمات أثناء تواجدهم في المندرة بمنزل آل نصار بشأن اتفاق دائر بينهم. ولكن تعلم أن ريان لن يوافق على زواجه منها إلا وكان الأمر به خيرًا لها، فهو حقًا أخ لم تنجبه أمها.
كما أنها استمعت لحديثه مع ابنتها القلقة بشأن زواجها من الصقر. وهي حقًا تعذرها إذا كان أبو أنيتا، والذي كان من نفس جنسيتها وبيئتها التي تربت فيها من بلد التحضر والتقدم، كان يعاملها بتلك الطريقة. فماذا عن رجل لا تعرفه ولا يعرفها، ولا يعرفان طباع وعادات وتقاليد بعضهما البعض. فحتمًا سيحدث تخبط واختلاف في وجهات النظر والتصرفات، سيودي هذا قطعًا إلى كارثة حتمية.
ولكنها تثق بريان عندما قال لأنيتا في الممر: "الصقر غير". وهو بالفعل غير، تركيبة فريدة لم ولن تقابلها مجددًا. شيء نادر، مزيج من القوة الطاغية، قوة جثمانية وقوة الشخصية كإمبراطور من أحد أباطرة العصر الروماني، لا بل أحد الفراعنة الطغاة. ولكن ظلمه عدلًا، متجبرًا بقلب لين، متكبرًا بروح عفوية، قاسيًا بقلب يملؤه الدفء. به صفات عدة، فهو يحمل الشيء ونقيضه.
"حسنًا، ستروضه، فهو سيعجبها وكثيرًا. هي تريده الصقر مع الجميع، ومعها الكتكوت حقها. صدقت وعد."
عندما اقترب صقر ممن لا يعرف حتى الآن مسمى لما يشعر به نحوها.
"اللي ما تتسماش ما تحيرش نفسك أنت."
تسمرت عيناه وهو يتطلع إلى وجهها بعدما أزال وشاح وجهها. وعندما قدم لها ما بيده داخل العلبة القطيفة الحمراء، رفرفت فراشات الحب داخلها، تحوم حولها قلوب كيوبيد المرشقة بالسهام الدائمة. وارتوى ما تيبس بداخلها بسبب حطام الماضي، ليس طمعًا، بل أمور يفعلها ولم تعتاد عليها. ودون تفكير ألقت بنفسها بين يديه شاهقةً بفرحة، ترتمي في أحضانه، تقبله على وجنته بتمهل، حطم ما به من ثبات. فتسمرت أعين الحاضرين عليها.
لطمت وعد خدها من أعلى غطاء وجهها قائلةً:
"أحيه، يانهار فضايح."
صابحة:
"واه."
كل الحضور صمت، صمت، فلا قبل لهم بالتفوه في حضرة كبيرهم. وما كان من الصقر إلا أنه قام بفض شباك ذراعيها المطوقتين لعنقه، هامسًا والغضب يتدافع إلى مقلتيه:
"بزيدكِ عاد، جنيتي أنتِ؟!"
ما إن استمعت لما قاله حتى أخفضت ذراعيها مصدومة. ماذا فعلت؟ ليتهمها بالجنون؟ لم تفعل شيئًا، أو ليس زوجها الآن؟ ألم توقع حالًا على وثيقة زواجها منه؟ إذًا ما الخطأ الذي اقترفته؟ لتكن تلك ردة فعله على احتضانها له.
أحست بحرجٍ شديد لما فعله وقاله، فاحترق داخلها حتى وصل ضبابه إلى عينيها فأدمعت حرقةً، مسبلةً جفنيها حتى لا يلحظ أحد. ولكن عينيه التي تطالعها ملاحظة احمرار مقلتيها، وانطفاء حماسة الفرحة داخلهما. ولكن ماذا يفعل، فهنا هو الكبير، كبير عائلته، وبلدته، والنواحي الأخرى، شاملة كل بلدان الدائرة.
لو أنهما في مكان آخر وبين أناسٌ آخرون، وأقدمت على ما فعلت لتلقاها بين أحضانه مطفئًا لهيب جسده الذي أشعلته عندما لامست شفاهها الحارة أسفل خده بالقرب من ثغره، لاعبةً ببراعة على أوتار جسدٍ لم تمسه إمرأة.
كان ريان خلفهما حيث ولج إلى القاعة التي تجلس بها العروستان، يلتفان حولهما الحضور بصفته أخ عروس الصقر، وابن عم ماجد والذي يعتبره ماجد أخًا له. فبرغم عدم اعتراض أحد من أخواله على زواجه من ابنة قاتل أبيه، عندما أرسل الصقر إلى أكبر أخواله للمجيء إلى دواره، أثناء تواجد ماجد بمكتب صقر. وبمجرد طلب الصقر لخال ماجد الأكبر أتى على الفور. فمن يمكنه تجاهل طلب الصقر؟ ومن ذا الذي لا يلبي دعوته.
دخل خال ماجد ويدعى سعيد إلى مكتب الصقر، بعدما حضر مع المرسال الذي أرسله صقر ليطلبه للحضور.
كان الصقر يجلس خلف مكتبه واضعًا ساقًا فوق الأخرى. حقًا كرسي المجلس يليق به. وجد الحاج سعيد ماجد عنده يجلس في المقعد المقابل للمكتب.
سعيد:
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته يا كبير."
صقر:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، كيفك يا حاج سعيد."
سعيد:
"الحمد لله، فضل ونعمة، والبركة فيك يا كبير."
صقر:
"اجلس يا حچ سعيد."
سعيد:
"ما يصحش يا كبير."
صقر:
"اجلس يا راجل يا طيب، خلينا نعرفوا نتحدتوا."
جلس سعيد على استحياءٍ قائلاً بنبرةٍ مترجية:
"خير يا كبير، في حاجة صدرت من ماجد؟ لو عمل حاجة كده ولا كده، امسحها فيا أنا. حضرتك عارف إنه غشيم وما يحسنش."
نظر ماجد إلى خاله نظرة استياء. ماذا يعني بغشيم وما يحسنش؟ هو يعلم بحب أخواله له، ولكن لا تصل إلى هذا الحد أن يقلل من شأنه خوفًا من عقاب الصقر. ولكنه لم يعترض، ربما تلك نقطة في صالحه فيتراجع الصقر عند تلك الزيجة.
صقر وقد استرعى انتباهه ما قاله خال ماجد عنه. فلو لم تفعل سوسن ما فعلته لم يكن ليقبل بتلك الزيجة. ولكنه بين حجري رُحَى.
صقر:
"لا يا حاج سعيد ما عملش، بس هو جاني وطلب يد بنت عمي الله يرحمه، وأنا وافقت."
سعيد بأعين مستديرة مما سمع:
"كيف ده؟ قصدي نسبك يشرف أي عيلة يا كبير."
صقر:
"يبقى على بركة الله، كتب الكتاب الليلة."
سعيد:
"مبارك يا كبير."
انصرف سعيد وهو في حيرةٍ ودهشة، إلا إنه لم يحضر أحد من عائلة ماجد سوى ريان.
أخذ ريان يبحث بعينيه بين الحضور عن وعد ولكنه لم يتعرف عليها، فمعظم النساء الحاضرات وجوههن مغطاة. ولكنه وجد من يربت على كتفه بعدما انسلّت من بين الحضور الواجمين، وهم يشاهدون بأعين مستديرة تبجح عروس الكبير من وجهة نظرهم.
وعد هامسة:
"اتصرف، البت طينتها على الآخر."
ريان:
"أتصرف كيف يعني؟ أقول لك جولي للمحروقة دي اللي اسمها صابحة ترجع لها زغروتين."
ورفع ريان صوته:
"آسفين يا جماعة، خيتي أصلها متربية في بلاد برة، وما هتعرفش عوايدنا، وبعدين يعني ده جوزها يعني ما عملتش حاجة حرام."
فهمت أنجيل أنها قد خرقت إحدى قواعدهم وعليها الاعتذار منه.
اقترب ريان من ماجد المتخشب في موضعه يميل عليه قائلاً في همس:
"مالك متخشب كده ليه؟ خش غير لنا المحطة دي، شكلنا بقينا عفش، الناس هتاكل وشي يا واد عمي، الكل يعرف إنها خيتي، قدم يا واد عمي الله يرضى عنيك."
تنبه ماجد لما يدور حوله بعد حديث ريان، فهو كان يشاهد دون وعيٍ لما يحدث. تقدم ناحية عروسه ليفعل المثل بعد ما تعالت أصوات الزغاريد مرة أخرى، لتغطي على ما حدث. ويرفع ماجد غطاء وجه العروس دون اهتمام. واخفض بصره يفتح العلبة التي بيده، فوقعت عينيه عليها بغير عمدٍ.
ما إن رآها حتى ارتد ببصره سريعًا يدقق النظر في وجهها قائلاً بصوت حاد:
"إيه ده! إحنا هنهزروا عاد؟"
***
عند مصطفى وهمس.
خرج الاثنان من قسم الشرطة، ومصطفى يُقبِّل كل من يقابل في طريقه بدايةً من الأمين المرابط أمام مكتب المأمور، مرورًا بمن تم إلقاء القبض عليهم وينتظرون العرض، حتى من يقفون حراسةً على القسم. وهي في دوامة من التفكير، ماذا سيظن بها أهله؟ وماذا عن أختها؟ وما الذي يفعله هذا المعتوه؟
همس بغضب:
"إيه اللي أنت بتعمله ده؟ Are you mad"
مصطفى ولا زال على ابتسامته والفرحة تملأ عينيه:
"بصي أنا عشان متعصبش مش هحاسبك دلوقتي وبصراحة عاوز أعيش اللقطة؛ الواحد مش بيكتب كتابه كل يوم، بس كل اللي أقدر أقوله لك أنا تعديت المرحلة دي خلاص، أنا لسعت يا هموسة."
همس بتوجس:
"طب قولي هنعمل إيه دلوقتي؟"
مصطفى:
"بقولك عاوز أعيش اللقطة، عاوز أفرح."
واستكمل وهو يجذبها من ذراعها يقف ويوقفها أمامه:
"هو أنا بحلم يا همس."
همس:
"أنت بتسمي اللي إحنا فيه ده حلم؟ إحنا في كابوس."
مصطفى:
"طب خليكي انتي في كابوسك، وسيبيني أنا في حلمي."
همس:
"لا، إنت اتلسعت فعلاً."
مصطفى موضحًا:
"لسعت مش اتلسعت."
همس:
"what ever."
مصطفى وهو يقبض على كفها:
"تعالي بقى نحتفل بكتب كتابنا."
همس:
"No Way، مش هروح معك في حتة تاني."
مصطفى وكأنه يحادث طفلة صغيرة:
"طب تعالي بس نبعد عن هنا وأنا هراضيكي."
تقدمت همس تسير إلى جواره وهي تتعجب من تلك الشخصية العجيبة، كيف له أن يأخذ كل ما يحدث برحابة صدر.
مصطفى وهو يرفع كفها ليجعلها تتأبط ذراعه فنفضت يدها عنه:
"سيب إيدي كفاية اللي حصل."
مصطفى:
"أسيب إيدك ده إيه؟ ده أنا قتيل الأنجيل ده، ده أنا كاتب كتاب، أنا ما يضحكش عليا، ده أنا أوديكم في داهية."
استسلمت همس لما أراد فما يشغلها الآن أكبر مما يطالب به.
***
عادت السيدة تحية إلى منزلها، فوجدت محمد لا يزال جالسًا مع هناء وسارة يدرسهما مادة اللغة الإنجليزية.
فتقدمت نحوهم.
تحية:
"إيه ده؟ إنتوا لسه بتذاكروا؟"
محمد:
"خلاص يا ماما، قربنا نخلص أهو."
سارة:
"طب نكمل بكرة يا بوب؛ عشان ألحق أروح."
تحية:
"لا، إنتي بيتة، أنا أخدت لك الإذن من أمك."
محمد لنفسه، وقد شرح صدره لهذا النبأ الذي لم يكن يعني له شيئًا في السابق:
"الله عليكي يا توحة."
سارة بحرج:
"خليها بكرة ولا بعده."
عبس محمد بعد ردها هذا، لما تريد الذهاب؟ أليس أمامهم حلقة من المسلسل التركي الذي لا يتذكر اسمه ليتابعوها. وكأن هناء سمعت ما جال في خاطره.
هناء:
"طب خليكي بعد الحلقة."
محمد باهتمام:
"هو فاضل قد إيه على الحلقة؟"
سارة وهناء وتحية في صوتٍ واحد، وعيونهن مصوبةً على ساعة الحائط بالصالة:
"ربع ساعة."
محمد وهو يهب واقفًا:
"لا ده أنا أنزل أجيب حاجة نتسلى بيها قبل ما المسلسل يبدأ."
ثلاثتهم مرة أخرى:
"يا سلام!! وده من إمتى؟!"
تنحنح محمد متجاهلًا تعليقهم:
"حد عاوز حاجة معينة؟"
هناء:
"شيبسي وبيبسي ولب."
تحية:
"طالما نازل هات لنا معك درة فيشار."
محمد موجهًا حديثه لسارة التي تراقب تغيره الملحوظ، أتراه بدأ يشعر بها وحرارة عشقها تسللت إليه توقظ قلبه:
"وإنتي يا ساسو، مش عاوزة حاجة؟"
"حمادة!"
"حمادة! ومرتين في يومٍ واحد! هذا كثير، حلمكِ صغيرتي إني أحترق."
هناء وتحية:
"يا حلاوته."
خرج محمد سريعًا بروحٍ هائمة.
"حمادة يا له من دلال! كان يكرهه والآن بات عاشقًا له."
بعد خروج حمادة قصدي محمد، وكزت هناء سارة في كتفها تهمس لها:
"ده الموضوع كبر! أنا لازم ولا بد أفهم إيه اللي بيحصل من ورا ضهري، إنتي بتخونيني يا ساسو."
تحية لسارة:
"ما فيش مرواح النهاردة؛ عشان عاوزاكي في حاجة مهمة."
سارة:
"حاجة إيه يا مرات خالي؟"
تحية:
"لما يجي محمد."
تركت تحية الفتاتين وذهبت لتغير ملابسها إلى أخرى بيتية مريحة.
هناء وهي تغمز لسارة:
"إيه النظام؟"
سارة:
"هي، ده باينه وقع أبداً يا هناء."
هناء:
"لا ما تقوليش، أخيرًا، على رأي البت وعد البعيد لوح، هو مش أخويا بس لوح."
ساره:
"حصل وتلاجة كمان."
هناء:
"اتلمي وقصي لسانك ده شوية، ولا أقول لك خدي راحتك مش خسارة في قلبه الطيب."
عاد محمد سريعًا حتى لا يفوته شيئًا من حلقة المسلسل.
وهو يحمل في يده كيساً بلاستيكياً كبيرًا به أكياس من الشيبسي بالنكهة التي تفضلها صغيرته، فإن لم يكن يدري بشعورها نحوه، ولكنه يعلم عنها كل شيء ما تحب وما تكره، وكذلك زجاجة كولا كبيرة. الآن هناء ستتسبب بضجة كبيرة هي الأخرى فهي تفضل المياه الغازية بنكهة الفواكه تفاح أو برتقال، وعبوتين من اللب والسوداني المحمص، وآيس كريم شيكولاتة كما تفضل كلاهما.
صعد السلم سريعاً، ودق الباب وهو يلهث بسبب استعجاله للعودة.
فتحت سارة له الباب بعد أن استبدلت ملابسها هي الأخرى بإحدى البيجامات البيتية لدى هناء، ترفع شعرها إلى أعلى فثارت بعض من خصلاتها تحيط وجنتيها وعنقها تبرز بياضهما في هيئة ملائكية.
وقف الاثنان قبالة بعضهما هو يتفرس وجهها بثمالة وهي تتهرب من عينيه زائغةً بها في كل الاتجاهات. تنحنحت سارة وهي تفسح له المجال للدخول.
محمد وهو يناولها ما بيده:
"إتفضلي يا ستي حطي لنا الآيس كريم في الفريزر، وفضِّي لنا البيبسي، وشيبسياتك ومسلياتك وتعالي على جوه، هحجز لك جنبي."
سارة بحاجب مرفوع:
"هي سينما؟"
محمد:
"جيتي في جملة اعتبريه حصل، الغالي يرخص للغالي."
سارة بتعجب من حسه الفكاهي الجديد عليها:
"حمادة أنت تعبان؟"
محمد وهو يغمزها:
"جدًا، بس ممكن أساعدك ونجيب الحاجة الساقعة سوا."
ساره باستعجال:
"لا، هجيبها أنا."
محمد:
"أنا بقول أساعدك."
سارة بحدة:
"وأنا قلت لا."
محمد وهو يدغدغها بجانبها بغتةً:
"ماشي يا خطر أنت."
سارة شاهقةً:
"ما له ده؟! اتجنن ولا إيه؟!"
التفت محمد لها بعد أن كان يواليها ظهره متجهًا نحو التلفاز يديره على القناة المطلوبة.
محمد:
"سمعتك على فكرة."
اجتمع الكل لمشاهدة المسلسل، الذي لم يرى منه محمد مشهدًا ولم تستجمع منه سارة جملة، فهو شاخصٌ بها، وهي تسترق النظر إليه، والاثنتين هناء وتحية في ملكوت آخر.
انتهت الحلقة وتوجهت سارة بنظرها إلى تحية قائلةً:
"خير يا مرات خالي، إيه الموضوع اللي كنت عاوزاني فيه وقلتي لما يجي محمد."
تحية:
"كويس فكرتيني."
وتوجهت بنظرها إلى محمد:
"شفت بت عمتك الموكوسة!"
محمد منتبهاً:
"ما لها يا أمي بس؟ ما هي زي الـ.........."
وبطر كلمته مستبدلًا إياها:
"ما هي كويسة أهيه، عملت لك إيه بس؟!"
تحية:
"قال إيه؟! جالها عريس طول بعرض، وكمان دكتور، وهي بتتحجج وتقول لسه صغيرة."
بصق محمد ما في فمه و هو يسعل بشدة، فقد كان ممسكاً بكوب من الكولا يرتشف منه، وما إن سمع ما قصته والدته حتى توقف ما بحلقه من هول ما سمع.
***
ماجد لصقر:
"إيه ده إحنا هنهزروا، هي دي العروسة؟!"
بعدما انشغل الجميع عن صدمتهم بما فعلته عروس الصقر، انتبهوا لما يقوله ماجد.
الصقر وهو يجز على أنيابه:
"إيه فيك؟ ما لها العروسة؟ أنت هتفرّج علينا الخلج أنت التاني؟!"
وسوسن تقف وسط الجمع لا تهتم بما يحدث، ولا بحديث ماجد، ولم ترفع عينيها من الأساس تطالعه، كأن ما يدور ليس من شأنها الخاص.
وعد:
"استهدوا بالله يا جماعة، اقسم بالله إحنا اتحسدنا."
ريان يقف ولا يعرف كيف يفض تلك المهزلة.
ماجد:
"دي طفلة، أنا لو اتجوزت بدري، كان بجِي معايا أكبر منها."
ريان لماجد:
"ما فضيناها عاد."
ماجد لريان:
"يا واد عمي افهمني، كده أنتوا بتظلموها."
ريان هامسًا لوعد:
"دوري إنتي، الليلة دي عجبال ما أشوف جوز الديوك دول."
وعد:
"روح أنت ما تقلقش وراك رجالة."
ريان:
"أنا كت شاكك فيكي ملول."
وعد بدلع هامسة:
"أخص عليك يا ريو."
ريان:
"بتتجلعي دلوك، وفي الجد تجلبي بطة؟"
وعد:
"حصل، وبلدي كمان."
جذب ريان كلاً من الصقر وماجد إلى غرفة المكتب، يدير مقبضه ويدفعهما الإثنين إلى الداخل.
ريان:
"خبركم إيه عاد أنتم الاتنين؟ فرجتم علينا الحريم."
صقر:
"ما أنت واعي لواد عمك، جاي قدام الناس يقول صغيرة وما خابرش إيه!!"
ماجد:
"البت لساتها صغيرة دي ما كملتش الـ 20."
صقر:
"ما أنت خابر اللي فيها، الجوازة كلها ملداش عليا، ولولا اللي هي عملته، وودرتنا فيه؛ ما كنتش جبلت أحط يدي في يدك. وبعدين أنت كبير عليها ودِه إحنا خبرينه، ووافجنا جاي تتحدت قدام الناس ليه عاد؟!"
ريان:
"خلصنا عاد يا ماجد."
ماجد مطرقًا رأسه يفكر، سينهي هذا الموقف ويمرقه، وسيمهلها بعض الوقت وبعدها سيحل وثاقها ويطلقها لتعيش بعدها مع شابًا صغيرًا في مثل عمرها، فهو بعد عامين سيتم الأربعين.
وأثناء مناقشتهم استمعوا إلى صوت صراخ بالخارج، فهب ثلاثتهم ليستقصوا ما في الأمر وكانت الفاجعة........
رواية وعد ريان الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماء حميده
اصطحب مصطفى همس إلى أحد المقاهي يجالسها وقلبه تغمره سعادةً لا توصف. نجمته البعيدة في عليائها هبطت ليتلقاها بين حنايا قلبه. جنيته التي كانت والدته تسامره عنها كلما أتت لزيارته لدى جدته أو أثناء إقامتها معه في العطلات، أصبح إسمها مرتبطًا بإسمه إلى الأبد.
ليس بعد ما منحتها الحياة إليه سيضيعها، سيقتنص ما له عنوة، وما دامت ابتسمت له الحياة لن يدعها تدير ظهرها له مرةً أخرى، فلطالما عانى من فراق أمه ولكنه ليس حاقدًا على همس ووعد لأنهما السبب في ابتعاد والدته عنه، لا بل سعيداً لذلك لأن والدته كانت تحفظها له، تساندها في محنتها.
جلست همس تستند على الطاولة أمامها بمرفقيها، وكفيها يفركان جبهتها بتوتر.
قبض مصطفى على كفيها يجذبهما إليه يضمهما بين راحتيه في حنو، يعلم ما تعانيه من تخبط وحيرة، ولكنه عكسها تماماً. علمته الحياة أن يترك مساوئ غدًا لناظره، وأن يتمتع بما في يده الآن،؛ فمن ذا الذي يضمن بقائه لغد، فتكثر الهموم وينسى المهموم متعة اللحظة.
مصطفى بحنان: مالك يا همس؟ فيكي إيه بس؟ كل دا عشان كتب الكتاب، زعلانة إنك بقيتي ليا؟ ولا مستكترة نفسك عليا؟
همس باضطراب: مش كده خالص بس......
قاطعها مصطفى بفرحة: أيوه بقى يا شيخة، إيه ده؟ الواحد......
قاطعته همس بدورها: أنا ما قلتش حاجة على فكرة.
مصطفى: شوفتي نسيتني، أبو الزهايمر اللي أنا فيه، تاكلي إيه يا قلبي؟
همس بامتعاض: قلبك؟
مصطفى وهو يراقص حاجبيه: الله مش المودام؟
همس بإشمئزاز: المودام؟
مصطفى: آه يا روحي، معروفة المودام أو الجماعة.
همس: مصطفى، shut up please.
مصطفى: I can't.
واستكمل: ما قلتيش هتاكلي إيه يا مزة؟
همس: actually, مش عارفه وكمان ما ليش نفس.
مصطفى: لا يا هموسة لازم تتغذي كويس، أنتي مقبلة على منعطف تاريخي، وكمان أنتي خاسة.
همس متجاهلة المنعطف وأخذت أول ناصية يمين: Thank God. بجد يا مصطفى؟ أنا خسيت؟
مصطفى: جداً، إشتري مني، في حتت محتاجة تقلوظ حبتين.
همس: يعني إيه مش فاهمة حتت إيه دي؟
مصطفى: لا دي ما تنفعش هنا، لازم نكون لوحدنا عشان أعرف أرفع المقاسات.
و ها قد سحبها مصطفى من دوامة أفكارها إلى عالمه المجنون، حقًا شابوه يا درش.
***
أثناء المناقشة التي دارت بين ثلاثتهم ريان والصقر وماجد، استمعوا إلى صوت صراخ بالخارج.
ريان: وعد damn it, اللعنة.
هب ثلاثتهم ليستقصوا ما في الأمر، وكان أولهم ريان، وتبعه الصقر ومن خلفهم ماجد، فوجدوا النسوة الحاضرين يتحلقون حول شيء ما يجهل ثلاثتهم ماهيته.
ريان بصراخ اهتزت له جدران الدوار وصعق لنبرته من به: وعد عِمِلتي إيه يا بلوة؟
رفعت وعد رأسها من انحنائها أرضًا وهي محاطةً بالنسوة هامسةً في سرها بعدما استدارت إليه: وعد، وسنين وعد، كل مصيبة يتشمخلي قوي، وعِمِلتي إيه يا بلوة؟
وعد موجهةً حديثها لريان: أنت هتقعد تستفسر، وتسيبوا البُنية لغاية ما تقطع النفس.
كانت وعد قد أزالت غطاء وجهها، و أفصحت عن ما تحته، ما هذا؟ مكحلة العينين بكحلةٍ زرقاء قاتمة أعطت لفيروزيتيها رونقًا براقًا، وشفاهها التي صبغتها بأحمر شفاه قاني لامع، وحمرة خدود مخملية تضفي توهجًا وبريقًا، واشمةً ثلاثة فراشات على جانب عنقها من جهة اليمين، تعقص شعرها الذهبي في ضفيرةٍ مقلوبة على كتفها الأيسر، ترتدي عباءةً فضيةً مطرزة، تجعل منها أسطورة من الجمال في هالةٍ شرقية.
أما هو فتيبست قدميه بأرضه وهو يتأملها، فتنةٌ تمشي على قدمين.
ولكنها أخرجته من تأملاته المفتونة بها، وصوتها الذي بات قريباً منه لا يعلم إذا كانت تهمس أم استمع إليها إحداهن، تسبب له حديثها في خلل أو ربما صدمة دماغية error.
وعد: إيه يا اسطى؟ كل شوية يا بلوة يا بلوة إيه؟
ريان: يا اسطى، هتچلطيني.
بينما اقترب الصقر من الحشد فوجد انجيل أو أحلام تميل بجسدها هي الأخرى ناحية الأرض بجوار جسد ممدد لم يتبين صاحبته؛ بسبب التفاف النساء حولها.
صقر: إيه فيه!
انيتا وهي بتجذب طرف عباءة الصقر؛ فاتجه بنظره إليها.
انيتا: بت عمك العروسة، لِجِيناها غميت، ووجعت من طولها، واتشندلت كيف ما أنت واعي إكده، ما تشوفوا لها حكيم؟
الصقر بأعين مستديرة من حديث الصغيرة: إنتي چرافيك! ولا إيه حكايتك إنتي؟
انيتا: أباي، أنت لساتك عتحكي والنسوان كاتمين على نفسها إكده لمن يچيبوا خبرها.
اقترب ماجد من الصقر وانيتا: إيه فيه؟
انيتا: شهل يا ميجو، و ارفعها من شندلتها دي.
ماجد: هي مين دي؟
انيتا: مراتك إنت التاني، أباي وِجعت وسط مجانين آني و لا إيه؟
بينما توجه الصقر خارج الدوار مناديًا على عوض: عوض انت يا واد يا عوض.
عوض: آني إهنه يا صجر، بتزعج ليه؟
صقر: بسرعة تروح للدكتور منصور بتاع الوحدة الصحية داره، وتجول له ياچي ضروري، وما تعودش إلا وهو في يدك.
عوض: طب ما اروح له الوحدة أجرب.
صقر بنزق لعوض: الدنيا جربت تليل، زمانته همل الوحدة دلوك.
عوض: حاضر، بس ما تخليهوش يديني حجنة.
صقر: لو ما بطلتش حديت عخليه يديك الحجنة.
عوض: لاه، لاه، آني رايح فريرة.
وضع عوض طرف جلبابه في فمه وهرول ناحية دار الدكتور منصور طبيب الوحدة والبالغ من العمر 30 عاماً، حيث يقبع داره على بعد عدة أمتار من دوار الصقر.
اقترب ماجد من الجسد المسجى على الأرض، بعدما أمرتهم وعد بالابتعاد لتتيح الفرصة لسوسن بالتنفس.
وعد: تخري فردة أنتي وهي الله يكرمك،؛ خليها تعرف تاخذ نفسها.
مال ماجد بجزعه عليها يتأمل وجهها بملامحه الطفولية الشاحبة حاملًا إياها بجسدها النحيل بين ذراعيه.
تتبعه وعد قائلةً: اطلع بيها على فوق عقبال ما الدكتور يجي.
صعد ماجد بها درجات السلم وكأنها لا تزن شيئاً، يناظرها بإشفاق، وقد سبقته وعد تدله على الغرفة التي تجهزت بها هي وانجيل، وكانوا يمكثون بها لحين إتمام عقود الزواج.
فتحت وعد له الباب، فاقترب ماجد من التخت الموجود بالغرفة يضع جسد طفلته عليه، فهو من الآن وصاعدًا، وحتى تنتهي تلك المهزلة سيعتبرها طفلته التي سيسلمها يومًا ما إلى عريسها، فإن أخطأت في زواجها سرًا و أصدر الجميع عليها حكمًا لن يكون هو السوط الذي تجلد به.
وضع ماجد يده على جبينها يتحسس حرارتها فأحس بجسدها يرتجف عند لمسها، فكفه الدافئ مقارنةً بحرارة جسدها لوحًا من الجليد.
تألم قلبه بشدة عليها وقام سريعاً يدثر جسدها المرتجف بالغطاء الموضوع على التخت محادثًا وعد: معلهش، ممكن تناوليني شويه مية ساجعة في طبج وفوطة أو أي حتة جُماش.
وعد: حاضر ثواني وراجعة.
اسرعت وعد تهبط السلم متوجهةً إلى المطبخ لتجلب ما طلبه ماجد كي يسعف تلك المسكينة، وما إن رآها ريان تتوجه ناحية المطبخ مسرعة تبعها متمتمًا: دِه وجت وكل.
مدت وعد يدها تفتح البراد، وقد أحست بخطوات تقترب منها فتوجهت ببصرها إليه، وقد صدق حدسه عندما وجدها تهم لتفتح البراد.
ريان: بجى انتي نازلة چري من فوج عشان إكده؟ البعيدة ما عتحسش.
وعد بدهشة: ما لك في ايه؟ أنت بتراقبني؟ وبعدين ما أنا نازلة جري عشان ألحق...
قاطعها ريان بإستياء ظننًا منه أنها تعني بألحق على نصيبها في الطعام فوقف حائلًا بينها وبين الثلاجة.
ريان: إيه دِه؟! صعرانة إنتي؟
وعد بعدم فهم: لا مش وقتك خالص، عديني يا حتة، ما فيش وقت دي مسألة حياة أو موت.
ريان: بتجولي إيه؟ إنتي مجنونه؟
وعد وهي تقترب منه تمد يدها لتبعده عن طريقها، فجذب ريان يديها يلتف بها ساندًا ظهرها إلى الثلاجة مكبلًا ذراعيها من الخلف، محاوطًا جسدها بذراعيه، فأصبح مقتربًا منها حد اللعنة و أنفاسه تضرب وجهها بحرارة وتحولت نظراته من التعجب والدهشة إلى العبث والمجون و عرقا ينبض بجانب شفتيه برغبة ملحة و جسد ثائر.
سلب قربه منها لبها، وأصبحت تناظره هي الأخرى بهيام، تتأمل ملامحه بتيه، في حين كانت نظراته تتنقل بين عينيها وملامح وجهها هبوطًا إلى شفتيها المزدانة بحمرة قانية مهلكة، وهو يقترب ساندًا جبهته إلى جبينها، فإستكان جسدها بين يديه، وصدرها يضرب بقوة بسبب خفقان هذا اللعين القاطن بضلوعها؛ تأثرًا بمشهدهما الحالمي، بعد ما حرر ذراعيها من قبضته، واضعًا كفيه على الثلاجة خلفها، يحتجز جسدها بينه وبينها، يهمس بالقرب من أذنها بنبرة صوته المتحشرجة وهي ذائبة بين يديه، تستمع إلى اسمها من شفتيه، وكأنها تتذوق كل حرف به بنكهة مختلفة عن ذي قبل: وعد، إنتي عِمِلت فيا إيه؟ آني أول مرة أحس بواحدة إكده، فيكي إيه عيختلف عن غيرك إمخليني هتچَنن عليكي إكده؟
وهنا قد أخرجتها جملته من سحر وجاذبية الموقف، وبدأت الأفكار تتدافع إلى رأسها، وغيرة تعتصر أوصالها، هل يعني أنه رأى الكثيرات؟ واقترب منهن إلى هذا الحد، وربما أكثر من ذلك بكثير، لا، لن تكون إحدى حريم السلطان، و هنا دفعته بعيداً عنها، ولكنه ما زال تحت تأثير قربه منها؛ فلم يستجيب جسده للابتعاد إنه يطالبه بالكثير.
صابحه: إيه ده؟ هو دِه وجته؟
***
ماجد وهو يجلس إلى جوارها على التخت، مسكًا بكفها بين يديه، وقلبه يعتصره الألم على تلك المسكينة وما جلبته لنفسها بتهورها وطيشها، ولكنه يعلم مدى حنكة ابن عمه الراحل بالنساء، فلن تأخذ تلك الصغيرة وقتا كي يوقعها في شباكه، وتساءل هل كان رضوان يحبها بالفعل؟ أم كانت له مجرد نزوة كنزواته المتعددة؟
وهي هل تمكن عشقه من قلبها لتقدم على ما فعلته فيؤول مصيرها الى تزويجها جبرًا من رجل لا تعرفه ولا يعرفها، ويفوقها بالعمر ضعف عمرها.
واثناء شروده أحس بيدها تقبض على كفه، وهي تتمتم بكلمات لم يفهمها، فاقترب منها وهو يتحسس حرارة وجنتها، يستمع فضولًا لما تتمتم به في خفوت.
سوسن بصوت خافت واهن: حرام عليكي، بزيداكي، اجتليني وريحيني يا أماه.
وبات جسدها ينتفض بشدة، فاستقام بفزع يخرج من الغرفة باحثًا عن الدعم، بعدما تأخرت وعد في موافاته.
***
مصطفى: إيه بقى مش هناكله عشان القمر بتاعي نزل من غير فطار؟ وادينا قربنا على المغرب اهوه؟
همس: ما تفطر هو أنا منعتك.
مصطفى: لا لازم تاكلي معايا عشان تفتحي نفسي، وبعدين جوزك لما يقول لك على حاجه لازم تسمعي كلامه وتقولي آمين.
همس: انت صدقت نفسك!
مصطفى: والله أنا زيي زيك، مش مصدق، بس دي جوازة ميري يا ماما، والحكومة ما بتهزرش.
همس بعد ما عادت إلى هواجسها بذكره للجوازة الميري.
همس: مصطفى أنا بجد مش مستحملة، فلو سمحت قوم خلينا نروح، ونفكر هنعمل إيه في الكارثة دي.
مصطفى: كارثة! بقى جوازي منك كارثة؟ أمال فين لهفة البدايات، طب إيه رأيك مش هنتحرك من هنا غير لما تاكلي معايا، إحنا ناكلنا لقمة الأول وبعدين نقعد نفكر هنعمل إيه، واستكمل واقفًا: هروح أجيب لنا حاجة ناكلها بسرعة واجي.
ذهب مصطفى لإحضار وجبتين من أحد محلات الوجبات السريعة، وتركها تنتظره بالمقهى.
بعدما ذهب مصطفى بقيت همس تفكر في حل لتلك المشكلة، ولم تلحظ ذلك السخيف الذي يقترب منها قائلًا: الجميل قاعد لوحده ليه؟ هو ما جاش ولا اتاخر عليكي؟ تصدقي ما عندهوش نظر.
همس: افندم! حضرتك بتكلمني أنا؟
الشاب: أيوه بكلمك أنت يا قمر.
ومد يده يسحب الكرسي المقابل لها يجلس عليه بسماجة.
همس: ايه اللي أنت عملته ده؟ قوم لو سمحت واتفضل من هنا.
وفي هذه الأثناء أتى مصطفى حاملًا في يده وجبتي الطعام، وما إن رأى رجلاً يجلس أمامها على الطاولة، حتى اندفعت الدماء إلى رأسه، يتقدم منهما بحنق شديد، وهو يلاحظ توترها و وملامح وجهها التي تدل على الغضب مشيرة إلى الجالس أمامها كعلامة منها برغبتها في ابتعاده عنها.
وصل مصطفى يقف خلف الشاب الجالس مواليًا ظهره لباب المقهى واضعًا يده على كتف الشاب، يقرص عليه بقوة.
مصطفى موجهًا حديثه للشاب: إيه اللي مقعدك هنا يا حيلتها؟
همس: الحيوان ده قاعد هنا من غير استئذان.
مصطفى: ده أنت نهار أمك مش فايت.
أسقط مصطفى ما بيده، وهو يجذب الكرسي الذي يجلس عليه هذا السمج يطرحه أرضًا على ظهره ويجثو سريعاً فوقه، يواليه ضر.بات متتالية بقبضته اليمنى في أماكن متفرقة بوجهه وصدره، ويده الأخرى تقبض على قميصه من الأمام، وبدأت الناس في المقهى تحاول إيجاد طريقة لتخليص الشاب من بين يديه، ورفع مصطفي الجاثم فوقه، ولكن استماتت قبضته على ملابسه يأبى نزعه من فوقه، وهو مستمر بلكمه بو.حشية.
مصطفى: أقسم بالله اللي هيحاول يخلصه من يدي، لا هاسيبه هو وامسك فيه.
***
عند محمد وسارة.
بصق محمد ما في فمه وهو يسعل بشدة، فقد كان ممسكًا بكوب من الكولا يرتشف منه، وما إن سمع ما قصته والدته حتى توقف ما بحلقه من هول ما سمع.
تحية: اسم الله عليك، مالك يا ابني؟
سارة بفزع وهي تقترب منه تضربه بخفة على ظهره: أنت كويس؟
رفع محمد رأسه إليها ونيران من الغضب الجحيمي تحتدم بعينيه، نافضًا يديها بعيداً عنه قائلًا بغضب: مكانك، اقعدي مكانك.
نظرت اليه في دهشة، ماذا فعلت لكل هذا الغضب!
أما هو تدافعت الأفكار برأسه، ابن عمها الذي كان يتردد عليهم بالفترة الاخيرة في منزلها؟ أكان يأتي لرؤيتها؟ أحلم بها زوجة له وطلب يدها ليحقق أمانيه فيها؟
وهي أكانت تجالسه وتركته يحادثها ويتودد لها؟ أصارحها بحبه؟ والألعن أحاول الاقتراب منها كما فعل هو منذ قليل؟ كل هذا دار بمخيلته، فأشعل ما به من غضبٍ ثائر.
محمد لوالدته: إيه اللي أنتي بتقوليه ده يا أمي؟
سارة لسه صغيرة، مش المفروض نتكلم قدامها في الحاجات دي، وكمان دي في ثانوية عامة، إزاي تملوا دماغها بالكلام الفارغ ده؟
تحية بإصرار: سارة مش صغيرة، وبعدين ده ابن عمها وشاريها، ودخل البيت من بابه وطالب ايدها، وبعدين يعني هو ممكن يستناها لغاية ما تخلص السنه دي، بس هي توافق وتدي له ريق حلو.
بماذا تهزي والدته أقالت شاريها وتريدها ان توافق؟ لا وتعطيه ريق حلو! ماذا تعني بريق حلو؟ أن يتقربا من بعض، ويتجالسا، وربما يتقابلا خارجًا، ويحادثها ليلاً في الهاتف، ويسمعها كلمات الغزل إلى هنا ولم يحتمل.
فاحتدت نبرته: إنتي بتقولي إيه يا أمي؟ الموضوع ده يتقفل خالص، وأنا هتكلم مع عمتي وأشوف إزاي تملى دماغها بالكلام الفارغ ده.
تحية: يا ابني ده ابن عمها، وهيخاف عليها، وعمتك عاوزاك تكلمها وتقنعها.
محمد بثورة: كمان!
تحية بعدم فهم: كمان ايه؟
محمد بارتباك: كمان فيه فرق في السن ما بينهم.
تحية بتفسير: إيه يعني تمن سنين؟ مش فرق، وبعدين ما طبيعي إن الراجل يبقى أكبر من مراته.
محمد وقد وقعت كلمتها على مسامعه كالحمم تلهب قلبه، وتشعل فتيل الغيرة، تفجر داخله قنا.بل من الغضب.
محمد بمهادنة عكس ما بداخله: وماله؟ أقنعها حاضر.
اقترب محمد من سارة قابضًا على معصمها يضغط عليه بقوة ساحبًا إياها خلفه، يتوعد لها بالكثير.
وهناء تشاهد وقلبها يرتعد بعد ما رأت حالة أخيها، وعلمت من سارة منذ قليل أنه بدأ يستشعر ما بها من عشق له، وتعلم أيضاً غضب أخيها فبالرغم من حلمه إلا أن غضبه لا يحتمل، غيرته يمكن أن تصله إلى حد الجنون، وربما يحتد عليها ويقدم على فعل شيء يندم عليه.
تحية لهناء: تفتكري هيعرف يقنعها؟
هناء: ربنا يستر.
***
خرج ماجد من الغرفة يبحث عن وعد، ويسأل ربما أتى الطبيب لإغاثتها.
هبط ماجد الدرج متعجلًا، وجد الصقر قد أخلى الدوار ممن فيه، متحججًا بأن العروس لم تحتمل الفرحة فأغشي عليها، وبالطبع لم يراجعه أحداً في حديثه، بالرغم من عدم اقتناعهم بالسبب.
ماجد لصقر: إيه يا صجر؟ شيعت للدكتور؟
صقر: أيوه شيعت له عوض، وزمانته على وصول.
ماجد: امال فين وعد؟ انا بعتها تاچيب مية ساجعة؛ عشان حرارتها عالية فوج.
صقر: ماعرفش، و ريان مش باين هو التاني.
وجه صقر حديثه لمن تقف بعيداً عنه تناظره بتمعن لا يستطيع تفسيره.
صقر بارتباك: معلهش، اطلعي لها شوفيها على ما الدكتور ياچي، ماچد مش هيعرف يتصرف، و أمها روحت مع الحريم.
صعدت انجيل دون كلمة لتنفذ ما قال، بينما ماجد مستغربًا ما فعلته والدتها، أي أم هذه تترك ابنتها في تلك الحالة وتغادر؟
يبدو أن تلك الصغيرة عانت كثيراً مع أم انتزعت من قلبها الرحمة لصغيرتها، حتى وإن كانت مخطئة، فماذا عن قلب الأم! الذي يسخط ويسامح، يعاقب ويتألم، يقسو وداخله يلين إلى من أنجبتها أحشائها، فبعد مغادرة والدتها وما استمع إليه من صغيرته وهي تهزي من الحمى علم كم المعاناة التي عايشتها؛ فزاد تعاطفه معها.
ثواني وأتى عوض ومعه الطبيب منصور.
منصور: السلام عليكم، إزيك يا صقر بيه؟ عوض قال لي إن حضرتك عاوزني.
صقر: وعليكم السلام يا دكتور، إچيت في وجتك، إطلع معاه يا ماچد وري له الجاعة.
تذكر صقر أن فاتنته معها بنفس الغرفة.
صقر: ولا اجول لك آني چاي معك.
صعد صقر وماجد و برفقتهم الطبيب الى حيث الغرفة التي يتمدد به جسدها بإعياء شديد.
طرق ماجد باب الغرفة و انتظر بقلق حتى أذنت له انجيل بالدخول: Come in.
دخل الطبيب الغرفة ونظراته تستكشف المكان إلى أن وقعت عينيه على انجيل بملامحها الاجنبية وزينتها وجمالها الذي جعله يتفرس بها في تمعن.
لم يخفى على الصقر نظرات الطبيب إليها.
صقر بغضب: إيه يا دكتور؟ حتفضل واجف عنديك كتير ولا إيه؟ شكلك إكده مش هتلحج تكشف على الحالة؟
استفاق منصور من تأمله لها على تلميحات الصقر.
فتساءل منصور بارتباك: هي فين الحالة؟
الصقر بنبرة غاضبة: خبرك إيه يا دكتور؟ ما هي جدامك أهي؟ عميت إياك؟
لم يستطع منصور الرد على إهانة كبير البلد و نائبها وهو الغريب عن البلدة و عن الوجه بأكمله.
بدأ منصور في مزاولة عمله بمهنية.
بينما وجه الصقر حديثه لانجل: تعالي عاوزك.
تبعته انجيل إلى خارج الغرفة.
فوجه منصور حديثه لماجد: شوف لنا حد يستنى مع الحالة، واتفضل حضرتك عشان أكشف عليها.
ماجد: ما تكشف خلصنا، هو في حد حاشك؟ آني چوزها.
وزع منصور نظراته ما بين ماجد وتلك الصغيرة، بالرغم مما ترتديه والزينة التي تزين وجهها إلا أن فارق العمر الكبير واضح بينهما لكن ما خصه.
انصاع الطبيب لحديث ماجد.
منصور: طب ممكن تساعدني.
ماجد: جول عاوزني أعمل إيه؟ و آني اعمله.
منصور: اكشف دراعها عشان أقيس ضغطها.
اقترب ماجد لينفذ ما قاله الطبيب وما ان رفع اكمام العباءة التي ترتديها حتى راى ما لا يتوقعه......
رواية وعد ريان الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماء حميده
اقترب ماجد ليكشف ذراعها كما طلب منه الطبيب، وما أن رفع أحد أكمام العباءة التي ترتديها حتى رأى آثار حروق متفرقة على طول ذراعها الأيسر.
استدار حول التخت ليتمكن من رفع كم العباءة الآخر من جهة اليمين.
جحظت عيناه من هول ما رأى؛ فقد وجد به حرق عميق قد تقيح بشدة، مما سبب تورم واحمرار بالمنطقة الموجود بها الجرح والمنطقة المحيطة به على ذراعها، وتعجب كيف لمخلوق ضعيف مثلها تحمل كل تلك الجروح، ومن السبب بالأصل في ذلك، فلو صدق ما خمنه سيحرق المتسبب بأرضه التي يقف عليها.
"إلحق يا دكتور، تعالى شوف إيه ده." قال ماجد للطبيب بنبرة يشوبها الهلع والحزن.
كان الطبيب منصور منشغلًا بإخراج أدواته اللازمة للفحص من داخل حقيبته الجلدية السوداء، فقد كان يعبث بمحتواها مستخرجًا منها جهاز قياس الضغط، ودفتر الوصفات الطبية.
انتبه منصور إثر مناداة ماجد له واقفًا ليلتف بدوره حول التخت، ليطالع ما ارتكزت عيني ماجد عليه؛ فجحظت أعين الطبيب هو الآخر من منظر الحروق وما آل إليه بسبب إهمال علاجه، وبخبراته المهنية علم أن الحرق ليس مصادفة بل ناتج عن استخدام آلة حادة كسكين أو ما شابه قام أحد ما بتسخينه على درجة قصوى ووضعه بمكان الجرح بوحشية كنوع من التعذيب البدني.
"إيه ده؟! مين اللي عمل كده؟! دي جريمة أنا لا يمكن اسكت عليها، البنت دي ممكن تموت بسبب الحالة اللي وصلت لها، أنت اللي عملت فيها كده؟!" قال منصور.
اقترب ماجد من الطبيب يقبض على تلابيبه: "إنت لسه عتتكلم! إتصرف، وإلا قسماً باللي خلق الخلق، لو جرالها حاجة ما يكفينيش فيها رجبتك إنت واللي عملها."
عندما استشعر الطبيب خوف ماجد عليها، واستنكاره لحالها، وتوعده للفاعل التمس له العذر على ثورته ورد فعله، كما أنه يعلم أن اليوم كان عقد قران الصقر وابنة عمه في جوازة صلح بين عائلة الزيدي وعائلة نصار لغلق الماضي بأخطاء ارتكبها الآباء وعانى منها الأبناء، ولكنه من الطبيعي أن يشك بماجد؛ فبالرغم من الفترة القليلة التي قضاها منصور في تلك البلدة والتي لم تتعد بضعة أشهر، بعد أن تم انتدابه من القاهرة، إلا إنه سمع قصص كثيرة مماثلة عن الثأر، والظاهر للناس بأن تلك الزيجات المتبادلة بين العائلات المتخاصمة جراء هذا الشأن هو التصالح، ولكن بعضهم يبيت النية للانتقام، ولكن بشكل آخر.
فمن الطبيعي أن يشك به فابن القتيل تزوج من ابنة القاتل، ولكنه لا يعرف ماجد فمعذور منصور في سوء ظنه بماجد.
ماجد شخصية هادئة، مسالمة، عقلانية، عادلة، يمعن النظر في قراراته قبل اتخاذها، ناهيك عن ضميره اليقظ فكيف يحمل مسكينة مثلها ما فعله أبوها! إلى جانب أن السبب في الأساس هو طه نصار والد ماجد.
إذا كان الله بجلاله لا يحمل أحد ذنب آخر (فلا تزر وازرة وزر أخرى)، فهو كعبد فقير إلى الله عساه أن يظلم، وقد حرم الله الظلم على نفسه، فما بالك بالعبد المسائل أمام المحكمة الإلهية.
استخلص منصور ثيابه من قبضة ماجد، وهو يناظره بنظرة يملؤها التبجيل؛ لموقف ماجد حيال ابنة القاتل.
قائلًا بنبرة أقل حدة: "هو يلزمها دكتور مختص، وده في الوقت الحالي صعب؛ لإن الوحدة نفسها ما فيهاش دكتور جراح، وكمان الوقت متأخر، والحالة مستعجلة، إحنا لازم نعالج الجرح ده ونعمقه؛ لإنه ممكن يتسبب لها في غرغرينة، وأضعف الإيمان ممكن يتم بتر دراعها، أو الأسوأ ممكن يحصل لها مضاعفات من القيح اللي في الجرح ويتسبب في إنتان الدم؛ وده ممكن يعمل تسمم في الدم، وغالبا ده اللي مسبب لها ارتفاع الحرارة لأن جسمها لسه بيقاوم."
عواصف هوجاء من الغضب تضرب داخله بقوة أي مخلوق يمكنه أن يتسبب بكل هذا الأذى لشخص آخر وبأي حق، مهما كان خطأ ذلك الشخص فالله وحده هو من يعاقب.
"يعني في أمل إننا نلحقها." قال ماجد.
"خلي أملك في ربنا كبير، المهم دلوقتي أنا محتاج أدوات وحقنة مخدر من الصيدلية؛ لأن تخصصي باطن مش جراحة النوع ده من العقارات مش متوفر معايا، والأفضل إننا نستعجل في شراء الأدوية دي؛ لأن زي ما حضرتك عارف ما فيش غير صيدلية واحدة اللي موجودة في الكفر وكمان بتقفل بدري."
كان منصور يحادثه وهو يخط ما يحتاج من أدوية في دفتر الوصفات الطبية، وقام بفصل الورقة المدون بها المطلوب وناولها لماجد.
عند ريان ووعد.
بعد تقاربهما الذي لولا جملته الأخيرة التي أيقظتها من غمرة مشاعرها، كان قد اكتمل مشهدهما معًا بقبلة، فإذا كانت بدون تقارب قد وقعت له وهامت به عشقًا، منذ متى؟! لا تعرف.
ربما منذ أن رأت صوره على مواقع الإنترنت، حينما طلب منها المدعو زين أن تقوم بعمل هذا الحوار الصحفي اللعين قبل أن تراه وتقتحم قصره بكل غباء.
كل صوره تتصدر مواقع الاقتصاد والمال بوسامته، فهي حقًا تراه وسيمًا للغاية، ذوقها في مدى جاذبية الرجل و وسامته تختلف عن تصور بعضهن فالوسامة من وجهة نظرها تعني رشدي اباظه، محمود ياسين، صلاح ذو الفقار، راسل كرو، وليس حسين فهمي أو حتى ليوناردو دي كابريو.
خطفها شموخه وكبرياؤه وثقته بحاله التي تتضح في كل الصور الملتقطة له.
وعندما إلتقته انبهرت بشخصيته الأمريكية المتحضرة، وفاجئها بشخصيته الصعيدية الصارمة مع خفة الدم المصرية.
"إيه ده؟! هو ده وقته!" دخلت صابحة كعادتها.
استفاق ريان من نشوته في قربها على صوت تلك الصابحة، فتخضبت بالحمرة تلك التي يحتجزها أسيرة بين ذراعيه وبرغبتها وباستجابة مخزية لجسدها أمام خبراته وحنكته بالنساء.
جرت مسرعة تخرج من باب الدوار الخلفي بالمطبخ والمطل على الحديقة القبلية له.
بينما تخصر ريان ملتقطًا أنفاسه من انهيار جبال الجليد بداخله أمامها، يهز رأسه يمينًا ويسارًا بيأس من تلك الدخيلة، وبداخله لسان حاله يتحدث: "كنتِ تمهلتي قليلاً أيتها الملعونة؛ فلو تأخرت قدماك لدقيقة لخضت نعيمًا كنت مشرفًا على بابه."
"بومة، أنتي بومة." قال ريان.
واقترب منها يمسك بجلبابها من الخلف كالمخبرين في حركته المعتادة عند استيائه من أحدهم: "اسمعي يا مرة إنتي، اللي وعيتي له دلوقتي لو جه على طرف لسانك هجطعه، ولو لمحتيني في الدار صدفة ما تجيش في اليمة اللي أنا فيها، ودلوقتي وفي كلمة تكوني خفيتي من وشي."
وما إن أتم جملته تاركًا جلبابها حتى جرت مسرعة هي الأخرى ناحية الباب الخلفي وبهجمة واحدة كان قد التقطها مجددًا جاذبًا إياها من الخلف مشيرًا إلى الباب الخلفي: "مش من هنا،" واتجهت إشارته إلى الجهة الأخرى نحو الباب الداخلي: "من هنا."
فهزت رأسها سريعاً عدة مرات وهي تغير اتجاهها على الفور حيث أشار.
بينما خرج هو من الباب الخلفي يبحث عنها فوجدها تجلس على أحد المقاعد الخشبية بالحديقة، ترفع قدميها إلى صدرها مسدلة العباءة عليهما، تخبئ رأسها بين ركبتيها.
اقترب منها بخطوات واثقة يضع راحته على منبت شعرها من الأمام.
"وعد اللي حصل ده لحظة ضعف، ومش هتتكرر تاني، أوعدك." قال ريان.
فصرخ داخله: "بماذا تعدها يا رجل؟! وأنت تريدها وبشدة."
اما هي فوقع جملته الثانية أشد من الأولى التي أثارت غيرتها، فجملته هذه تعني أن ما ضرب أعماق قلبها الشامخ محطمًا أسواره، يعتبره هو لحظة ضعف، رغبة، أي إهدار للكرامة هذا؟!
رفعت رأسها بحدة قائلة: "هو فعلاً مش هيتكرر تاني؛ لأني همشي من هنا، لا يمكن أستنى هنا لحظة واحدة."
وهبت واقفة لتغير ملابسها عازمة على إنهاء تلك المهزلة، تبًا له ولماله.
وأثناء وقوفها المفاجئ بحدة تعثرت بطرف عباءتها فالتوى كاحلها، وسقطت أرضًا، تصرخ بألم.
جذبها محمد من ذراعها قابضًا على معصمها بقوة، ساحبًا إياها خلفه متجهًا إلى غرفته، يفتح الباب بعنف دافعًا إياها إلى الداخل بحدة، أدت إلى سقوطها أرضًا، وأغلق الباب خلفه بقدمه.
انحنى عليها يجلس على الأرض بجانبها على إحدى ركبتيه، مثنيًا ركبته الأخرى، يقبض على وجنتيها سريعًا بكف يد واحدة، يناظرها بحدة وعينيه يندلع منها ألسنة الغضب.
"انطقي، فيه إيه بينك وبينه؟" قال محمد.
سارة برعب من حالته، وهي تهز رأسها بخوف محاولة تحرير فكها من قبضته، فأحكمها بشدة.
"تقصد مين؟! أنا مش فاهمة حاجة!" قالت سارة بصوت مكتوم.
"الزفت ابن عمك." قال محمد.
نظرت له نظرة مضمونها عن أي هراء تتحدث؟!
ألم تخبره زوجة خالها خارجًا أن ابن عمها طلبها وهي ترفض!؟!
"أنت بتقول إيه؟ ما ا! أنت سمعت مرات خالي وهي بتقول إنه اتقدم لي وأنا رفضاه." قالت سارة والدموع تتلألأ بعينيها.
"ما رفضتهوش رفض نهائي يا هانم، ليه ما قلتيش لعمتي إنه زي أخوكي مثلاً، ولا يمكن تتخيليه أبعد من كده، لا أنتي بتقولي حجج خيبة قال أنا لسه صغيرة، يعني كل المانع الوقت مش إنك رفضاه." قال محمد بغضب.
اندفعت تبعده عنها بهستيرية: "أنت عاوز إيه؟ بتحاسبني بصفتك إيه؟ أنا كنت بفكر أرفض بس دلوقت هوافق."
جن جنونه فهب واقفًا ممسكًا بذراعها يوقفها معه يهزها بشدة قائلًا: "إنتي بتقولي إيه؟ إنتي بتاعتي، فاهمة يعني إيه بتاعتي."
برغم حدته معها ولكن بداخلها فرحة بشدة؛ ها قد التقى طريقهما هي تحبه وهو يريدها، وإن لم ينطقها بعد.
ستلعب على أوتار غيرته ليعترف بعشقه لها الذي يأبى مواجهته.
بعد خروج الصقر وتبعته انجيل، توقفا في الممر المؤدي إلى الغرف أو كما يسمونها القاعات.
"آني آسف عاللي حصل تحت من إشوي، بس في حاجات كتير إنتي ما هتعرفيهاش عن عوايدنا، وعن وضعي أنا بالخصوص." قال صقر مجليًا صوته في محاولة منه لبدء الحديث.
"Really ,i'm sorry, آني مجصدتش أحرجك." قالت أنجيل بأسف حقيقي.
"آني عارف إنك ما تجصديش وإنك اتصرفتي بطبيعتك، وآني كمان ما كنتش أجصد." قال صقر.
"أعتبر ده اعتذار؟" قالت انجيل بعبث.
"مش بالظبط." قال صقر بكبرياء.
"كانك مستكتر تطيب خاطري، يا بيبي." قالت انجيل.
"لاه، مش إكده بس....." قال صقر بنبرة صوت حانية.
قاطعته انجيل مردفة: "إني اعتبرته اعتذار، واتقبلته، وكمان بتأسف لك وبجول لك ما كنتش أجصد أحرجك لكن أني محتاجة أعرف كل حاجة عنيك جوازنا جه فجأة ومحتاجة أتحدت وياك، ممكن بعد ما نطمنوا على سوسن نجعدوا آني وياك لحالنا؟!" (ناوية على إيه يا أنجيل يا بت أم إنجيل)
"بعد ما الدكتور يطمنا، بجول يعني ممكن نجعدوا في المكتب، واعرفك كل حاجة محتاجة تعرفيها، وآني كمان في حاجات كتير محتاج أعرفها، وحاجات عاوزك تعرفيها." قال صقر وقد بدا عليه التوتر والارتباك لما سيقترح.
"ليه في المكتب؟! ما تيجي عندي الجاعة." (ما تتهدي بقى) قالت انجيل.
"لاه عشان اللي هنجولوه مهينفعش جدام إنيتا." (الله أنا ابتديت أشك فيك) قال صقر.
انجيل بعدما استنبطت من حديثه أنه يريد الاختلاء بها لأمر في نفسه، ولا مانع لديها، فبالأخير هو زوجها.
تقدمت منه واضعة كفها على صدره تستشعر نبضات قلبه المضطربة.
قائلة بدلال فطري: "يبجى اچي لك أني جاعتك."
ارتبك صقر من وضعهما هذا فقد يمر أحدًا ممن بالبيت أو إحدى الخادمات، فإذا تم عقد قرانهما فلم يتم زفافهما بعد، وحتى لو تلك المحادثات لا تتم على الملأ في الممر.
"لاه خليها في المكتب عشان ما حدش يشوفك وإنتي داخلة جاعتي بالليل." قال صقر.
لم تجادله فربما هناك حكمة في رفضه تقابلهما في قاعته وهي لا تعلمها.
فأجابته وهي تتحسس عضلات صدره القوية وكأنها تهندم له ياقة جلبابه الفاخرة وأناملها تتلمس بشرته عن عمد في حركة تبدو غير مقصودة، ولكنها بالفعل تريد أن تثير مشاعره وإحساسه بها كرجل.
وقد تم ما أرادت فلمساتها زلزلت الصقر وثباته ضاربًا عرض الحائط بكل الأعراف ورفع يده إلى كفها الذي يعبث بمقدمة ثيابه متلمسًا إياه لمسات رقيقة أذابت الأنثى المحبوسة بداخلها، مقربًا كفها إلى شفتيه طابعًا قبلة على باطنه كرفرفة فراشة تتلمس الضوء.
ضمت انجيل جسدها إليه تستند برأسها على كتفه، مقربة شفتيها إلى عنقه دون تلامس، فأصبحت أنفاسها تداعب بشرته بحرارة أسرت به رجفة لذيذة، رافعًا ذراعه الأخرى بهدوء مهلك يحاوط خصرها بحنان ولطافة، يشدها إليه بنعومة وتناغم مهلك لجسديهما، وهي تخلل أناملها بين أصابع كفه الملامسة لكفها بلمسات مستكشفة لنعومة بشرتها.
وهو يستند بذقنه على أعلى جبهتها المستندة بدورها على كتفه يضم جسدها اللين إليه أكثر وأكثر مستنشقًا رائحتها الخلابة يملأ صدره بعبيرها.
رفعت عينيها وهي مازالت مستندة إليه فلامست شفتيه خدها الأيسر وهي تتمسح به كهرة يدللها مالكها ومالت برأسها قليلاً تناظره بأعين ناعسة، فأصبح يتنفس أنفاسها وأعينه تثبتت جفونها بتصويب على شفتيها المنفرجتين وكأنها تدعوه لتقبيلها، فمال إليها تلبية لرغبة إنتابته واستحوذت عليه؛ ليستشعر أنفاسه داخلها بأن يلامس شفتيها المغريتين بخاصته، وجفونها الناعستين استهدفت شفتيه ترتكز بنظراتها عليهما في تقارب حالمي، وهي تحبس أنفاسها لتستقبل قبلتهما الأولى بأجوائها الساحرة.
وفجأة سمعا صوتًا من العدم يشهق.
"إيه ده؟! حتى إنت يا صقر، دي فرصة وصابت الدار، جرى لك إيه إنت التاني؟!" قالت صابحة (هادمة اللذات).
ابتعد صقر مزمجرًا بخشونة وهو يتنحنح بخجل مجليًا صوته مستدعيًا ثباته الذي بعثرته تلك الانجيل تحت قدميها.
"إيه إنت التاني دي؟! انجيل كانت هتوجع وآني سندتها، يعني ملوش لازة تلجيحك ده يا خالة صابحة." قال صقر بنبرة متحشرجة.
وفي هذه الأثناء خرج ماجد متعجلًا يفتح باب الغرفة.
"خالة صابحة خشي جوه مع الدكتور، عقبال ما أروح أجيب الأدوية اللي طالبها من الأجزخانة." قال ماجد.
دخلت صابحة الغرفة الممدد بها جسد سوسن كجثة هامدة لا يفرقها عن الموتى سوى أنفاسها التي تنم عن كفاحها بين روح تستدعي الموت، وجسد يطالب بفرصة للحياة.
"ايه يا ماجد؟! الدكتور قال إيه؟" سأل صقر.
"مش وقت أسئلة دلوقتي هروح أجيب الحاجات اللي قال عليها الدكتور، وشايف إنت حد لأمها تيجي دلوقتي حالا." قال ماجد.
"طب روح إنت، وآني هبعت أجيبها." قال صقر.
انطلاق ماجد على عجالة يأكل الأرض أسفله بخطوات مسرعة إلى حيث وجهته مستقلًا السيارة التي أصدرت صوت صرير ناتج عن احتكاك إطاراتها بشدة أثناء انطلاقه بها.
وعد صارخة بسبب التواء كاحلها: "آه رجلي."
انخفض ريان سريعاً إليها على ركبتيه بخوف حقيقي.
قائلاً بتلقائية: "وعد جرى لك حاجة يا جلبي؟"
"آه مش قادرة أقف على رجلي." قالت وعد وهي تحاول الوقوف على قدميها.
بحركة سريعة التقطها ريان واضعًا ذراع أسفل ظهرها والآخر أسفل فخذيها مستقيمًا يحملها كطفلة صغيرة.
شهقت بألم وتفاجئ تحيط عنقه بذراعيها تلقائيًا خشية السقوط.
أما هو فتقدم بها إلى الداخل يصعد بها السلم حيث قاعتهما التي خصصها لهم الصقر.
"خشي إنتي جوه عقبال ما الدكتور ده يغور." قال صقر لـ انجيل بنبرة ثابتة بعدما استعاد رباطة جأشه المعهود.
هزت رأسها بإيجاب بطاعة انتشى لها الصقر متجهة إلى قاعتها.
وفي أثناء توجهه إلى الدرج ليهبط كي يرسل عوض إلى دار عمه ليستدعي زوجة عمه.
رأى ريان صاعدًا السلم يحملها بين يديه وهي تئن بألم.
"ايه فيه؟! مالها هي التانية؟!" سأل صقر.
"وجعت برة في الجنينة وكن رجلها اتمزقت." قال ريان.
"الدكتور جوه عند سوسن، يخلص وهبعتهالك." قال صقر.
استكمل ريان طريقه إلى القاعة.
بينما هبط الصقر مناديًا على عوض يعطي له أمرًا بالذهاب إلى دار عمه ليخبر زوجة عمه حفيظة بضرورة الحضور، ولم يكذب الآخر خبرًا وها هو واقفًا يطرق على باب الدار.
فتحت حفيظة الباب ليطل عوض برأسه إليها.
"كيفك يا خالة حفيظة؟!" سأل عوض.
"چاي دلوقتي عشان تجول لي كيفك يا خالة؟!" نهرته حفيظة قائلة.
"لاه، ده الصقر باعتني عشان أجول لك إنه مستنظرك دلوقتي في الدوار وشدد عليا أجيبك في يدي،." قال عوض.
"إيه تجيبني في يدي دي؟! روح وآنا هحصلك." قالت حفيظة.
"لاه، هو جالي أجيبك في يدي ولا عاوزاه يزعج لي." قال عوض.
ارتعدت حفيظة من إصرار عوض، وتشديد الصقر عليه بضرورة إحضارها.
إلتقت طرحتها من مشجب خلف الباب تضعها على رأسها بإهمال تتوجه بخوف إلى دوار الصقر.
بينما قد وصلت سيارة ماجد إلى حيث الصيدلية، فهو يعرف مكانها بالطبع فلقد تربى وشب في هذا الكفر، ويعلم كل شبرًا فيه.
دخل إلى الصيدلية طالبًا الدواء، متعجلًا الصيدلي بسرعة تجهيزه، وجلب كل ما يلزم الطبيب من قطن وشاش ومقص طبي وجفت جراحي وزجاجة معقم ومضاد حيوي قد وصفه الطبيب وخافضًا للحرارة.
وعاود أدراجه مسرعًا، وفي أثناء دخول السيارة من البوابة كان عوض وحفيظه قد وصلا هما الآخران إلى الدوار.
ارتجل ماجد من السيارة يناظرها بضغينة واشمئزاز، أثار الرعب بداخلها، ولكن ليس وقتها الآن.
سيسرع في إنقاذ تلك المسكينة ومن ثم يتفرغ لتلك الحية، فلا بد وإنها السبب فيما آلت إليه حالة صغيرته.
دخل بخطوات مسرعة إلى بهو الدوار يعتلي الدرج أخذًا كل درجتين في خطوة.
دخل ماجد إلى الغرفة سريعًا، يخرج ما بداخل الكيس القابض عليه يرصه إلى جانب الطبيب على الطاولة المجاورة للتخت.
استدار منصور جالسًا على طرف التخت إلى جانب ذراعها المصابة، يلقي نظرة سريعة على ما جلبه ماجد من أدوات وأدوية وعقار مخدر.
"كده تمام." قال منصور.
وأخرج من حقيبته قناعين طبيين ومد يده بأحدهما إلى ماجد قائلًا: "البس دي عشان هتقف معايا تساعدني."
جحظت عيني ماجد قائلًا: "بس أنا ماعرفش حاجة في المجال ده، وكمان أنا ما أقدرش أشوف حاجة زي كده."
برغم من شخصية ماجد الهادئة إلا أنه في المواقف الجدية والتي تحتاج إلى صرامة فهو شخص حاسم مغوار، إلا إنه في ذلك الموقف خاصة لن يستطيع المشاركة في تلك الجراحة حتى ولو بالإشراف والتواجد الصوري كزوج للمريضة.
"طب أنا ما أقدرش أعتمد على الست اللي كانت هنا دي،" قال منصور، يقصد صابحة، "دي كلت دماغي من ساعة ما دخلت وشكلها ما لهاش لا في الطور ولا في الطحين، والوقت اللي بيمر مش في صالحها."
لم يجد ماجد بدًا سوى القبول قائلًا: "خلاص، خلاص، شوف شغلك إنت، وجول لي على اللي إنت عاوزه وأنا هعمله."
بدأ الطبيب بارتداء القناع الطبي والقفازات التي أخرجها من حقيبته.
وأشار لماجد على الأدوات وطلب منه أن يقوم بتقطيع الشاش الطبي إلى قطع كبيرة وتبطينها بالقطن لعمل ضمادات، وهو يخبره سريعاً عن اسم كل أداة لكي يسهل على ماجد مناولته إياها عند طلبه لها.
وبدأ الطبيب يقص كم عباءة سوسن كي يسهل عليه كشف جرحها أمامه.
بعد أن حقنها في ذراعها بالمخدر.
وبدأ يطلب من ماجد أداته الأولى.
"المشرط والشاش." قال منصور.
وما إن لمس المشرط جرحها حتى اقشعرت ملامح وجهها باستياء بالرغم من سريان المخدر بدمها، ثواني وبعدها استكان جسدها بهدوء.
وتفجرت عيون من القيح ذو رائحة كريهة بعد قيام الطبيب بفتحه، وأخذ يقصقص طبقات الجلد الظاهرة حول الحرق، وماجد يتألم لما يرى، وكلما نظف الطبيب الجرح كلما ظهرت طبقة أخرى من طبقات أنسجتها في منظر مؤلم، مستغربًا كيف لها أن تتحمل هكذا ألم؟! وكيف استعدت لهكذا ليلة؟! وكيف كانت تجلس بالأسفل وسط النساء؟!
وبدأت الرؤية أمامه تتشوش، فبالأخير هو بشر وما يفعله الطبيب لا يجيده العامة.
قبل انتهاء الطبيب بلحظات خرج ماجد مغشيًا عليه. (دي ليلة شؤم)
مصطفى وهو يكيل اللكمات لهذا الوقح، ومحاولات الناس لفض هذا الاشتباك، ونزع مصطفى من عليه ولكن استماتت قبضته يأبى نزعها من ملابسه وهو مستمر بلكمه بوحشية.
"أقسم بالله اللي هيحاول يخلصه من إيدي، لا هسيبه هو وامسك فيه." قال مصطفى.
ورأس الشاب تتأرجح يمينًا ويسارًا بسبب لكمه على الجانبين.
ابتعد الناس عن مرمى هذا الثور الهائج، وهي تقف تشاهده وقلبها مبتهج لغيرته عليها، وبئسه في أسر هذا الشاب أسفله، وغلبته له في تسديده للكماته القوية بالرغم من قوة بنية الآخر، ولكن سقط قلبها أسفل قدميها عندما وجدت أربعة شباب ضخام الجثة يتحلقون حول مصطفى الجاثم فوق الشاب وعيونهم تستعر بالجحيم.
فقال أحدهم بصرامة: "ارفع إيدك عنه بدل ما هتطلع من هنا على نقالة."
رفع مصطفى رأسه يواجه ذلك المتحدث ودار بعينيه حوله يناظر الأربع شباب بثبات، وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا دليلًا على رفضه اقتراح المتحدث.
"لسه ماخدتش حق مراتي اللي كان بيعاكسها الو.سخ ده، لسه ناري ما بردتش، واللي هيتصدر له يبقى شبه وما لوش عندي غير إيدي اللي هتشرط وشه." قال مصطفى وهو يزأر.
وضع مصطفى يده إلى جيب بنطاله الخلفي يخرج مطواة جاذبًا صمامها يشهرها في وجوههم، واليد الأخرى تقبض على عنق القابع أسفله، وهبط بالسلاح فجأة يصنع حزًا بالمطواة على ذراع المحتجز رافعًا إياها سريعًا إلى الواقفين.
بينما هي تحادثه بمهادنة واستعطاف وقد أصابها الزعر من منظر الدماء: "علشان خاطري يا مصطفى، خلاص، سيبه."
"اثبتي في إيه؟! ما تصغرنيش." قال مصطفى محادثًا إياها وهو يدير الموقف ببراعة وشراسة وعينيه لا يظهر بهما أي تأثر لمنظر المرابطين أمامه يتحينون غفلة منه لإنقاذ رفيقهم من قبضته.
وجه أحدهم حديثه لآخر: "طب هات لي الوتاكة دي،" وهو يشير إلى همس.
هبط مصطفى بمطواه مرة أخرى سريعاً يصنع حزًا موازيًا للحز الذي صنعه على ذراع المتألم أسفله بشدة.
وهو يصرخ بحدة بصوت خشن: "اللي رجله هتفارق مكانها ولا يبص لها بعينه، هحزمه لكم بالعرض،" مشيرًا بالمطواة على خصر من أسفله فتراجع المأمور بجلبها.
استقام جاذبًا الشاب معه يلف ظهره إليه قابضًا على نحره بمرفقه من الخلف، والمطواة يغرز سنها برقبته صانعة ثقب سطحي يسيل منه خيط رفيع من الدماء، والآخرون يرفعون كفوفهم كعلامة استسلام.
"خلاص يا إبن المجنونة، سيبه." قال أحدهم.
تقهقر مصطفى يتراجع بظهره ناحيتها، فقبضت هي على قميصه من الخلف، فاستدار بها وهي في ظهره بخفة والآخر أمامه مكبلًا مما جعل الباقين يفسحون له الطريق، متراجعًا بهما إلى باب المقهى، وما إن أصبح ثلاثتهم على بابه، أبعد المطواة دافعًا من في قبضته إليهم، ممسكًا معصمها، جاذبًا لها خلفه، يطلقان العنان لساقيهما يبتعدان عن المكان.
بعد جريهما مسافة لا بأس بها وقد ابعدها عن أي خطر، توقف تاركًا معصمها يميل بجزعه للأمام مستندًا بكفيه إلى ركبتيه يلتقط أنفاسًا سريعة مسلوبة من شدة عدوهم كل تلك المسافة، وفعلت هي بالمثل تحاول تنظيم أنفاسها، وما أن رفع رأسه إليها، وتقابلت أعينهم حتى انفجرا في نوبة ضحك هستيرية.
وقف ريان حاملًا لها أمام باب القاعة، يتلفت حوله ربما يرى تلك المدعوة صابحة؛ لتفتح له الباب ولكن عندما أرادها لم تأتي.
"مدي يدك افتحي الباب." قال ريان.
مدت وعد يدها بتململ من شدة الألم تدير مقبض الباب، فدخل يغلق الباب بقدمه متجهًا بها ناحية التخت يضعها بحرص، مادًا يديه يعينها على الاستناد على التخت بظهرها، وهي تضغط بأسنانها على شفتها السفلى لتمنع خروج صرخة ألم بسبب ضغطها على مفصل القدم وهي تعتدل بغير قصد.
كان قريبًا منها وجهه مقابلًا لوجهها وعندما رفع عينيه إليها، وجدها تقوم بتلك الحركة التي أشعلت رغبته بها بداخله من جديد، فابتلع جراء فعلتها تلك يمد أصابعه ليحرر شفاهها مستغلًا ألمها يتلمسهما بأنامله، ما دام لم يكن له الحظ أن يتلمسهما بطريقة أخرى.
لم تستطع وعد كتم صرخة ألمها، فأطلقتها في وجهه وشعر بها في أذنيه كسارينة الإسعاف واضعًا يده على أذنه القريبة منها.
"واه سرعتيني، حالا آهه عشوف الدكتور لو كان خلص هاجيبه واجي." قال ريان.
في الغرفة الموجود بها الطبيب وأمامه سوسن بحالة يرثى لها، وهو يشرف على الانتهاء من تلك الجراحة وتقطيب الجرح بالشاش، وإلى جانبه أرضًا يتمدد ماجد على طوله الأمر الذي لم يستدعي دهشة الطبيب على الإطلاق ولم يستدعي انتباهه أيضاً، مستكملاً ما بدأ وعندما ينتهي سيقوم بإفاقته.
ها قد انتهى وخرج الطبيب من الغرفة، وهو يزيل قناعه يبحث عن أحد ليعينه على نقل الممدد أرضاً بالداخل إلى جانب سوسن على السرير؛ ليتمكن من إفاقته.
فاصطدم بريان عند خروجه للبحث عنه من أجل وعد.
"إنت مين؟!" سأل منصور.
"إنت اللي مين؟ وإيه اللي طلعك إهنه؟!" قال ريان.
"أنا الدكتور." قال منصور.
"جيت بوقتك، تعالى إمعايا." قال ريان.
وجذبه من ذراعه، ولكن منصور لم يستجيب ولم يبرح مكانه.
"تعالى إنت معايا نشيل المصيبة اللي متلقحة جوه." قال منصور.
"واه مصيبة إيه يا فَجري إنت؟!" قال ريان.
"تعالى معايا وأنت تشوف." قال منصور.
"خَلِصني." قال ريان.
وتبعه ريان إلى حيث صار، فوجد ماجد ممددًا أرضًا فاقدًا للوعي.
جذب ريان الطبيب من ملابسه قائلًا: "وجعتك كيف يومك الأخبر ده، إنت عملت فيه إيه؟!"
"ده هو اللي وقع من طوله، وأنا بعملها العملية." قال منصور مفسرًا.
"بتجوله إيه إنت؟! إنت مخبول، ولا مبرشم، ولا حكاية أهلك إيه عاد." قال ريان وقد استشعر أن من يدعي أنه طبيب هذا؟! يهذي عن أي عملية يتحدث؟!
"شيله بس معايا، وأنا هفهمك عشان باين ضغطه وطي ومستحملش وأغمى عليه." قال منصور وهو يميل على ماجد يحاول رفعه من أحد ذراعيه مجيبًا ريان.
عاونه ريان في حمله، ووضعاه إلى جانب سوسن في الفراش من الجهة الأخرى حتى لا يكون قريباً من الجرح، وقام الطبيب بحقنه هو الآخر قائلاً لريان: "ساعة وهيفوق."
"طب تعالى إمعاي الجاعة التانية، عاوزاك، محتاچك ضروري." قال ريان.
"ما تضبط كده، فيه إيه؟! جاعة إيه؟! وعاوزاك إيه؟! أنا دكتور محترم على فكرة." قال منصور وهو يناظره بريبة ولسان حاله يقول: (كانك مش مضبوط ياض).
"قصر بدل ما أعملها إمعاك وخلصني." قال ريان بعدما التقط مغزى حديثه.
"ده إيه بيت المجانين ده؟!" قال منصور.
"بتقول حاجة يا دكتور؟!" سأل ريان.
"بقولك اتفضل قدامي." قال منصور.
"فوت إنت جدامي." قال ريان.
"لاء أنا وراك أهو." قال منصور بريبة.
تقدم الاثنان بخطوات محازية، وما أن أدار ريان مقبض الباب حتى وجد...
رواية وعد ريان الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماء حميده
سارة وهي تنفض يده بعيداً عنها: لا يا بوب، أنا مش بتاعت حد.
ثم، أنا مش فاهمة إنت إيه اللي مضايقك؟! عريس و متقدم لي.
وبعدين ده مش غريب، ده إبن عمي، يعني هيخاف عليا زي ما توحة قالت، وبعدين باين عليه شاري.
هو صحيح ماكلمنيش في حاجة، بس تصدق شكله بيحبني قوي يا بوب، هيح ما أنا أتحب برده.
اقترب منها ممسكًا بأذنها يقرص عليها: سيرته لو جات على لسانك تاني هقطعهولك، وتفكير في اللي إسمه علاء ده ما يحصلش، و إنتي مش هتكوني غير ليا، إنتي فاهمة؟
سارة: آه، آه، ودني.
تركها محمد على مضض، ففرت تلك الشقية هاربة إلى خارج الغرفة، و أغلقت الباب خلفها، ثم عاودت فتحه من جديد، وهي تطل برأسها من فتحته، تخرج لسانها له قائلة: علاء، علاء، علاء.
وأغلقت الباب مسرعة تتجه إلى الصالة، فهنالك لن يستطيع التفوه بكلمة أو رد فعل بحضرة أمه و أخته.
اندفع خلفها وجدها تجلس بين أمه و أخته هناء، و تحية تستجوبها: ها يا سارة يا بنتي؟ قلتي إيه ربنا يهديكي؟
ناظرته سارة بأعين ماكرة وهي تتصنع الخجل: الله بقى يا مرات خالي، ما تكسفنيش.
انشرحت أوداج تحية مرددة: يبقى على بركة الله، أما أقوم أفرح أمك.
تقدم الطبيب منصور إلى حيث قاده ريان وما إن أدار ريان المقبض حتى شهق منصور؛ عندما وقعت عيناه على وعد بجمالها في هذا الزي ولون عينيها الساحرتين وسلاسل الذهب خاصتها المعقوصة على أحد كتفيها.
منصور وهو يقف بمحاذاة ريان على باب الغرفة وعيناه مسلطة على وعد يفتح فمه ببلاهه: هو فيه كده؟!
ريان: عتجول إيه إنت؟! ومالك عتبحلج إكده ليه؟!
منصور ولا زال على حالته البلهاء تلك، وهو متسع العينين رافعًٌا كفيه إلى عينيه يفركهما، وكأنه لا يصدق ما يرى.
منصور مقلدًا ريان: أبحلج! ده أنا عيني هتنط والله، أديك 100 بجرة وتچوزني البت دي.
وتجاوزه منصور ليتقدم داخل الغرفة.
تقدم منه ريان يقبض على ملابسه بحركته المعتادة.
ريان وعينيه تطلق شرارًا: ايه يا لاه ما لك؟! كيس جوافة أنا واقف قدامك؟! ده نهار الست الوالدة مش فايت.
منصور: إيه يا عم إنت؟! بتقول إيه؟! إنت مش كنت رفيع بيه في نفسك من شوية! إيه جو الشبحنة اللي إنت راكبه ده؟! وبعدين ليه الشتيمة بالأم طه؟! أقول لك ما تروح تشقر على واد عمك في الجاعة التانية.
جحظت أعين ريان مما يقول: إنت بتوزعني، و كمان بتتريق يا روح أمك، اظبط دي مراتي.
منصور بخيبة: أوف، هو إنت وقرايبك لهفتوا القشطة اللي على الوش كلها، وسايبين لنا إحنا القعر.
ريان في محاولة لإستدعاء كل ثباته الإنفعالي: اللهم طولك يا روح، يا بني آدم، مش عاوز أمد يدي عليك لساتني عاوزك.
منصور: إيه عاوزك، عاوزك دي؟! ما تخلينا أخوات أحسن؟
ريان: أهلاً، المعتيه زادوا واحد.
منصور بزهو: لا، زيي ما تلاقيش، أنا أصلاً كنت عاوز أدخل معهد تمثيل، بس الحج الله يرحمه أصر أدخل هندسة.
ريان وقد استدارت عيناه من حديث من يدعي أنه طبيب: عتخرف تجول إيه إنت؟! هندسة إيه دي اللي عتخرچ دكاترة؟!
وعد وهي تتألم ناقلة أنظارها بينهما: خلصتوا الفقرة؟! عشان بس فيه حد بيتألم هنا؛ لو ما كانش هيضايقكم يعني!
ريان وهو يدفع منصور إلى الأمام بدفعة قوية في ظهره بيده فكاد أن يتعرقل: إتفضل شوف شغلك، يا دَكْتور البهايم إنت.
منصور بعد أن استعاد توازنه بعد الدفعة التي نالها من ريان، وهو يناظر وعد بتسبيل: أحلى بهايم والله.
وعد بثورة، وهي تناظر منصور بغضب: نعم ، إنت بتقول ايه؟!
منصور وهو يشير إلى ريان: مش أنا اللي قلت، ده هوه.
ريان: كلمة كمان و هبندجك مكانك، يا حزين إنت.
منصور مستدعيًا الجدية بعد تهديد ريان: خير يا مدام؟! بتشتكي من إيه؟
ريان: وجعت، و رچلها إجت تحتيها؟!
منصور وهو يقترب من التخت يجلس على طرفه بجوار قدميها مادًا يديه يتفحص إحداهما.
منصور: ما لها رجليها؟! ما هي جميلة وزي الفل أهيه؟
ريان بعد أن بلغ صبره منتهاه، قام بصفعه على مؤخرة عنقه من الخلف بعنف، فإرتدت رأسه إلى الأمام قائلًا: مش دي، التانية.
قام منصور بفحص القدم الأخرى تحت نظرات ريان المستعرة قائلًا: ده إلتواء في الكاحل، مش كسر الحمد لله، هكتب لك مسكن ودهان مرتين في اليوم، و لفيها برباط ضاغط لمدة تلات أيام، وأنا دلوقتي هرشلك عليها مخدر موضعي، و هبقى أجي بكرة أفحصك مع إنه مش تخصصي، بس تكرم عيونك.
ريان: ليه يعني مش جولت حاچة بسيطة؟!
منصور و هو يناظر وعد بنظرة هائمة: فعلاً، بس عشان أشوف الرباط.
ريان بصوت غاضب وهو يزأر جاذبًا له من إحدى ذراعيه: تعالى إمعاي وآني اللي عفحصك.
منصور بهلع: تفحصني ليه؟! أنا تمام الحمد لله.
ريان: لاه، ما هو هبابة، و عندورلك على متخصص، بس ماعرِفش لسه عيكون عظام، ولا إيه عاد.
كان الصقر بالأسفل في بهو الدوار، عندما حضرت حفيظة زوجة عمه بصحبة عوض.
عوض: آني چبتها في يدي زي ما جُولت لي، يا صجر.
صقر: براوة عليك يا عوض، روح انت دلوك.
عوض: لاه لمن جولت لي أروح أچيبها جولت لك إني ليا عِنديك طلب، وانت جولت لي لمن تعاود يا عوض، وآني لساتني ما طلبتش.
صقر بنزق: جول يا عوض، وخَلِصْني.
عوض: آني عاوز أطمن عليها، و أشوفها عشان كانت عبتبكي برة في الچنينة، وبعدين وجعت و آني لازمن أشوفها بس، هه.
صقر بعدم فهم: تجصد مين يا عوض؟!
عوض: البت البيضا البياضة، أم عيون مِلَوْنة ديّ.
كان ريان يهبط الدرج وهو ممسكًا بملابس الطبيب من الخلف كالمجرمين، وهو يكيل له السباب بكل الألفاظ النابية التي يعلمها الجميع، وما لا يعلمها البعض الآخر، ولا يخلو الأمر من بعض التطول باليد.
في أثناء هبوطه استمع لما قاله عوض فتمتم: واه يا ولاد، وآني هالجيها من سي عوض، ولا دَكْتور الغبرة ده !!
منصور: بتقول حاجة يا كبير؟!
ريان وهو يبتسم إبتسامة شر مجيبًا منصور: لاه، ولا حاچة، كل ما هنالك بفكر عربطك في السجرة اللي في الچنينة الجبلية، ولا اللي في الچنينة البحرية؟! ويا ترى تحبها سنجل ولا دبل؟!
هز منصور رأسه بنفي مجيبًا بإندفاع: لا سنجل، أنا ما بحبش الشركة حتى لو في الغدا.
ريان: هَزِر، هَزِر.
وبعدما أجاب منصور على ريان ارتدت رأسه سريعاً إلى ريان حينما استوعب ما الذي يخيره فيه.
منصور باستعطاف: لا، أبوس إيدك، أنا دكتور محترم وليا اسمي.
ريان: ما تجلجش، ما حدش هيوعلنا.
منصور بارتياب: تقصد إيه؟! على فكرة أنا هتربط ضهر في ضهر في الشجرة، ما عنديش مشكلة لكن...
ريان مقاطعًا: ما آني جصدي إكده، ولا إنت ليك شوج في حاچة تانية؟
منصور: لا كده تمام قوي بينا على الجنينة البحرية.
دب ريان الأرض بقدميه يجز على أسنانه من سماجة هذا المنصور، ومن تبجح هذا العوض، فهذا يغازلها أمامه وذاك يريد رؤيتها والاطمئنان عليها.
أثارت محادثات ريان والطبيب انتباه الصقر القابع في بهو الدوار مع حفيظة وعوض، وهاله منظر ريان وهو قابض على الطبيب كاللصوص، ولكن بداخله شامتًا في هذا المتبجح.
اقترب الصقر من سور الدرج تاركًا خلفه حفيظة ترتجف وعوض يناظر ريان والطبيب بدهشة و استغراب.
صقر لريان: ما له دِه؟! عِمل ايه؟!
ريان: عمله أخبر وتناه طين، خلي اللي چارك ده، و أشار إلى عوض، يِلَفِيني حبل، ولا أجولك خليهم تنين ✌️ ويحصلني على الچنينة البحرية.
صقر باستفسار: عاوز حبل ليه عاد؟!
ريان: دلوك تِعْرِف.
وإتجه ريان بمنصور إلى الخارج.
بينما أشار الصقر لعوض بالذهاب لإحضار المطلوب، وكأن الصقر كان ينتظرها ليتشفى في منصور، ولكن نظرًا لمنصبه لا يستطيع فعلها، فترك الأمر لريان.
تبع الصقر ريان إلى الخارج، وقد أحضر عوض الحبلين.
قام ريان بدفع منصور، فإرططم ظهره بالشجرة، فأخذ يصرخ الآخر بعويل مستنجدًا بصقر.
منصور: صقر باشا الحقني، حوش عني قريبك ده، دي رايحة منه على الآخر.
استعرت أعين ريان بالغضب قائلًا: تَجِّل في حسابك يا واكل ناسك إنت، الله في سماه ما عينچدك من يدي غير عزرائيل.
الصقر بمماطلة فلقد راقه الأمر: ما تفهمني يا واد عمي إيه فيه؟!
ريان: الجرد أبو سديري ده، واجف جدامي فوج يعاكس مراتي من غير حية ولا خشة.
الصقر وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا وهو يقترب منهما: تؤتؤ، لاه، ما تجولش ، دكتور عيتحرش بمريضة عينديه!! لاه وكمان إهنه في الصعيد!!
استدارت أعين منصور من إتهامات الصقر له: ما حصلش، دول كلهم كلمتين غزل عفيف والله.
اقترب ريان من منصور: ابجى اثبت.
ريان لعوض: لافيني الحبل يا عوض، وتعالى عاوزك.
مد عوض يده لريان بالحبل مبتهجًا لما يحدث وكأنه يشاهد عرضًا للسيرك القومي.
عوض: إيه ده؟! إنتوا عتلعبوا من غيري؟!
ريان مبتسمًا بشر: لاه ياعوض، إنت معنا في اللعبة، أمال آني طالب الحبل التاني لمين؟!
عوض: صوح.
ريان: عغشك؟! بس يدك إمعاي لول لمن نربطوا الدكتور في السجرة، وبعدين اربطك إنت التاني، عشان نلعبوا إستغماية.
عوض: بس آني بلعبها ويا العيال في الكفر، وما عنربطوش أيتُها حد.
ريان: لاه ماهي دي طريجة چديدة، شهل إنت عاد وآني عفهمك.
اقترب عوض وهو يصفق بيديه في حماس شديد، يعاون ريان في صلب الطبيب بجذع الشجرة والذي أخذ يترجى ريان بأن لا يفعلها، ولكن لا من مجيب.
وما إن إنتهى ريان مما يفعله بمعاونة عوض، تحت نظرات صقر الشامتة ، و ابتسامته التي يحاول كبحها، واستمتاعه الذي لم يخفى على ريان، فلا بد و أن الصقر له ثأر بائت مع منصور.
عوض: إجه دوري.
صقر: لاه كله إلا عوض.
ريان بمساومة: إكد هتبوظ اللعبة، ما هو يا إمتن عوض إمعنا في اللعبة، يا إمتن هفك الدكتور، و اسيبه يروح لحاله.
منصور بنبرة موشكة على البكاء: لا يا صقر باشا، كله إلا عوض، يهون عليك عوض؟!
عوض: ماليكش صالح إنت، آني عاوز ألعب وياكم.
صقر: أهو جالك، ما ليكش صالح.
تنهد الصقر قائلًا: هه، لله الأمر من قبل ومن بعد.
صقر موجهًا حديثه لريان: خَلِّص وحصِلني.
ريان: لاه، لسه عروح أچيب الدوا اللي كاتبه المحروج(ق)ده، وهرچع أكمل لعب وياهم لأدان الفجر.
عوض وهو يبتسم بإتساع: يلا اربطني بسرعة و روح إنت عشان تاچي بسرعة.
ريان بإبتسامة ماكرة: حبيبي يا عوض.
وقام ريان بصلب الآخر إلى جذع الشجرة المجاورة، وعندما انتهى ريان مما يفعل، قام بنفض يده.
صقر: شهل، و آني عتصلك بالدكتور رؤوف اللي ماسكلي الصيدلية يستناك لغاية ما توصل، ألا ده معاد مرواحه.
ريان: فينها الأجزخانة دي؟!
صقر: هو فيه غيرها! اللي على أول الكفر چار السكة الحديد.
اتجه ريان مسرعًا إلى السيارة في عجالة؛ ليلحق بالطبيب الصيدلي، قبل إنتهاء مفعول المخدر الموضعي الذي رشه منصور على قدم وعد المصابة؛ لحين إحضار المسكن والرباط الداعم.
عاد الصقر إلى داخل الدوار، وجد حفيظة تجلس على أحد المقاعد بالبهو، وما إن رأته حتى انتفضت واقفة.
حفيظة: ما جولتليش شيعتلي ليه يا كبير؟!
الصقر بشك لإرتيابها: ما عرفش ليه؟!
حفيظة وقد بدأت تتصبب عرقًا: لاه ما خبراش، وآني هعرف منين؟!
الصقر وقد تيقن أنها تخفي أمرًا ما: ازاي تهملي بتك بحالتها دي، مهمن عملت؟! وتروحي تنامي في فرشتك! طب ما همكيش الحريم عيجولوا إيه عليكي وعليها!!
حفيظة: آني ماحدييش بنتة، ولو كنت هملتني كت كتلتها بيدي دي.
صقر: وطي حسك لحد يوعلنا، ويسمع حديتك اللي ما لوش عازة ده، الموضوع ده تجفلي عليه، و إشوي و أطلعي شجري عليها، وخلي الحريم كلتها اللي في الدار توعى لك وإنتي طالعلها؛ عشان نِحْفَظوا شكلنا جدام الناس، ألا بعمايلك دي عتخربي اللي ردمنا عليه.
أولاها الصقر ظهره متوجهًا ناحية المكتب، ولكنه استدار إليها مجدداً ناظرًا إليها بسخرية: وما تنسيش تنزليلك دمعتين عشان تحبكي الدور صوح.
استكمل الصقر طريقه تاركاً إياها لتجلس مثلما كانت، وهي تشيح له بيدها بعدما استدار مبتعدًا عنها، بمعنى الأمر لا يهمني.
دخل الصقر غرفة مكتبه، وعقله ما زال شاردًا هناك في الممر، عندما كانت ذائبة بين يديه، وهو ذائب بدفئها وجنونها الذي سلبه عقله، وأشعل حواسه بلهيب من الرغبة، رغبة رجل لإمرأة فتنته منذ النظرة الأولى، و أثارته لمسة منها، وتساءل كيف يكون العشق على طريقة انجيل؟!
شرد بخياله لما كان وما كان يمكن أن يحدث، لولا قدوم صابحة، تساءل عن مذاق شفتيها، ورحيق أنفاسها الذي استشعره وهو بقربها، وهام يستكمل مشهدهما في خياله متلذذًا به، كما لو كانت حقيقة ملموسة بين يديه يضمها إلى صدره.
لم يستفق إلا على بوق السيارة التي يستقلها ريان، وهو يعطي إشارة للحارس بفتح البوابة، ناظرًا إلى ساعة يده الفاخرة، و التي أعلنت عقاربها على تمام الساعة 10:00 ليلاً.
دخل ريان إلى الدوار، وجد سيدة ما تجلس على أحد المقاعد، ولم تريحه هيئتها، ولم يستصيغ نظراتها المتفرسة له.
ولكنه لم يشغل بالًا للأمر، و ألقى سلاماً عابرًا يجتاز الدرج، ومنه إلى الممر.
وجد صابحة تخرج من القاعة المخصصة له هو ووعد، وحينما وجدته أمامها، شهقت وهي تبثق داخل مقدمة جلبابها متمتمة: سلاماً قولاً من رب رحيم.
ريان: عتجولي إيه يا مراة إنتي؟! عفريت آني إياك؟!
صابحة بتهتهة: لاه ألعن.
ريان بغضب: واه، كانك اتچنيتي، وآني مافايجلكيش، أخفي من جدامي الساعة دي، إلا وقسمًا بالله هشجك نصين.
هرولت صابحة تتجاوزه هابطة إلى الطابق السفلي.
بينما تقدم هو ناحية باب القاعة يدير المقبض؛ ليفتح الباب فرأى ما جعله يتراجع ثانية إلى الخارج مغلقًا الباب مرة أخرى.
عند ماجد بعدما قام الطبيب بحقنه وبعد إغمائه بسبب ما رآه أثناء إجراء تلك الجراحة.
وقلبه الذي آلمه على تلك الصغيرة المسكينة، وناهيك عن ما عاناه في ذلك اليوم، من سفر، وقيادة لمدة ثمان ساعات، وصعوده إلى الجبل مرورًا بما حدث هذه الليلة، التي لم يغمض له جفن بها.
استسلم إلى دوامة الإغماء والإرهاق، ولم يفق سوى على صوت أنين وصرخات مكتومة، تنم عن استغاثة، فبدأ يفتح جفنيه رويدًا، مع صوت فتح الباب و ارتطامه بالحائط مما أصدر صوت ضجيج و صوت كريه كصاحبته: فا.چرة ، ما صدجتي ونايمة چاره، ما صبراش لمن تدخلوا؟! و اترميتي في حضن إبن اللي كتل أبوكي.
تنقلت نظرات ماجد بين من تتحدث ولم تكن سوى حفيظة زوجة عبد الحميد الزيدي، و أم سوسن فهو يعرفها تمام المعرفة وبين القابعة إلى جواره لا تستطيع الحركة، فقط عيناها تحدق بنقطة ما بالسقف، وسيل من الدموع ينهمر على وجنتيها.
ماجد موجههًا حديث إلى حفيظة: إنتي إزاي تدخلي إكده من غير إذن.
حفيظة وهي تضع يديها على جانبيها متخصرة: لا هوه آني محتاچة الإذن عشان ادخل ولا محتاچك إنت تعرفني إيه اللي يصوح وايه اللي ما يصوحش؟!
استقام ماجد من جلسته واقفًا ونظراته الغاضبة لا تحيد عن تلك الحية التي تنفث سمها في وجههما مقتربًا منها، ومن ثم قبض على نحرها، يحذرها بفحيح: مراتي خط أحمر، واللي عملتيه فيها ده ما هيعديش بالساهل، اطمن عليها لول، و أروج لك يا مراة إنتي، ودلوك فرجينا، بدل ما أطلع روحك بيدي دي.
وتركها ماجد وهو يدفعها، فسعلت بقوه وهي تشهق ملتقطة أنفاسها كمن يغرق.
خرجت حفيظة من الغرفة وهي تسب وتلعن مرددة: الفاچرة، ساحرة لرچالة نصار.
بينما عاد ماجد إلى التخت، بعدما أغلق الباب خلفها بقوة لاعنًا إياها.
ماجد لسوسن: كيفك دلوك.
استشفت من حديثه أن هذا هو من تم عقد قرآنها عليه اليوم فهي لم ترفع وجهها إليه و لا تعرف إسمه حتى.
أجابت سوسن بوهن: الحمد لله.
ماجد: آني هشيعلك حد بالوكل عشان تاكلي وتاخدي دواكي.
سوسن وعينيها تزرف دموعها بقهر: تسلم وتعيش، آني ما ليش نفس لوكل ولا لغيره.
آلمه نبرة صوتها المقهورة، ودموعها المنهمرة بصمت، ولمسته كلماتها برغم عفويتها وبساطتها (تسلم وتعيش) كانت كلمتيها تلك لهما وقع مميز لديه، ولا يعرف ما سبب تلك البسمة التي تسللت إلى وجهه وهو يحادثها بإسترسال وكأنه يعرفها من قبل: لاه، لازمن تاكلي عشان الدكتور كاتب لك مضاد حيوي شديد ولازمك غذا، وكمان آني چعان وماعحبش آكل لحالي، آني هچيب الوكل إهنه ناكلوا لجمة سوى.
ليس لديها طاقة لتجادل أو ربما راقها الأمر؛ فهي لم تحظى هكذا إهتمام من قبل، سوى الفترة التي حاول بها رضوان الإيقاع بها في حبال هواه الذئبة، وبعدها ظهر على حقيقته.
لم تجيبه ولكنها اكتفت بإيمائة من رأسها.
خرج ماجد من الغرفه ليحضر لها وجبة تساعدها على استعادة عافيتها بعد ما نزفته من دماء، أثناء قيام الطبيب بتنظيف الجرح، ولكنه أثناء ولوجه إلى ممر القاعات وجد ريان واقفًا أمام أحد الأبواب يحك ذقنه بيده في تفكير، كمن يبحث عن حل لأزمة الشرق الأوسط.
اقترب ماجد منه ولا زال ريان على حالته من الشرود.
ماجد: واه، واجف إكده ليه يا واد عمي؟! وسرحان في إيه عاد؟!
ريان: آني بايني خربط في الجاعة.
ماجد: طب ما تخبط الول هي مش وعد چوة؟! وبعدين إيه حكايتك وياها يا واد عمي؟! البت شكلها زينة وبت ناس، ما تچيش على الولاية يا خوي.
ريان: ليه عتجول إكده؟! آني ما فيش في نيتي ليها حاچة عفشة، وبعدين كلتها يامين وكل حي يروح لحاله.
ماجد: ما باينش، آني نازل تحت وهعاود، وإنت بلاها الوجفة دي.
انصرف ماجد تاركًا إياه في حيرته وأخيراً حسم أمره سيطرق على الباب، ربما تلك التي رآها في المرة الأولى عندما دخل إلى الغرفة بعد خروج صابحة كانت إحدى الخادمات الأخريات بالدوار، تعاون وعد وتعتني بها.
ولكن لما تلك المتشحة بالسواد تأخذ مكان وعد بالتخت؟!
مصطفى بعد أن أنهكه العدو وما مروا به خلال الساعات المنصرمة.
وقف يلتقط أنفاسه مستندًا بكفيه على ركبتيه يلهث بشدة، وفعلت همس بالمثل، ورفع الإثنين رأسيهما، وما إن تقابلت الأعين، حتى انفجرا كلاهما في نوبة ضحك هستيريا.
استفاقت من غمرتها على راحته التي تتلمس كفها برقة محتضنًا إياه بكفه يخلل أصابعه بخاصتها يناظرها بأعين ولهة: إنتي جميلة قوي يا همس.
ابتسمت بخجل مطرقة رأسها وقد اشتعلت وجنتيها بحمرة الخجل، مما زادها حسناً.
مصطفى: لا مش وقت كسوف، أنا لسه خارج من المعركة، يعني محتاج جرعة حنان، وسندوتشين كبدة.
رفعت همس رأسها تناظره مزبهلة: إيه؟!
مصطفى: أيون، أنا فرهدت، ولازم أشحن، بينا ناكلنا لقمة في اي حتة، بدل الأكل اللي راح في المعمعة.
همس وهي تهز رأسها بنفي: لا، لا، Impossible كفاية قوي لحد كده، إنت كل مكان تاخدنا ليه بمصيبة.
مصطفى براءة: أنا؟! أنا مش بتاع مشاكل.
ناظرته همس رافعة إحدى حاجبيها وكأنها تقول له أحقًا.
فأجابها مصطفى: طب وعهد الله ما بتاع مشاكل.
في تلك الأثناء رن هاتفه برقم والدته، فضرب بكفه على مقدمة جبهته قائلًا: وأنا أقول ناسي ايه؟! ناسي إيه؟! أتاريني مسقط نوجة.
ضغط مصطفى زر الإجابة واضعًا الهاتف على أذنه مجيبًا: ست الحبايب يا حبيبة.
نجوى: أنتوا فين يا مصطفى؟! من الصبح لا حس ولا خبر ؟!
اجابها مصطفى: معلش يا نوجة أصل الظابط كان سئيل حبتين وكمان.....
ضربته همس بقبضتها على ذراعه نافضة كفها من قبضته تناظره بضيق بنظرة ترسل رسالة صريحة إياك و إخبارها.
نجوى بقلق: وإيه اللي وداكم القسم؟! وعد جرى لها حاجة؟!
مصطفى: لا يا أماه، دي لسه قافلة مع آنسة همس دلوقتي وطمنتها، ده واحد صاحبي كان ممسوك تحري وماعهوش بطاقة ففت على القسم ضمنته و أدينا جايين في الطريق.
نجوى بعدما اطمئنت على وعد: طب ما تتأخروش يا ابني عشان الناس ما وراهاش غير الكلام، ومش عاوزين حد يقعد يلقح في الراحة والجاية دي مهما كان ما تحللكش.
مصطفى بإبتسامة: ما خلاص يااماه حللت قصدي اتحلت و أدينا راجعين، نصاية وهنبقوا عندك.
استوقف مصطفى إحدى سيارات الأجرة عائدًا إلى المنزل بصحبتها.
بعد وقت قصير توقفت سيارة الأجرة أمام بوابة البناية، وارتجل مصطفى منها، مادًا كفه إليها يعاونها على الهبوط، مصطحبًا إياها إلى داخل البناية، بعدما فتح البوابة بالمفتاح الذي بحوزته مغلقًا إياه خلفهما.
وقف الاثنان في مدخل البناية.
مصطفى: اطلعي إنتي وأنا واقف مستنيكي لغاية ما توصلي فوق.
هزت همس رأسها بطاعة، و استدارت تعتلي الدرج.
وما إن همت لتبتعد عن ناظريه، جذبها سريعاً إليه يضمها إلى صدره بشغف دافنًا رأسه بعنقها، يملأ رئتيه بعبقها الأخاذ طابعًا قبلة رقيقة على خدها الأيسر، وهي مستسلمة لدفء أحضانه، و قد توقف عقلها عن العمل، وبقى قلبها الراغب المستشعر لكل لمسة منه وكأنها جزءًا منه، وهو جزءًا منها.
بقيا هكذا، لا يعلمان كم مر عليهما من الوقت، هو يأبى تركها، وهي تشعر بأنه ملجأها وسكنها وراحتها، وفارسها الذي طالما حلمت به.
رفع رأسه إليها وجدها مغمضة العينين، و أنفاسها المتلاحقة تخبره بمدى تأثيره عليها.
رفع كفه يتلمس وجنتيها برقة ومال بوجهه يناظر شفتيها برغبة جائعة نابعة من عشقه لها.
رواية وعد ريان الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماء حميده
بعد أن ترك ريان في حيرته، هبط ماجد إلى الأسفل ليحضر لهما طعامًا. سمع صوت هرج ومرج بالخارج، فخرج من الدوار ليستكشف ما في الأمر. فهرع إلى هذين المكبلين بالأشجار ظنًا منه أن هناك من تهجم على الدوار من لصوص أو ما شابه، وأنهم من قاموا بتقييدهما هكذا.
أسرع يحل وثاق الطبيب أولاً وهو يسأله مستفسرًا:
"إيه اللي حصل؟ ومين عمل فيكوا إكده؟"
أتم ماجد سؤاله مع حل آخر عقدة باليد. فأجابه منصور:
"أنت دريان بحاجة! ما إنت متبغدد جنب الو.تكة بتاعتك فوق، وسايب ابن عمك يمرمط فيا، ماكنش العشم يا ميجو."
ماجد بغضب:
"بتجول إيه يا حزين إنت؟ وإيه وتكة دي؟"
منصور برهبة من ثورته:
"حزين! ده آخر بوء ابن عمك طرشه في وشي قبل الربطة السودة دي."
ماجد بتساؤل:
"صقر؟"
منصور:
"لا يا ميجو، اللي متجوز الفرتيكة أم عيون ملونة."
ماجد:
"إيه ميجو دي! انت بتعَـاْصِبني ولا إيه؟ وبعدين إيه وتكة وفرتيكة دي عاد؟ دي ألفاظ دكاترة دي؟"
منصور:
"إيه يا ميجو؟ ما يبقاش خلقك ضيق كده زي ابن عمك السئيل ده."
ماجد وهو ينفخ بغضب ممسكًا بتلابيبه من الخلف في عادة اكتسبها من ريان:
"مين ده اللي سئيل يا دكتور على ما تُفرچ إنت! صدّج وآمن بالله! ريان عندي حج، وآني غلطان إني فكيتك، إنت الرابطة دي أجل عجاب ليك، ودلوك غور من إهنه جبْل ما يوعلك ريان، وساعتها ما ضامنش هيعمل إمعاك إيه تاني عاد!"
منصور وهو يهرول مبتعدًا بعد أن أنسل من قبضته واستدار له قائلًا:
"طب بالإذن أنا يا ميجو."
وأثناء إسراعه بالفرار اصطدم بشيء ما، وهو يوجه حديثه لماجد دون أن ينتبه أمامه، فأخذ يتلمس الحائل الذي ظهر أمامه من الفراغ. وبسبب الظلام والعتمة التي خيمت على المكان لم يتمكن من الرؤية جيدًا.
منصور:
"وبعدين في الليلة اللي مش فا.يتة دي ده أنا فاضل لي الڤمباير (مصاص دماء) وأبقى كملت سلسلة الرعب."
"مالك يا دكتور؟ إيه فيك؟"
"بتتحدث نفسك چنيت إياك؟"
منصور بعد أن ميز هوية المتحدث من صوته:
"كده برده يا صقر باشا تسيب ابن عمك يستفرد بيا؟"
صقر وقد راقته هيئته المذعورة تلك:
"واد عمي مين؟ ومين ده اللي استفرد بيك؟ تلجاك بيتهأيلك ولا حاجة أصل الشمس عندنا في الصعيد شديدة، تلجاك خدتلك ضربة شمس."
منصور وقد بدأ يشك بحاله بسبب الثقة والرزانة التي يتحدث بها صقر، وأخذ يفرك جبهته بتفكير:
"أمال مين اللي ربطني في الشجرة أنا وعوض؟ وماجد جه وفكني."
واستدار مشيرًا إلى مكان عوض وماجد فلم يجد أحدًا منهما، فارتد ببصره سريعًا إلى صقر ولم يجده هو الآخر، فأخذ يصيح:
"عفاريت، البيت ده مسكون."
واندفع سريعًا يخرج من البوابة، وبسبب الذعر الذي تملكه أخذ يتعرقل حتى كاد أن ينكفئ على وجهه عدة مرات. والصقر وماجد يناظرانه من بعيد وأعينهم قد أدمعت من شدة الضحك.
الصقر من بين ضحكاته:
"تلجاه دلوك وصل مصر چري."
ماجد:
"برغم سلاطة لسانه، بس صعبان علي والله، چابه لحاله، بس إيه اللي خلى ريان يعمل فيه إكده؟"
صقر:
"ما إنت جولت چابه لحاله، ابجى اسأل واد عمك، ألا جولي إيه فيها مراتك والدكتور المخبول ده جـال إيه؟"
ماجد:
"فكرتني صوح، آني طالع لها."
واستدار ليغادر، ولكنه عاد إليه مرة أخرى.
ماجد:
"صقر، آني هكلم عمي ياچي؛ لاجل ما نتمموا موضوع الچواز ده، بت عمك ما هتروحش دارهم."
انشرحت أسارير الصقر وكل ما يهمه الآن هو أنه سيحظى بها.
صقر:
"صوح اللي عتجوله ده يا ماجد؟ جصدي عشان نرتبوا حالنا."
لم ينتبه ماجد لما قاله صقر، فهو شارد في ما اقترح بتجهم. فمنذ ساعات قليلة كان يستنكر فكرة زواجه بتلك الطريقة من امرأة لا يعرفها بالرغم من تطوعه ليحل ريان من تلك الزيجة، فبالأخير طه والد ماجد هو السبب فيما حدث وما سيحدث. إلا إنه الآن لا يشغله سوى فكرة واحدة ألا وهي عدم عودة سوسن إلى دارهم وهي بتلك الحالة، وخاصة بعد حديث تلك الحية حفيظة. فهو لا يضمن بطشها لسوسن بعد اقتحامها للغرفة وحديثها المسموم لها، وكأنها عدوتها وليست ابنتها. وسيزداد الأمر سوءًا بعد موقفه مع تلك البغيضة وحدته معها في الحديث. فليتمم إجراءات الزواج حسب عرفهم وفي أسرع وقت، حتى يقي تلك المسكينة أذى من لا تمت للأمومة بِصِلة.
جذبه الصقر من دوامة أفكاره، وهو ينكزه بكتفه بعدما لاحظ شروده وتجهمه:
"إيه يا واد عمي سرحت في إيه؟ آني خابر إن الچوازة دي ما لداش عليك، بس اللي عستغربله منين ما لداش عليك ومنين عاوز تستعجل عمك عشان تتم الچواز!!"
ماجد:
"ما أنت ماخابرش يا صقر حالة بت عمك، هي غلطت بس لساتها صغيرة، واللي اتعمل فيها ماكانش هين. إنت ماتعرفش مرات عمك عِملت فيها إيه، كيف دي أمها! البت جـتلتها كُلتها مكوية كي بالنار، لولا الدكتور جِرد ده لحجها، الله وحده العالم كان چرى ليها إيه عاد، وبعدين دي يتيمة كيف تعمل فيها إكده!"
اطمئن صقر لحديث ماجد. فقد خشي أن يكون وراء استعجاله الزواج من ابنة عمه الانتقام لما حدث في الماضي، أو لكونه وضع بموقف أجبره على التض.حية من أجل ابن عمه ريان بزواجه من سوسن، مما زاد ضغينته لها فأراد الاستعجال ليكيل لها الثأر دفعة واحدة. ولكنه غاضب بشأن ما فعلته زوجة عمه حفيظة. فقد حذرها صقر من الاقتراب من سوسن، وتعهد هو بحل تلك المشكلة. فبالأخير لم تكن خاطئة، فقد تزوجت رضوان على سنة الله ورسوله، حتى ولو كان سرًا، وحتى لو كان ما فعلته يخالف تقاليدهم وعرفهم. فلو كانت قد أخطأت معه دون زواج لكانت نهايتها على يده، أما زواجها دون علمهم غير مقبول ولكنه ليس محرماً.
ربت صقر على كتف ماجد قائلًا:
"إنت راچل صوح يا ماچد، ويمكن ربك عمل إكده لحكمة عنده."
ماجد باستسلام وامتثال لإرادة الله:
"ونعم بالله، آني هكلم عمي وأشوف هياچي ميتى، و اخبرك."
دخل صقر وماجد إلى الدوار كلًا منهما إلى وجهته. فقد توجه صقر إلى مكتبه مرة أخرى علها تأتي إليه. فقد خرج إلى الحديقة ليستكشف ما إذا كان ضوء غرفتها لازال مضاء، أم تركته مشتاقًا لرؤيتها مؤرقة ليله وخلدت هي هنيئة إلى النوم. ولكن عندما وجد نور غرفتها مضاء تجدد لديه الأمل بمجيئها إليه.
أما ماجد فقد دخل إلى المطبخ يعبث بمحتوياته فالوقت عندهم قد تأخر ولابد وأن خلدت الخالة صابحة إلى النوم. فقام هو بإحضار ما استطاع تجهيزه، فهو بالمطبخ وأموره لا يفقه شيئًا. فأعد كوبين من الحليب وبعض من عسل النحل وفطيرتين (بالسمنة الفلاحي طبعًا) من مشنة وجدها مغطاة أعلى الفرن ووضعهم على صينية عشاء وجدها بالمطبخ، ناظرًا إلى ما فعل بإستحسان (وكأنه فتح عكة).
متوجهًا إلى الغرفة وهو يستغرب حاله. فلو كان أحد آخر في نفس موضعه لتركها تموت مرضًا وجوعًا، ولكنه يشعر تجاهها بالحزن والشفقة (هو بغباوته).
طرق ماجد باب الغرفة بيد، والأخرى يسند بها حامل الطعام، ولكنه لم يتلقى ردًا. قبض قلبه عندما لم تجب، ففتح الباب سريعًا واضعًا ما بيده على أقرب طاولة متوجهًا إلى الفراش.
زفر براحة عندما استشعر انتظام أنفاسها دليلًا على غفوتها، فأخذ يتأمل ملامحها عن قرب. فصرخ فؤاده معاتبًا من واره التراب بدار الحق:
"ليه إكده يا رضوان! كيف چالك جلب تعمل فيها إكده حتى لو كنت عتحبها ما خطرش في بالك إنك بجوازك منها بالطريقة دي هتتسببلها باللي هي فيه ده دلوك؟!"
أخذ يجفف لها قطرات العرق التي ظهرت على جبينها بكف يده يتحسس حرارتها فوجدها أفضل من ذي قبل. ودون إرادة وجد أنامله تتلمس تقاسيم وجهها الذي أبدع الله في خلقه، فهي تشع براءة وحسن.
ابتعد عنها عندما وجدها تتململ، وقد قطب جبينه يحاول تذكر اسمها الذي ذكره أمامه صقر بالأسفل والموجود بدفتر توثيق عقد الزواج الذي وقعه اليوم، ولكنه لم يفلح. اقترب يهزها برفق بعدما احتار بماذا يدعوها.
امتثلت هي لهزته الرقيقة تفتح جفونها بوهن في محاولة لرفع جسدها لكي تعتدل بجلستها، ولكن لم تعاونها حالتها على ذلك. فأنت بألم عندما اشتد عليها ألم الجرح إثر محاولتها للنهوض، فهرع إليها يعاونها على ذلك جالسًا إلى جوارها على طرف التخت.
سوسن بخنوع:
"خلاص ماتتعبش حالك آني معاوزاش آكل."
ماجد بعناد:
"لاه هتاكلي ولو ماجومتيش......"
بطر جملته عندما رآها تهز رأسها سريعًا بخوف وهي تتحامل على نفسها باندفاع تهب جالسة وخرجت عنها صرخة كتمتها بيدها السليمة في هيئة فطرت قلبه. فيبدو أنها بحاجة لتأهيل نفسي بعد ما تعرضت له من عذاب على يد الملعونة حفيظة. لعنها ماجد للمرة التي لا يعلم عددها لما أوصلت إليه تلك المسكينة.
أخذت تتناول ما وضعه أمامها سريعًا دون مضغ ودموعها تجري أنهارًا على وجنتيها ظنًا منها أنه سيعاقبها إذا لم تنفذ ما قال، الأمر الذي جعل أنصال من خناجر حادة تنغرز بصدره على حالها وأقسم على مساندتها وحمايتها، ولكن سيتركها تأكل ولو قهرًا فهذا الأهم الآن.
بعدما وصل مصطفى وهمس إلى مدخل البناية، وهمت للصعود لتنفذ ما قال. استدارت تعتلي الدرج وعندما جاءت لتبتعد مخلفةً ورائها فراغ اجتاحه حتى قبل أن تبتعد عن ناظريه. فجذبها سريعًا إليه، يضمها إلى صدره بشغف دافنًا رأسه بعنقها يملأ رئتيه بعبقها الأخاذ طابعًا قبلةً رقيقة على خدها الأيسر.
وهي مستسلمةٌ لدفء أحضانه، وتوقف عقلها عن العمل وبقي قلبها الراغب المستشعر لكل لمسة، وكأنها جزءًا منه وهو جزءًا منها. بقيا هكذا لا يعلمان كم مر عليهما من الوقت. هو يأبى تركها، وهي تشعر وكأنه ملجأها، وسكنها، وراحتها، وفارسها الذي طالما حلمت به.
رفع رأسه إليها وجدها مغمضة العينين، وأنفاسها المتلاحقة تخبره بمدى تأثيره عليها. رفع كفه يتلمس وجنتها برقة، ومال بوجهه إليها، يناظر شفتيها برغبةٍ جائعة نابعة من عشقه لها. حتى استحوذت عليه تلك الرغبة، وقلبه وجسده يعلنان التمرد والعصيان على عقله الذي يحثه على التمهل. إنهارت حصونه، وتبخر تعقله، ولحت عليه تلك الرغبة؛ فأشعلت بجسده نارًا لا يخمدها غير تواصل جسدي، فقط تواصل بسيط يستشعرها حقيقةً بين ذراعيه، يريد أن يتذوقها.
وبل لحظة استجابة منها، عندما رفعت إحدى ذراعيها تستند بكفها إلى صدره، تزفر أنفاسًا قد حُبست من ترقبها لما ينتوي، وقد توقفت عن إعمال عقلها، ستلبي نداء قلب أرهقته تلك المشاعر التي أثارها واستحوذ عليها بتلك الهالة التي أحاطها بها، ودفئه، ولمساته الرقيقة، ودقات قلبه التي لامس صداها أوتار أنوثتها، فمن تلك التي لا يستميلها لهفة عاشقٍ هواه قلبها وخر صريعًا له، و خاصةً إذا كان حلالها شاءت أم أبت، فهو زوجها العاشق وهي جنيته الفاتنة.
بتحركها تلك وكأنها أعطت له الضوء الأخضر، فاقترب يميل إليها أكثر يضم كفها إلى صدره بيده الأخرى، وهو يتفرس ملامحها عن قرب، وراحته التي تداعب وجنتها شقت طريقها تملس على خصلاتها تحرره من عقدته؛ لينسدل على أكتافها مخللًا أنامله بين تلك الخصلات الحريرية، يجذبها إليه.
وما إن لامست شفتيه خاصتها حتى دق ناقوس الخطر، وأرادت التراجع ولكن لم يمهلها هو تلك الفرصة وكأنه يخبرها (لا حبيبتي ليس الآن؛ فتلك القبلة تعني لي الحياة)، مقتنصًا - ما له كما اعتاد - سالبًا عذرية شفتيها. آسرًا شفتها السفلية بين شفتيه، يتذوق شهدها بروية أذابته قبلها، فأحس بقدميه تميدان، فما بالك بها وقد رفعت كفها الآخر تتشبث بقميصه أعلى كتفه، وما زادته فعلتها تلك إلا رغبةً بها، فتعمق في قبلته محررًا شفتها السفلية مقتنصًا الأخرى في جولة عشقٍ وجنون.
ما عادت أطرافها تعاونها على الصمود أمام أمواج عشقه العاتية، وأحس هو بجسدها يتراخى، فهبط بذراعه محررًا كفها المستند إلى صدره يحيط خصرها، يرفعها إليه، حتى أصبحت قدماها لا تلامسان الأرض، وأنامله تعيث فسادًا بخصلاتها. شهقت من بين أنفاسه؛ عندما أحست بجسدها معلقًا إليه بذراع واحدة، فأفرج عن شفتيها سامحًا لها بفرصة للتنفس، وهو يستدير بها منتشيًا، فأصبح جسدها إلى الحائط وذراعه تدعمها.
رفعت كفها بتهور تدس أناملها هي الأخرى تداعب خصلات شعره القصير وكأنها تطالبه بالمزيد، ويالا كرمه؛ فقد استكمل ملحمتهما برغبةٍ أشد، آسرًا شفاهها مرةً أخرى في قبلة تديرها هي تلك المرة بقلة خبرة منها ومنه، وما أجمل اكتساب الخبرات في العشق مع الشخص الصحيح برابط أشد صحة (الزواج)!
بقيا هكذا تبادله ويبدلها، إلى أن رن جرس هاتفه، لكنه لم يعره انتباهًا فهو في نعيم يقسم أنه بالجنة. أيقظها الرنين من واقع أروع من الخيال، فبدأت تتملل بين ذراعيه، وشفاهها تنسحب من أسره. وهو يزأر برفض، فهو لم يكتفِ بعد. قد أراد بتقاربهما أن يطفئ ثورة جسده، ويخمد اشتعال مشاعره وولعه بها ولو قليلًا، ولكن بعد ما عايشه توًا، أصبح كمن تناول جرعة مخدر سريع المفعول سرى بأوصاله مجرى الدم فبات مدمنًا رحيقها وشهد شفتيها إدمانًا لا يريد منه علاج.
ابتعد بوجهه عنها، عندما أحس بتصلب جسدها، وذلك امتثالًا لرغبة من على الهاتف الذي لم يتوقف عن الرنين لاعنًا تحت أنفاسه المتهدجة كل شركات الاتصالات، والهواتف المحمولة، ومخترع الهاتف الخلوي، ومن على الهاتف. ولكن لم يحررها بعد، وقد اكتست خدودها بحمرة قانية متوهجة، وتشعث شعرها إثر إبحاره بين أمواجه، وانتفاخ شفتيها بشكل مغوي بعد ثورة من المشاعر أججها هو ووقعت بها هي، ولنقل كلاهما.
دفعته بكفيها برقة وهي تخفض بصرها عنه بإستحياء. فأرخى قبضته على خصرها، مساندًا كفه بجانبها على الحائط، وذراعه الآخر يحيطها دون تشبث، وكأنه يقول لها أنا أسيرك ولست أنا من يأسرُك. هبط جسدها تلامس منحنياته ضلوعه التي تئن طالبة الوصال، فلامست قدميها الأرض.
رفع هو كف يده التي كانت تحيطها يميل رأسها إليه، طابعًا قبلة مطولة أعلى جبينها، وهي مازالت تخفض بصرها بخجل، من اندفاع مشاعرها المخزي، واستجابتها الطائشة.
مصطفى وهو يرفع وجهها إليه واضعًا سبابته أسفل ذقنها وإبهامه يداعب شفتيها برقة:
"ما توطيش راسك، وطول ما أنا عايش راسك هتفضل مرفوعة يا ست البنات، إحنا ماعملناش حاجة غلط، إنتي مراتي و حتة مني، أنا آسف لو كنت ضايقتك؛ بس لو ما عملتش كده كان ممكن يجرى لي حاجة."
ناظرته بأعين يلمع بها الحب والعشق والتقدير لاحتوائه لها، فلقد كانت بحاجة لتلك الكلمات ليطمئنها، ويشعرها بأن ما حدث كان أمر مسلمٌ به وارد حدوثه بين رجل وزوجته، حتى وإن لم تعتاد على الكلمة بعد، وحتى وهي لا تعلم كيف سيكون مصيرهما معًا. ولكن بالأخير قد هون عليها سخطها على نفسها من تلك الاستجابة ومشاعرها الغادرة.
أخذت يده تصلح ما أفسدته بخصلاتها منذ قليل، حتى هدأت نوبة جنونهما. رفع كف يدها يلثم ظهره، وكأنما يقول لمعشوقته لقد سقطت في بحور هواكِ مخيرًا، فاخترت أن أكون الغارقُ الناجي، وأدار كفها بين يديه يلثمه تلك المرة بباطنه، وكأنما يقول لها أنت ملكةٌ ببرجها العالي أسقطت زهرةً من سور شرفتها، فالتقطها قلبي راغبًا و بِلَوْعَةٍ شاكي.
رن جرس الهاتف للمرة الثالثة على التوالي فأجاب بنزق:
"ربنا يسامحك يا نوجة."
نجوى:
"ربنا يسامحنا جميعاً، بس إيه سر الدعوة دي يا ابن بطني؟"
مصطفى:
"لا مش وقت استجوابات خالص يا نوجة، إحنا وصلنا، و آنسة همس طلعالك أهي على السلم."
نجوى:
"طب الأكل بتاعك إنت والحج عندك تحت متغطي على الترابيزة."
مصطفى:
"لا يا نوجة انا شبعان لسنة قدام، أنا بس جعان لحاجة تانية."
وأخذ يناظرها بهيام، وهي عادت لخجلها مرة أخرى.
نجوى:
"حاجة إيه دي؟"
مصطفى:
"نوم يا نجوى، جعان نوم."
نجوى:
"طب خلاص خش نام إنت، كده كده أبوك لما إنت اتأخرت قفل المحل وقال رايح القهوة."
همت نجوى تغلق الهاتف فاستوقفها مصطفى، بعدما أشار لهمس بالصعود قائلاً:
"أماه آنسة همس ما اكلتش حاجة من الصبح، وطول اليوم بنلف على رجلينا، اغصبي عليها تاكلها لقمة قبل ما تنام."
نجوى:
"من غير ما تقول يا حونين، دي همس دي بنتي."
مصطفى:
"أصيلة يا أم ديشة، أنا داخل أنام، ولو احتاجتوا حاجة صحوني."
أغلق مصطفى الهاتف مع نجوى، بينما صعدت همس الدرج، وقبل أن تطرق الباب وجدت نجوى تفتح لها وتقابلها بوجه بشوش، والأخرى بوجه يتوهج حمرة.
نجوى:
"مالك يا همس يا بنتي؟"
ارتبكت همس من سؤالها المباغت قائلة:
"أبدا يا مامي نجوى، مفيش بس مرهقة شوية."
نجوى:
"أيوه يا بنتي من اللي حصل."
هوى قلب همس بين قدميها، تراها قد رأتهم، وعلمت ما دار بينهما في الأسفل، أم تقصد ما تم في القسم وتساءلت هل أخبرت نجوى بما حدث، أم تقصد الشجار الذي نشب في المقهى في يومهما كان حافل بالمصائب.
همس:
"تقصدي إيه يا مامي نجوى؟"
نجوى:
"يعني قلقك على وعد، ولفكم طول اليوم."
تنهدت همس براحة وهي تضع كفها على صدرها. فناظرتها نجوى بشك قائلة:
"هو فيه حاجة تانية أنا ماعرفهاش؟ ليكون مصطفى ضايقك ولا حاجة؟"
فأجابت همس وعينيها تقطر قلوبًا:
"أبدا يا مامي، مصطفى إنسان محترم، وحد لذيذ و چان و أتراكتيڤ."
نجوى وهي تلاحظ حالة الهيام التي تبدو عليها، وأخذ قلبها يدعو الله أن تكون همس من نصيب ابنها. واستكملت تشاطرها الوصف.
نجوى:
"وطيب وإبن حلال ويا بختها اللي هتبقى من نصيبه، ويا بخته اللي هتبقي من نصيبه."
وجدوا خلفهما من يشاركهم الحديث ولم يكن سواه، فقد صعد ليناولها هاتفه الذي سقط منها أثناء تواجدهما بالأسفل.
مصطفى:
"طب ما نحطوا بختها على بختي ونصيبها على نصيبي ونجبولك نصايب صغيرة يا نوجة، بدل ما أعمل لكم أنا نصيبة هنا."
شهقت كلا من همس ونجوى فلقد أخذهما الحديث عنه ولم تنتبه لوجوده خلفهما، مهلًا فلقد سمع مدحها له ألم يكفيه ما حدث ليزيدها حرجًا وخجلًا؟ توهج وجهها مرة أخرى واعتلت الحمرة وجنتيها.
نجوى:
"كده برده يا مصطفى، خضتنا."
ووجهت حديثها لهمس:
"خشي إنتي يا هموسة غيري هدومك عشان ناكلوا لقمة مع بعض."
توجهت همس إلى غرفته التي عادت إليها مؤخرًا بعد مكوثها معهم.
نجوى وهي تشد أذنه كطفل صغير، بعد أن أصبحا بمفردهما:
"بالراحة على البت، و حذاري يا مصطفى تكون بتلعب بيها هتلاقيني أنا اللي واقفالك."
مصطفى ممسكًا بيدها يخلص أذنه من بين أصابعها:
"إيه يا نوجة إيدك تقلت و خدتي عليا قوي، بس مش مشكلة أنتي أمي من زمان وواجب عليا استحملك عشان تعرفي إني ابن بار، وبعدين أنا عملت إيه يعني؟"
نجوى:
"عملت إيه؟ مدلوق يا عين أمك، والبت خام ما تخليهاش تقلق منك، بلاش دخلت القُطُرة دي."
مصطفى:
"إيه ده؟ إنتي اخدتي بالك؟ مش سهلة أبدًا إنتي يا نوجة."
نجوى:
"خدت بالي؟ ده أنت مفضوح يا قلب نوجة."
مصطفى مطأطأ الرأس بخجل مصطنع:
"استري عليا يا نوجة، الله يسترها على ولاياكي."
نجوى بأعين جاحظة وهي تميل لتلتقط خفها كأي أم مصرية أصيلة فعلم مصطفى ما تنتوي فعله فلقد اعتاد مزاحها معه بتلك الطريقة فابتعد عن مرمى يدها وهي خلفه تتصنع الجدية.
نجوى:
"ولايا!! وأنا اللي مفكرة اني مخلفة دكر، تعالى هنا قولي مين اللي أتغرغر بيك، عشان نلموا الفضيحة."
مصطفى باستياء:
"جرى إيه يا أماه، أتغرغر بيا إيه؟ وبعدين بلاش القذيفة اللي في إيدك دي قدامها و ما تهلفطيش وتقلي مني و المزة معانا، دي لسه بتشكر فيا وبتقول لك أتركتيڤ وحاجات."
نجوى بتساؤل:
"ألا يعني ايه اتركتيڤ دي يا درش؟"
مصطفى:
"أتركتيڤ دي يا أماه يعني مز واد خلاصة."
نجوى:
"طب خش يا خلاصة ولع على الأكل اللي جوه على البوتاجاز، على بال ما أنزل أجيب الأكل اللي تحت اسخنه، و أرن على أبوك يجي ياكل لقمة معنا طالما طلعت، ألا إنت إيه اللي طلعك؟ مش كنت عاوز تنام؟ لحقت توحشك؟"
مصطفى:
"إيه ده؟ إيه ده؟ إنتي هتحفلي عليا يا نوجة."
نجوى:
"فرصتي، و متزيطش و رد حبتها؟"
مصطفى متأوهًا:
"آ.ه يا أماه، و أوي كمان، البت بسكوتة في نفسها، حاجة كده شبه البرنسيسات بتوع زمان، من الآخر لو ماجوزتهنيش هخطفها."
نجوى وهي تضرب كفًا بآخر:
"لسه بقولك إركز تقولي اخطفها."
مصطفى:
"أركز ده إيه؟!؟! ده أنا قتيل الجوازة دي، دي لحست الربع اللي فاضل."
نجوى:
"أنا نازلة، إنت مفيش منك رجى."
وهبطت لتجلب الطعام من شقة البدروم. بينما رن هاتفها في جيبه مضيئًا باسم وعد أختها، فتوجه إلى غرفتها ليعطيها إياه فاتحًا الباب دون طرق، وإذا بها....
رواية وعد ريان الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماء حميده
عند سارة ومحمد.
بعدما حاصرتها تحية بالأسئلة والإلحاح، وردها المندفع الذي لم تقصد به ما وصل لزوجة خالها من موافقتها على الخطبة إلى علاء ابن عمها، فبهذا وضعت نفسها بمأزق كبير. لقد أرادت محاورته، فوقعت هي بالفخ.
تحية: يبقى على بركة الله، أما أقوم أفرح أمك.
محمد بصوت جحيمي وهو يناظر سارة بتوعد: أنا قلت ما فيش كلام في الموضوع ده تاني، وسارة لسه صغيرة، وما تشغلوهاش بخطوبة وجواز من دلوقتي.
ارتعدت سارة من نظرة التوعد تلك، ولكن لا مانع من اللعب قليلاً.
سارة بغنج وهي تقترب منه، فلقد اعتادت على التدلل عليه في بعض الأحيان هي وهناء قبل وقوعه لها، تتشبث بذراعه تحيطه بكفيها موجهة حديثها إلى تحية، وهناء تشاهد تحول أخاها وبداية شرارات العشق وهي تشعل غيرته.
سارة: خلاص بقى يا توحة، البوب بردو خايف على مصلحتي، ده مهما كان أخويا الكبير.
رفع محمد ذراعه الحرة يقرص خدها بقوة قائلاً، وهو يبتسم لها ابتسامة صفراء جازًا على أنيابه: قلب أخوكي الكبير.
تحية باستسلام: خلاص يا محمد، إنت بردو متعلم وفاهم وأدرى بالمصلحة، وبعدين لو نصيبها هيستناها.
سارة وهي تدعي التفكير: تفتكري هيستناني يا توحة؟
محمد وقد طفح كيله منها، غارزًا أصابعه يفك تشابك يديها التي تحيط ذراعه بغل نافضًا إياها عنه بغضب مستتر قائلاً: وماله! هنشوف الموضوع ده بعدين، خشي اتخمدي، قصدي نامي إنتي وهناء دلوقتي، يا قلب أخوكي.
قال الأخيرة بتلكؤ متكئًا على كل حرف بها وهو يرسل لها رسالة خفية لهم، واضحةً لها، ألا وهي لقد بدأت اللعبة.
ترك ماجد ريان متصلبًا أمام باب القاعة، مترددًا في دخولها مرة أخرى، حيث أنه وجد امرأة لم يتحقق من وجهها متشحةً بالسواد، تأخذ مكان وعد على التخت، مما جعله يشك بأنه قد اختلط عليه الأمر وأخطأ في القاعة المنشودة، ولكن كيف؟! وهو صاحب الذاكرة الفولاذية، حسناً سيستأذن طارقًا على الباب ليتبين الأمر، ربما هي نفسها القاعة، وقد أتت إحدى العاملات بالدوار لتعاون وعد نظرًا لحالها.
طرق باب الغرفة فوجد صوتها المألوف إليه والذي حفظه عن ظهر قلب، يأذن له بالدخول، فتأكد ظنه بأن من رأها لم تكن سوى إحدى الخادمات، فتلك هي قاعتهما.
وعد من الداخل: اتفضل.
فتح ريان باب الغرفة، وما إن دخل إليها حتى جحظت عيناه في ذهول، من تلك؟! وأين وعد؟!
فقد كانت وعد قد أبدلت ثيابها بمعاونة صابحة، وخلعت عنها ثوب الاحتفال تلك العباءة الفضية، وارتدت الأخرى التي ابتاعتها من الدلالة التي أخبرها ريان بأن تشتري منها ما تريد، والذي أحضرها الصقر لتشتري منها انجيل أيضاً ما يلزمها.
ريان وقد استدارت عيناه من هيئتها تلك، بهذه العباءة السوداء الفضفاضة التي تتسع لامرأتين معها، وكانت ترتدي أيضاً غطاء الرأس الخاص بالعباءة قديمة الطراز كإيشارب تعقده من الأمام على هيئة فيونكة تتدلى أطرافها على جبينها مغطية نصف وجهها، فأصبحت تبدو كالندبات، وكانت تلك مهنة قديمة لبعض السيدات في الصعيد والأرياف، حيث كانت مهمتهن الذهاب إلى المآتم بزي الحداد الأسود؛ لمشاطرة أهل المتوفي الحزن، مع قيامهن بالندب والعويل، وإلقاء بعض كلمات الرثاء التي تحمل نفس الوزن والقافية، تلك المهنة التي تشبه نبطشي الأفراح، وفي المقابل يعطي لهم أهل المتوفي بضع جنيهات إلى جانب تناولهن الطعام في المأتم، الذي يتعاون الأقارب والأهل والجيران في القرى والنجوع على إعداده مؤازرةً لأهل المتوفي، حيث تخرج كل دار صينية محملة بالطعام تسمى صينية العزاء، تحملها السيدات فوق رؤوسهن إلى دار المتوفي؛ ليتناول المعزون واجب الضيافة، وكل دار على قدر استطاعته، تلك الأجواء التي يفتقدها أهل المدينة، ولا زالت تلك العادات المراعية متوارثة لدى أهل الصعيد والأرياف الكرماء، ولكن مع اندثار تلك المهنة، مهنة الندبة.
ألقى ريان كيس الأدوية الذي بيده إلى جانبها على التخت.
ريان: إيه ده؟! إيه اللي إنتي عاملاه في حالك ده؟! حد مات لك إياك؟!
وعد وهي تشيح له بيدها: والنبي يا أخ، أنا مش فايقة لك، وأبعد عني الله يسهل لك.
وهو الذي كان يمني نفسه بالانفراد بها؛ ليحظى بما لم يحظى به هناك بالأسفل.
ريان بخيبة: يا أخ!! والله يسهل لك!! ليه هشحت منك إياك؟!
وعد وهي تشهر سبابتها في وجهه: لا بص، إنت اللي إياك ثم إياك تفكر بس إني ممكن أسمح لك تنام هنا على السرير، كفاية إن أنا وإنت هننام في أوضة واحدة، ولولا رجلي واللي حصل لها، كنت مشيت وسبتها لك مخضرة.
ريان: حيلك، حيلك، وعيالي هموت وأنام چارك؟!
وعد: أنا بنبهك بس.
وما إن أتمت جملتها، حتى اقترب منها ريان، وهو يفتح أزرار جلبابه، ويمد إحدى يديه يرفع أطرافه من الأمام، واليد الأخرى يمدها إلى ياقة الجلباب من الخلف، يشلحه عنه بحركة واحدة سريعة.
شهقت وعد على أثرها بتفاجئ وخجل رافعة كفيها تغطي أعينها، ووجهها بالكامل هاتفةً: اهدى، يا ابن المجنونة، هتعمل إيه الله يخرب بيتك؟!
نظر لها ريان بتسلية وقد أعجبه خوفها وانكماشها على نفسها والذي يناقض حالتها منذ قليل وهي تملي عليه الأوامر والشروط، تغطي وجهها براحتيها؛ ظناً منها أنه لا يرتدي شيئاً أسفل الجلباب.
ريان متصنعًا الجدية: هعمل ايه كيف؟! هعمل زي ما أي راجل هيعمل في قاجته مع مرته؟!
ريان وهو يلقي بالجلباب على الأرض مصدرًا صوتًا: وادي البوكسر كمان.
شهقت وعد بخجل: هي حصلت للبوكسر.
لم تجد جدوى من معاندته، فهي في موقف لا تحسد عليه، فلقد أوقعت نفسها بنفسها في فخه، وأصبح هو المسيطر والمتحكم بالموقف، فماذا ستفعل إن أراد إكراهها على شيء ما؟! وإذا صاحت مستنجدة بأحد فماذا تقول؟! وهي من وافقت على هذه اللعبة منذ بادئ الأمر.
أجابته بمهادنة: على فكرة بقى مش انت خالص، انت أكبر من إنك تعمل كده، وبعدين ترضاها لأختك يا حتة، مش أخلاق الصعيدة دي على فكرة.
حِيَلِها لا تَخِيل عليه، ولكنه بات مستمتعًا بخفة دمها، وحنكتها في إحالة الأمور لصالحها.
ريان بتسلية: لاه ما تبجيش واثجة إكده، مش آني ابن مچنونة كيف ما جولتي، والمچنونة عتخلف إيه يعني، وآني ما يرضنيش اطلعك كذابة.
اجابته وعد سريعاً: مين الصرمة اللي قال عليك كده؟! ده إنت سيد العاقلين وبالوراثة كمان.
ريان بمشاكسة: شايفك چبتي ورا، ولمن إنتي مش كد اللعب وياي، بتطولي لسانك ليه عاد، يا صرمة؟!
وعد وقد تناست الموقف برمته، ورفعت كفيها تفتح عينيها، وتناظره بغضب، وقد اتسعت مقلتيها عندما وجدته يرتدي سروالًا يشبه ذلك الجلباب الذي خلعه أرضاً، وتيشرت بدون أكمام أعلاه.
حسناً، فقد كان يلاعبها، وها هي تقع في الفخ، وقد جفت الدماء بعروقها لتلك الخدعة، فقد ظنت أنها لن تنجو من براثنه.
وعد بردح: مين دي اللي صارمة؟! يا خواجة على ما تفرج، يا صعيدي بالإسم، يا خرمانت إنت..
ناظرها ريان بأعين مفتوحة، وبؤبؤ عينيه متسعاً، فلقد فهم من كلماتها أنها تسخر منه، ولكن ماذا تعني بخرمانت؟!
اجابها بثورة، وقد اقترب منها وهو يميل بجسده إليها ووجهها على بعد إنشًا واحدًا منه.
وهو يفح أنفاسه في وجهها بغضب مما جعل هيئته لا توحي بالخير.
أخذت هي تلعن نفسها في سرها: أبو شكلك غبية، أنتي بني آدمة برأس كلب، أهو هيتحول أهو.
ريان: إنتي عتردحي لي؟! ولا إيه؟! ما كنتي كيف الجُطّة من شوية، وبعدين إيه خرمنت دي؟! إنتي ما هتلميش لسانك ده اللي عاوز جطعه؟!
اخذت تتراجع بظهرها على السرير برعب كمن يناظر شبحًا، وعادت إلى انكماشها مرة أخرى: فداك يا زعيم، وبعدين إنت فهمت إيه؟! خرمنت دي مش حاجة وحشة لا سمح الله.
ريان: أمال إيه؟! يا أم العريف إنتي؟!
وعد وهي ترمش بعينيها تدعي البراءة، راسمًة ابتسامة سمجة على وجهها: يعني مجنس حضرتك.
ريان بغضب وعدم فهم، وهو يقبض على إحدى ذراعيها متسائلاً: إنتي بتچيبي الكلام ده منين؟! انطجي تجصدي إيه؟!
وعد بتسرع: يعني ملعوب في....
بطرت جملتها، بماذا تهزي؟! ستوقع نفسها بمشكلة حتمية، ولكنها أسرعت بالقول: بص يا كبير اقطعه وخلصني.
نظر لها ريان بعدم فهم وقال مستفسرًا: هو إيه ده؟!
وعد: اللي جايب لي الكفية، لساني، اللي عامل لي مشاكل مع الناس.
ريان مشاكسا: إنتي اللي طلبتي، بس كيف دي؟! إبتاعتي آني عاد.
وعد: لا، لا، لا، أنا مابفهمش الكلام الصريح، فما بالك بالتلميحات كل اللي أنا فهمته إنك بتهددني.
ريان: لو تحبي أفسر ماعنديش مشكلة.
وعد: اتفضل المايك مع حضرتك.
ريان: من حيث إن لسانك عاوز حشه، فده حجيجة لكن الطريجة دي إبتاعتي آني، وآني اللي هختار هجطعهولك بيدي ولا......
وعد بعد ما استشفت تلميحه الوقح تخضب وجهها بالحمرة.
فاستكمل ريان بعد ردت فعلها تلك قائلاً: شكلك فاهم يا نصة؟!
أرادت وعد تغيير مجرى الحديث الذي سيؤدي حتماً إلى وقوع ما لا يحمد عقباه.
وعد: أمال فين الدوا اللي رحت تجيبه؟! على فكرة ده واجب عليك إنك تعالجني، أنا أصبت في أثناء فترات العمل الرسمية، ما تنساش إننا بينا بيزنس واتفاق؟!
أرادت تذكيره بأن ما بينهم يقع تحت مسمى المصلحة، فلا مجال فيه للمشاعر.
اجابها ريان، وقد فهم ما ترنو إليه، وهو يضع يدها على حقيقة تراها وتتغافل عنها: لو اللي بيناتنا شغل، فحضرتك يعتبر استجلتي جبل الإصابة، لما جررتي إنك عتمشي وبالنسبة للعلاج فهو چارك.
مشيرًا إلى الكيس الذي ألقاه إلى جانبها على التخت.
وعد وقد فهمت أنه يرمي إلى أن تواجدها هنا ليس بدافع المصلحة كما تدعي: أنا فعلاً همشي والصبح.
أراد ريان اثنائها عن قرارها، فقال باغواء: طب والمليون چنيه و100، ولا نجولوا ونص.
اجابته وهي تهز رأسها بنفي دون أن تستوعب عرضه بعد: لا، لا، لا، أنا أخدت قرار......
توقفت باقي الكلمات في حلقها بعد استيعابها لقيمة العرض، بينما ظن ريان أن الزيادة لم ترضها، فقام برفع قيمة العرض، ولنقل المزاد.
ريان وهو يفرك راحتيه ببعضهما، رافعًا إحدى حاجبيه بتسلية وكأنه يتحدها أن ترفض: على جولك نخليهم اتنين مليون چنيه.
ذهول، كل ما بها ذهول، أيعرض كل هذا المبلغ مقابل تلك التمثيلية.
اطرقت رأسها، وهي تجيب بتراجع: مش القصد يا ريو، يا خويا، الحكاية كلها إني بس...
ناظرها بعبوس رغم أنه استشف مدى إغراء عرضه بالنسبة لها من إذعانها في ردها الأخير فقام بإلقاء الكرة في ملعبها قائلاً: Take it or leave it.
اجابت دون أن تحسب حسباناً لما هي مقبلة عليه، عرضه مغري بالنسبة إليها، فهي وأختها بحاجة للمال لتقوم بسداد دين الانتهازي زين، ودفع أقساط جامعة همس الباهظة، فلا زالت أمامها عام أخير، وحتى تستطيع شراء شقة صغيرة يقيمان بها، وما يتبقى ستقوم بعمل مشروعاً صغيرً يكون مصدر دخلٍ لهما، ويكفيهما الحاجة، وبالرغم من احتياجها هذا إلا أن البقاء جواره أكثر إغواء.
وعد: Deal، اشتريت، بس إيه اللي يضمن لي إنك هتنفذ كلامك؟!
ريان: مش هجولك إن كلمتي عهد، لاه.
وتوجه إلى سترة بدلته الفاخرة المعلقة على المشجب بجوار السرير، يخرج من جيبها شيء ما يبدو أنه دفتر شيكات وقلم.
اقترب يجلس على طرف السرير بجوارها حافظًا المسافة بينهما، يصب اهتمامه على ما في يده، يقوم بتحرير سندًا بنكي بقيمة مليون جنيه لحامله، وقام بنزعه من الدفتر، يمد يده إليها قائلاً: ده شيك بنص المبلغ، والنص التاني بعد فرح ماچد وإنجيل.
مدت وعد يدها سريعاً تلتقط الشيك، ولكنه سحب يده قبل أن تمسه يداها قائلاً بلهجته القاهرية: بس أوعي خيالك المريض يصور لك إنك ممكن تاخدي الشيك، وتفَلّقي، لاء، ده إنتي لو في جهنم هجيبك.
ابتلعت لعابها وعقلها يحذرها من خطر قادم، لكنه مد يده إليها به مرة أخرى بعدما استشعر تراجعها، يومئ لها برأسه، وكأنه يحثها على القبول، فمدت إحدى يديها تلتقطه بارتطاف، وهي تطمئن حالها بأن لا ضير من المكوث لبضعة أيام في سبيل تأمين مستقبل أفضل لها ولهمس.
اجابته طاردة من رأسها تلك الأفكار اللعينة، تفكر فقط فيما يمكن أن يفعله هذا المبلغ بحياتها القادمة، وقالت بمرحها المعتاد: أفَلّق أروح فين بس يا ريو؟! وأشارت إلى قدمها المصابة مستكملة: وأنا مكسحة كده، هات يا شيخ، هات، ربنا يزيدك وبلاش إحنا.
ناظرها ريان بابتسامة ماكرة، لقد وقعت في الفخ مرة أخرى، سيبقيها حتى ينال منها ما يريد، فما قيمة هذا المبلغ مقارنةً بما لديه،
رواية وعد ريان الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماء حميده
🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀اللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا وشفيعنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين و كل من له نبي فليصلي عليه.🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀🥀اغلق منصور الباب في وجه صقر ظناً منه أنه الشبح الذي لقاه في حديقة الدوار في الظلام، وهو يردد بعض من آيات الذكر الحكيم قائلاً بهلع :سلاماً قولاً من ربٍ رحيم، لا تؤذيني ولا اؤذيك.أراح الصقر جسد أنيتا على أحد المقاعد الخشبية الموجودة أمام دار منصور، يحكم الغطاء عليها متحسسًا جبهتها مرةً أخرى، وجد أن حرارتها لا زالت مرتفعة، وهيئتها الساكنة تلك لا تريحه على الإطلاق، فقد اعتادها مشاكسة، تهاجم كوسيلة للدفاع، فبعض الناس تلجأ لتلك الوسيلة إخفاءً لدواخلها الهشة وشخصياتها الرقيقة التي تعاني حرمانًا قد يكون عاطفياً او نقصًا للاهتمام أو خوفاً من التعلق بالأشخاص ومن ثم يلاقوا الخزلان، أو ربما بسبب فقدان الثقة بالنفس فيتقمص شخصية المهاجم العدائي؛ ليصنع الشخص لنفسه هالة من القوة ويبني أسوارًا يخفي خلفها ما يعانيه.قام الصقر بالطرق بقوة على الباب هاتفًا : افتح يا دكتور منصور، آني صجر، افتح ما تخافش.لكن لا إجابة.عاود الصقر الكرة مرةً أخرى وأيضاً لا من مجيب.فلم يجد بدًا سوى دفع باب الدار المتهالك بكتفه، فسقط الباب بدَفعةٍ واحدة، ولكن أليس من المفترض أن يصدر سقوط باب خشبي ضخم عتيق كهذا صوتًا مدويًا عند ارتطامه أرضًا.نظر الصقر أرضًا تجاه الباب فوجده قد استقر فوق شيئاً لينًا حال دون ملامسته للأرض.فاستدار يميل بجسده مستكشفًا لماهية هذا الشيء، فوجد منصور متسطحًا أرضًا على ظهره، وقد سقط الباب فوق جسده.ويبدو أنه فاقدًا للوعي أو دخل بإغماء إثر فزعه من رؤية الصقر أمامه.(رجالة خرعة😂).الصقر مناديًا همام ذلك الرجل من حراسته و الذي أتى معه إلى دار منصور قائدًا للسيارة، ويقف بالخارج بجانب أنيتا كما أمره صقر.صقر : همام، يا همام.همام مقتربًا من باب المنزل وعينيه مراقبة لما وكله عليه الصقر.همام : أمرك يا كابير.صقر : يدك إمعي يا همام.قام صقر بمساعدة همام برفع الباب الخشبي من فوقه وحملاه مُرابعةً من أطرافه، و وضعاه على أريكة موجودة بالصالة.وخرج الصقر إلى أنيتا حاملًا إياها يريح جسدها هي الأخرى على الأريكة المقابلة لتلك.صقر لهمام : روح شوف لنا شوية مي، ولا فحل بصل؛ نفوجوا بيه الجتيل ده .همام : بايني وعيت لحزمة متعلجة برا، هروح أچيب منيها بصلة.صقر : شهل يا همام.خرج همام محضرًا بصلة ساندًا إياها على أحد الجدران طارقًا عليها بقبضة يده، فتهشمت مخرجةً سائلها مناولًا إياها إلى الصقر، الذي قام بدوره بتقريبها إلى أنف منصور مسببةً له هياجًا بجيوبه الأنفية، مما أدى إلى انتعاش نشاط الحواس الدماغية لديه، وبدأ ينتبه رامشًا بأهدابه من بين الوعي واللاوعي.وما إن وقع بصره على وجه الصقر بجسده المائل إليه حتى هب مفزوعًا، يتراجع بجسده إلى الخلف، مرددًا بداية المعوذتين.استقام الصقر في وقفته بعد استفاقت منصور.صقر : كانك وعيت لعفريت إياك؟!اقترب منصور منه بحرص يمد يده بتوجس يتحسسه بحذر.منصور : أمال إنت إيه؟! أنس ولا جنس؟!صقر : عتخرف تجول إيه إنت؟!منصور : صقر باشا، أنا تعبان.صقر ولسان حاله يقول (كانك مش مضبوط ياض😂).أبعد صقر يد منصور عنه بتقزز : جنس وتعبان!! آني مش مرتاح لك من الول.منصور : لا، لا، إنت فهمت إيه؟!أنا قصدي إن نفسيتي تعبانة هنا، وبدأت أدخل في حالة هالاوس سمعية وبصرية، ومحتاج اخد أجازة أو اتنقل أو اترفد، اللي تجود بيه يا باشا.صقر : طب تعالى شوف الحاله دي الول، وبعدين نبجوا نشوفوا موضوع الرفد ده.وأشار الصقر إلى أنيتا المتسطحة على الأريكة.منصور متجهًا إليها وهو يغمغم : اشمعنا الرفد اللي مسكت فيه.أشار منصور إلى همام الواقف مرابطًا أمام فتحة الباب المخلوع قائلًا : والنبي يا أخ ناولني الشنطة الصغيرة اللي جنب رجلك دي.التقطها همام يناوله إياها عائدًا إلى موضعه.بدأ منصور في فحص أنيتا وقياس درجة حرارتها، فوجد أنها مصابة بنزلة شعبية حادة أدت إلى إرتفاع حرارتها.منصور مخاطبًا صقر : أنتوا إزاي ساكتين عليها كده؟! دي لازم يتعمل لها جلسة تنفس ودلوقتي حالًا.صقر مخاطبًا همام : خد العربية و اوصل لغاية الأجزخانة، وآني عخلي الدكتور إبتاعها يحصلك على هناك.توجه همام ناحية الخارج منفذًا ما أمره به صقر.صقر مناديًا همام : إنت يا سخام البرك.همام عائدًا إليه : أيوه، حاضر، نعم چنابك.صقر : رايح فين إنت؟!همام : رايح أچيب الدوا من الأجزخانة، كيف ما چنابك أمرت.صقر : دوا إيه اللي رايح تچيبه يا مخبول إنت؟! هو الدكتور منصور أدى لك الروشتة ابتاعت الدوا.همام : لاه، يا كابير.هز صقر رأسه بيأس من زوج المعاتيه اللذان سيقودانه إلى حافة الجنون.صقر لمنصور : إيدي له الورجة إنت التاني.نزع منصور صفحة الوصفات العلاجية المدون بها ما يلزمه من الصيدلية من دفتره مناولًا إياها لهمام.منصور لهمام : بسرعة يا ميمو الله يخليك.همام بتغاشم : واه إيه ميمو دي عاد؟! اتحشم بدل مسفخك كف أبلعك الكراڤيطة اللي إنت لابسها دِيّ.مشيراً إلى سماعة الأذن الطبية المعلقة حول عنق منصور.منصور : خلاص يا شيخ العرب، بقى ميمو حرقتك قوي؟! وسخام البرك عدت عليك عادي؟!صقر بنبرة قوية : إيه؟! ما حدش مالي عينكم ولا إيه؟! معاملينش حساب لوچودي؟! ولا كاني واجف وياكم! ولا فيه روح بين الحيا والموت، وجاعدين تغنوا وتردوا على حالكم!!همام مطأطأً رأسه : ما چنابك واعيله يا كابير، وهو عمال يتمسخر.لم يتفوه منصور بكلمة فبدا وكأنه فقد النطق بعد نبرة صقر القوية التي اهتزت لها جدران المنزل.صقر لهمام : روح إنت، وحسك عينك إتعوج.همام بخنوع : تمام چنابك.منصور بسخرية : عالم جبانات صحيح.انصرف همام، وقام منصور بحقن الصغيره بعقار خافض للحرارة، و الصقر جالسًا على المقعد المجاور للأريكة يتابع منصور وهو يفحصها ويقوم باللازم لحين حضور همام.كان منصور يعمل بحرفية عالية، من يراه لا يصدق أنه نفس الشخص صاحب الروح الفكاهية والشخصية الساخرة، فلكل منا عدة شخصيات تظهر بتعدد المواقف، كما أن الاحتكاك والتفاعل مع المحيطين يساهمون في إبراز تلك الاختلافات فمن تعاملهم معك يحددون بأي شخصية يجب عليك معاملتهم.ولكن عند حديثنا عن منصور فهو شخص فكاهي بطبيعته وهذا لا يقلل من شخصه كطبيبٍ ماهر.لم يكذب همام خبرًا، فبعد ذهابه اتصل الصقر بالصيدلي وطلب منه بل أمره بفتح الصيدلية و انتظار قدوم همام إليه.فالصيدليه تعود إلى صقر، هو من أسسها وأمن احتياجاتها من الأدوية والمستلزمات، كما أنه يساهم في تأمين علاج الحالات الإنسانية من اهل البلدة والبلاد المجاورة داخل دائرته وخارجها، وعمل على تواجد سكن الصيدلي ومساعديه بالقرب من الصيدلية تحسباً لأية ظروف طارئة، وها قد أتت.وفي أقل من ربع ساعة قد أحضر همام قناع التنفس ومضخة الأكسجين، والأدوية الأخرى التي وصفها منصور.سريعاً قام منصور بتركيب أدواته استعداداً لعمل جلسة التنفس واضعًا الماسك على وجه الصغيرة التي تلقفت أول نفس منه بروح كادت تذوق الموت، وقد بدأت حرارتها في الهبوط بعد سريان مفعول العقار الذي حقنها به، وقد بدأت تتنبه بعد حالة الهزيان التي أصابتها إثر تلك الحمى.فتحت الصغيرة عينيها وجدت يدًا موضوعة على جبينها تداعب خصلات شعرها في حنان تفتقده برغم عدم تقصير ريان وماجد وموسى وكل من حولها، إلا أن تلك اليد التي تربت عليها الآن ترسل لها إحساسًا بالراحة والأمان، وتطمئنها أن القادم أفضل، ف الأطفال يستشعرون المحبة الخالصة.رفعت مقلتيها لتتعرف سبب ذلك الشعور، وصاحب اليد الحانية، وجدته ذلك الشخص الذي كانت تخشى على والدتها منه.شقت الإبتسامة طريقاً إلى ملامح الصقر، حينما انفرجت أهدابها. فإبتسمت له بدورها بإمتنان.صقر بحنو : إيه عاملة دلوك؟!أنيتا : آني زينة ياچوز أمي.اندهش صقر من ردود أفعال الصغيرة التي تسبق عمرها(صغيرة؟! ده أنا اللي صغيرة والنحمة😂)الصقر مجيبًا : جوليلي يا صجر بيناتنا يعني، أو يا عمي.أجابت أنيتا بتحدي :لاه.صفق منصور الذي يشاهد ما يدور شامتًا : بوم، قصف جبهة.فاستكملت أنيتا : هجولك يا بوي.طأطأ منصور رأسه بخزي متمتمًا : جبهتي أنا اللي اتشخرمت، يا فرحة ما تمت.انبلجت أسارير الصقر : حبيبة جلب أبوكي.أنيتا :أوعاك تسيبني يا أبوي.صقر : ما تخافيش يا جلبي مش هسيبك واصل.أنيتا : ولا بعد ما أمي تچيب لك الواد.صقر : ولا بعد ألف واد يا ست أبوها.وجه الصقر حديثه لمنصور مقلبًا إحدى كفيه في الهواء عابسًا بتذكر : ها يا دكتور، كنت بتقول حاچة عن استجالة أو رفد بايني؟!منصور بتراجع : رفد إيه بس يا كبير؟! أنا كنت محتاج أجازة.صقر : كَد إيه؟!منصور : يعني شهر، شهرين.صقر : إيه بتجول إنت؟! ونجولوا للعيانين يستنوا شهر شهرين، الناس بتاخد أچازة يوم، يامين، سبوع، وإنت عاوز شهرين!! ليه عاد؟!منصور بمهادنة : إنت عارف يا كبير إني وحداني، وأبويا وأمي الله يرحمهم، والوحدة اللي أنا فيها ابتدت تأثر على عقلي الباطن، فقلت أتأهل وأدور على عروسة بنت ناس، و أهي تونسني، يقطعها الوحدانية.(صدقتي يا أم أحمد ياختي😂)صقر و هو يقرص مقدمة أنفه بتفكير : طب ما هي محلولة عاد، لك عيندي عروسة إنما إيه نجاوة.انشرحت أسارير منصور وتهللت ملامحه، قافزًا يقبل الصقر من وجنتيه قائلًا : ينصر دينك يا كبير، أخت المدام صح؟!الصقر بايجاز : لاه.منصور شاردًا بخياله إلى وعد : يبقى أنا كده أمي دعيالي، أكيد أخت مرات إبن عمك السئيل قصدي الجميل اللي ربطني ربطة البهايم في الشجرة، شوف يا أخي ما محبة إلا بعد عداوة.الصقر يهز رأسه برفض : بردو، لاه.منصور : لاء ما تحيرنيش، بص أنا بثق في ذوقك، ودايس معاك يا كبير. صقر : يبجى على بركة الله.الصقر موجهًا حديثه إلى همام الذي يشبه فيه هيئته أشرف في مسلسل الكبير أوي : جول لخيتك يا همام، إن كتب كتابها ودخلتها إمعي آني وماچد في ليلة واحدة خليها تچهز حالها وكل چهازها ولوازمها عليا آني.منصور لهمام : إيه ده؟! هي أختك هتتجوز هي كمان؟! يا ترى مين اللي أمه داعية عليه ده؟!صقر بإقرار : هو فيه غيرك، يا منص.منصور لاطمًا خده و هو على وشك البكاء : يا وقعتك السودا يا منص.(ألبس يا معلم، عشان خارجين😂).🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺وعد ريان بقلم أسماء حميدة.أذن ريان لمن بالباب بالدخول ولكن لم يجيب أحدًا، فتوجه إلى الباب يفتحه مستكشفًا فلم يجد أي شخص بالخارج.عاد مرةً أخرى إلى وعد.ريان : الظاهر حد مخربط في الجاعة.وعد : يمكن، معلش ممكن تليفونك؟عاوزة أطمن على أختي، و اطمنها عليا، وكلمتها من تليفوني بس الظاهر ما سمعتش، ودلوقتي تليفوني فاصل شحن.اخرج ريان هاتفه من جيب سترته يناولها إياه، فقامت بالاتصال بها، ولكنها لم تجيب أيضاً.وعد : بردو ما بتردش.ريان : يمكن عشان الرجم غريب، إشوية إكده و چربي مرة تانية، ولو ما رديتش عليكي، أبجي شيعيلها رسالة.أمأت وعد وقد بدأ القلق يزحف إليها، حسناً لن تستبق الأمور ستعاود الكرة مرةً أخرى أو ترسل لها رسالة، فستجعل اتصالها بنجوى آخر حلولها، تفاديًا لاستجواب نجوى، فهي تُقدّرها والأخرى هي من ربتها وتستطيع أن تفطن من حديثها إذا كانت تُصْدِقها القول، أم تخفي عليها شيئاً.ريان : هخش آني اتسبح،وعد متذكرة ما حدث سابقاً : استنى.ريان : إيه؟ چاية؟وعد بأعين جاحظة من وقاحته : آجي فين يا قليل الادب؟!ريان : وبعدهالك عاد؟! جولتلك جبل سابج لمي لسانك ده، وبعدين بدل ما تتشكريلي بتطولي لسانك؟!بماذا يهذي؟! علما يستحق الشكر؟! على وقاحته؟!وعد : أشكرك على إيه؟! عشان القذارة اللي في مخك؟!ريان بعد ما فطن سوء ظنها في مقصده، فقد ظن أنها تريد استخدام الحمام قبل ولوجه للاستحمام؛ لذلك عرض عليها الدخول.ريان بتسليه : وفيها إيه؟! عادي يا أم سيف، ده بدل ما تاچي لحالك تليفي لي ضهري، أمال كنتي بتجولي استنى ليه عاد؟!تخضب وجهها بالحمرة بعد تعليقه، ولما ستعقب على حديثه : أنا قصدي استنى خد هدوم معك؛ بدل ما تخرج بالبشكير السايب بتاعك ده.ريان : آني بجول البشكير أحسن.وعد وهي تتمتم : ده إيه الوقعة السودة دي؟! ما تختشي يا إسمك إيه الواحد جتته مش خالصة، عاوز تطلع لي بعضلاتك دي، لا وبالبشكير كمان؟!(جرى إيه يا وعد؟! ما تظبطي أبت😂) .ريان : بتجولي حاچة؟!وعد : بقولك راعي إن معاك بنت في الأوضة، ولم نفسك، هه لم نفسك.ريان وهو يأخذ الجلباب الملقى أرضًا : خلاص، خلاص، أنا كنت بعرض خدماتي لعلها تنال القبول.وعد : لا وفر خدماتك، شاكرين لمجهودات حضرتك.دخل ريان إلى الحمام وهو يقر أنه يحتاج بالفعل إلى مجهودات كبيرة للايقاع بها، ولكن لا يهم، فهو لا يستصيغ الأمور السهلة الهينة، دائماً ما يستهويه الصعاب.(لا يا ريو البت فلتت من إيدي، ما تنزلش بتقلك ألا البت كده هتضيع و إحنا عندنا ولاية😂) وعد بعد دخوله إلى الحمام : ده إيه الرجالة أم وش مكشوف دي؟! بس الواد موز، موز،.(ما تتلمي بقى 😂).🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣🤣عند مصطفى وهمس.بعد إنتهاء الجميع من تناول الطعام، تحت إدعاء مصطفى التجاهل والعبوس، واستياء همس فهو لا يستحق ذلك، وقد قررت الإعتذار منه.قامت همس بمساعدة نجوى في لم الأطباق من على الطاولة، وايداعها حوض الجلي لإنهائها في الصباح كما اقترحت نجوى فقد تأخر الوقت.قامت نجوى بوضع الماء في البراد استعداداً لعمل الشاي.دخل مصطفى إلى المطبخ وجدها تقف بتململ إلى جانب والدته التي تقوم بتحضير الأكواب لحين غلي الماء .اقترب منهما مصطفى يخاطب والدته موليها ظهره : أنا نازل، تصبحي على خير يا نوجة.همس بإندفاع : مش هتشرب شاي يا مصطفى؟!آهٍ، منكِ حبيبتي نطقكِ لحروف اسمي يعطيه رونقًا وعذوبة، كلحن تعزفينه على قيثارةٍ، تداعب أناملك أوتارها، وما أوتارها إلا وتين قلبي العاشق للثرى الذي تدعسه قدماكِ.أجابها مصطفى باقتضاب جاهد لرسمه : مش لازم.لِما لا يعطيها فرصة للاعتذار.وبالفعل تركهم مصطفى، بعد أن قبل رأس أمه مستئذناً منها بالانصراف. متوجهًا إلى الصالة.مصطفى لوالده : مش نازل يا حج؟!الحج زكري : هشرب الشاي و احصلك يا درش .مصطفى : ماشي هسبقك أنا.استأذنت همس من نجوى مدعيةً النعاس ذاهبةً إلى غرفتها، تتسطح بجسدها على السرير، سابحةً بخيالها إلى لقائهما بمدخل البناية، حينما قام بتقبيلها.لمجرد استدعاء اللحظة سرت رعشة بأطرافها مرسلةً إلى قلبها رجفةً لذيذة، تستشعر سريانها بداخلها كسكرات تذيب كل خلية بها، وتدغدغ عمودها الفقري، إحساس ولا أروع.ولكنه مخيف، تلك الأحاسيس لم تخالجها يوما قط، ولم تراود أحلامها تلك الفيضانات من المشاعر التي سحبتها إلى دوامة، لا تعرف سبيل للنجاة منها.وتساءلت هل تريد حقا النجاة؟! أم ستترك قلبها تتقاذفه أمواج عشقه الضارية؟!وبالأخير توصلت لحقيقة واحدة، لن تقوى على الإبتعاد، لقد تملك عشقه من قلبها، ولا تعرف كيف؟! ولا تريد أن تعرف، فالعشق مصطفى، هو المختار.أمسكت هاتفها تريد التواصل مع صديقتها وكاتمة أسرارها و أختها وعد، تريد أن تبثها ما أثقل روحها.ربما تجد لديها ما يريحها.ضغطت أناملها قفل الشاشة، ومن ثم زر الإتصال، ولكن وجدت هاتفها مغلق.تأفأفت بنزق، وهي تسند الهاتف إلى جوارها على الفراش، تناظره بتردد تريد سماع صوته، ولكن كلما مدت يدها إلى الهاتف، تتراجع خشيةٌ من أن يجرحها أو يحرجها بردوده.وعلى الجانب الآخر بالأسفل يتسطح مصطفى على بطنه أعلى الفراش يستند بمرفقيه عليه، واضعًا الهاتف أمامه يناظره بإمعان،، وعينيه مثبتة على شاشته كمان يراقب عداد قنبلة موقوتة ستنفجر في أي لحظة، مع إختلاف طفيف، فهو مترقب بتسلية لحظة الانفجار، أعني لحظة إضاءة الشاشة بلقبها المسجل لديه( أم العيال). (يا رب ما تتصل يا درش، خليك تنبط😂).مصطفى محادثاً حاله : إيه يا درش؟! حساباتك جَلّت المرة دي ولا إيه؟! شكلك هتقضي الليل تعد النجوم، ما كنت قعدت تشرب الشاي يا إبن الفقرية.في حين قررت همس الإتصال به.،ملتقطة الهاتف تضغط على اسمه،وعندما أنارت الشاشة لديه باللقب المنتظر، هب مصطفى واقفًا يعتلي السرير متراقصًا بحركات خرقاء، مرددًا بفرحة: ايوه بقى، هو ده.مال على الهاتف يحادثه وكأنه سيجيبه : طب أرد ولا أستنى؟! أرد ولا أستنى؟!(طب يا روح أمك، أنا هوريك أخرة تقلك على البسكوتة 😂).وفي لحظتها انقطع الرنين، ولم تكتمل صوت النغمة الهاتفية للمكالمات لديه، مما يعني أنها قطعت الإتصال 😂.التقط الهاتف الذي أظلمت شاشته ظناً منه أن شحنه فرغ ، وقد أطفأت البطارية الفارغة الجهاز.ولكن وجده لا زال يعمل.مصطفى : ايه ده بقى؟!وأخذ يهز الهاتف بين يديه وكأنه يعنفه.مصطفى محادثاً الهاتف : طب أتصل أنا ؟! ولا أتقل شوية؟ ما ترد؟! أنا مش بكلمك؟ رد يا جبان.(لا حول الله، أنت حالتك صعبة أوي يا درش😂).قطعت همس الإتصال بعد جرسين، وما إن ضغطت على زر الغلق حتى أعلنت نغمة الرسائل عن تلقيها لرسالة جديدة، ففتحتها سريعاً لعله هو.ولكنها وجدت الرسالة من نفس الرقم الذي هاتفها من قبل، فتحتها لتعرف فحواها، فوجدت بها أربع كلمات مختصرة (ردي يا همس، أنا وعد).وعلى الفور قامت بالإتصال على الرقم.وفي تلك الأثناء قرر مصطفى هو الآخر مهاتفتها، ولكن كلما إتصل أعطاه الخط مشغول.مصطفى لنفسه : وبعدين؟ هي حطتني على الرفض ولا إيه؟ ليه البيعة دي يا قلب مصطفى؟ هونت عليكي؟.وكأن شخصًا آخر يجيبه : اشرب، مش فضلت تتقل، أهي كرفتك يا خرونج.-بس ما تقولش خرونج.-لا خرونج وخرو كمان، ولَّا يمكن مشغولة مع حد تاني يا درش؟-حد، حد مين؟-زين مثلًا؟-دي تبقى ليلتها سودة، لا يا عم همس ما تعملش كده.-وأنت إيش عرفك يا درش، ما يمكن....-لا، لا، أسكت إنت شيطان؟(مبروك عليك القميص الأبيض يا ديشة 😂).وبدلًا من تلوعيها، إلتاع هو بنار الغيرة.(وجرب نار الغيرة، و قولي، قولي 😂).👏👏👏👏👏👏👏👏👏👏عندما رن هاتف ريان برقم غريب، كان هو قد إنتهى من الاستحمام.وخرج وجدها تفترش السرير بالطعام، وفمها مملوءًا على آخره، لا يشغلها سوى ما تفعل.وكأنها انفصلت عن العالم، ويبدو أن صابحة قد جلبت لها تلك الوليمة أثناء تواجده بالحمام.فأخذ يهز رأسه يمينًا ويسارًا بيأس، ملتقطًا الهاتف الموضوع إلى جوارها على الكومود، ناظرًا إلى شاشته فوجد رقم غير مسجلًا يهاتفه.أدار شاشته إليها متسائلًا : مش دِه رقم أختك؟انتبهت همس إلى رنين الهاتف في يده، ناظرةً إلى الرقم على الشاشة، وهي تهز رأسها بإيجاب عاجزة عن الحديث، بسبب امتلاء فمها، و قد لطخت الصلصة شفتيها، وكأنها طفلة لم تعتاد بعد على إطعام حالها.(يخرب بيت الطفاسة😂).ابتلعت سريعاً ما في فمها، تمد يدها الملطخة إلى الهاتف؛ لتلتقطه من يده.فأبعده سريعاً عنها، قاذفًا المنشفة التي بيده بوجهها ، قائلًا : امسحي يدك دي الول، الله يجرفك.وعد وهي تلوك ما تبقى في فمها : تشكر يا ذوق.(هتطفشي الراجل يا بت المفجوعة😂). وقامت بمسح يدها وفمها بتلك المنشفة، ولكن بقيت نقطة من الصلصة عالقةً بزاوية شفتيها لم تنجلي، وكأنها تناشده بالإقتراب ليزيلها بيده، أو ربما....هز رأسه ينفض الفكرة التي استحوذت عليه برغبةٍ ملحة.مدت يدها تلتقط الهاتف من يده، وهو لا يزال مثبتًا بأرضه يقاوم تلك الرغبة.رفعت بصرها إليه وجدته شاخصًا بها، فتحمحمت بإرتباك، قائلة : إيه؟ ريان وهو على حاله : إيه؟ !وعد : يعني كلك نظر.ريان : ما فاهمش تجصدي إيه؟!وعد مجيبة بسماجة : عايزة اتكلم مع أختي، يعني لو ما كانش يضايقك؟!(ما تسوقيش فيها أنا حيشاه عنك بالعافية😂).خرج ريان إلى الشرفة متيحًا لها فرصة للحديث.فضغطت على زر الإجابة.وعد : إيه يا همس؟ ما بترديش ليه؟ قلقتيني عليكي.همس بنبرة مذبذبة تعلمها وعد جيدًا : أصل، يعني، ما كنتش، ما أعرفش إن إنتي اللي كنتي بتتصلي بيا من الرقم ده.وعد : مالك يا همس؟ بتهتهي ليه؟همس : أنا، أبدًا، ما فيش.وعد : همس؟!همس : وعد، I've a problem.تعرف وعد تلك المشكلات مقدماً ربما كسر أحد أظافرها أو إنتهت باقة مكالماتها الشهرية أو ربما راودها كابوس.وعد : What's The problem ? همس : وعد، أنا اتجوزت.وعد مجيبة بإندفاع كعادتها : ياه يا همس، دايماً تكبري المواضيع ك...وتوقف عقلها عن العمل، وانقطع حديثها كمذياع أزيل قابسه.وعد مدهوشة جاحظة العيون من الصدمة.والأخرى تضع سبابتها في فمها، كطفلةٍ صغيرة تحادث والدتها على هاتف العمل، تبلغها بأنها فوتت درس البيانو، تغمض عينيها منتظرة كلمتي توبيخ، أو ربما ثلاث ، وبعدها ستعد والدتها بعدم تكرار خطأها مرةً أخرى.وعد بعدما استوعبت ما قالته همس : إت إيه؟! اتجوزتي ده إيه؟! ده إنتي نهار أبوكي مش فايت، أنتي مبلبعة حاجة أبت؟! 🤔إحنا مش قلنا ألف مرة، ألف به ضرب ما نعلاش بالدماغ مرة واحدة 😏، أنتي مصرصرة يا بت عزام؟! 🙉همس بتوجس : مبلعة إيه؟! أنا مش فاهمة منك حاجة!!وعد : مبلعة؟! إنتي ضاربة إيه يا همس؟ ويا ترى بتتعاطي من إمتى 😱؟!همس : No way، ما ليش في الحاجات دي أنا.وعد : أنيل، ده أنيل 😓، معنى كده اللي إنتي قولتيه ده بجد🙉؟!همس بتوجس : Yes.وعد : إزاي يعني مش فاهمة!! عرفتيه إمتى؟ وفين؟ وإزاي ده حصل؟!همس : في القسم.وعد : بقولك إتجوزتيه إزاي؟!همس معاودة الإجابة نفسها : في القسم.وعد بعدم فهم : إنتي علقتي؟! ما تنطقي؟!همس : ما أنا بقولك اللي حصل، اتجوزته في ال Police station.وعد : مش فاهمة!!! يعني هو ظابط؟ وحتى لو، ما الظباط....وبطرت عبارتها، وهي تلطم خدها باستنكار : إنتي قصدك....؟!همس وهي تومئ برأسها وكأن الأخرى تراها : Yes.وعد : يا نهارك اسود ومنيل يا بت عزام وليلى...همس مقاطعة : استني بس هفهمك.وعد ب ثورة : تفهميني؟ تفهميني ايه؟! بقى همس القطة المغمضة!! يتكتب كتابها في القسم 🙉!! وكنتي ماشية في سكة البلحة المقمعة من إمتى يا محسوكة🤔؟! ويا ترى بوليس الآداب لقطكم من انهي مُكْنة 🤦♀️؟!همس ببلاها : لا ما تفهميش غلط، إتعكشنا من على البحر.أزالت وعد الهاتف من على أذنها، تنظر إلى الرقم مرددة بغباء : إتعكشنا!!ثم أعادت الهاتف إلى أذنها : إنتي مين؟! وفين همس؟!همس : What's wrong, It's me Hams, أنا همس .وعد : إنتي فين يا زفتة؟! إنتي. همس : Wach Your langaue.وعد : هو أنتي لسه سمعتي لغة! ده أنا هشتمك بالأب والقمع دلوقتي، انطقي إنتي فين؟!همس : عند مامي نجوى.وعد : والمحروس اللي اتجوزتيه فين؟!همس : عند مامي نجوى.وعد : هي مامي نجوى تعرف بعملتك السودة دي؟!همس : Not Yet.وعد : أمال هو عندك بيعمل إيه؟!وقولتي لمامي نجوى إيه عنه🤔؟! كسبتيه في كيس شيبسي!! 🙉انطقي؟ وفهميني، الواد ده قرب منك؟ غلطتي معاه يعني؟!همس : لا طبعًا، إيه اللي إنتي بتقوليه ده؟!وعد : طب حسك عينك الواد ده يقرب منك، وبكرة الصبح هبعت لك عربية تجيبك عندي هنا، لما أشوف إيه حكايتك بالظبط.أغلقت الهاتف في وجهها، وهي لا تفهم شيئاً، ربما بعد تناولها الطعام غفت، وما تسمعه وتعايشه الآن حلم أو كابوس.بعد قليل دخل ريان الغرفة مغلقًا باب الشرفة خلفه، مستديراً لها، وجدها تمسك الهاتف في يدها، تناظره بأعين مشدوهة و فم مفتوح وكأنها مصعوقة بكابل كهرباء ذو فولت عالي.اقترب منها يلوح بكف يده أمام وجهها، ولكن لا استجابة ولو بطرفة عين.سحب ريان الهاتف من يدها، فانتبهت له تهز رأسها بدهشة ومعالم وجهها لا تفسر.ريان : إيه فيه؟! مالك؟! حية لاشتك؟! ولا إيه؟!هزت وعد رأسها مرةً أخرى برفض.ريان : أمال إيه؟! الوكل طلع مسموم، واللي إنتي فيه دِه سكرات الموت؟!هزت وعد رأسها برفض.ريان : إيه فيه؟! ما تُنْطُجي.وعد برجاء : هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟ريان : جُولي.وعد : هو إنت ممكن تبعت حد بالعربية بتاعت ماجد يجيب أختي من إسكندرية؟ هي ما لهاش حد غيري، والمكان اللي هي فيه هناك مش هقدر اطمن عليها فيه لوحدها.ريان : ما تعوليش هم، آني هتصل بمكتب الليموزين اللي ماجد أچر منيه العربية، واخليهم يبعتوا لها عربية بسواج يچيبها لحدك، وآني هدفعلهم أون لاين.وعد بامتنان: متشكرة.لملمت ما بجانبها من طعام بشرود، تضعه إلى جانبها أرضًا، وهي تأخذ وضعية النوم بإستكانة، تعجب لها ريان.ريان : هتنامي دلوك؟!أمأت له بإيجاب، و قد بدأت قدمها يداهمها الألم، فصدر عنها أنين مكتوم.ريان : أخدتي دواكي؟هزت رأسها برفض، وقد أحزنه حالتها تلك.ريان : جومي خدي دواكي، ولفي رچلك كيف ما الدكتور جال الول، وبعدين انعسي.قامت وعد من مضجعها تتناول كيس الأدوية الموضوع إلى جانبها، وهي تجز على أسنانها بألم ملتقطة الأقراص المسكنة والتي تحتوي على نسبة عالية من المهدىء، ولكنها ليست على علم بذلك، وتناولت منه قرصين، ومدت يدها تضع الدهان على قدمها المتألمة تملس عليها بحرص، وبعدها خارت قواها واستسلمت لإرتخاء جفنيها ، و رأسها يثقل، حتى هوى جسدها على الفراش بنعاس.(معلش يا دودو اسم البورشام إيه؟! عشان عندي أرق، إيه العالم اللي دماغهم خفيفة دي😂🤝) فالدواء الذي تناولته والذي يسكن الألم يساعد على النوم، وقد كتب لها الطبيب قرصًا واحداً كجرعة قبل النوم، و قد قام الطبيب الصيدلي بإعطاء ريان الدواء ذاته ، ولكن بتركيز أعلى، نظرًا لعدم توافر التركيز المدون بالروشتة، منبهًا عليه أن تأخذ نصف الجرعة الموصوفة، أي نصف قرص، ولكنها عوضًا عن ذلك، ابتلعت قرصين.وقد تناسى ريان إخبارها بالأمر، وما إن سقطت في نوم عميق، حتى قام ريان ب.....(قمت بإيه؟! الله يخرب بيتك 🙉😂) البارت خلص يا قمرات.تفاعل كتييييييير.وكومنتاتكم و ريفيوهاتكم الحلوة.و الناس بتوع الواتباد متنسوش التصويت. تشجيع بقلب بقى.مش هوصيكم😎😘😘😘😘😘😘😘
🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺
اللهم صل وسلم على نبينا وحبيبنا ورسولنا و شفيعنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرا إلى يوم الدين و كل من له نبيّ فليصلي عليه.
🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺🌺
بعد إفصاح منصور لصقر عن سبب الإجازة المزعوم ، وهو البحث عن عروس لإتمام نصف دينه، وما كانت غير حجة واهية من منصور للحصول على إجازة طويلة نوعاً ما؛ حيث أنه ارتاب من المكان و البلدة بأكملها؛ بعدما حدث له على يد ريان، وزعره بعد واقعة الحديقة على يد صقر، فقد تلقفاه اثنتيهما أحدهما يعاقب، والآخر يظهر له في الظلام كالأشباح وما زاد الطين بلة تلك الزيجو التي ألصقت به فقد ظن منصور أن العروس إحدى أخوات تلك الفاتنات سواء أكانت زوجة الصقر أو ريان أو ماجد، ولكن لم يرنو إلى عقله أن الصقر سيتم إنتقامه بتزويجه من أخت هذا المدعو همام.
الصقر لهمام : جول لخيتك يا همام إن كتب كتابها ودخلتها إمعي آني وماچد في ليلة واحدة خليها تچهز حالها، وكل چهازها ولوازمها عليا آني.
منصور لهمام : إيه ده؟! هي أختك هتتجوز هي كمان؟! يا ترى مين اللي أمه داعية عليه ده؟!
صقر بإقرار : هو فيه غيرك يا منص😏؟!
منصور لاطمًا خده وهو على وشك البكاء : يا وقعتك السودة يا منص🙉.
همام للصقر : لاه، يا كابير مسعدة خيتي لا يمكن تجْبل بيه.
(ليه يعني يا ميمو ؟! ده مهما كان الدكتور منص 😂)
انتعش الأمل داخل منصور مؤكدًا على حديث همام : عندك حق يا ميمو، ينصر دينك يا شيخ، أختك تستاهل واحد أحسن مني مليون مرة، واحد صعيدي أصيل إنما أنا مشكوك في نسبي أصلاً أمي الله يرحمها كانت دايماً تقولي إنها لاقتني على باب جامع.
(الله ده أمي و أمك قرايب يا منص 😂)
الصقر بشماتة فهو بالرغم من إنه لم يرى وجه مسعدة من قبل؛ لكونها منتقبة، حقًا لقد تعامل معها مسبقاً ولكن من خلف هذا الحاجز الذي منع الرؤية، فهو يقر أنها صاحبة جسد متناسق وقوام ممشوق، ولكن الجواب يظهر من عنوانه، فإذا كان همام أخاها، فماذا ستكون مسعدة إذاً؟!
(على فكرة بقى المنتقبات مزز جداً يا أخ صقر متخلنيش أقلب عليك😂)
صقر : خبرك إيه يا همام؟! من ميتى الحريم عندينا ليهم رأي في دِيّ؟! وبعدين هي هتلاجي أحسن من الدَكْتور منصور فين؟! دِه دَكتور، وكمان مجطوع من شجرة، يعني لا هيبجى ليها حمى ولا ديوله!!
همام باستعطاف : يا كابير دي خيتي الوحيدة، و أبوي سايبها أمانة في رجبتي، و معوزش أغصب عليها في دي بالخصوص، و بعدين الهدير ده عيجولي يا ميمو بجى ده شكل ميمو؟!
(أصيل يا ميمو 😂)
منصور : لا يا صقر باشا، أنا مع الأخ همام لازم ناخدوا رأي العروسة الأول قبل أي حاجة، الشرع بيقول كده.. و بعدين مسعدة تتجوز هدير و توجه بالحديث إلى همام : ألا إيه هدير دي يا ميمو؟!
أراد همام التفسير و لكن زجره الصقر بعينيه، فابتلع همام على الفور حديثه.
فأجاب الصقر : خالونا في المهم عاد.
اشاد منصور برأي همام بضرورة موافقة العروس أملًا في قول أخيها بأنها لن تقبل به زوجًا لها، وقد وضع الصقر في خانة اليك، فقبول العروس شرطًا شرعيًا، واضعًا نصاب عينيه أمرًا مفروغًا منه، غير قابل للجدال.
صقر : على جولك يا دكتور ناخدوا رأي العروسة الول، مع إني واثج إنها مش عتكسر كلمة جولتها.
فلقد كان الصقر هو المتكفل بمصاريف دراسة مسعدة طوال الأربع سنوات في معهد التمريض العالي، وهو واسطتها للقبول به، وساندها أيضاً للعمل في مستشفى سوهاج العام، وذلك بعد وفاة والدها هي وهمام،و عين همام غفيراً لديه، كما كان أبوه يعمل حارساً لدى عائلة الزيدي.
منصور بإندفاع : من هنا لغاية ما توافق لا سمح الله؛ يكون ربنا حلها من عنده.
(كشفت نفسك يا ابن الهبلة 😂).
فطن الصقر نية منصور المبيتة في حالة موافقة العروس التي يعلم صقر تمام العلم أنها ستوافق إذا أعلمها الصقر بنفسه أن هذا اقتراحه ، و أن منصور هو اختيار الصقر نفسه كزوج لها، بالطبع سيلجأ منصور إلى حيلة أخرى لفض تلك الزيجة، فقطع الصقر الطريق على منصور.
بتلعب مع مين يا منص، ده مرقع😂)
صقر : و لغاية ليه؟! ما أحنا فيها عاد.
ووجه صقر حديثه لهمام : هي مسعدة بتعاود من المستشفى ميتى؟!
منصور مقاطعًا : هي عيانة؟! لا ألف لا بعد الشر عليها، ويا ترى كانسر بإذن الله؟! ولا غسيل كلوي؟! لا يا كبير كده الجوازة باطلة، أنتوا لازم ترسوني على الدور من أوله، وبعدين اللي هتجوزها لازم تكون فرسة عفية، أمال إيه؟!
(يا واد يا أسد 😂).
همام متباهيًا بزهو شامخًا أنفه لأعلى : تف من خشمك، خيتي حكيمة كد الدنيا
صقر : ما جولتش يا همام؟! بتعاود ميتى؟
همام : خيتي في الدار من العشا يا كبير، إنت خابر إن بعد توصية چنابك عليها في المستشفيه، وهما ما عدوش إيبيتوها نبطشية.
انتصب صقر واقفًا وهو يربت على فخذيه بتسلية : هه يُبجى يلا بينا.
منصور ينتصب واقفًا بدوره : طب يا جماعة خطوة عزيزة.
الصقر مبتسمًا بزاوية فمه : لاه ما إنت چاي إمعانا.
منصور مستفسرًا : اجي معاكم فين؟!
صقر : على الدوار.
ووجه حديثه الى همام : روح إنت يا همام چيب مسعدة، وحصلنا على الدوار.
منصور وقد علم أنه هالك لا محالة، فالصقر مصر على توريطه، فلعن حظه العسر الذي جعل قدماه تطأ تلك البقعة من الأرض، وتلك الإجراءات اللعينة التي جعلت منه الطبيب المنتدب في تلك القرية، لاعناً ذلك النظام ( الانتداب) ومن بدعه.
(هتحبسنا يا منص الله يخرب بيتك 🙉).
منصور بمهادنة : ليه بس يا كبير تقلقوا العروسة من تربتها قصدي من نومتها!! ما الصباح رباح.
صقر : خير البر عاجله.
انيتا وقد سأمت الحديث فالأمر برمته لا يعنيها، وها قد تحسنت حالتها كثيراً مقارنة بالحالة التي أتت عليها محمولة بين يدي الصقر.
أنيتا موجهة حديثها إلى منصور : أباي عليك يا دكتور، ما تخلصنا عاد، هي موتة ولا أكتر؟!
منصور باستسلام : إنا لله وإنا إليه راجعون، على رأيك، لله الأمر من قبل ومن بعد.
(ربنا يجعلنا من محاسيبك يا شيخ منص 😂).
خرج الجميع من دار الطبيب، و منصور يسير معهم بعقل شارد، كمن يساق لحتفه، بينما الصقر كان يحمل أنيتا على ذراعيه كما كان حالها في المجيء، مع الفرق أنها الآن منتبهة يقظة على غرار حالتها منذ قليل، والتي كانت تحاكي الأموات.
صقر لهمام : إفتح الباب إنت، وروح إعمل اللي جولتلك عليه.
بينما توجه الصقر إلى المقعد الخلفي يجلس أنيتا بحنان واهتمام بالغ محيطًا جسدها بالغطاء، واستدار ليحتل مقعد القيادة، بينما وقف منصور متصلبًا بجوار السيارة، وداخله يحث قدماه على الهرب، ولكن عقله يخبره أن لا مجال للفرار فإذا كان هو طبيباً، فذاك صقر الزيدي بثروته ونفوذه وحصانته، ومهما ابتعد سيكون تحت طائلة قبضة الصقر.
(على رأيك يا منص كلها أوضة و صالة😂).
الصقر من أعلى سقف السيارة، قائلا : ما تركب يا دَكتور، ولا هنفضلوا الليل إبطوله واجفين إهنه؟!
صعد منصور السيارة إلى جوار الصقر على مضض، بوجه ممتعض وساد الصمت حتى وصلوا إلى الدوار.
نظر صقر إلى المقعد الخلفي، وجد الصغيره غافية،إلى جوارها كيس الأدوية الذي جلبه همام من الصيدلية، فقد كانت تحمله الصغيرة بعد أن أعطاها إياه صقر في منزل منصور.
ارتجل الصقر مغلقًا باب السيارة خلفه، يستدير فاتحًا الباب الخلفي، فوجد منصور لا يزال على حاله، جالسًا داخل السيارة غير منتبهًا لتوقف السيارة أمام مدخل الدوار بعد اجتيازها البوابة، ولا لخروجه منها.
صقر محادثًا نفسه : عشان تبجى تحلو يا خفيف. 😏
(إنت زعلك وحش أوي يا أخي 😅).
نقر الصقر على زجاج السيارة يلفت انتباه الشاخص في ملكوت ربه وعلى وجهه معالم الحزن والكآبة، منخرط التفكير وقَطعًا يفكر في حل تلك المعضلة.
أما منصور فقد إسودت الحياة في عينيه، و أمله الوحيد أن ترفض الكونتيسة مسعدة الزواج به،
و ما انتبه منصور لصوت نقرات أصابع الصقر، فإمتدت يده جبراً تفتح مقبض الباب، ينزل بقدمٍ مثقلة إلى محيط هذا الليث المنتقم،.
بينما مد الصقر ذراعيه حاملًا الصغيرة وكيس الأدوية، متقدمًا إلى داخل المنزل، بعد أن أمره بالانتظار لبرهة، فبالطبع من اطاحت بعقله تنتظر بالبهو، قدومه مع صغيرتها.
وبالفعل عندما دق الباب كانت هي خلفه تفتح مسرعة، بعدما استمعت لصوت بوق السيارة، وهو ينبه الحارس على البوابة، فقام الحارس بفتحها على مصرعيها.
وكانت هي تختلس النظر من خلف زجاج الشرفة الموجودة ببهو الصالة، فلمحت بصحبته هذا الطبيب، متحاشية الخروج إليهما للاطمئنان على أنيتا، خوفاً من غضب الصقر.
انجيل بابتسامة عذبة استوحتها من ملامحه التي كستها إبتسامة مطمئنة، فعلمت أن أنيتا أمورها تسير على خير ما يرام.
أنجيل : Wellcome , Baby كيفها دلوك؟
(هي الدبلجة مش بتبقى سوري باين🤔).
صقر وهو يناظرها بحالمية بعد بيبي : زينة، زينة جوي.
وتنهد تنهيدة مشتاقة.
(لا يا أبو الصقور انشف😅).
تنحنح الصقر متذكرًا وجود ذلك المتطفل اللزج منصور بالخارج قائلًا: اطلعي إنتي دلوك، وآني دجيجة واحدة، وهچيب أنيتا، وچاي وراكي.
أزعنت أنجيل لأوامر كتكوتها، أعني لأوامر الصقر، وصعدت إلى الدرج تتهادى في مشيتها، ومع كل خطوة يشتعل أحدهم خلفها حماساً ونشوة، و سريعاً عاد لذلك الواقف أمام الباب.
صقر لمنصور : أدخل يا دكتور و أشر له بعينيه إلى أحد الأبواب في البهو : استناني هبابة، هطلع...
وبطر جملته فإذا ذكر إسمها أمامه فربما تساءل هذا المنصور، كيف أنيتا؟! وكيف كانت تتحدث الصعيدية بطلاقة، والصقر لا يريد إثارت الجدل حول هذا الأمر في الوقت الراهن، فاستكمل : هطلعها ونزلك، استناني إنت في المُندرة.
سار منصور إلى حيث أشار الصقر يجر قدميه جرًا قائلاً بصوت هامس : اطلع يا أخويا، اطلع، ناس ليها بخت، وناس ليها مسعدة.
(قرار أوي إنت يا منص 😂).
صعد صقر الدرج على عجالة متوجهًا إلى قاعة أنجيل، ومد يده بصعوبة وهو يحمل الصغيرة إلى مقبض الباب يفتحه؛ فهو لا يريد ايقاظها فإذا طرق الباب بقدمه، أو ناداها من خلف الباب، ربما تستفيق أنيتا، وتكدر صفو اللحظة.
أخذ صقر يلوم حاله : إيه فيك إنت؟! ما تثبت! من ميتى وإنت إكده؟!
أخذ الصقر نفساً عميقًا محاولًا تهدئة تلك العواصف التي تغزو خلاياه بقوة، كاسحةً معها كل القيود مدمرة ثباته الانفعالي.
فُتِح الباب وتقدم الصقر إلى الداخل بحذر؛ لا إلا تستيقظ تلك المشاغبة غافلاً عن الأخرى التي خرجت توها من المرحاض الملحق بالقاعة، وقد خلعت عنها مئزرها، تاركة إياه على السرير، ودخلت إلى الحمام ربما لتقضي حاجتها.
(مش عارفة الصراحة، المهم تكون شدت الفيسون😤).
تقدم صقر من التخت واضعًا تلك الغافية بحذر عليه،
بينما تقدمت أنجيل منه بهدوء، واضعةً كفها على كتفه من الخلف،
انتفض الصقر بتفاجئ ظنًا منه أن أحدًا قد هاجم دواره، واقتحم غرفتها، فعندما دخل إلى القاعة ولم يجدها، تساءل أين يمكن أن تكون؟! وبجزء من الثانية كان قد أمسك بتلك اليد وهو لا زال على وضعه، يجذب صاحبها، وهو يستدير استعدادًا لمهاجمته، وتم ذلك في سرعة، فشهقت متالمة من قوة قبضته على رسغها.
أنجيل :What's the matter,baby ?It's me anjel ما الأمر بيبي؟ إنه أنا، انجل.
الصقر بتوبيخ غير منتبهًا لما ترتدي : فيه حد يعمل إكده؟! كان هيبجى زين لو كنت اتغاشمت عليكي دلوك؟!
ادمعت أعينها من ردوده الجافة، وتصرفاته التي لا تجد تفسيرًا لها، فهي أرادت مشاكسته ليس إلا.
رق قلبه لها بعد ما لمح تلك العبرات التي يلوح طيفها بمقلتيها، فأخفضت بصرها، وهمت لتبتعد،
ومع ابتعادها خطوة إلى الخلف، وهي تجذب مرفقها من قبضته المحكمة حوله، جذب انتباهه ما ترتديه، فقد كانت ترتدي قميصًا بيتيًا قطني باللون الأحمر يلتف حول جسدها ملاصقًا له، يرسم منحنياتها بدقه ناحتاً تفاصيل جسدها المشدود ببراعة دون أكمام كاشفاً مقدمة نهدها الغض، يصل طوله إلى ما فوق الركبة ببضعة سنتيمترات، مبيحًا ساقيها وجزء لا بأس به من فخذيها (الراجل محروم بردو و من حق الكبير يتدلع 🦵👀).
يظهر من سيقانها أكثر مما يخفى، فبدت غاية في الجمال و الإغواء. وهي ما زالت مطرقة الرأس تحاول كتم عبراتها، ومنعها من الهبوط، مما أدى إلى احمرار أنفها و وجنتيها، فزادها ذلك جمالاً وفتنة، محاولةٌ جذب مرفقها من بين أصابعه، ولكن بعد رؤيته لها بتلك الهيئة، أبت أنامله فك حصار معصمها، ورفض جسده الانصياع لعقله، ولا لرغبتها بالابتعاد، ولكن على العكس اقترب منها تلك الخطوة التي ابتعدتها هي، وزادها خطوتين، فأصبح مشرفاً عليها بجسده، ملاصقًا لها، هبط بكفها الممسك به إلى جانبها، واليد القابضة أخذت تتحسس مرفقها وظهر يدها برقة.
رفعت رأسها إليه بوجهها المشرق المتورد، وقد خبت عبراتها، و لاح بعينيها شيء آخر.
أما هو رفع كف يده الأخرى يداعب خدها الأيمن بحنان، يميل بشفتيه طابعًا قبلة على جبينها بأنفاس هادرة، وهي مأخوذة برقته وعطره الرجولي الذي تغلغل إلى أعماق روحها، ورطوبه شفتيه على جبينها
ومن ثم ابتعد بوجهه عنها قليلاً، فتاهت هي بزيتونيته التي قتم لونها برغبة ساحرة، ولما أحس هو بهيامها وحالة الخدر التي أصابتها بهذا الاقتراب، ابتسم لها بحنان وقد غزته أحاسيس عدة : النشوة والرغبة و شيء آخر لا يعرفه بعد، يشوب تلك الأحاسيس الثقة بالنفس التي افتقدها؛ بسبب هجر حبيبته الأولى له ، فبرغم وسامته وماله والمنصب الذي ناله مؤخراً، ولكنه كان يفتقد الثقه بالنفس في تعاملاته مع الجنس الآخر.
رفعت انجيل يدها تثقل كف يده الذي يتلمس بشرة خدها بنعومة، تتمسح به بإغواء مقربةً إياه إلى شفتيها طابعةً قبلة رقيقة بباطنه، وقد أثارت فعلتها تلك أحاسيس لم يختبرها هو من قبل، واخذ عقله يتوسله الإبتعاد، ولكن جسده يأبى بعناد، فاقترب برأسه إليها ناهيًا هذا الصراع، وقبل أن تنهي قبلتها المهلكة لكفه، أمال رأسه إليها، وقد حبست أنفاسه بإثارة هابطاً بكفه إلى عنقها يجذبها إليه، مستبدلاً كفه بشفتيه ملتقطاً شفتيها بين خاصته بروية ونعومة و إثارة يتلذذ مذاقهما، و هو ينهل شهدهما ولكن بتمهل مهلك، وكأن أمامه الدهر بأكمله ليتابع ما يفعل، وهو يلف ذراعه الأخرى حول خصرها يقربها إليه باستمتاع.
صدرت عنها آهه تدل على استمتاعها هي الأخرى بقربه، لم تبادر وتركت له زمام الأمور، وبقيت تستقبل ما يفيضه عليها بلهفة مماثلة، وكأنها فتاة عذراء تتلقى توًا قبلتها الأولى من حبيب حلمت به وتمنته، وها هو لقائهما الذي طال انتظاره، ولا تعلم كيف هذا؟! لقد رأته اليوم، فقط اليوم!
تلك الآه التي صدرت عنها أشعرته بإكتماله، فتمادى متلمسًا أسفل ظهرها يضغط عليه بخفة، مقربًا إياها إليه أكثر، فأكثر، وهي مستندة بكفيها على صدره تتحسسه بإغواء، تستشعر نبضات قلبه أسفل باطن كفيها، فتحولت قبلته الناعمة الرقيقة إلى قبلات صغيرة رطبة كرفرفة الفراشات، تلتها قبلة مطولة يتنقل بها ما بين شفاهها العلوية والسفلية بالتناوب، و يديه تعيث فساداً بجسدها، واليد التي تدعم عنقها إليه هبطت إلى نهديها يتلمسهما بإغواء ورغبة جامحة، ولكن برقة و حلاوة.
(يا حلاوة الصقر انحرف يا رجالة 😂كفاية عليكم كده 😏).
ولم يستفيقا من حلاوة ما هما فيه و ما يستشعرانه سوى على صوت أنيتا، وهي تغمغم أثناء نومها ظناً منهما أنها استيقظت من غفوتها، وكان الصقر أول من التف برأسه يناظر الصغيرة، فحمد الله أنها تواليهما ظهرها مبتعدًا على مضض بأنفاس متهدجة، قائلا بتحشرج (خد نفسك الأول ✋) : شوفيها، عجبال ما أشوف آني البلوة اللي تحت دي.
امأت برأسها إليه بإمتثال ولا زالت مأخوذةً بسحره، مخدرةً، تحمد الله أنه تم اختطاف ريان ( واطية، واطية يعني ✌️) وتشكر الظروف التي جعلت موسى يصر على قدومها مع ماجد ظنٌا منه أنه مسافر إلى نيويورك.
استوقفته انجيل قائلة : هتَچيني تاني.
(حد يناولني الشبشب 😂).
الصقر بهيام : لو چيتك تاني ما هجدرش ابعد يا جلبي.
تركها وهو منتشيًا، قلبه وجسده يطالبه بالعودة إليها، واختطافها في جولة أخرى أشد جموحًا، كشاب مراهق خرج في نزهة مع الفتاة التي يحبها متهربان من المدرسة دون مراقبين، وعقله يلومه على ما فعل برغم من أنها أمام الله زوجته ولكن حسب تقاليدهم ما فعله خطأ كبير، ولو كان أحد آخر قام بفعلته لكان الصقر أول من سيدينه.
♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️♥️
وعد ريان بقلم أسماء حميدة.
عند ريان ووعد بعد ما أخذت ذلك المسكن اللعين الذي افقدها الوعي، و أثقل رأسها وهوى جسدها على الفراش.
ريان : يا وجعة مربربة، نسيت أجولها على الجرعة بتاعت العلاچ.
اقترب ريان من التخت يستكشف نبضها واضعًا يده يستشعر عرقها النابض بعنقها.
ودون وعي وجد نفسه يتأمل ملامح وجهها الملائكي، وكم بدت جميلة ورقيقة وهادئة على عكس حالها وهي واعية متيقظة، لا يقصد بذلك جمالها، فجمالها لا خلاف عليه.
قام ريان بلف الرباط الداعم على قدمها المصابة.
(مش زي ما أنتم فاكرين خالص الراجل طلع محترم 😂بس مش قوي🤗).
و أراحها في نومتها سانداً رأسها على الوسادة خلفها، وأثناء ذلك بات مقتربًا منها حد اللعنة، وبدأ في تلمس ملامح وجهها برغبة.
(لسه بشكر فيك يا واطي😂)
وهو هائمًا بها، و أنامله تتحسس شفاهها الكرزية، وهو يتنهد بشوق فمالا عليها يريد تذوقها، وعقله يصور له مدى النعيم الذي سيعايشه إذا استبدل أنامله بشفافه يستشعر أنفاسها داخل صدره.
(اظبط ياض 😂).
ولكنه اعتدل في وقفته ساحبًا يديه عنها، لاعنًا ضعفه أمامها مستغربًا حاله، فهو لم يمس إمرأة قط دون رغبتها، ولم يستغل أنثى من قبل.
ولكن هذه الوعد تطيح بعقله، ويطرب قلبه بقربها، يريدها ولكن أبت رجولته في استغلال هذا الوضع.
وقال متمتمًا بحنق : طلعتي لي من فين إنتي؟! وليه إنتي بالخصوص اللي بتعملي فيا إكده!؟! نايمة ولا على بالك!! طب آني هيچيني نوم كيف دلوك؟
ومن ثم وقعت عينيه على تلك الأقراص اللعينة التي جعلت من الوضع خطرًا على كليهما فهي نائمة لا تعي شيئاً، وهو متأثراً مأخوذ بها تثيره هيئتها، وشيطانه يهيئ له أمورًا عدة ضد مبادئه بعيدة كل البعد عن ما تحتمه عليه نخوته، و اصالة جذوره الصعيدية.
مد يده يتناول شريط الأقراص مبتلعًا هو الآخر قرصين منها، واستدار ملتفاً إلى الجهة الأخرى من السرير مضجعًا على جانبه واضعاً وسادة بينهما سانداً رأسه على راحته ووجهه مقابل لها يتأمل ملامحها.
حتى ذهب في ثبات عميق.
🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊🌊
على الجانب الآخر في تلك المنطقة الشعبية بالإسكندرية.
أحدهم اشتعلت به نيران لا يخمدها ماء بحر تلك المدينة العريقة.
وهو من قام بإشعالها عندما أخذ يتلاعب معها رغبة في وصالها و أملًا في تدليلها له.
(والواد قلبه بيوجعه وعايز حد يدلعه😂)
أخذ يقطع الغرفه ذهابًا واياباً يجلس على التخت برهة، لاعنًا نفسه كونه اختلق تلك التمثيلية ولإدعائه الغضب منها، والآن لا يعرف ماذا يفعل؟!
أيهاتفها ثانية أم ينتظر قليلاً علها تقوم هي بالإتصال؟!
وهكذا يقوم زافراً بثورة وكأن الفراش زرع بأكمله أشواكًا ، لا يريحه مجلسه، ولا تطفئ ناره وثورته تلك الجولات المتقطعة التي يأخذها بمحيط الغرفة.
وعلى الجانب الآخر بعد إغلاق وعد الهاتف بوجهها جلست شاردة لا تعرف ماذا ستفعل؟ وماذا سيكون رد فعله عندما يعلم بما أمرت به أختها؟!
مصطفى لنفسه وهو ينتصب مكملاً دورانه بأنحاء الغرفة غاضباً من نفسه ومنها : يعني إيه هفضل قاعد متكتف كده؟! هو اللي هنعمله في الناس هيطلع علينا و لا إيه؟! طب اطلع لها أكلها قلمين؟
-لا، لا، قلمين إيه؟!
-طب اطلع لها أخدها بوستين.
(اتلم يا ديشة😂بقى).
-لا ما بدهاش بقى.
و مد يده ملتقطًا الهاتف ودون تفكير قام بالضغط على رقمها، فاستمع إلى رنين الجرس على الخط الآخر، مما يعني أنها لم تكن تضعه على قائمة الرفض، ومن المفروض أن يصبر هذا روع أغواره، ولكن ما شغله الآن مع من كانت تتحدث بالهاتف؟! سؤال تردد بذهنه.
ما إن وجدت همس شاشة هاتفها تضيء باسمه، حتى التقطته مسرعة تضغط على زر الإجابة.
همس : ألو يا مصطفى؟!
مصطفى متنهدًا بلوعة فبذكرها لإسمه أخمدت تلك النيران التي احرقته لمدة ساعة كاملة من الترقب والانتظار والغيرة، وكأنها قد طيبت جراحه فقط بكلمة منها، فالليث الجريح الذي ظل يقطع الغرفة ذهاباً و إيابًا يسب ويلعن أصبح الآن قطة وديعة.
مصطفى بثبات جاهد لإتقانه : أيوه يا آنسة همس.
بعد وضعه لهذا اللقب الذي يسبق اسمها تبينت أن إتصاله بها لم يكن شوقاً ولا لهفة، بل ربما استكشافاً لسبب اتصالها هي به.
مصطفى مستكملاً : رنيتي عليا من شوية؟
همس بتردد متخبطة : ايوه، آسفة لو كنت أزعجتك.
مصطفى بإدعاء : أصلي كنت نايم، وبعدين إذ فجأةً عطشت فقمت أشرب ، وببص على الساعة افتكرت إني إتأخرت على المحل لقيتك رنة عليا.
(كان فيه حاجة إن شاء الله 😂).
همس بغضب مستتر فقد كان ينام هنيئاً، وهي جافاها النوم حنيناً إليه وتوترًا لما حدث فجأة، فبين ليلة وضحاها أصبح اسمها إلى جانب اسمه في قسيمة واحدة برابط مقدس، لا ترغب بحله، ولا تعرف سبيلًا لإعتياده و الإمتثال له، و أيضاً لا تعلم رد فعل من حولها على ما حدث، فماذا سيحدث ان علمت نجوى والعم زكري؟
إذا كان هذا رد فعل وعد، فماذا سيكون رد فعل الباقيين؟!
و من جهة أخرى غضبه هو منها، وروحها النازقة لإيلامه، وتلك المشاعر التي استحوذت عليها وتخالجها في كل رمشة عين ولقائهما الأسطوري، ولكن بعد علمها بأنه كان ينام قرير العين، أرادت أن تؤرق مضجعه.
همس بخبث أنثوي جديد عليها : أصل كنت حابة أسألك عن حاجة كده.
مصطفى مسترسلاً وهو يتخذ وضعيته المفضلة، ولكنه يرد بإقتضاب : سامعك، إتفضلي.
همس : هو الطريق من هنا لسوهاج ياخد قد إيه وقت بالعربية؟
مصطفى مسايرًا حتى تحين فرصة لمعرفة بمن كانت تتصل، ولذلك هاتفها كان يعطيه مشغولًا : مش عارف الحقيقة، أصلي ما سافرتش سوهاج قبل كده، بس بالتقريب ممكن من تمن ل عشر ساعات، ليه هو إنتي كلمتي الآنسة وعد؟
همس : أيوه من شوية، وقالت لي إنها هتبعت عربية تاخدني الصبح.
اجابتها أثلجت صدره، إذًا كانت مشغولة مع أختها، ولكن مهلًا، هل ذكرت شيئاً عن سفرها؟! وضجت رأسه بثلاث كلمات : الابتعاد، الرحيل، الفراق.
مصطفى مجيبًا بثورة بعد أن هب معتدلًا في جلسته، فقد كان مضجعاً فوق التخت على بطنه، مستنداً بمرفقيه على الفراش، ويديه أسفل ذقنه كالعادة طبعاً : نعم يا ختي؟ تسفري فين؟!
همس بعد ما توصلت إلى ما تريد وهي تبتسم بخبث : إيه يا مصطفى؟! هو إنت ما سمعتنيش؟ بقولك وعد هتبعت لي عربية الصبح عشان أسافر لها.
مصطفى : ده اللي هو إزاي يعني؟! ومين هيسمح لك بكده؟!
همس بإدعاء عدم الفهم : مش فاهمة؟! يعني إيه مين هيسمح لك كده؟ هو المفروض مين يعترض على إني مسافرة لأختي؟!
مصطفى بغضب : على رأيك؟! طب حضرتك بالنسبة للمقطف اللي إنتي على ذمته إيه ظروفه؟!
همس : مين المقطف ده؟!
مصطفى بتسرع : أنا.
هنا ولم تتمالك همس حالها من الضحك وقد ادمعت عينيها، وهو يستمتع برنين ضحكتها هائمًا، وتناسى ما قالت وعلى وجهه إبتسامة بلهاء.
مصطفى : إنتي إزاي كده؟!
همس بعد أن هدأت نوبة ضحكها : اللي هو إزاي يعني؟!
مصطفى : كل حاجة فيكي ما لهاش زي.
همس : مش فاهمة؟!
مصطفى عائداً لثورته : بت إنتي، ما تاخدنيش في دوكة، ما فيش سفر، و تبع جملته قائلا برقة : مش ممكن أسيبك تبعدي عني، همس إنتي بتاعتي، ومش هسمح لحد يفرقنا.
(سايكو سايكو يعني😂).
همس مبتسمة : طب والحل يا زوجي العزيز؟!
مصطفى بفرحة: قوليها تاني.
همس : هي إيه دي؟!
مصطفى : زوجي العزيز.
همس : إنت صدقت!! دي ظروف اتحطينا فيها، وأكيد يعني القصة دي ليها نهاية.
مصطفى وقد جثمت فوق صدره جبالًا من الهموم والألم، لا زالت تعتبر زواجهما حدث بخطأ يجب تصحيحه، و لكنه يعتبره هبة من الله إليه وحظاً سعيداً قد ابتسم له.
مصطفى : بس أنا الموضوع بالنسبة لي مش زي ما إنتي معتبراه.
همس : أمال إنت بتعتبر اللي إحنا فيه ده إيه؟!
مصطفى ملمحًا لما حدث بينهما : اللي أنا حسيته معك مش مجرد لعبة، ولا جوازة اتدبست فيها، ولا أنا حسيت منك ان إنتي كرهاني أو حابة تخلصي من الورطة دي زي ما بتقولي.
همس وهي تشعر بالخجل، و قد علت خدودها حمرة متوهجة، و أرادت إنهاء الحديث : معلش يا مصطفى، أنا مضطرة أقفل دلوقتي عشان وعد بترن عليا، باي.
و قطعت الإتصال فوراً، وأخذ هو يتنفس بغضب يشوبه القلق والخوف، ولا يعرف ما يخبئه القدر لهما، ولكنه مصرًا على إبقائها إلى جواره، أو بقاءه إلى جوارها فهي زوجته وحسم الأمر.
✋✋✋✋✋✋✋✋✋
هبط الصقر إلى حيث ينتظر ضحيته الآثمة منصور.
يدخل إلى المندرة، فوجده يجلس وهو يهز إحدى ساقيه بتوتر.
صقر بإبتسامة شامتة : إمنور يا دكتور.
منصور متمتماً : الدكتور، وسنين الدكتور.
صقر : بتجول حاچة يا دكتور؟! منصور بإبتسامة سمجة : أبداً، بقول لك البيت منور بأصحابه.
صقر : كان بودي أضيفك بس اديك واعي كل الناس اللي شغالين إهنه منهم اللي روح داره، ومنهم اللي نعس.
منصور : لا واجبك واصل يا كبير، بس لا مؤاخذة في السؤال.
صقر : لا مؤاخذتك إمعاك، إسأل.
منصور : هو حضرتك شاغل دماغك بيا ليه؟ وليه مصر تورطني الورطة دي؟!
صقر بحدة : ما توعى لحالك، وللي عتجوله يا دكتور، كيف شاغل دماغي بيك؟! وإيه اورطك دي عاد؟! مش إنت اللي كنت عتجول إنك عاوز أجچازة لچل ما تدور على عروسة، ده چزاتي إني حليتها لك، ولجيتلك اللي عتدور عليه، ده بدل ما تشكرني!!
(مش سهل يا أبو الصقور، قلبت الترابيزه على الراجل 😂)
منصور بسماجة : لا والله!! الواحد من غيرك مش عارف كان هيعمل ايه!! روح يا شيخ ربنا يديك على قد نيتك.
صقر بتفسير مبطن : الچزاء من چنس العمل، وإنت واد حلال يا دكتور، وتستاهل اللي يچرى لك أجصد كل خير إن شاء الله.
منصور متمتما : مش مرتاح لك.🤨
صقر : إنت مش إملاحظ إنك عتحدت حالك كتير اليامين دول؟! بس ربك چابر وهيكرمك من وسع مع مسعده، صبرت ونولت😜
منصور : أنا كنت دايماً اسمع الناس تقول آخرة الصبر القبر، ما قالوش مسعدة 🤔.
صقر : كل الطرج تؤدي إلى روما.
وفي تلك الأثناء دخل همام من باب الدوار الذي تركه منصور مواربا،ً وخلفه سيدة تتشح بالسواد لا يظهر منها شيئاً، حتى عينيها مغطاة بشيء ما يشبه الشبك، ذلك الشيء الذي تضعه المنتقبات على أعينهن أسفل النقاب.
(أظن المعلومة وصلت عشان ما أعرفش اسمها إيه الصراحة 🤔ربنا ينعم علينا بيه إن شاء الله🙏).
منصور متمتم : أهلاً 😭هي دي الليلة السودة اللي بتبان من أولها، و أهي ختمت.
الصقر لمسعدة : كيفك يا مسعدة؟
مسعدة بصوت رقيق : نحمده على كل حال يا صجر باشا، خيرك إمغرجنا.
منصور متمتمًا : هو من ناحية خيره مغرقنا فهو طافح الصراحة 😁
الصقر زاجرًا منصور بعينيه مخاطبًا مسعدة : إنتي خابرة يا مسعدة إني هاعتبرك كيف أختي الصغيرة تمام، وآني بعتبر حالي كابيرك بعد همام.
مسعدة : شرف ليا يا كابير، ربنا يديمك للبلد كلتها.
الصقر : وآني هطبج المثل اللي هيجول اخطب لبتك ولا تخطبش لولدك، وعشان إكده آني بطلب يدك لولدنا الدكتور منصور زينة الشباب.
منصور بصوت مرتفع نسبيًا : متعفيني يا عمي.
الصقر متحمحمًا بعدما أطرقت مسعدة رأسها بخجل وحزن : ما تاخذيهوش يا مسعدة، أصل الدكتور عيتكسف كيف البت البكر.
منصور يميل عليه قائلًا : مين ده اللي بيتكسف؟! ده أنا بجح.
الصقر مجيبًا : خابر، ورفع صوته نسبيًا : خابر إن الفرحة ما سيعاكش.
منصور : ده أنا من كثر الفرحة هيجيلي جلطة.
الصقر موجهًا حديثه لمسعدة : ها ما جولتيش رأيك يا عروسة؟!
لم يصدر من مسعدة أي ردة فعل، ولا يظهر من وجهها شيئاً ليستنبط الصقر أو غيره من الحاضرين ما توحي به معالمها.
الصقر ناهيًا الأمر : السكوت علامة الرضا، نجروا الفاتحة.
وإذا بمنصور....
آسفة على التأخير مرة تانية.
أرجو إننا نرجع نتفاعل تاني بحماس.
بارت صغير معلش بس نعتبره صفحة جديدة.
أنتم تفاعلوا وأنا هرجع أقرب مواعيد النشر بإذن الله. وعد ريان بقلم روايات أسماء حميدة