دقات مرتفعة على باب غرفته تطرقها فتاة بيد مرتعشة صارخة بذعر: "عمر افتح بالله عليك." أجابته هي، زهرية، اصطدمت بالباب لتبتعد بخوف شاخصة بصرها ناحيته بنظرات ضائعة. ابتلعت ريقها بخوف جلي وهي تقاوم إلحاح يدها لتعيد الطرق مرددة: "عمر، عم...
فتح الباب فجأة ليظهر شخص طويل القامة ذي شعر أسود مشعث يغطي جبينه الأسمر. نظر إليها بعينيه السود نظرة مظلمة وعتاب شرس أقرب منه إلى الكره يطل من عينيه. وقبل أن تقترب بتلهف هائم، التقطت عيناها السلاح الذي يحويه يده يعتصره بكفه وكأنه يكبت آلامه فيه. ابتعد عنها بناظريه يقول بصوت أجش: "ابعدي." رفعت كفيها وهي تقول بحذر بالغ: "حاضر، بس... أنين أصدرته وهي تحاول أن تسكت صرخة فزعة عندما حك رقبته بفوهة السلاح.
"عمر سيب السلاح، اهدى وخلينا نتكلم بهدوء." قالتها الفتاة بصوت مرتاعب، متقطع. لوهلة خُيل إليها تلألؤ عينيه وكأنه قد أخذ حظه من البكاء. تجاهلها بتركها صاعداً سلالم القصر بسرعة. هرولت خلفه بخطوات متعثرة وهي تناديه بارتياب: "قولي طيب في إيه؟ قال دون أي التفاتة: "عندي حساب من زمان وهصفيه حالاً."
شد زناد السلاح وهو يكمل صلب خطواته. دفعه قدم قوية جعلت مزلاج باب الغرفة المنشودة ينكسر. هب الشاب الجالس أمام حاسوبه منتفضاً بفزع. وكهبوب الريح كان عمر يحشره قرب الحائط رافعاً سلاحه نحو رقبته قائلاً بصوت جامد: "فريدة فين؟ ابتلع الشاب ريقه بخوف ناظراً للسلاح بذعر وقال: "معرفش، والله العظيم معرفش."
ابتعد عمر فجأة ليلتقط الشاب أنفاسه المسلوبة. ما دامت راحته ثانيتين حتى حشره عمر مرة أخرى بقوة أشد وهو يضغط على رقبته بإبهامه ويده الأخرى تنتصب بالسلاح على رأس الشاب ليقول وهو يجز على أسنانه: "يونس فين؟ إشتم رائحتها وسمع أنفاسها المرتجلة ليقول بتحذير: "إياكي." ثم أكمل وهو يزيد من ضغط إبهامه: "أقسم بالله المرادي سكوتك مقابل رصاصة."
تبادلا النظرات وهي تحيك الكثير من الذكريات الخطرة. تراقبهما الفتاة وهي تميل بجسدها على باب الغرفة المنكسر مخافة الانزلاق من أرجلها المرتعشة خوفاً. امتص عمر سكوت المكان بقوله: "إنطق." تعلق نظراتهما ببعضهما، إحداهما مشتعلة بالندامة والأخرى مولعة بنار الخيانه. *** قبل سنة واحدة.
قبلت فتاة شابة في بداية العشرينيات ذات شعر أسود مموج وعينان سود تنتقلان باحثةً بأرجاء المقهى عن ضالتها. انفرجت شفتاها باتساع عندما رأتها هناك، شارده. كالعادة!
اقتربت بسرعة وجلست قبالة الفتاة التي لم تلحظ آتيان أحدهم. أخرجت دعوة مزخرفة من حقيبتها وما زالت شفتيها تحتفظ بابتسامة ثم وضعتها أمام الشابة الشاردة. فصلتها بدءاً من حجابها الأزرق الذي يحتضن وجهها الأبيض المنمش بنمش أحمر منقط على وجنتيها إلى عينيها البنية الشاردة بنقطة ما في الفراغ. طرقعت أصابعها لتجذب انتباه الفتاة. أجفلت الشاردة ثم نظرت لذات الشعر المموج لتقول بتعجب: "يُسر! ألقت يُسر نظرة سريعة
على الدعوة وقالت بتهديد: "لازم بقا تيجي المرة دي يا فري." ألقت فريدة نظرة سريعة على محتوى الدعوة سرعان ما ارتفعت آثار الصدمة على وجهها لتهمس بخفوت: "مش معقول! نظرت إلى يُسر بسرعة وقالت بسعادة: "ألف ألف مبروك." همت بالوقوف واحتضنت يُسر وهي تطرب أذنيها بالمزيد من التهنئة والتوفيق. أزاحت يُسر خصلة من فوق عينيها قائلة بسعادة: "مكنتيش مصدقة مش كدا، أنا نفسي لحد دلوقتي مش مستوعبة." لمعت فريدة عينيها بفرحة قائلة:
"خالص لإنهم اتخطبوا قريب جداً." كادت أن تتفوه يُسر بشيء لكن قاطعها شاب قصير القامة وسيم الطلعة. حمحم بخشونة قائلاً: "السلام عليكم." رمقته يُسر بنظرة استحقارية وهمت بالوقوف قائلة: "رايحة المكتبة يا فريدة، هبقى أكلمك بعدين." قالتها ثم سارت بسرعة مبتعدة وهي تهمهم بالسباب. جلس الشاب ليقول: "عاملة إيه يا فريدة؟ ابتعدت بنظرها عنه وهي تطرق أناملها على الطاولة قائلة: "وعليكم السلام." ثم تخلت عن هدوئها بقولها:
"أنا هقوم دلوقتي من هنا." أكملت وهي ترفع سبابتها بتحذير هادئ: "والله لو اتكلمت معايا في نفس الموضوع تاني صدقني ساعتها مش هبقى بالهدوء ده." هبت واقفة بعدما وضعت ورقة مالية على الطاولة. وفي غضون دقيقة كانت قد غادرت المقهى. نظر الشاب بشرود نحو خط سيرها، سرعان ما استفاق على صوت النادل. هز رأسه ينفض شروده لينتبه لدعوة مطوية موجودة أمامه. أخذها متعجباً وقرأ محتواها بصوت خافت:
"يشرفنا نحن عائلة الرشيدي بحضوركم لعقد قرآن نجله عمر محمود طه الرشيدي! *** "يعني إيه مش هييجي؟ هو عاوز يموتني بالقهر صح! قالتها سيدة في بداية الخمسينات وهي تلوح بيدها بانفعال. زفر الشاب الماثل أمامها بيأس ليقول: "مدام ثريا أنا أصلاً مش عارف أقابله عشان أقنعه حتى." زحف الغضب نحو وجهها الأبيض المتجعد سناً وقالت: "أنا تعبت والله تعبت." نظر إليها معتصم ببعض الإشفاق: "أنا بإذن الله هتصل بيه تاني وهقنعه." هزت رأسها بعصبية:
"ياريت يا معتصم، ياريت." هز رأسه بتفهم ليبتعد من أمامها مغادراً القصر. اصطدم بجسد صلب ليتقهقر خطوتين للخلف. "ما طالما أنت هنا يبقى في مصيبة هتحصل." قالها الشاب لمعتصم. نظر إليه معتصم بغضب ليكمل الشاب: "أو حصلت، الله أعلم." رمقه معتصم بنظرة غاضبة وهو يمر من جانبه. أمسك الشاب برسغ يده قائلاً بقلق: "ثريا مالها بقى." ضربه معتصم على عنقه: "تأدب يا ولد! إيه ثريا دي! أغمض جفنيه بملل وقال: "قول بقا أدخل ولا أهرب."
سار من جواره تاركاً خلفه الشاب متخبطاً بين أفكاره. أخذ شهيقاً قوياً هامساً: "استعنا على الشقا بالله." دخل القصر بخطوات متعثرة، وهو يتخلل شعره البني بإصابعه في قلق مفرط. لمحته وهو يقف بتوتر لتصيح بصوت عالٍ: "تعالى يا حبيبي، هي جات عليك." التقط حقيبته واقترب منها بخطوات بطيئة. توقف أمامها وقال بإندهاش مصطنع: "في إيه؟ الدنيا حصلها إيه! جلست على المقعد الوثير خلفها وهي تقول بضياع:
"عمر مش هييجي إلا قبل كتب الكتاب بيوم وبكدا الحفلة اللي بحضر فيها أسبوع هتتلغي. ودا ليه؟ صرخت فجأة: "لإن البيه عنده مشاغل وقافل تليفونه." جفل لصراخها ليقول بتلعثم: "بجد، لا عمر بيهزر. إزاي يعني والحفل... قطع جملته وهو يرى نظرات والدته المريبة نحوه. تقدم إليها وقال بحذر: "في إيه حضرتك بتبصيلي كدا ليه؟ "مش مطمنالك يا زياد ومش عارفة ليه." أردفت بها وهي تنظر إليه بتشكك. رفع راحتيه قائلاً بتخوف:
"صدقيني يا أمي أنا معرفش أي حاجة غير إن عمر مش ناوي ينزل دلوقتي." ضربت كفيها فجأة وهي تهم بالوقوف قائلة بانتصار: "وقعنا." أشارت إليه قائلة: "اتصل بيه حالاً." فرك جبهته بتوتر ثم أخرج هاتفه من جيبه وقال: "مش تليفونه مقفول." إنتزعت هاتفه من يده قائلة بلهجة آمرة: "افتح." استخدم بصمة إصبعه هامساً بارتباك: "ماما ادخلي على لوحة الاتصال بس." لوت فمها باستنكار وهي ترى كم الرسائل المرسلة. تغاضت عنها واتصلت بعمر.
"أهو تليفونه مقفول." قالها زياد بصراخ فرح عند سماعه صوت إنهاء الاتصال وكأنه انفلت من عاقبته. أعطته الهاتف بيأس، ناظرة إليه بنظراتها المتشككة. قابله هو بنظراته السمجة وابتسامته الساذجة. *** تقدمت فتاة في عقدها الثالث ذات شعر بني قصير وعينين خضرتين تجوب بها القاعة. سمعت خطوات بطيئة تتقدم نحوها. ارتفعت ابتسامة جميلة على ثغرها الصغير عندما سمعت صوتاً يقول: "ملكة جمال جامعة القاهرة آنسة نرمين مشرفانا هنا."
التفتت تنظر لصاحب الصوت لتهز رأسها باستنكار وقالت بيأس: "مش هتبطل تصرفاتك دي أبداً." "وانتِ مش هتبطلي تحلوي أبداً؟ قالها وهو يبعد خصلة ثائرة من فوق جبينها. اتسعت ابتسامتها راضية عن إطرائه. سرعان ما أبعدت يده عن شعرها لتقول بتوتر: "مصطفى انت كنت فين؟ أنا بدور عليك من بدري." هز كتفيه قائلاً بلامبالاة: "كنت عند فريدة." احتَدت عينيها فجأة وقالت بانفعال: "وكنت عندها ليه بقا؟ ثم أكملت بحدة مقتربة منه خطوتين:
"مصطفى أنا خايفة عليك، خطيبها لو عرف اللي بتعمله معاها ده والله مش هيرحمك! مصمص شفتيه وهو يقلب عينيه بملل وقال: "ومين هيقوله." ثم أكمل وهو يضيق عينيه: "إلا.. إلا لو انتي قلتي له! لوحت يدها باستنكار قائلة: "انت غبي يبني، أقرب صاحبة ليها هي أخته! تراجع للخلف ووضع كلتا يديه بجيبه قائلاً بثقة: "يُسر متقدرش تقوله عارفة ليه؟ أكمل بهمس مقترباً بوجهه منها: "عشان هتخاف على فريدة من أخوها." غمز إليه بطرف عينه وقال: "فاهمة!
ابتعدت عنه وربطت ذراعيها أمام صدرها وهي تنظر إليه بريبة من تلميحاته. *** انخفض بجذعه تحت طاولة المكتب أمامه ملتقطاً فلاشة صغيرة وقعت من بين يديه دون قصد. تأوه بألم من تفاقم الألم في ظهره نتيجة لعامل السن. وضع الفلاشة في مكانها المخصص بالحاسوب وهو يدلك ظهره بنعومة. فجأة! تجمدت جميع حواسه عن العمل. ألم ظهره قد تبدد أو انبتَّ!
الحاسّة الوحيدة التي لم تفقد وظيفتها هي عيناه التي تجمدت تنظر للحاسوب بصدمة. جذوة حارقة ابتلعها لتعيد حاسّة أخرى لوظيفتها وهي السمع! سمع خطوات وزجر عنيف يصدر من خارج مكتبه. وظيفة أخرى عادت للعمل وهي الإدراك. وفي جزء من الثانية، انتزع الفلاشة من الحاسوب ووضعها تحت طاقيته خفية. أغلق حاسوبه تزامناً مع الشخص الذي اقتحم غرفته. رمى الشخص ملفاً سميكاً على مكتبه صائحاً بغضب:
"ملف الاتحادية يتراجع تاني فوراً، لأن في واحد غبي وقع مجهود كل اللي عملناه في الشهر اللي فات بسبب غلطة تافهة." انتبه الشخص لمظهر الرجل المذعور ليقول: "في حاجة حصلت يا هواري ولا إيه؟ أجاب بسرعة: "لا لا مفيش حاجة."
هز رأسه باستغراب وهو يرى حملقة الرجل به في حالة من التوهان. رفع كتفيه بلامبالاة وهو يخرج من المكتب صافعاً الباب خلفه صفعاً قوياً. انتشلت الرجل من حاله التوهان، رفع يده نحو طاقيته يتحسسها ماسحاً بيده الأخرى جبينه المتعرق. فتح حاسوبه مرة أخرى يثبت نظراته به والأفكار تتوالى بالعصف لا ترحمه. أغرورقت عيناه بالدموع. ليهمس أخيراً بصوت مرتجف: "مستحيل."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!