أمتدت يده نحو مكابح سيارته ليوقفها، نظر لمرآة سيارته الفارهة وهو يعيد ترتيب خصلاته الشقراء. نظر لهيئته مرة أخيرة شملت إحمرار وجهه القمحي من الحماس. ترجل من سيارته واضعاً هاتفه في جيب سترته البنية. توقف لثوانٍ ينظر لبناء صغير أمامه، نظرة يفحوها الاشتياق. دخل البناء بخطوات سريعة وصعد سلالم البناء المتهالكة حتى وصل لباب أزرق باهت عريض الجنب. زفر زفيراً أخرج به جزءاً من حماسه. دق الباب بإصابع مرتعشة، ليسمع صوتها.
ويا له من تأثير! فُتح الباب بصرير متباطئ، ليراها. تضع شال أزرق تُخفي به شعرها ورقبتها. سرعان ما همست بذهول: أدهم! تقدم خطوتين بإندفاع غير مقصود، يقول بصوت أجش حانٍ: وحشتيني. جحظت عيناها بدهشة لتقول بإستدراك: انت جيت امتى؟ توترت أكثر عندما تلاشت إجابته وهو يحدق بكل شبر من وجهها بلمحة من الاشتياق المتيم. نظفت حلقها وقالت بخجل: بابا مش موجود ويعني مش هقدر أقولك اتفضل.
فاق من حالة فقدان الاستدراك عند ملاحظته لحالة التوتر التي أشعلها بوجوده. هز رأسه بتفهم وقال: مفيش مشاكل، أنا كنت جاي أطمن عليكي أول ما رجعت من السفر. حمحم بعدها بعصبية ليخفف من ضغط أفكاره مكملاً: وكمان تليفونك مقفول معرفتش أتصل بيكي. مطت شفتيها قائلة بإسف: تليفوني اتكسر ووديته للتصليح. نظر إليها نظرة أخيرة قبل أن يقول: أنا ماشي، وبإذن الله جاي بالليل يكون الهواري وصل.
هزت رأسها دون تعليق وهبط أدهم الدرج بسرعة. تابعته فريدة بعينيها حتى تلاشى من ناظريها. وببطء، ظهرت ابتسامة جميلة على ثغرها لتهتف أخيراً بقولها: وانت كمان وحشتني جداً! ***
ينظر للفراغ أمامه، يشعر نفسه بين نارين. التخلي عن ضميره أم الإبلاغ. يعلم حد اليقين بأنه قد يكلفه حياته. نظر بشرود لأمواج البحر المتلاطمة أمامه تشتد وكأنها أكثر من تعرف بحيرته الظلومة. زفير متثاقل أخرجه بتمهل. الذكريات تتوالى بالتصدر حتى اعصر وجهه بين كفيه ولاول مرة وعلى مدار ستين سنة يشعر بذلك العجز. يا ليت الأمر متوقف على حياته فقط. لاح طيف ابنته الوحيدة على الشاطئ تبتسم إليه في وداعه. أغمض جفنيه يلاشي بها لمعات عجزه.
اللهم يا ربي. قالها بصوت مرتجف ناظراً للسماء بإستنجاد.
صدع صوت آذان العصر يقطع شروده. قام من مجلسه منتشياً بآخر لفحة ود. نظر للبحر مرة أخيرة وسار ناحية المسجد القريب. توقف قليلاً يراقب الداخلين للمسجد. دخل بخطوات مرتعشة وذهن شارد. أقيمت الصلاة، ركع فسجد. بمجرد ملامسة طرف أنفه الأرضية تساقطت دموعه بكثافة. شهقة مفزعة صدرت منه تحمل بين طياتها أقسى أنواع العجز. أكمل صلاته، فجلس القرفصاء متغاضياً عن نظرات المصلين من حوله. تراجع للخلف وهو يشعر بحالة الذبذبة التي أحدثها بشهقته الطويلة والمفزعة.
أخيراً. بلل شفتيه قائلاً بصوت أجش: ساعدني ياربي. *** تنظر للمرآة شاردة في الأيام القلائل التي تفصلها عن حفل عقد القران. تطلعت بعينيها الخضراء للسيدة المنعكسة صورتها وهي تقترب منها ويعلو على ثغرها ابتسامة جميلة. وضعت السيدة يديها على رأسها وهي تقول بإعجاب: اللهم بارك. استدارت خلفها، ناظرة للسيدة في تأثر عميق سرعان ما تبللت رموشها بدموع الامتنان. أمسكت يدها تقبلها لترفع رأسها قائلة: ماما أنا آسفة جداً.
عقدت والدتها حاجبيها بتعجب والتفتت خلفها تجذب مقعداً. جلست وهي تمسح دموع ابنتها قائلة بتعجب: جيهان! آسفة على إيه بس؟ زمت جيهان شفتيها المرتعشتين وقالت: على كل حاجة، على أي لحظة بكيتي فيها عشاني، على أي لحظة جيتي فيها على نفسك، على تضحياتك يا أمي. أكملت وهي تبعد خصلة شقراء فرت تزعج جبينها المبتل: تعرفي يا ماما أنا ساعات بحس إني مستاهلش عمر أبداً. تنهدت بأسى لتكمل:
عمر عمل حاجات كتير جداً عشاني ضحى بسعادته زمان عشان سعادتي أنا. بللت شفتيها ثم أكملت: ربنا كرمني بعمر، رغم إن... بترت والدتها حديثها بقولها: اوعي تقولي كدا تاني، عمر هيلاقي فين واحدة زيك جميلة ومحترمة وبتراعي ربنا. نظرت إليها جيهان بحزن وقد علت ابتسامة مريرة مرتعشة على ثغرها. ابتلعت غصة المآسي من حلقها وقالت بحنين: أنا بحبه أوي يا ماما.
أحتضنتها والدتها بتأثر ولم تمنع تسلل نظرة التعجب من عينيها. فالخوف قد زحف نحوها في ترقب. أغمضت جيهان عينيها تدفن رأسها بعنق والدتها، تسترجع ذكريات ما قبل الحين. *** دخلت غرفة والدتها تستنشق رائحتها. ألم استمر بضع ساعات فقط. قبل بضع الساعات كانت تدفن وجهها بين ذراعي والدتها تشتكيها من ويلات الزمان. دفنت وجهها بالوسادة تصدر شهيق مكتوم. اللهم رحمتك. أليست رائحة عابقة في الوسادة مجرد ذكرى؟ أهذه نهاية قصة؟ نهاية!
اشتد البكاء حده عندما تذكرت بأنها نهاية لقصة مؤلمة عاشتها والدتها. شعرت بيد باردة تجول على شعرها بحنان. رفعت وجهها الباكي بسرعة. حدقت للحظات حتى أجهشت بالبكاء عند رؤيتها لطيف والدتها تبتسم إليها. أقشعر جسدها بإشتياق. اشتياق ولم يمر على دفن والدتها ساعة، فكيف تمر أعقاب السنين دونها. أتكتفي بريحة عالقة في الوسادة وطيف غير مرئي مر من نسج خيالها؟
بسملت حتى تلاشى الطيف المبتسم. وضعت رأسها على الوسادة مرة أخرى ناظرة بشرود لسقف الغرفة المتشقق ودمعات ألم الفقد تسيل من عينيها ببطء. *** صباح الجمال على أغلى الناس. قالها زياد بمرحه عندما وصل لتجمع الشباب بحرم الجامعة. لطم أحد الشباب وجنته كالنسوة قائلاً بضياع: جمال إيه يا عم زياد. ثم أكمل وهو يشير لنفسه: عصام اللي هو أنا يعني شلت السنة. نظر إليه زياد ثم قال بإسف مصطنع: بجد! زعلت جداً. لكزه صديقه الآخر وقال:
بيتكلم بجد المرة دي. لوح زياد بيده وقال: يعم على طول عصام بيقول كدا وتلاقيه في آخر السنة هوب الأول على الدفعة. ضيق عصام عينيه: آه عينيك دي اللي جابتني الأرض. لكزه صديقه عمار فجأة قائلاً: بنت كلية تمريض أهي هناك. رفع زياد رأسه ينظر لتلك الفتاة التي تقف على بعد منهم تتحدث مع فتاة أخرى. بَعُدَ بناظريه عنها عندما تلاقت أعينهم ليقول وهو يحك جبينه بتوتر: أنا مش ناقص مصايب. ضحك صديقه الآخر يقول:
سيبه يا عم عمار مش فاكر آخر مرة لما كلم بنت أخوه عمله إيه. أجابه عمار بضحك: وديه حاجة تتنسي، دا ضربة في قلب الجامعة هنا. نظر إليهم زياد بغضب رافعاً يده يضرب عنق عمار بقوة. صرخ عمار بألم ينظر إليه وهو يكاد يكتم ضحكاته المتشفية. أعاد زياد نظره لتلك الفتاة الجميلة التي رآها منذ فترة في حرم الجامعة تتسامر مع صديقتها بجامعتهم. أغمض جفنيه مفكراً بعمر أخيه ذاك الذي يقطع عليه أيامه المتسلية. قد تذكر عودة أخيه الحتمية لمصر.
*** بثقة! يسير بخطوات سريعة نحو غرفة مكتبه. خلع نظارته السوداء التي تُخفي سوداوية عينيه الباردة لتظهر نظرته الباردة مقلباً نظراته نحو سيدة شقراء هبت واقفة بإرتباك فور رؤيته. توقف وهو يشير لها بيده التي تمسك نظارته ذات الماركة يقول بجدية خشنة: توشة كلمي مازن يحجز تذكرتين لمصر حالا. حمحمت تخفي إرتباكها وقالت بلهجة لبنانية متكسرة:
تمام مسيو عمر بإقرب وقت رح أحجز التذاكر، بس لشو التذاكر بهالوقت. ثم أكملت بإرتباك وهي تلاحظ تغير نظراته الباردة للحدة: يعني بقصد صفقة ا... أشاعها بنظرة باردة قبل أن يفتح باب المكتب ماراً من جوارها كأنها طيف لا يُسمع. زمّت شفتيها بيأس وهي تجلس على مكتبها بفتور اعتيادي على تصرفات رئيسها الباردة. أغلقت جفنيها فجأة عندما انتعشت برائحة عطره الفواحة التي لم تزل تتلاشى.
دخل عمر المكتب وخلع سترته السوداء رامياً السترة بإهمال على أريكة وثيره. إقترب من المكتب وهو يبعد خصلة سوداء وقعت على جبينه بجلوسه وقبل أن يمسك بملف أزرق متين قطع إتصال من هاتفه، أجاب بتردد عند رؤيته لإسم والدته يظهر على الشاشة. السلام عليكم. قالها عمر وما هي إلا ثوانٍ حتى هب بفزع كالملسوع يخلع رداء بروده ناطقاً بشفتين مرتجفتين: أيــــــــــــه!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!