ايه المكان الغريب ده؟ وفين الوحدة الصحية؟ الاسفلت كان خالي والطريق قدامي كله رملة وخلاء. وقفت دقيقة أفكر. السواق ضحك عليا ولا إيه؟ ودوى صوت الريح المزعج والمرعب في وداني. السواق ميقدرش يعمل كده لأنه موظف زيي. هو قال إيه يا آدم؟ "امشي في الطريق ده، لحد آخره هتظهر ليك الوحدة الصحية." آه، لكنه قال حاجة كمان. حاولت أفتكر هو قال إيه قبل ما أنزل.
كلام عن لازم أوصل قبل الليل وإنه مش مسؤول لو وصلت بعد المغرب وكلام ملخبط مفهمتش منه حاجة. "احترس من المجهول." حطيت اليافطة ورايا والشنطة على كتفي ومشيت. في الدرب الضيق، كان واضح إن مفيش ناس كتير مشيت في الدرب ده، لأن كله حصى وغير ممهد. مفيش ولا شجرة ولا طائر شفته وأنا ماشي. وكل ما تعمقت داخل الصحراء حسيت بالخواء والقلق. وحدة صحية إيه اللي وسط الصحراء؟ هي الوزارة بتلعب ولا إيه؟
بقا إحنا في القرن الواحد وعشرين وفيه مناطق ذي كده؟ أمري لله. لولا إني خللت في البيت في انتظار أمر التكليف وحزن والدتي كنت رجعت على طول. بعد نص ساعة اختفيت داخل الصحراء. وكل اللي كان حواليا أحجار ورمال. طلعت زجاجة المية شربت وولعت سيجارة. والشمس بتلسع عنقي. بعد تلاته كيلو بدأت تظهر حفر صغيرة على جنب الطريق. حفر كتيرة جنب بعضها مغطية مساحة كبيرة. مقدرتش أحدد الحفر دي بتاعت إيه؟
وإيه اللي ممكن يعيش جواها، لكن منظر الحفر كان مرعب جدا. الشمس كانت قربت تغرب ومفيش أي مباني ظهرت قدامي ولا حتى شجرة. ولا طائر حلق في السماء. فين الصقور والنسور والبوم والعصافير؟ مستحيل دا يحصلي وأنا في أرض ميتة؟ طلعت المسدس حطيته تحت الحزام وكملت مشي. وأنا بدعي ربنا يظهر قدامي أي إنسان. أخيراً شفت نخلة وصبّارة على مسافة خمسين متر. مشيت ناحيتها بسرعة. وأول ما وصلت قعدت تحتها. أكلت ساندوتش ودخنت سيجارة وابص على الطريق.
بصيت على النخلة العطشانة وجذعها اليابس. ولاحظت حاجة غريبة، كلمة مكتوبة بالفحم باهتة. "run.. اهرب؟ مين كتب كده وليه؟ وقبل ما أستغرق في التفكير، في مكان قعادي تحتي فيه حاجة ناشفة وجعتني. حطيت إيدي أسحبها واول ما شفتها صرخت. عظمة بشرية. وقفت بسرعة مرعوب وعينيه بتعاين المكان. بعدها شهقت. شفت جمجمة وبقايا جثّة مش مدفونة تحتي. مشيت بعيد بسرعة، الجثّة مكنتش مدفونة واضح إنها من زمان هنا والرمال زحفت عليها.
معقول يكون نفس الشخص هو، اللي كتب كلمة اهرب؟ بعدت عن المكان بسرعة ومشيت في الطريق الممتد قدامي. كنت بمشي بسرعة قريبة من الركض. وكل ما الشمس قربت تغرب كنت بشد أكتر. ورايا كأني سمعت صوت أزيز أو طنين أكتر من صوت مختلط وصل وداني. لكن لما استدرت مشفتش حاجة. أخيراً مع آخر ذرات النهار شفت بيوت، ذي ما تكون واحة وسط الصحراء. جريت بكل سرعتي لحد ما وصلت البيوت. البيوت كانت صفين محاصرة طريق عرضه خمسة ستة متر.
خبطت على أول بيت كنت ميت بالرعب وعايز أشوف أي إنسان. محدش رد عليا رغم إني خبطت كتير. وسط البيوت وفي الشارع مكنش فيه أي طفل بيلعب أو حتى دكان أو مطعم أو قهوة. حياة ميتة تماماً. خبطت على بيت تاني وملقتش رد. كنت على آخري. دفعت البيت بكل قوتي انفتح ويا ريتني ما عملت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!