تحميل رواية وانقطعت الخيوط بقلم ميمي عوالي pdf
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قد يكون الحب أقرب ما يكون للكائن الحي، فهو ينمو ويتغذى على الاهتمام والمشاعر المتبادلة، ولكن في بعض الأوقات قد يتحول إلى قيود، بعضها من فولاذ والآخر كخيوط العنكبوت. ونحن من نتخذ القرار في تركها، أو التشبث بها. الغفير: يا سعادة البيه، أحلف لك أنها ما خرجتش أبدًا من السراية، أنا ما اتنقلتش من مكاني إلا أما سعادتك ندهتني دلوقتي، ولا يمكن تكون خرجت أبدًا من غير ما أشوفها. مدكور بحدة: امشِ غور من قدامي، وقلّبوا عليها البلد كلها لحد ما تلاقوها. صوت ناعم من ورائه: فيه إيه يا بابا، إيه اللي مخلي حضرتك ع...
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الأول 1 - بقلم ميمي عوالي
قد يكون الحب أقرب ما يكون للكائن الحي، فهو ينمو ويتغذى على الاهتمام والمشاعر المتبادلة، ولكن في بعض الأوقات قد يتحول إلى قيود، بعضها من فولاذ والآخر كخيوط العنكبوت. ونحن من نتخذ القرار في تركها، أو التشبث بها.
الغفير: يا سعادة البيه، أحلف لك أنها ما خرجتش أبدًا من السراية، أنا ما اتنقلتش من مكاني إلا أما سعادتك ندهتني دلوقتي، ولا يمكن تكون خرجت أبدًا من غير ما أشوفها.
مدكور بحدة: امشِ غور من قدامي، وقلّبوا عليها البلد كلها لحد ما تلاقوها.
صوت ناعم من ورائه: فيه إيه يا بابا، إيه اللي مخلي حضرتك عصبي كده؟
التفت مدكور بحدة ليرى ابنته وهي تهبط الدرج وتتجه إليه، ليقول بانفعال: أنا عاوز أفهم، إنتِ كنتِ فين والكل قالب عليكِ الدنيا ومش لاقيكِ.
رهف بتردد: أنا كنت في الروف بذاكر.
مدكور بغضب: وما سمعتيش كل اللي بيدوروا عليكِ من ساعة ما وصلتي؟
رهف بشحوب: أول ما سمعت صوت حضرتك بتزعق نزلت على طول.
مدكور بحزم: تاني مرة ما فيش قعاد في الروف، مفهوم؟
رهف بحزن: حضرتك عارف إني بحب أقعد أذاكر فوق.
مدكور بحدة: اللي أقوله يتنفذ، مفهوم ولا لأ؟
رهف بوجل حزين: مفهوم.
مدكور وهو يحاول أن يهدئ من أنفاسه: مراد ابن عمك هيوصل من السفر بكرة بعد الضهر، عاوز البيت جاهز لاستقباله، وتفهمي الشغالين يوضبوا له أوضته إزاي، وخليهم يعملوا له الأكل اللي بيحبه، وإنتي...
نظرت له رهف بحزن تنتظر أن يكمل حديثه، فيقول بإيعاز: عاوزك تهتمي بنفسك شوية، خصوصًا إنه المرة دي هيبقى معاه ضيوف.
رهف بعدم فهم: ضيوف مين؟
مدكور: معاه تالا بنت سليمان الأنصاري، هتقعد عندنا شهرين على ما نخلص الصفقة الجديدة مع أبوها، عاوزك تجهزي لها أوضة جنبك، وعاوزك تتلحلحي شوية، إنتوا مكتوب كتابكم من سنتين، ومن ساعتها عمره ما لمّح لي إنه عاوز يتم الجواز.
رهف بحزن: ما تنساش إن حضرتك اللي طلبت منه يتجوزني، ولولا كده كان عمره ما هيفكر فيا أبدًا.
مدكور بقسوة: أومال أسيبك لحد غريب ييجي يلف عليكِ ويطمع فيكِ وفي فلوسي، لو كده كده فلوسي لحد مش من صلبي، يبقى مراد ابن أخويا أولى بخيري.
رهف بتردد: بس أنا بخاف منهم.
مدكور بسخرية: وإنتي من امتى ما بتخافيش؟ روحي اعملي اللي قلت لك عليه، ومش عاوز صداع كتير، وكلمي الكوافير يبعت لك حد الصبح يظبطك بدل ما إنتي دايمًا حاطة نفسك في أسطمبة واحدة ما بتغيريهاش بالشكل ده، اتعلمي تهتمي بروحك، والبسيلك فستان عدل من اللي بجيبهوملك، بدل ما تبصي تلاقي بص لغيرك ولا اتجوز عليكِ.
***
داخل قصر عريق كقصور العصور الوسطى، يحوطه الكثير من الأشجار والمزارع العريقة أيضًا بقلب الصعيد، كان صوته يهز الأرجاء وهو يقول بغضب محدثًا أحد الغفراء: يعني إيه ما حدش شافها؟ إيه... واقفين نايمين؟ مانتوش دريانين باللي داخل ولا اللي خارج؟
الغفير بقلق: يا مدكور بيه، دي الناموسة ما بتعديش من غير ما بنشوفها.
مدكور بغضب: أومال إزاي خرجت من غير ما حد فيكم يلمحها من أصله؟
الغفير بتصميم: يا سعادة البيه، أحلف لك إنها ما خرجتش أبدًا من السراية، أنا ما اتنقلتش من مكاني إلا أما سعادتك ندهتني دلوقتي، ولا يمكن تكون خرجت أبدًا من غير ما أشوفها.
مدكور بحدة: امشِ غور من قدامي، وقلّبوا عليها البلد كلها لحد ما تلاقوها.
صوت ناعم من ورائه: فيه إيه يا بابا، إيه اللي مخلي حضرتك عصبي كده؟
التفت مدكور بحدة ليرى ابنته وهي تهبط الدرج وتتجه إليه، ليقول بانفعال: أنا عاوز أفهم، إنتِ كنتِ فين والكل قالب عليكِ الدنيا ومش لاقيكِ.
رهف بتردد: أنا كنت في الروف بذاكر.
مدكور بغضب: وما سمعتيش كل اللي بيدوروا عليكِ من ساعة ما وصلتي؟
رهف بشحوب: أول ما سمعت صوت حضرتك بتزعق نزلت على طول.
مدكور بحزم: تاني مرة ما فيش قعاد في الروف، مفهوم؟
رهف بحزن: حضرتك عارف إني بحب أقعد أذاكر فوق.
مدكور بحدة: اللي أقوله يتنفذ، مفهوم ولا لأ؟
رهف بوجل حزين: مفهوم.
مدكور وهو يحاول أن يهدئ من أنفاسه: مراد ابن عمك هيوصل من السفر بكرة بعد الضهر، عاوز البيت جاهز لاستقباله، وتفهمي الشغالين يوضبوا له أوضته إزاي، وخليهم يعملوا له الأكل اللي بيحبه، وإنتي...
نظرت له رهف بحزن تنتظر أن يكمل حديثه، فيقول بإيعاز: عاوزك تهتمي بنفسك شوية، خصوصًا إنه المرة دي هيبقى معاه ضيوف.
رهف بعدم فهم: ضيوف مين؟
مدكور: معاه تالا بنت سليمان الأنصاري، هتقعد عندنا شهرين على ما نخلص المشروع الجديد مع أبوها، عاوزك تجهزي لها أوضة جنبك، وعاوزك تتلحلحي شوية، إنتوا مكتوب كتابكم من سنتين، ومن ساعتها عمره ما لمّح لي إنه عاوز يتم الجواز.
رهف بحزن: ما تنساش إن حضرتك اللي طلبت منه يتجوزني، ولولا كده كان عمره ما هيفكر فيا أبدًا.
مدكور بقسوة: أومال أسيبك لحد غريب ييجي يلف عليكِ ويطمع فيكِ وفي فلوسي، لو كده كده فلوسي لحد مش من صلبي، يبقى مراد ابن أخويا أولى بخيري.
رهف بتردد: بس أنا بخاف منهم.
مدكور بسخرية: وإنتي من امتى ما بتخافيش؟ روحي اعملي اللي قلت لك عليه، ومش عاوز صداع كتير، وكلمي الكوافير يبعت لك حد الصبح يظبطك بدل ما إنتي دايمًا حاطة نفسك في أسطمبة واحدة ما بتغيريهاش بالشكل ده، اتعلمي تهتمي بروحك، والبسيلك فستان عدل من اللي بجيبهوملك، بدل ما تبصي تلاقي بص لغيرك ولا اتجوز عليكِ.
***
دخلت رهف إلى غرفتها ودموعها تجري على وجنتيها بإسهاب.
زينب بحنان: هو إنتي يا بنتي دايمًا دموعك على وشك كده؟
رهف بحزن: أعمل إيه بس يا دادة، زي ما أكون أنا والحزن توأم ولا راضعين على بعض.
زينب بتنهيدة: إيه اللي حصل تاني؟
رهف بحزن: مراد جاي بكرة.
زينب باستنكار: طب وهي دي حاجة تزعل برضة؟ المفروض تفرحي إن جوزك راجع بالسلامة.
رهف بامتعاض: أفرح على إيه بس يا دادة، وهو كل ما يشوفني يا يزعق لي، يا يتريق عليا، يا يقعد يديني في أوامر، يا أما يسيب كل ده ويتعامل معايا كأني مش قدامه أصلًا.
زينب بتعاطف: ما إنتي عارفة مراد، طول عمره جد وما فيش في دماغه غير الشغل وبس.
رهف بحزن: لا يا دادة، هو إنتي يعني ما بتشوفيش بيتعامل إزاي مع هدى وتميمة بنتها؟ اللي يشوفه معاهم ما يقولش أبدًا إن هو ده مراد اللي الضحكة ما بتزوروش وشه طول ما هو هنا، الله يسامحه بابا، هو اللي عمل فيا وفيه كده.
زينب: بلاش هبل، وإيه يعني اللي حصل؟ ما ياما بيحصل من ده وخصوصًا هنا في الصعيد.
رهف بحزن: واللي زاد وغطى إن بابا مش عاوزني أكمل الدكتوراه، وكل اللي في دماغه سي مراد والست تالا.
زينب وهي تضرب على صدرها بضجر: مالها زفتة؟
رهف بامتعاض: هتشرفنا بكرة مع مراد وهو جاي، وكمان هتقعد عندنا شهرين بحالهم.
زينب باستنكار: هو أبوها البعيد ده ما عندوش دم ولا حيا؟ ما يخافش على عرضه وهو رامي علينا بنته بالشكل ده، وكمان سايبها تروح وتيجي مع مراد بالطريقة دي؟
رهف باستياء: بابا بيقول لي إنه نفسه يجوزها لمراد.
زينب باستنكار: وهو عارف إنه كاتب كتابها؟
رفعت رهف كتفيها بحركة تنم عن عدم معرفتها.
زينب: ولا يهمك، سيبيها عليا، أنا هزهقهالك لما تيجي لحد ما تقول حقي برقبتي.
رهف بخوف: لا يا دادة والنبي اعملي معروف، مش ناقصين بابا يعمل لنا مشكلة ولا مراد، مانتي عارفة ليهم شغل كتير مع بابا.
زينب: قطعت وقطع أبوها في ساعة واحدة.
رهف: المهم، خليهم ينضفوا أوضة مراد ويوضبوها، ويحضروا أوضة للست تالا.
زينب باستسلام: ماشي يا بنتي، طب وإنتي ناوية على إيه؟
رهف بقلة حيلة: هكلم الكوافير يبعت لي حد بكرة زي ما بابا قال، وهختار فستان حلو أستقبلهم بيه.
زينب وهي تربت على كتفها بحنان: ما فيهاش حاجة يا بنتي، الست لازم تبقى دايمًا حلوة في عيون جوزها.
رهف بسخرية: مش لما يبقى جوزها ده شايفها من أصله يا دادة.
زينب بتحفيز: يبقى لازم نخليه يشوفها ويموت عليها كمان.
رهف: ما إنتي عارفة إني بترعب منه أصلًا.
زينب: بلاش هبل، ده جوزك، ومن قبلها ابن عمك، وإنتي ما بقيتيش صغيرة، ده إنتي عندك دلوقتي تمانية وعشرين سنة، ما شفتيش هدى بتدلع على أحمد جوزها إزاي وبيتمنى لها الرضا ترضى.
رهف بابتسامة: وحشتني أوي... ثم أكملت باستدراك: ثم إنتي بتقارني مين بمين بس يا دادة؟ ما إنتي عارفة أحمد بيحب هدى إزاي وبيمووت فيها كمان.
زينب بإصرار: وإنتي مش أقل منها، إنتي كمان لازم جوزك يحبك ويموت فيكِ وفي التراب اللي بتمشي عليه كمان.
رهف باستنكار: وده اللي هو إزاي بقى؟
زينب: لازم تغيري من نفسك.
رهف بامتعاض: إنتي هتعملي زي بابا؟
زينب: رغم إني مابيعجبنيش اللي أبوكِ بيعمله، لكن أوقات بيبقى عنده حق وكلامه كله صح.
رهف: يعني أعمل إيه يا دادة؟ بابا عاوزني على طول متربطة في خيوط ماسكها بإيده وعاوز كل ما يحرك إيده أتحرك معاه من غير ما يفكر إن كنت موافقة على حركته دي ولا لأ، ولا حتى مريحاني ولا لأ.
زينب: ده لأنه عارف إنه عاوز مصلحتك.
رهف: وافرض مصلحتي اللي هو شايفها دي ما فيهاش سعادتي؟
زينب باستنكار: هي إيه دي اللي ما فيهاش سعادتك؟ لاهو إنتي فاكرة إني مش واخدة بالي ولا حاسة إنتي بتحبي مراد قد إيه؟
رهف بتنهيدة: ساعات بحس إن خوفي منه أكبر يا دادة.
زينب بإصرار: يبقى لازم تتلحلحي شوية، ولما البيه يقول لك على حاجة إنتي مش عاوزاها قوليله بالراحة وفهميه.
رهف برفض: إنتي بتهزري يا دادة، أقول إيه ولمين؟ من إمتى بابا بيسمع لي ولا حتى بيديني فرصة إني أعبر عن اللي جوايا؟
زينب: اسمعي يا بنتي، أنا مش بعصيكِ على أبوكِ، لكن أنا عاوزاكي تعرفيهم إنك مش بالضعف اللي هم شايفينه ده، تعرفيهم إنك بتعرفي تفكري وبتعرفي تعملي حاجات كتير وإن هم بس اللي مش مديين نفسهم فرصة إنهم يشوفوا ده.
رهف: مش لما يدوا نفسهم فرصة إنهم يشوفوني أنا من الأساس.
زينب بتفكير: طب ما تقوليلهم على المشغل؟
رهف بذعر: شششششش، بس يا دادة، إنتي بتقولي إيه؟ ده كان بابا راح ولع فيه.
زينب: ليه يعني؟ ماهو ماشاء الله شغال كويس أوي، ده إنتي لو بس تقعدي مع أمينة وتحاسبيها هتلاقي ماشاء الله الدنيا عال العال، وأي حد بيشوفك وإنتي لابسة فستان من المشغل بتاعك بيقعد يقول فيه أشعار ويفكره من بلاد برة.
رهف بابتسامة حزينة: لولا أمينة ما كنتش قدرت أبدًا أحقق حلمي ده ولا أنفذه، حد يقول إنّي حتى مش قادرة أزور المشروع بتاعي اللي طول عمري كنت بحلم بيه.
زينب: لازم تفكري في طريقة تعرفيهم إنك بتعرفي تفكري وتدبري، وتعرفيهم إنك اعتمدتي على نفسك وقدرتي تعملي حاجة لروحك بعيد عنهم، ومن غير حتى ما تحتاجيلهم، دي أمينة بتحكي لي على الناس اللي بيتعاملوا معاكم إنهم طايرين بالشغل بتاعك، وإنتي طول عمر ذوقك حلو، ورينا بقى ووريهم هم كمان.
رهف: نفسي يا دادة، نفسي.
زينب: أنا هقول لامينة تبعت لك من كل الحاجات اللي اتعملت ألوان كتير، وهخليها تركز مع الأحمر والأزرق، الألوان اللي مراد بيحبهم، وعاوزاكي أي حد يسألك على حاجتك من هنا ورايح تعرفيهم إن إنتي اللي مصممة الشغل ده ومنقية كمان الأقمشة، وأهي تبقى حتى بداية كأنك بتمهديلهم لموضوع المشغل ده بعد كده.
رهف بابتسامة تنم عن حماس واقتناع: ربنا يخليكي ليّا دادة وما يحرمنيش منك ولا من أمينة أبدًا أبدًا.
***
في اليوم التالي، كان المنزل يعج بالحركة الدؤوبة، فالجميع لديه ما ينجزه والجميع يعمل بتركيز وصمت.
رهف وهي تقوم بتجربة ثوب ما: إيه رأيك يا أمينة؟
أمينة بإعجاب: رأيي في إيه يا بنتي؟ ده إنتي تخبلي، الأحمر دايمًا بيجنن عليكِ، ومكياجك رقيق أوي وتسريحتك تجنن.
رهف بتردد: بجد يا أمينة؟ مش عارفة ليه مستغربة روحي وشكلي فيها.
أمينة: طبعًا بجد، إنتي بس على طول لمّة ديل حصان مع إن شعرك يجنن والفستان كمان هياكل منك حتة.
رهف بحيرة: يعني أفضل بيه ولا ألبس الأزرق؟
أمينة: حبيبتي كلهم يجننوا عليكي، أقول لك... خليكي بده، وبالليل ابقي غيري والبس الأزرق.
رهف وهي تمسك بأحد الأثواب بيدها وتفحصه من الداخل: واضح إن ماكينة الأوفر الجديدة ماشية تمام.
أمينة بلهفة: فكرتيني، أنا اتفقت على مكنتين تطريز جداد، هيوفروا علينا جامد.
رهف بحيرة: طب ومين هيشتغل عليهم؟
أمينة بطمأنة: وإنتي تفتكري إني هاخد خطوة زي دي من غير ما أكون عاملة حسابي.
تدنو منها رهف وتقبلها برقة على وجنتها قائلة: ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا قلبي.
أمينة: ولا منك يا حبيبتي، وخذي بالك أنا مستنياكي تنفذي وعدك ليا بخصوص الإكسسوارات.
رهف وهي تنظر لصورتها في المرآة: حاضر يا أمينة، ادعي لي انتي بس الفترة دي تخلص على خير.
***
زينب: انتوا لسه قاعدين هنا بتتسايروا؟ مراد وصل وقاعد تحت من بدري.
رهف باضطراب: ططط طب هي تالا معاه يا دادة؟
زينب: قطعت وقطعت سيرتها، أهي متلقحة تحت وعاملة زي فرقع لوز ولزقة كأنها قراضة.
رهف بتنهيدة حزينة: أنا مش عارفة أعمل إيه، حاسة إني خايفة وتايهة.
أمينة: توزني الأمور بعقلك وتردي بتقل على أي كلمة تتوجه لك، وأي حد يقول لك على أي حاجة، تبيني لهم إنك بتفكري وبتاخدي وبتدي مع نفسك، ولو قدرتي قوليلهم هفكر وأرد عليكم، وأوعي تخليهم يحسوا إنك خايفة ولا قلقانة يا رهف، حسسيهم إنك قوية وإن عندك حاجات كتير شغلاكي وشاغلة تفكيرك، وأوعي تسمحي للعق...ربة اللي تحت دي إنها تضايقك بلسانها اللي زي لسان الحية ده.
رهف: بس أنا خايفة أوي لا بابا يحرجني قدامهم.
أمينة: أوعي تخافي، واضح إن عمي عجبه اللي عملتيه، وإلا ما كانش هيسكت.
رهف: طب وسع لي أما أروح أشوفهم كده خلصوا ولا إيه.
أمينة: أه خلصوا والسفرة جاهزة كمان، يلا يا حلوة روحي لهم واهتمي بمراد شوية، لا غيه كده وخليه ينطق بدل ما هو عامل زي أبو الهول كده.
رهف بامتعاض: يعني هسحب لسانه وأخليه يتكلم بالعافية.
أمينة: أنا هقول لك تعملي إيه.
***
وبعد دقائق، عادت رهف إليهم وهي تدعوهم لتناول الغداء، ثم تتقدمهم إلى مائدة الطعام وهي تقوم بدورها كسيدة المنزل، لتشير بيدها إلى مقعد بعينه وهي تقول لتالا: اتفضلي يا تالا، واعتبري البيت بيتك. ثم نظرت إلى مراد وقالت بابتسامة هادئة وهي تشير إلى مقعد بجوارها وهي تقول لمراد: اتفضل يا مراد.
وكان الغداء عبارة عن أحاديث متبادلة في العمل بين مدكور ومراد وتالا، ولم تستطع رهف المشاركة به.
رهف: طب تحب أجهز لك القهوة بتاعتك؟
مراد: لا شكرًا، أنا محتاج أطلع أنام شوية، لما أصحى بقى.
لينهض من مكانه قائلاً باعتذار: معلش يا جماعة، هحتاج أستأذن منكم ساعة ولا اتنين.
مدكور وهو يشير بعينيه لرهف: آه طبعًا يا حبيبي، مع جوزك يا رهف.
لتنهض رهف وتسير خلف مراد حتى وصل إلى غرفته فقالت: أنا خليتهم طلعوا لك الشنطة بتاعتك، بس ما رضيتش أخلي حد يفضيهالك، تحب أفضيهالك أنا؟
مراد وهو يقوم بفتح الحقيبة: لا متشكر، أنا هاخد غيار على السريع عشان آخد دش وأنام لي شوية، ارجعيلهم انتي ما تعطليش نفسك.
لتستدير رهف للعودة، ولكنها توقفت مرة أخرى والتفتت له قائلة: مراد.
مراد وهو يقوم بفتح الحقيبة: همم.
رهف: لما تستريح، محتاجة أتكلم معاك في موضوع يخصني.
مراد: طب ما قلتيش لعمي ليه؟
رهف وهي تزدرد لعابها بصعوبة: لأني الموضوع ده يخصني أنا وانت وبس، بابا ملوش علاقة بيه.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الثاني 2 - بقلم ميمي عوالي
اعتدل مراد في وقفته ونظر لرهف باستغراب وهو يتأملها بفضول وكأنه يراها للمرة الأولى.
"ويا ترى موضوع إيه ده اللي يخصني أنا وإنتي وما يخصش عمي؟"
رهف بوجل وهي تبدل بين قدميها باضطراب:
"ما أنا قلت لك لما تصحى عشان نتكلم براحتنا."
مراد وهو يظهر بعض الامتعاض على وجهه:
"ماشي يا رهف، نبقى نتكلم بالليل."
تستدير رهف بسرعة وكأنها تهرب من أمامه بعد أن قالت:
"آه.. ماشي كده أفضل.. بعد إذنك."
يعنيها مراد بنظراته وهو لا يدري ما الأمر، فهناك شيء غير عادي برهف ولكن لم يحاول التفكير كثيراً واتجه لينجز ما أراد إنجازه.
لتعود رهف مرة أخرى للأسفل، ولكنها بدلاً من أن تتجه إلى مجلس أبيها مع تالا، اتجهت للبحث عن أمينة حتى وجدتها أخيراً بصحبة زينب.
"الله يسامحك يا أمينة، أنا مش عارفة سمعت كلامك إزاي."
أمينة بفضول:
"هاا.. طمنيني عملتي إيه؟"
رهف بامتعاض:
"اديني عملت زي ما قلتي لي.. تقدري تقولي لي دلوقتي هتكلم معاه أقول له إيه.. انتي دبستيني وأنا ما عنديش مواضيع أكلمه فيها أصلاً."
أمينة بتوبيخ:
"يعني إيه يبقى مكتوب كتابك من سنتين دلوقتي وما عندكيش حاجة تكلميه عنها، يا رهف يا حبيبتي لازم يبقى فيه ما بينكم وما بين بعض حوار مشترك."
رهف:
"وهو بقى حتى لو عندي حاجة أكلمه فيها هيقعد يسمعني؟"
زينب بفضول:
"وما يقعدش يسمعك ليه.. هو قال لك إيه لما اتكلمتي معاه؟"
رهف وقد بدأ الهدوء يتسلل إلى أوصالها:
"كان عاوزني أقول له على اللي أنا عاوزاه، بس أنا هربت منه، وقلت له أما يصحى عشان نتكلم براحتنا."
أمينة:
"طب أهو الراجل ما صدقكيش ولا حاجة أهو، شوفي بقى عاوزة تتكلمي معاه في إيه وقولي له."
رهف بغضب:
"لا والله!!، ده على أساس إني كنت محضرة حاجة أصلاً عاوزة أكلمه فيها، ماهي شورتك اللي زي الطين."
أمينة وهي تربت على كتف رهف وتقبل وجنتها بمرح:
"طب خلاص معلش.. ماتقفليش بس كده، أنا هقول لك يا ستي تقول له إيه.. بس عدي الجمايل بقى."
***
كانت تالا بغرفتها بعد أن أنهت غداءها وبعد أن بدلت ملابسها، فأمسكت هاتفها وقامت بمهاتفة أبيها.
"تالا.. حمد الله على السلامة يا بيبي."
تالا:
"الله يسلمك يا دادى.. وحشتني."
سليمان:
"طمنيني.. إيه الأخبار؟"
تالا بامتعاض:
"كالعادة يا دادى، ما فيش جديد."
سليمان:
"إيه.. ما فيش أي رجا من مراد برضه؟"
تالا بتأفف:
"أنا مش فاهمة هو معجون من إيه.. عليه كمية برود مش معقولة.. فريجيدير متحرك."
سليمان ضاحكاً:
"طول عمره تقيل، بس أنا متأكد إنك برضه هتقدري عليه."
تالا:
"أنا مش عارفة أنت ليه مصمم على الحكاية دي، وكمان عارف إنه كاتب كتابه على الفلاحة اللي اسمها رهف دي."
سليمان بمرح:
"هنكذب من أولها بقى.. بقى رهف فلاحة.. دي صاروخ."
تالا:
"ولما هي صاروخ، عشمان إن مراد يسيبها ويبص لي أنا ليه؟"
سليمان:
"لأن حبيبة دادى تقدر تنطق الحجر، إنما رهف.. رهف دي غلبانة وما فيش منها أي خوف."
تالا:
"رغم إني حاساها المرة دي متغيرة وغير كل مرة."
سليمان بفضول:
"متغيرة إزاي يعني؟"
تالا:
"يعني يا دادى.. مش عارفة، بس برضه فهميني سر إصرارك على التلاجة اللي اسمه مراد ده."
سليمان:
"لأن مراد يا بيبي هيبقى هو المتحكم في كل الياغمة دي.. مدكور سايب له كل حاجة لأنه يعتبر الوريث الأكبر ليه بما إنه ما عندوش ولاد شباب."
تالا بمكر:
"طب بقول لك إيه يا دادى؟"
سليمان:
"قولي يا بيبي.. سامعك."
بعد فترة من الحديث مع أبيها، يقول سليمان بانتباه:
"وإنتي تقدري تعملي كده؟"
تالا بغرور:
"طبعاً أقدر."
سليمان:
"لو قدرتي عليه هكافئك مكافأة كبيرة أوي."
تالا بابتسامة شيطانية:
"يبقى تقل جيوبك من دلوقتي يا دادى، وأوعدك إنه هيطلبني منك قبل ما المشروع ده يخلص."
***
مساءً كانت رهف هي الأخرى قد بدلت ثيابها وجلست بحديقة القصر وبيدها كتاب ما وهي تطالعه بشغف، حتى سمعت صوت تالا يقول بسخرية:
"يا بنتي ارحمي عينيكي، قربنا نعمل لك نضارة كعب كوباية."
لتزيح رهف الكتاب من أمام عينيها وتنظر لتالا ومظهرها الخارج عن الأصول وقالت ببعض الضيق:
"أهلاً يا تالا.. صح النوم."
تالا:
"ميرسي، أومال فين مراد ومدكور بيه؟"
رهف:
"مراد لسه ما صحيش، وبابا في أوضة المكتب."
لتنهض تالا من مجلسها مرة أخرى قائلة:
"طب أنا هروح أتكلم مع باباكي شوية في الشغل على ما مراد يصحى ويفوق."
بعد أن تركتها ومضت باتجاه الداخل، التفتت إليها مرة أخرى قائلة بكبر:
"آه.. وياريت تبعتي لي قهوتي على المكتب."
لتبتسم لها رهف بسماجة، ثم تنهض لتذهب إلى الداخل كي تطلب لها القهوة، لتصطدم بمراد في طريقها حتى كادت أن ترتد ساقطة على الأرض لولا أن تماسكت في اللحظة الأخيرة.
"ابقى خدي بالك وأنتي ماشية."
رهف وهي تزدرد لعابها:
"حاضر."
مراد:
"أومال عمي وتالا فين؟"
رهف:
"في المكتب، وكنت رايحة أبعتلهم قهوة، تحب أطلب لك القهوة بتاعتك بالمرة؟"
مراد:
"آه ياريت."
تركها وذهب باتجاه غرفة المكتب، ولكن رهف استحضرت شجاعتها وهتفت باسمه ليتوقف في طريقه ويلتفت إليها متسائلاً:
"خير.. في حاجة؟"
رهف:
"طلبت منك نتكلم سوا."
مراد متذكراً:
"آه.. فعلاً.. بس يعني لازم دلوقتي؟"
لتنظر له رهف بتردد وتقول:
"لأ.. خلاص.. مش لازم."
يمتعض مراد ويقول:
"طب خلاص.. تعالي نقعد برة في الهوا وقولي لي على اللي إنتي عاوزاه على ما أشرب القهوة."
رهف بوجل:
"طب هطلب القهوة وأحصلك."
لتلحق به بعد دقائق قليلة وهي تقدم ساقاً وتؤخر أخرى حتى جلست أمامه في صمت وهي تركز عينيها على أصابعها المتشابكة على قدميها.
"ها… كنتي عاوزاني في إيه؟"
لترفع رهف وجهها إليه وهي تزدرد لعابها وتقول بتردد:
"الحقيقة أنا كنت عاوزاك في موضوعين.. مش موضوع واحد، ااانت ط.. طبعاً عارف إني فاضل لي حاجة بسيطة وأناقش الدكتوراة."
مراد:
"آه، إيه المشكلة؟"
لتمد يد مراد ليتناول فنجان قهوته الذي أحضرته إحدى الخادمات، وبدأ في رشفها وهو ينظر بجانب عينيه لرهف التي قالت بدون مقدمات:
"أولاً.. أنا عاوزة أشتغل."
مراد وكأنه لم يستوعب حديثها فقال باستيضاح:
"مين اللي عاوز يشتغل؟"
رهف:
"أنا يا مراد.. أنا عاوزة أشتغل."
مراد:
"وعاوزة تشتغلي إيه؟"
رهف بجدية:
"أنا معايا ليسانس حقوق وكمان ماجستير في القانون التجاري، ومكملة الدكتوراة في نفس المجال، لكن عندي هوايتي اللي الكل بيشهد لي بيها من زمان وحابة إني أنميها."
مراد:
"أنا مش فاهم حاجة.. يعني إنتي دلوقتي عاوزة تشتغلي بشهادتك ولا عاوزة تشتغلي بموهبتك؟"
رهف وهي ترفع إصبعيها الوسطى والسبابة:
"الاثنين."
مراد:
"ده اللي هو إزاي بقى، ده حتى بيقولوا صاحب بالين كداب وصاحب تلاتة منافق، وإنتي غير الشغل اللي بتتكلمي عنه ده لسه عندك كمان الدكتوراة اللي لسه ما خلصتيهاش، واللي قلتي على الغدا إنك عاوزة لما تاخديها إنك تدرسي في الجامعة."
رهف بتردد:
"ماهو ده الموضوع التاني اللي كنت عاوزة أكلمك فيه."
مراد:
"طب مش لما نخلص من الموضوع الأولاني الأول؟"
رهف:
"الموضوعين مرتبطين ببعض."
مراد بتنهيدة:
"إزاي بقى؟"
رهف:
"بخصوص الدكتوراة.. عاوزاك تقنع بابا يسيبني أكملها."
مراد بدهشة:
"وهو عمي مش عاوزك تكمليها؟"
لتومئ رهف برأسها بحزن ليقول مراد:
"إزاي وإنتي قلتي…."
رهف:
"أنا قلت اللي قلته ده لمجرد إني أرد على سماجة تالا وكمان أحنن قلب بابا علي."
مراد بفضول:
"طب وإيه اللي خلى عمي يفكر فجأة إنه يعمل كده؟"
رهف بخفوت:
"إنت."
مراد باستنكار:
"أنا.. أنا عمري ما اتكلمت لا معاكي ولا معاه في الحكاية دي."
رهف بخجل يخالطه شيئاً من العتاب:
"بابا متهمني إني مهملة في تعاملي معاك بسبب الدكتوراة."
مراد بامتعاض:
"مين اللي قال الكلام ده وإمتى؟"
رهف بحزن وهي تتلاعب بأصابعها:
"إمبارح لما وصل، وزعق معايا جامد، أنا بحب دراستي وبذلت فيها مجهود كبير، وعمر ما حد اعترض عليها، إزاي دلوقتي بعد ما خلاص ما فاضلش غير كام شهر، عاوز يحرمني إني أحقق حلمي اللي تعبت فيه على ما حققت اللي حققته وبعد ما خلاص قربت أوصل لنهايتها."
مراد بنوع من التعاطف:
"ماتقلقيش، بالنسبة لموضوع الدكتوراة.. أنا هخليه يسمح لك تكمليها."
لترفع رهف رأسها إليه وتبتسم ابتسامة خلابة قائلة بامتنان:
"شكراً."
مراد:
"بس أنا موضوع الشغل مش فاهم حاجة من كل اللي قلتيه، وبعدين أنا ما أعتقدش أبداً إنك ممكن تقدري تشتغلي وتتحملي مسؤوليات الشغل وتبعاته."
لتتمتعض رهف من سماعها رأي مراد المبني على عدم الثقة في قدراتها، فما كان منها إلا أن أغمضت عينيها برهبة مخلوطة ببعض التحدي وقالت بسرعة:
"أنا عاملة أتيليه من أربع سنين."
مراد بعدم فهم:
"عاملة إيه؟"
لتفتح رهف إحدى عينيها بحذر وتقول على مهل:
"أتيليه."
مراد:
"وبتعملي إيه بقى في الأتيليه ده؟"
رهف بدهشة:
"بعمل الحاجة اللي طول عمري بحبها، بصمم موديلات."
مراد وهو يحاول استيعاب مقصدها:
"يعني إنتي بترسمي بس، ولا بتنفذي كمان؟"
رهف وهي تزدرد لعابها:
"الاثنين."
مراد ببعض السخرية:
"امممم.. ويا ترى بقى عاوزة حد يسوق لك الشغل بتاع الأتيليه ده؟"
رهف بكبرياء:
"الحقيقة لا، أنا محتاجة مكان أكبر أنقل فيه، لأن الشغل اتوسع وكبر واتعرف ومحتاجة أعمل فرع في القاهرة عشان يبقى قريب من العملاء."
مراد بريبة وهو يركز بعينيها:
"رهف.. إنتي بتتكلمي بجد؟"
لتشعر رهف برجفة تسري بأوصالها، فتكاد أن تكون تلك المرة الأولى التي يولي مراد حديثه معها ذلك الاهتمام.
لتبتسم في شرود دون إجابة، لتتفاجأ بمراد ينهض وهو يقول بجمود:
"كنت حاسس من الأول إنك بتتكلمي أي كلام."
ثم يلتفت استعداداً لتركها والدلوف إلى الداخل، ولكنها قالت بحزم ممتلئ بالحزن والكبرياء فقد أحست أنه أهان كرامتها:
"أوعى تكون مفكر إن إنت بس اللي وقتك غالي، أنا كمان وقتي غالي، وأكيد مش هعطل نفسي طول الوقت ده عشان أخترع لك حكاية أتكلم معاك فيها، ولولا إني محتاجة مساعدتك ما كنتش حكيت لك على حاجة من البداية، بس عموماً.. أنا بعتذرلك إني ضيعت وقتك الغالي، وأوعدك إني أفضل معتمدة على نفسي زي ما كنت طول عمري، بس ياريت ما حدش بعد كده يلومني إني عايشة مع نفسي وبس، وياريت ما يبقاش نتيجة غلطتي اللي غلطتها دي لما فكرت إني أطلب مساعدتك، إني ما ألاقيقش رحت حكيت لبابا اللي قلتهولك، ويبقى بدل ما تساعدني تخربها لي بزيادة."
لتسرع إلى الداخل بعنفوان وغضب تاركة إياه وهو لا يدري من تلك التي كانت تتحدث معه منذ برهة قصيرة، فتلك لم تكن رهف والتي لسخرية القدر تعد أيضاً زوجته، ولكنه طوال سنوات عمرهما معاً لم يتحدث معها لهذا الوقت الطويل جداً والذي تخطى الخمسة عشر دقيقة.
مراد بذهول:
"مين دي.. وإتيليه إيه ده كمان، ومين اللي.. أنا مش فاهم حاجة."
وبعد أن أفاق من ذهوله عاد إلى مقعده مرة أخرى، ثم أخرج هاتفه وقام بمهاتفة شقيقته التي أطلت عليه بابتسامتها في مكالمة فيديو قائلة:
"مراد.. إزيك يا باشا؟"
مراد متبسماً:
"إزيك إنتي يا حبيبتي.. عاملة إيه وإزاي أحمد وتميمة؟"
هدى:
"الحمد لله. كلنا بخير، إنت عامل إيه وحشتني أوي وإزاي عمو ورهف وحشوني موت."
مراد:
"كلنا بخير، إيه.. مش ناويين نشوفكم بقى ولا إيه؟"
هدى:
"أحمد قالي ننزل على مناقشة الدكتوراة بتاعة رهف، لأننا لو نزلنا في معادنا، ممكن مانعرفش ننزل تاني وقتها، فقلنا نخليها نزولة واحدة."
مراد باستنكار:
"يعني أقعد كل ده ما أشوفكيش عشان مناقشة الرسالة بتاعة رهف واللي لسه كمان معادها ما اتحددش؟"
هدى:
"معلش بقى يا مراد، ما إنت عارف، لو أنا مش موجودة معاها في يوم زي ده.. مين هيبقى معاها بس، لو أنا أقدر أثق إنك هتبقى معاها وتساندها إنت وعمي ما كنتش اهتميت كده، لكن للأسف رهف دايماً لوحدها يا مراد.. وده ما فيش بني آدم طبيعي يقدر يتحمله."
مراد بامتعاض:
"وهو المفروض نعمل إيه يعني مش فاهم؟"
هدى:
"يا مراد يا حبيبي.. دي مراتك، يعني المفروض أقل حاجة لازم تعملها إنك تعرف عنها تفاصيل حياتها وتبقى معاها خطوة بخطوة، لكن للأسف إنت في وادي ورهف في وادي تاني خالص."
مراد بفضول:
"إنتي تعرفي حاجة عن الأتيليه؟"
هدى بشهقة ذهول:
"إنت عرفت؟"
مراد باستنكار:
"يعني إنتي عارفة طول المدة دي وما تقوليليش يا هدى؟"
هدى بدفاع:
"صدقني يا مراد.. لو كنت شايفة إنك هتهتم بالحكاية دي أو حتى هتقف جنبها كنت أكيد قلت لك، لكن دي حتى المسكينة خايفة تفرح بيه لا إنت ولا عمو تحاربوها وتوقفوا مشروعها اللي طول عمرها بتحلم بيه."
ثم أكملت هدى بفضول:
"بس إنت عرفت منين؟"
مراد:
"هي اللي قالت لي النهاردة، بس.. مين اللي ساعدها إنها تعمل كده؟"
هدى:
"أعتقد إن هي تحكيلك أفضل مني."
مراد:
"يعني إنتي ماعندكيش أي معلومات عن الأتيليه ده؟"
هدى:
"كل اللي أعرفه إنه بيكبر يوم ورا التاني، وكمان بقى عندها خط تصدير واسمها مسمع في محلات ليها اسمها، أنا لسه شارية فستان من الماركة بتاعتها من هنا."
مراد بذهول:
"رهف!!!، شغلها بيطلع بره مصر؟"
هدى بتأكيد:
"أيوه رهف، رهف اللي طول عمرك إنت وعمي بتتعاملوا معاها على إنها شيء مهمل ومالوش وجود، قدرت تعمل لنفسها اسم ومكانة بعيد عنكم تماماً وبمجهودها الشخصي."
مراد بتفكير:
"أكيد في حد ساعدها.. مين بقى الحد ده؟"
هدى بإصرار:
"قلت لك الأفضل إن هي اللي تحكيلك.. اسألها."
مراد بتنهيدة:
"ماشي.. بس يا ترى بقى الماركة بتاعتها دي اسمها إيه؟"
هدى بابتسامة امتعاض:
"اسمها بروكن هارت."
مراد باستغراب:
"وليه الاسم الغريب ده؟"
هدى بتنهيدة:
"يمكن مناسب صاحبته."
ليصمت مراد قليلاً ثم قال:
"طب يعني أنا لو رحت أي محل ملابس حريمي هنا في الصعيد هلاقي فيه الماركة دي؟"
هدى:
"أكيد مش كل المحلات طبعاً.. لكن كمان موجودة في محلات كتير في القاهرة وإسكندرية."
مراد بعدم تصديق:
"إنتي عاوزة تفهميني إنها حققت الانتشار ده في الأربع سنين دول؟"
هدى:
"لا طبعاً مش كده.. رهف حققت الانتشار ده من سنتين فاتوا."
مراد باقتضاب:
"ماشي.. خدي بالك من نفسك وابقي طمنيني عليكي."
هدى:
"حاضر يا مراد، وإنت كمان بس كنت عاوزة أقول لك على حاجة."
مراد:
"حاجة إيه؟"
هدى:
"حاول تبص لرهف من زاوية تانية غير اللي طول عمركم حطينها فيها، رهف إنسانة جميلة أوي يا مراد… كفاية تهميش ليها لحد كده."
مراد وهو يحاول إغلاق الخط:
"طب يا حبيبتي أنا هسيبك بقى أحسن عمي عاوزني.. يلا سلام."
ليغلق الهاتف ويعيده إلى جيبه وهو يزفر بشدة ثم ينهض من مجلسه متجهاً إلى مكتب عمه.
***
كانت تالا قد ذهبت إلى مكتب مدكور وقامت بالطرق على الباب برقة، وعندما سمعت صوت مدكور يسمح لها بالدخول، فتحت الباب ودلفت إلى الداخل بعد أن أعادت غلق الباب مرة أخرى من ورائها وهي تقول بمرح:
"بقى كده برضه.. أنا بقالي ربع ساعة بحالها بدور عليكم."
مدكور:
"أهلاً يا تالا يا بنتي.. اتفضلي."
تالا وهي تجلس على المقعد أمام مكتبه:
"ميرسي يا مدكور بيه."
مدكور:
"ها.. مستريحة في أوضتك ولا تحبي أخليهم ينقلوكي في أوضة تانية؟"
تالا:
"ميرسي خالص، رغم إني كنت أتمنى إن أوضتي تبقى جنب أوضتك إنت، بس مش مشكلة أبداً، أي أوضة تحت سقف بيتك جنة."
مدكور بمرح:
"يا سيدي على الكلام الحلو، الله يحفظك يا بنتي."
تالا بتبرم:
"ليه دايماً كلمة بنتي دي على لسانك، إنت عاوز تكبر روحك بالعافية."
مدكور:
"بس أنا كبير فعلاً."
تالا وهي تحدثه من تحت أهدابها بنعومة:
"إنت فعلاً كبير بس بقيمتك وبمقامك وبحب اللي حواليك مش بسنك أبداً."
مدكور بابتسامة بلهاء:
"الله يجازيكِ.. اللي يسمعك يفكرك بتغازليني."
تالا بابتسامة لعوب:
"وهو عيب إني أغازلك؟"
مدكور ضاحكاً بشدة:
"لاااااا، أنا مش قدك يا بنت سليمان الأنصاري."
تالا بهيام:
"وإنت فاكر إنك لو كنت قدها كنت عجبتني كده؟"
مدكور باستنكار:
"أنا.. عاجبك إنتي؟"
تالا وهي تدعي التنهد:
"آه لو قدرت أوصف لك، لو تعرف إنت قد إيه حلم لبنات كتير.. مش عارفة إنت ليه مكبر نفسك كده.. إنت لسه في عزك بس إنت اللي دافن نفسك في الشغل والمشاريع وبس، ليه ما تعيش حياتك وتتمتع بيها زي كل الناس؟"
مدكور برفض:
"أتمتع إيه بس وكلام فارغ إيه، ده أنا بنتي مكتوب كتابها من سنتين."
تالا بمكر:
"وبكرة تعيش حياتها هي ومراد بالطول والعرض وتفضل إنت لوحدك من غير أنيس ولا جليس، في حين إنك تقدر من دلوقتي تدور لك على وليفة تكون بتحبك وبتتمنى لك الرضا والهنا."
مدكور وهو يهذب شاربه بإصبعه:
"ومين بقى اللي بتتمنى لي الرضا دي؟"
تالا وهي تبعد أنظارها عنه:
"بص حواليك وانت أكيد هتعرف من نفسك."
مدكور بمرح:
"أوعى تكوني تقصدي دادة زينب، ماهي الوحيدة اللي تليق بيا وبسني."
تالا باستنكار:
"إنت يليق لك ست البنات، إنت عاوز اللي تحبك وتدلعك وتعيشك عمرك اللي فات واللي جاي."
مدكور:
"ومين البنت دي اللي ترضى براجل قد أبوها؟"
تالا باعتراض:
"بس ما تقولش قد أبوه."
مدكور وهو ينظر إليها بفضول:
"إنتي عاوزة تفهميني إن لو جالك عريس في سني.. ممكن تقبلي؟"
تالا باعتراض:
"لأ طبعاً."
مدكور باستنكار:
"الله.. أومال إيه بقى، ده إنتي نفسك ما تقبليش بواحد في سني."
تالا:
"لأن سؤالك كان غلط، أنا عمري ما أقبل أي واحد، أنا مش عاوزة غير واحد بس ومش فارق معايا سنه ولا شكله، أنا اللي فارق معايا طبعه اللي بحبه، أسلوب تفكيره اللي بموت فيه، طريقة كلامه اللي بتسحرني سحر، نضجه اللي بيخليني بتمنى إنه يخطفني من الدنيا كلها ويهرب بيا بعيد عن العالم واللي فيه، طب تعرف.. أنا دادى عمال بيقنعني من سنة فاتت بواحد في عمري ومن وسطي وكمان له مصالح شغل كتير مع عيلته بس أنا مش موافقة أبداً، تعرف ليه؟"
مدكور وقد فهم أنها تقصد مراد:
"ليه يا ترى؟"
تالا:
"لأن قلبي وعقلي مشغولين بغيره، بس للأسف ما أقدرش أصرح دادى بالكلام ده."
مدكور:
"ويا ترى مين سعيد الحظ اللي شغل قلبك؟"
تالا بتنهيدة:
"للأسف هو ولا هو هنا، وبيتعامل معايا على إني لسه صغيرة وما يعرفش إني ما بصدق يبقى له شغل مع دادى عشان أصمم إني أتابع الشغل بنفسي، وأقدر أفضل قريبة منه أطول فترة ممكنة."
ليسود الصمت دقائق قليلة وهما يتبادلان النظرات، وقبل أن يواصلا الحديث كان مراد اقتحم عليهما الغرفة وهو يقول بتجهم:
"ما تأخذونيش.. اتأخرت عليكم بس كنت بعمل شوية حاجات مهمة."
تالا وهي تنظر لمدكور نظرة توحي بالخجل:
"أبداً يا مراد براحتك، أنا ومدكور بيه لسه ما بدأناش شغل."
مراد وهو يقوم بفتح حاسوبه الموجود بمكتب عمه:
"أنا هطبع كل الأوراق اللي محتاجينها حالا، وهنبتدي على طول."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الثالث 3 - بقلم ميمي عوالي
كانت رهف ترقد بفراشها منكبة على وجهها، منخرطة في بكاء مرير. تجلس بجانبها أمينة، تحاول التسلية عنها ومعرفة ما حدث وجعلها بهذا الحزن والألم.
أخذت تربت على كتفها وهي تقول:
"طب بس فهميني إيه اللي حصل خلاكي تتقهرى بالشكل ده؟ قال لك إيه هولاكو ده خلاكي تعيطي بالشكل ده؟"
ضحكت رهف بشدة من وسط بكائها.
"أيوه كده اضحكي، إحنا هناخد إيه بس من العياط والهم. اتعدلي كده بس وقولي لي قال لك إيه اللي ينشك في حواجبه ده؟"
رهف وهي تمسح دموعها بأصابعها كالطفال:
"ماتدعيش عليه يا أمينة بالله عليكي."
أمينة بامتعاض:
"صحيح يا ولاد.. القط ما يحبش إلا خناقه. يعني بعد ما نكد عليكي كل النكد ده وبتدافعي عنه وخايفة عليه."
رهف بتنهيدة حارة:
"معذور يا أمينة."
أمينة بدهشة:
"أنا مش فاهمة حاجة."
رهف بحزن:
"مش مصدقني يا أمينة.. تصوري."
أمينة بعدم فهم:
"أنتي قلتي له إيه خلاه ما يصدقكيش؟"
رهف:
"قلت له زي ما قلتي لي بالظبط."
أمينة:
"أيوه يعني.. أنهي جزئية في كلامك اللي مصدقهاش؟"
رهف بحزن:
"جزئية إني قدرت أعتمد على روحي وأعمل مشروعي الخاص وأنجح فيه بعيد عنهم.. وأنا فاردة جناحاتي اللي على طول مقصقصينها ومربطينها بالخيوط."
أمينة بغيظ:
"وهو له عين إنه يكذبك، مش يسأل الأول ويعرف ويشوف وبعدين يبقى يتكلم."
رهف بسخرية:
"اللي مخلي بابا على طول متهمني بالفشل، ودايما يقارني بتالا وشايف إنها أحسن وأشطر مني."
أمينة بامتعاض:
"تالا مين دي اللي عاملة زي العروسة الحلاوة دي، ده أنا ساعات بحس إنها متركبة على رومان بلي."
رهف بضحك:
"أنتي مصيبة، هو أنتي ما فيش فايدة فيكي أبداً."
تنهض أمينة وهي تقول بامتعاض:
"الفايدة في البنك يا أختي، بقولك إيه."
رهف بفضول:
"إيه."
أمينة وهي تنظر لعيون رهف بنصف عين:
"هو هولاكو شافك وأنتي بتعيطي؟"
رهف:
"لا."
أمينة:
"اومال أنتي عملتي إيه لما ما صدقكيش؟"
رهف:
"قلت له كلمتين كانوا محشورين في زورى من زمان، وسيبته ومشيت."
أمينة بفرحة:
"برافو عليكي.. يعني اديتيله على دماغه."
رهف باستغراب:
"ومالك مبسوطة أوي كده؟"
أمينة:
"لأني عاوزاكي تسمعيني كويس وتنفذي كل اللي هقول لك عليه بالحرف الواحد."
رهف بسخرية:
"أنتي تاني، لا يا ستي.. خلاص شطبنا، متشكرين."
أمينة بإصرار:
"اسمعي مني بس، وأنا متأكدة إنه المرة دي هو اللي هييجي لحد عندك عشان يتكلم معاكي."
رهف بتوجس:
"اتفضلي اتكلمي.. اديني سامعاكي، وأما أشوف آخرتها إيه."
***
أما في الأسفل، فظل مراد يقوم بنسخ البيانات وعرضها على كلا من مدكور وتالا، التي كانت تراسل مدكور بنظرات الدلال كلما سنحت لها الفرصة. وكان مدكور يقابلها في البداية بدهشة وعدم تصديق، ولكن رويدًا رويدًا كان تركيزه أصبح مشتتاً بتلك الفتاة اللعوب التي شغلت تفكيره.
لينتبه على صوت مراد قائلاً:
"إيه يا عمي، أنا شايف حضرتك مش مركز معايا خالص، تحب نكمل بكرة؟"
مدكور وهو يضع ما بيده جانباً:
"يا ريت يا مراد، أحسن حاسس إني تعبان شوية."
تالا بلهفة مصطنعة:
"مالك يا حبيبي.. سلامتك."
ثم تصنعت الارتباك لتقول وهي تحاول ازدراد لعابها:
"سلامتك.. سلامتك يا مدكور بيه."
مراد وهو يراقب ما حدث بانتباه:
"سلامتك يا عمي، تحب أطلب لحضرتك دكتور؟"
مدكور وهو ينهض من خلف مكتبه وعيناه ترصد كل لفتات تالا:
"لا يا ابني، أنا كويس الحمدلله، بس محتاج أطلع أنام لي شوية."
تالا بلهفة:
"تحب أوصلك أوضتك؟"
مدكور وهو يبتسم بعينيه مع نصف ابتسامة على شفتيه:
"لا يا تالا، أنا كويس ماتقلقيش."
تالا بابتسامة:
"يارب دايماً يا مدكور بيه، أنا كمان هطلع أنام، يالا تعالى نطلع سوا عشان أطمن عليكي."
مراد:
"خلاص يا عمي.. اتفضلوا أنتو، وأنا هنظم الأوراق دي وهروح أنام أنا كمان، عشان المفروض ننزل الشركة من بدري إن شاء الله."
لتتجه تالا مع مدكور إلى الأعلى دون أي حديث، حتى وصلا إلى باب غرفتها الذي بجوار غرفة رهف، فقالت بدلال من تحت أهدابها:
"تصبح على خير.. متأكد إنك كويس ومش محتاج أي حاجة؟"
مدكور بابتسامة ماكرة:
"أنا كويس جداً، تصبحى على خير."
تالا بابتسامة لعوب:
"وأنت من أهله، بس ياريت تخلي تليفونك جنبك ولو في أي وقت حسيت إنك محتاج أي حاجة.. أوعى تتردد إنك تتصل بيا فوراً."
***
في الصباح، وفي تمام السابعة والنصف، كان الجميع يلتف حول مائدة الإفطار. وكانت رهف تقوم بدورها كسيدة المنزل كالعادة، ولكن في صمت شديد، وإهمال النظر المتعمد إلى مراد.
أما تالا، فكانت تحاول إظهار الاهتمام بمدكور وإفطاره بين الفينة والأخرى. وعندما لاحظت الصمت الشديد من رهف، قالت وهي تدعي الاهتمام:
"إيه يا رهف، مالك ساكتة كده النهاردة، في حاجة مضايقاكي ولا إيه؟"
رهف:
"أبدا يا تالا، بس مصدعة شوية."
تالا:
"حد يبقى مصدع وهو لابس الفستان الحلو ده، ياترى ذوق مدكور بيه برضه؟"
رهف وهي تنظر إلى ردائها:
"عجبك."
تالا:
"ما أقدرش أنكر أبداً، ذوقه يجنن، وتحسيه مش متكرر."
مدكور:
"أنا بشتري لها هدومها من أشهر أتيليهات مصر."
تالا:
"بس الحقيقة ماشفتش زيه قبل كده."
رهف:
"ده لأنه مش من الفساتين اللي بابا بيجيبهالي."
مدكور:
"اومال جبتيه منين؟"
رهف:
"ماجبتوش يا بابا.. عملته."
مدكور بسخرية:
"هو أنتي لسه فيكي العادة القديمة دي.. على طول كده غاوية وجع قلب."
تالا:
"بالعكس يا مدكور بيه، ده ذوقها حلو أوي، هو ينفع تفصلي لي فستان يا رهف؟"
لتنظر لها رهف بتركيز وكأنها توازن شيئًا ما بمخيلتها. وعندما طال صمتها، قالت تالا:
"لو ده هيتعبك أو يعطلك خلاص انسى."
لتنظر رهف إلى مراد، فوجدته ينظر إليها ويبدو عليه أنه في انتظار ردها. وعندما التفتت إلى أبيها، وجدته يقول بابتسامة قلما تراها على وجهه:
"تالا ضيفتنا ورغباتها أوامر يا رهف."
رهف بتردد:
"تقصد إنّي أعمل لها التصميم وأفصل لها فستان يا بابا؟"
مدكور وهو يبتسم لتالا:
"المهم تبقوا أنتم الاتنين مبسوطين."
ووسط ذهول رهف لتلك النبرة الغريبة على أذنها من أبيها، قالت:
"أنا عن نفسي هبقى مبسوطة وأوي كمان، وبالمناسبة دي.. أنا عندي لحضرتك مفاجأة أعتقد إنها المفروض تبسطكم."
مدكور بانتباه:
"مفاجأة إيه دي يا ترى؟"
رهف وهي تزدرد لعابها في محاولة لمداراة خوفها من رد فعل أبيها:
"أنا قررت أعمل أتيليه خاص بيا.. أقدر أستثمر فيه موهبتي."
تالا وهي تصفق بيديها:
"برافو يا رهف."
كان مراد ينظر إليها بذهول، فكيف أن تمتلك مشروعها الخاص من أربع سنوات ماضية وتتحدث مع أبيها عن فكرة إنشائه! بينما كان مدكور ينظر لرهف وعلامات الغضب تتشكل على وجهه، ولكنه توقف عن إبداء أي رد فعل عندما سمع تهليل تالا، فقال وهو يكبت غيظه:
"وهو أنتي تقدري على حاجة زي دي لوحدك؟"
رهف:
"ما أنا مش هبقى لوحدي."
مدكور بتهكم:
"اومال مين بقى اللي هيبقى معاكي؟"
"أنا يا عمي."
لتلتفت رهف إلى مراد الذي انبرى لتأييدها أمام أبيها، الذي قال بذهول:
"وهو أنت هتقدر تعمل الكلام ده يا مراد ولا بتفهم فيه؟ ده أنت مابتتعرفش تاخد نص ساعة تريح فيهم عدل زي بقية الناس."
مراد:
"الحقيقة يا عمي، رهف كلمتني على حكاية الأتيليه دي والحقيقة الفكرة حلوة وعجبتني، وكمان عرفت من هدى إن رهف دماغها حلوة أوي في التصميم لدرجة كبيرة تخليها في نفس الصف مع مصممين كبار ومعروفين."
لتشعر رهف بألم غائر في صدرها، إذاً فهى هدى، فهو لم يصدقها إلا بعد أن هاتف شقيقته وتأكد من صدقها. لتشعر رهف بأن عينيها تمتلئ بالدموع دون أن تستطيع السيطرة على هطولها، لتنهض سريعاً من مقعدها وهي تتجه عدواً إلى الأعلى وسط دهشتهم جميعاً.
فيقول مدكور وهو يوجه حديثه لمراد:
"يالا بينا يا مراد ولا إيه، إحنا عندنا اجتماع مهم."
مراد وهو مازالت عيناه على الدرج حيث ذهبت رهف:
"حاضر يا عمي.. يالا بينا."
وأثناء مغادرتهم، توقف مدكور والتفت موجهاً حديثه لمراد قائلاً:
"أنا نسيت خالص موضوع العشا، اطلع لرهف ونبه عليها إن فيه عشا عمل بالليل، وإنها لازم تبقى موجودة معانا."
مراد بدهشة:
"ومن إمتى رهف بتحضر معانا مناسبات زي دي يا عمي؟"
مدكور:
"من هنا ورايح.. المناسبات اللي زي دي لازم تبقى معانا فيها، أنا هسبقك أنا وتالا، وأنت حصلنا على طول."
لينصرف مدكور بصحبة تالا وسط مراقبة رهف لهما من شرفتها وهي تبحث بعينيها عن مراد. حتى سمعت صوت طرقات على الباب، لتجفف عينيها من أثر بكائها وتتجه إلى الباب. وما إن فتحته حتى نظرت لمراد بدهشة قائلة:
"أنت ما روحتش معاهم ليه؟"
مراد وهو يجول بعينيه داخل غرفتها الأنيقة حتى استقرت عيناه على عينيها التي تكللت بأثر بكائها:
"أبدا.. جيت أبلغك بس بحاجة عمي نسى يقولهالك، وإنتي قمتي فجأة وسيبتينى."
رهف بفضول:
"خير."
مراد:
"فيه عشا عمل بالليل، وعمي عاوزك تحضريه معانا."
رهف باستغراب:
"أنا.. أنا أحضر معاكم عشا عمل.. ليه ومن إمتى الكلام ده؟"
مراد:
"الحقيقة مش عارف، بس اللي فهمته إنه عاوزك تتعودي على الكلام ده بعد كده."
رهف باستيعاب:
"اممممم.. فهمت."
مراد بفضول:
"وياترى إيه اللي فهمتيه؟"
رهف بسخرية:
"فهمت إنه نوع من أنواع الإلهاء عشان أنشغل عن موضوع الأتيليه."
مراد بفضول:
"لما أنتي فاتحتيه في موضوع الأتيليه.. ليه خبّيتي عليه إنه موجود فعلًا؟"
تعطي رهف ظهرها وهي تقول:
"ماتشغلش بالك يا مراد، وياريت تنسي أي كلمة دارت بيننا امبارح."
ثم التفتت إليه مرة أخرى قائلة:
"آه.. ومتشكرة على دعمك ليا قدام بابا بعد أما اتأكدت من هدى إنّي مش كدابة."
مراد بحدة:
"أنا ما اتهمتكيش بالكذب."
رهف بامتعاض:
"مش لازم تقولهالي بصراحة عشان أفهم اللي تقصده، وعموماً، بلغ بابا إني هبقى جاهزة للعشا بالليل."
ولم تشعر رهف بنظرات مراد النارية التي رمقها بها قبل انصرافه بغضب، لتشيعه بنظرات جامدة وهو يستقل سيارته ويبتعد بها.
***
أما مدكور، فبعد أن استقل سيارته بصحبة تالا وتحرك بها، قال لها بمواربة وهو يضغط بتعمد على مخارج الحروف:
"وأنتم يا تالا يا بنتي، ياترى نمتي كويسة؟"
تالا باعتراض:
"أنت ليه دايماً بتتعمد تكبر نفسك بالشكل ده؟"
مدكور:
"ده لأني كبير فعلًا."
تالا بدلال:
"أنت كبير بقيمتك يا مدكور بيه، مش بسنك أبداً."
مدكور ضاحكاً:
"يالا بقى حسن الختام."
لتضع تالا يدها على قدمه وهي تقول مدعية الذعر:
"بعد الشر، ارجوك ماتقولش كده تاني، ربنا يخليك ليا."
ثم سحبت يدها سريعاً وقالت بتلعثم وكأنها تستدرك ما قالته:
"أأأنااا أاقصد يعني، إن كلنا بنحبك وبنحترمك و بنتمنى إنك تفضل دايماً وسطنا بكل خير."
وفجأة يضغط مدكور على المكابح بعنف ليلتفت لها وهو ينظر إليها بتركيز ويقول:
"أنتي إيه حكايتك معايا المرة دي يا تالا، أنتي بتخططي لإيه بالظبط، وياريت تبقي صريحة وواضحة معايا لأنّي مابحبش اللف والدوران، ولازم تفهمي إنّي مش صغير وابن سوق، يعني مش سهل أبداً إن ينضحك عليا بكلمتين ناعمين فجأة كده."
لتنظر إليه تالا برهبة في صمت تام حتى فرغ من حديثه تماماً، فقالت له بتردد:
"عاوزة أتجوزك."
مدكور بانشداه:
"تتجوزيني أنا؟"
تالا:
"أيوه.. أتزوجك أنت."
مدكور:
"أنتي عارفة أنا أكبر منك بكام سنة؟"
تالا:
"مايهمنيش."
مدكور:
"اومال إيه اللي يهمك؟"
تالا:
"أنت عارف إن بابا نفسه يجوزني مراد بأي طريقة."
مدكور بسخرية:
"أنتي هتقول لي على دماغ سليمان، بس برضه، إيه علاقة ده بده؟"
تالا:
"طبعاً أنت عارف بابا عاوز يجوزني مراد ليه."
مدكور:
"ودي حاجة تستخبى، طبعاً عارف، عاوز يجوز مجموعتكم لمجموعتنا."
تالا:
"وأنا ما بحبش مراد."
مدكور بسخرية:
"وبتحبيني أنا.. مش كده؟"
تالا وهي تدعي الحزن:
"يمكن مايكونش الحب اللي بيحكوا عنه، لكن أنا ببقى مبسوطة وأنا معاك، أنت عارف دادي.. طول عمره ما بيفكرش غير في الشغل، دايماً كان بعيد عني، ما حسيتش بحنانه واهتمامه كأب، لكن أنت، أنت كنت دايماً بتعاملني باهتمام، وبدور على راحتي."
مدكور:
"ده لأنك بتبقي ضيفة عندي."
تالا:
"ولو بقيت مراتك أكيد هتعاملني أحسن وأحلى، أنت طيب أوي، رغم شدتك في الشغل إلا إن قلبك كبير وحنين أوي، وصدقني أنا هقدر أسعدك وأنسيك كل السنين العجاف اللي عيشتها لوحدك. هو أنت تكره إنك تعيش وتنتبسط، وتنسى الشغل شوية، تكره إنك لما ترجع من شغلك تلاقيني مستنياك بشوق عشان أنسيك تعب يومك؟"
لينظر إليها مدكور وكأن كلاماتها تلامس وتراً في نفسه، فقال لها بفضول:
"وأنتم يعني فاكرة إن حتى لو أنا وافقت على كلامك ده، سليمان هيوافق؟"
تالا بلهفة:
"وافق أنت بس وأنا هعرف إزاي أخلي دادي يوافق."
وقبل أن يجيبها مدكور، سمعوا طرقاً على نافذة السيارة، ليأتيهم صوت مراد قائلاً:
"إيه يا عمي.. هي العربية عطلت ولا إيه؟"
مدكور وهو يعتدل بجلسته ويدير السيارة مرة أخرى:
"لا أبداً.. أنا بس كان فيه مكالمة مهمة بعمله."
مراد:
"طب يالا أحسن هنتأخر."
لينقضي يومهم مابين الاجتماعات والتقارير والمقايسات، حتى أوشك النهار على الانتهاء. وكان مراد يجلس بمكتبه ليسمع طرقاً على الباب، وما إن سمح للطارق بالدخول، حتى دلف إليه صديق عمره وزميل دراسته أنور وهو يقول بمرح:
"أنا يا أخي مش عارف إيه اللي مصبرني عليكم السنين دي كلها."
مراد بارهاق:
"صابر علينا إزاي يعني مش فاهم."
أنور:
"أنا مالي أنا إن كنتم بتتغدوا بدري ولا آخره ولا ما بتتغدوش خالص، أجوع أنا معاكم ليه مش فاهم."
مراد:
"وأنت مجوع نفسك ليه، كان حد منعك تاكل؟"
أنور:
"وأكل إمتى بقى إن شاء الله وأنتم ساحلينا معاكم طول اليوم، ده أنا بفكر أخلي أمي تعمل لي سندوتشات زي أيام المدرسة أحسن أنا خسيت النص بسببكم."
مراد بسخرية:
"آه وخلّيها تحط لك زمزمية وعلبة عصير بالمرة."
أنور:
"لا مش لازم الماية، أنا باخدها هنا ببلاش."
مراد ضاحكاً:
"اجري يا أنور وروح من قدامي مش ناقصاك هي."
أنور وهو يضع مغلفاً أمامه على المكتب:
"طب خد يا أخويا.. عقبال ما أفرح فيكم."
راد وهو يفض المغلف:
"إيه ده، مين اللي هيتجوز؟"
أنور:
"أمجد بتاع الحسابات، طلب مني أجيب لك الدعوة، خاف يجيبهالك هو لا تحرجهم."
مراد:
"وأحرجه ليه يعني؟"
أنور:
"هو أنت مابتشوفش وشك وأنت داخل الشركة الصبح بتبقى عامل إزاي؟"
مراد:
"ببقى عامل إزاي يعني مش فاهم."
أنور:
"هولاكو على رأي البت أمينة."
مراد:
"خليك أنت والست أمينة كده أما نشوف آخرتها."
أنور بمرح:
"آخرتها فرح ومرح ودبلتين واتنين عوالم واتمخطرى يا حلوة يا زينة، بس هي تحن علي."
مراد:
"وهي مش عاوزة تحن عليك ليه؟"
أنور بامتعاض:
"كله بسببك، ربنا يوقف نموكم."
مراد بذهول:
"ليه إن شاء الله، أكونش ولي أمرها وواقف لكم في الجوازة وأنا مش واخد بالي؟"
أنور:
"لا يا سيدي، مش عاوزة تسيب رهف لوحدها، كل ما أتكلم أقول لي لما أطمن على رهف الأول."
مراد باستغراب:
"وإيه اللي قلقها على رهف مش فاهم، وتسيبها لوحدها فين، ما أنا وعمي معاها."
أنور وهو يرسم علامات الاشمئزاز على وجهه:
"ماهي لو شايفة خلقة عدلة قدامها تحسسها إنها مهتمة بصاحبتها ماكانتش عملت كده، وفي الآخر أنا اللي كل مصايبك بتصب عندي، تتغدى متأخر أجوع أنا، تصدر الوش الخشب للغلبانة اللي على ذمتك أترهبن أنا.. منك لله يا مراد يا ابن العزيزي على وقف الحال اللي واقفة لي ده."
مراد:
"هتفضل تعدد لي كده كتير زي الولايا وتسيب شغلك."
أنور بذهول:
"شغل إيه يا جدع أنت، الساعة عدت خمسة."
لينظر مراد إلى ساعة معصمه ويقول بدهشة:
"اومال عمي ما كلمنيش يعني؟"
أنور:
"وده تاني سبب لمجيئي ليك دلوقتي، عمك المحترم مشى هو وعروسة المولد اللي ماشية في ديله دي وقال لي أقول لك تحصله على البيت عشان ماتتأخروش على العشا."
مراد وهو ينهض من مكانه ويلملم أوراقه بعناية:
"ماشي."
أنور بمرح:
"الأ هو يا مراد يا أخويا العشا ده هيبقى أوبن بوفيه."
مراد ضاحكاً:
"هو أنت على طول كده جعان."
أنور بامتعاض:
"مانا ما أكلتش طول النهار."
مراد وهو يحكم قبضته على ذراع أنور وهو ينظر لعينيه بشر:
"وريحة الشاورما اللي طالعة من هدومك دي جاية منين اومال."
أنور بلجلجة:
"ها.. شاورمة.. أبداً والله ما حصل، ده هو سندوتش كبدة وسندوتش سجق."
ليتركه مراد وهو يقول من بين ضحكاته:
"ما فيش فايدة فيك دايماً تعترف من أول قلم."
أنور بغيظ:
"بقى كده برضه.. بتعمل لي كمين وبتوقعني، ماشي يا مراد."
ويذهب ناحية الباب بخطوات كخطوات الأطفال الغاضبة ليقول مراد:
"هتيجي تحضر معانا العشا؟"
ليتوقف أنور فجأة ويلتفت إليه بحذر وهو يقول:
"هو ينفع؟"
مراد ضاحكاً وهو يتعمد إغاظته:
"لا طبعاً ماينفعش، امشي روح لامك يالا خليها تأكلك بدل ما أنت على طول فاضحنا كده."
أنور بغيظ:
"ماشي يا عم هولاكو.. بس خليك فاكرها."
***
مساءً كان مدكور ومراد يجلسون بالأسفل في انتظار تالا ورهف، لتهبط تالا وهي بكامل زينتها وعينيها ترتكز على مدكور ونظراته لها ليتأكد لديها بأن هدفها أصبح قاب قوسين أو أدنى من تحقيقه. وما إن وصلت إليهم حتى قالت بابتسامة:
"أنا جاهزة، ها.. جاهزين؟"
مراد وهو ينظر إلى أعلى الدرج:
"لسه رهف مانزلتش."
لينهض مدكور وهو ينظر لتالا متفرساً إياها قائلاً:
"طب أنا هسبقكم مع تالا يا مراد وانت هات رهف وحصلونا عشان مانتأخرش على الناس."
وقبل أن يرد مراد لمح رهف وهي تهبط الدرج بكبرياء وهي بأبهى صورة. وعلى الرغم من أن تالا رائعة الجمال، إلا أن مظهرها به الكثير من التكلف، أما رهف فكانت تضع القليل من لمسات تجميلية رقيقة أضافت عليها جمالاً طاغياً أحس بأنه يراه للمرة الأولى. إلا أنها مع اقترابها منهم لم تنظر إليه بالمرة، بل نظرت لأبيها قائلة في خفوت:
"أنا جاهزة."
لتقترب منها تالا قائلة بإعجاب شديد:
"أوعى تقولي لي إن الفستان ده كمان من تصميمك؟"
رهف بحمحمة:
"أيوه."
تالا:
"واو.. يجنن، بجد فنانة."
رهف بابتسامة:
"شكراً."
مدكور باستعجال:
"طب يالا بينا وتبقوا تكملوا كلامكم ده بعدين."
ليتوجهوا جميعاً إلى السيارات لتتفاجأ رهف بأنها ستستقل السيارة بصحبة مراد بمفردهما، ولكنها لم تستطع الاعتراض لحظة واحدة. ليتحرك مراد بالسيارة وسط صمت حالك السواد، حتى قطعه مراد قائلاً:
"أنتي ليه اخترتي الاسم الغريب ده لخط الإنتاج بتاع الأتيليه؟"
رهف بفضول:
"وأنت عرفت الاسم منين؟"
مراد:
"عرفته من هدى."
رهف بامتعاض:
"امممم.. هدى."
مراد ببعض الحدة:
"على فكرة هدى دي تبقى أختي الوحيدة وكانت برضه صاحبتك الوحيدة لحد ما سافرت."
رهف بتوتر:
"وأنت مالك بتتكلم بعصبية كده ليه؟"
مراد بغضب:
"أصلك يعني من ساعة ما عرفتي إني اتكلمت مع هدى على موضوع الأتيليه وإنتي طريقة كلامك معايا غريبة وزي ما يكون مش طايقة تتكلمي معايا."
رهف بغضب مماثل:
"وأنت كنت اتكلمت معايا إمتى قبل كده عشان تعرف إن كان طريقة كلامي غريبة ولا مش غريبة؟"
مراد:
"ليه يعني وأنا مابكلمكيش؟"
رهف وهي تدير وجهها إلى نافذة السيارة:
"وهو الطريقة اللي بتتعامل معايا بيها أصلاً دي فيها كلام."
ثم أكملت بسخرية:
"حمدالله على السلامة.. الله يسلمك، صباح الخير.. صباح النور، مع السلامة.. الله يسلمك، وساعات كمان مابيبقاش في رد. اتكلمت معايا إمتى.. تعرف عني إيه غير إني رهف بنت عمك واللي بالصدفة تبقى كتب كتابك عليها."
ثم قالت بنوع من الألم:
"تعرف بحب إيه ولا بكره إيه، تعرف عملت إيه بحب وعملت إيه غصب عني، تعرف إمتى بحس بأمان وإمتى بخاف وبخاف من إيه. أنت ماتعرفنيش يا مراد، عمرنا كله عايشينه سوا تحت سقف واحد، بس ماتعرفنيش، حتى لما كتبنا كتابنا، كتبناه لأن بابا عاوز ده."
"عمرك سألت نفسك يا ترى البنت اللي شايلة اسمك دي موافقة عليك ولا اتجوزتك بس لأن أبوها عاوز كده؟"
مراد بذهول:
"أنتي ما كنتيش موافقة عليا؟"
رهف بتهكم:
"سؤالك متأخر أوي يا مراد.. متأخر سنتين بحالهم، وما أعتقدش أبداً إن إجابة السؤال ده مهما إن كانت إجابته تبقى إيه إنها ممكن تفيدك دلوقتي."
***
في سيارة مدكور، ما إن ابتعدت السيارة عن المنزل حتى قالت تالا بدلال:
"إيه رأيك في شكلي وفستاني.. عجبوك؟"
مدكور:
"طول عمرك بتعرفي توظفي شكلك ولبسك باللي يناسب الوقت والمكان."
تالا بابتسامة:
"يعني عجبوك؟"
لينظر إليها مدكور بمكر ويعود بعينيه مرة أخرى للطريق وقال:
"طول عمرك بتعجبيني يا تالا."
مدكور:
"ما قلت لك، سليمان مش بالساهل أبداً إنه يوافق على خطوة زي دي."
تالا:
"بس أنا قلت لدادي."
مدكور بصدمة:
"إمتى حصل الكلام ده؟"
تالا وهي تدعي الحزن:
"ما قدرتش أخبي حبي وإعجابي بيك أكتر من كده، ما قدرتش أسيبه يطلب مني أقرب من مراد أكتر من كده وأسمع وأسكت."
مدكور بفضول:
"وكان رد فعله إيه؟"
تالا:
"اتنرفز شوية، واتخانق معايا، وقال لي إن عمرك ما تبص لي، لكن لما لقاني مصرة على موقفي، قال لي لو مدكور خطبك مني هوافق، لكن لو ده ما حصلش أنا هطلب من مراد إنه يتجوزك عشان نحافظ على ارتباط المجموعتين."
"ولما قلت له ما ترخصنيش يا دادي، قال لي سبق وعملها مدكور مع بنته وبرضه عشان المجموعة."
مدكور بتفكير:
"خلاص يا تالا.. أنا هطلبك من سليمان."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الرابع 4 - بقلم ميمي عوالي
نظرت تالا لمدكور بسعادة شديدة وقالت: بجد يا مدكورو.
عندما وجدت مدكور ينظر إليها بتركيز قالت: أما هتخطبني من دادي ونتجوز، مش هفضل أقولك يا مدكور بيه.
ثم أكملت بدلال: أنا هبقى مراتك لوحدك وأنت هتبقى جوزي أنا.. تالا سليمان الأنصاري.. تؤتؤ تالا مدكور العزيزي، الحلم اللي بحلم بيه من زمان أخيرًا هيتحقق. أوعدك إني هخليك أسعد زوج على وش الأرض.
مدكور بابتسامة وهو يتابع القيادة: وأنا كمان أوعدك إنك هتشوفي معايا حاجات ما كنتيش تتخيلي أبداً إنك هتشوفيها.
في سيارة مراد، كان الصمت يظللهم. في حين كانت رهف تنظر من نافذتها بشرود. ومراد مشتت بين مراقبتها ومراقبة الطريق، وبداخله غضب كامن من حديثها الذي سمعه. ولا يعلم إن كان عمه قد أجبرها بالفعل على الاقتران به، أم أنها تحاول أن ترد له الصاع بصاع.
وظلوا على تلك الحالة حتى وصلا إلى مكان العشاء. وعند هبوط رهف من السيارة، تقع عينيها على تالا وهي تتأبط ذراع أبيها بثقة وشموخ، وهي تتوجه إلى الداخل وهي تكاد تلتصق به في سيرها المتغنج.
لتنظر رهف سريعًا إلى مراد لتلاحظ أنه هو الآخر يتابع المشهد بذهول. ثم نظر إلى رهف. وعندما تقابلت أعينهما، قالت بفضول: هو اللي شفته ده الطبيعي بتاع سهراتكم سوا؟
مراد بنفي: الحقيقة لا، دي أول مرة تحصل.
رهف بامتعاض: طب يلا بينا.
ليستوقفها مراد وهو يمد يده إليها قائلاً: متهيالى مينفعش إنهم يدخلوا بالشكل ده وهي لسه بنت شريكه، وإحنا ندخل كل واحد في ناحية، والكل عارف إننا كاتبين الكتاب. هاتي إيدك.
لتزددرد رهف لعابها وتعض على وجنتيها من الداخل بامتعاض وهي تتأبط ذراعه وكأنها تساق إلى الهاوية. حتى وصلوا إلى الداخل، حيث قاعة متوسطة الحجم بها مائدة كبيرة تتسع إلى ما لا يقل عن اثني عشر فردًا. وكان يوجد بالفعل خمسة من الرجال بأعمار متفاوتة في استقبالهم. وما إن دلفوا إليهم حتى نهض الجميع بترحاب شديد.
جاسر وهو رجل في العقد الثالث من العمر: أهلاً يا مدكور بيه.
مدكور باعتذار: متأسف يا جماعة، كان المفروض أكون في استقبالكم.
جاسر بلطف: ولا يهمك يا مدكور بيه، ما فيهاش حاجة لما نكون في استقبالك إحنا مرة، طول عمرك بتبقى في استقبالنا.
مدكور وهو يشير إلى تالا: أقدم لكم تالا هانم الأنصاري.. بنت سليمان بيه الأنصاري، شريكنا في المشروع بتاعنا.
ليهمهم الجميع وتختلط أصوات الترحيب: تشرفنا.. أهلاً وسهلاً.. فرصة سعيدة.
تالا بابتسامة اجتماعية: أهلاً بيكم وأتمنى إنه ما يكونش آخر تعامل ما بينا. الحقيقة دادي طول عمره بيتعامل مع مجموعة العزيزي. ثم نظرت لمدكور وأكملت بثقة: وأعتقد إن التعامل هيفضل بعد كده على طول. والحقيقة دايماً مجموعة العزيزي بتعرف تنتقي العملاء بتوعها كويس، وده اللي مخلي دادي متمسك بالتعامل معاهم.
مدكور بدبلوماسية: اتفضلوا يا جماعة استريحوا.. شرفتونا.
جاسر وهو ينظر لرهف بإعجاب: مش تعرفنا الأول على الضيفة اللي معاكم يا مدكور بيه.
مدكور: آه.. دي رهف.. بنتي.
جاسر: مش معقول، وإزاي مخبيها عننا السنين دي كلها يا مدكور بيه.
كان مراد يلاحظ نبرة الإعجاب في حديث جاسر، فقال وهو يكبت غيظه: الحقيقة من ساعة ما كتبنا الكتاب وهي مشغولة في رسالة الدكتوراة بتاعتها.
لتعود الجميع إلى مكانه، في حين قال مؤمن وهو شريك جاسر: ويا ترى بقى الدكتوراه بتاعتك في إيه يا رهف هانم.
رهف بارتباك وهي تنقل عينيها بين مراد وأبيها: في القانون التجاري.
مؤمن: بس القانون التجاري ده بحره واسع أوي.
رهف: الحقيقة رسالتي عن قوانين الشركات المساهمة.
فؤاد وهو أحد المدعوين: الحقيقة موضوع صعب ومتفرع.
جاسر بضحك: آآه طبعًا.. لا يفتي ومالك في المدينة. ثم أكمل قائلاً وهو يشير إلى فؤاد: أصل ده بقى يا ستي يبقى المستشار القانوني لمجموعة الجاسر.. المجموعة بتاعتنا.. حجة في القانون التجاري.
رهف: تشرفت.
جاسر: واسمح لي أقدم لك نفسي… جاسر علم الدين، أنا ومؤمن ولاد عم ونبقى الورثة الشرعيين للمجموعة.
كان الغضب هو العنوان الرئيسي لحالة مراد في تلك اللحظة. فقد لاحظ اهتمام الجميع برهف والحديث معها، حتى إنهم لم يهتموا بتالا الشريك الرئيسي لهم هذا الاهتمام. ولكن قبل أن يطاوع شيطانه في الاحتداد بالحديث إليهم، وجد ثلاث سيدات غاية في الأناقة وقد انضممن إليهم، في حين تقول إحداهن: ما تأخذوناش يا جماعة.. اتأخرنا عليكم.
لينهض كل من جاسر ومؤمن وعدي وهو يعد المحاسب القانوني لمجموعة الجاسر لاستقبالهن. فيقول مؤمن موجهًا حديثه لتالا ورهف وهو يشير إلى السيدات واحدة تلو الأخرى ويقدمها إليهما: اسمحوا لي أقدم لكم.. مدام رقية مراتي، ومدام سميحة تبقى مرات فؤاد بيه ودي بقى تبقى مدام بثينة مرات عدي.
لترحب بهم رهف وتالا التي نظرت بتساؤل لجاسر وقالت: أومال أنتي المدام بتاعتك فين يا جاسر بيه، رغم إني شايفة دبلة في إيدك الشمال.
جاسر بابتسامة: الحقيقة المدام عندي مالهاش في الاجتماعيات دي وكمان معاها بيبي صغير مستحوذ على كل وقته.
لتتبادل النساء التحية مع تالا ورهف. وما إن جلسن حول المائدة وبدأت مراسم العشاء، حتى قالت رقية وهي توجه حديثها لرهف برقة: الحقيقة إحنا اتجمعنا أكتر من مرة مع والدك يا رهف، مش عارفة ليه كان مخبيكي عنا كل الوقت ده.
رهف بابتسامة: الحقيقة أنا الدراسة كانت واخدة كل وقتي.
بثينة بإعجاب: بس ذوقك في اللبس يجنن يا رهف، ومش مكرر خالص.
تالا: أوعي تقوليلي إن إنتي اللي مصممة فستانك ده كمان يا رهف.
رهف بارتباك وهي تنظر لمراد: الحقيقة أيوه.
النساء في آن واحد: وااو.. تحفة.
رقية: تعرفي.. بتفكريني بماركة لبس بحبها أوي.
بثينة بحماس: أكيد تقصدي بروكن هارت.. مش كده.
رقية: بالظبط.. هي.
رهف لرقية وهي تنظر لمراد بشيء من التحدي: فستانك ده من خط إنتاجهم يا مدام رقية.. مش كده.
رقية: فعلاً.. الحقيقة من ساعة ما جربت أتعامل معاهم، وأنا بقيت أجيب معظم لبسي من نفس الماركة، بس اسمحي لي أحيكِ على فستانك، ذوقك حلو أوي، بس ياترى بقى إنتي اللي بتنفذي كمان ولا حد تاني.
رهف: الحقيقة مش دايماً.
ليتدخل مراد قائلاً وهو ينظر لرهف بنوع من الثبات: الحقيقة اللي لسه ما حدش يعرفها… إن رهف تبقى صاحبة بروكن هارت.
لتختلط أصوات الدهشة والتعجب مع أصوات التهاني، والتي لم تعيها رهف أو تعطيها انتباهها. فكان انتباهها بالكامل مع وجه أبيها الذي كان ينظر إليها بجمود بدون أي تعليق، وكأن لا شيء يعنيه. ليتركهم في مهرجانهم الخاص.
لتقول رقية: بس تعرفي يا رهف.. من ساعة ما ابتديت أتعامل مع الماركة دي وكان دايماً في سؤال بيلح في دماغي ونفسي أعرف إجابته.
رهف بفضول: سؤال إيه ده يا ترى.
رقية: الاسم يا رهف، ليه اخترتي الاسم ده بالذات، رغم إنه اسم جذاب وما أعتقدش أبداً إنه ممكن يتكرر بأي شكل من الأشكال، بس ليه.
رهف بحزن: الحقيقة حسيت إن الاسم مناسبني بعد وفاة والدتي الله يرحمها.
رقية بأسف: سامحيني أنا آسفة ما قصدتش أبداً إني أفكرك أو أضايقك.
رهف بابتسامة ودودة: أنا عارفة.. ما اتضايقتش صدقيني.
وظلوا يتبادلون الأحاديث العامة، والتي كانت رهف تحتل النسبة الأكبر منها. حتى انتهى الجميع من تناول الطعام، ليحرك مدكور الحوار بحنكة شديدة إلى حوار عملي بحت. لتنفصل أحاديث الرجال عن أحاديث النساء. حتى إن النساء جميعهن إلا تالا قد سحبوا مقاعدهن إلى ركن بعيد حتى يستطيعوا إدارة حوارتهن بعيدًا عن حوارات العمل المملة.
بينما قالت تالا لهن بمرح: كده هتسيبوني لوحدي. ثم قالت لرهف: اعملي حسابك هتحكيلي على كل حاجة أما نرجع البيت.
في مجلس النساء، قالت بثينة لرهف: هي تالا عايشة معاكم يا رهف.. هي تقرب لكم.
رهف: لا.. بس باباها يعتبر شريك لبابا ومعظم شغلهم مع بعض، وتالا هي اللي بتبقى دايماً مع بابا مكان باباها.
سميحة بإيعاز: وهي متعودة تتعامل مع مدكور بيه بالاريحية دي.
لتنظر رهف إليهم لتجد تالا تتمايل على مدكور من فينة لأخرى وهي تهمس إليه بشيء ما يجعله يبتسم تارة ويتجهم أخرى.
لتكمل سميحة حديثها قائلة: اسمح لي يا رهف… رغم إن دي أول مرة أشوفك وأشوفها برضه، بس البنت دي…
لتصمت وهي تحرك رأسها ذات اليمين وذات اليسار، وعلى وجهها علامات الامتعاض التي تدل على عدم الراحة. لتقول رقية: المهم إنها تبقى بعيدة عن مراد بيه.. هو ده المهم.
تتذكر رهف حديث أبيها عن رغبة سليمان بتزويجها من مراد، لتتنهد بأسى. لتسمع شهقة مكتومة من بثينة، وعندما نظرت إليها وجدت أنها تحبس شهقتها بيدها وعيناها مسلطة على تالا التي وجدتها تقترب برأسها وهي تتحدث مع مدكور، وإحدى يديها تعبث بملابسه وكأنها تزيح شيئًا وهميًا من عليها. لتقول سميحة: البنت دي مش سهلة أبداً.. ربنا يكفينا شرها.
أما تالا فكانت تقول بهمس لمدكور: حبيبي البنود بتاعة الإشراف على المشروع دي ليه سايبينها كلها لمجموعة جاسر بيه.
مدكور بحمحمة خافتة: اتعدلي في قعدتك يا تالا، الستات عينهم علينا وهيقولوا من الحبة قبة.
لتبتعد تالا وهي تدعي الحزن قائلة بامتعاض: مش انت قلت هتطلبني من دادي.
مدكور: وأنا عند كلمتي، بس الناس دي لسه ماتعرفش الكلام ده، وحتى لو يعرفوا.. إحنا نعتبر في مكان عام ومش لوحدنا.. فيه أصول مينفعش أبداً نتخطاها، وماتنسيش إننا دلوقتي في شغل.
لتنتهي سهرة العشاء، ليعود الجميع إلى منزله. وعند اتجاه رهف ناحية الدرج للوصول لغرفتها، سمعت صوت أبيها قائلاً بحزم: رهف.
لتستدير رهف وتنظر لأبيها بحذر، فوجدته يقول: متهيألي في كلام بيننا محتاج أسمعه.. حصليني على المكتب.
ودون أن تشعر، وجدت نفسها تنظر لمراد وكأنها تستنجد به. ولكن مدكور يقول في حدة: يالا مش هستناكي للصبح.
تالا بغنج: محتاجاني معاكم.
مدكور بجمود: لا.. اطلعي أنتِ استريحي.
لتتجه تالا إلى الأعلى، بينما ذهبت رهف إليه في رهبة وكأنها تساق إلى حتفها. وما إن دلفت إلى حجرة المكتب إلا ووجدت مراد خلفها مباشرة وكأنه حائط صد ضد أي هجمة قد تصيبه.
ليجلس مدكور قائلاً بجمود: اقعدي.. وعاوزك تقولي لي بالضبط إيه الكلام اللي سمعته الليلة دي ده، وإيه أتيليه ده اللي مراد قال إن إنتي اللي صاحبته.
رهف وهي تزدرد لعابها: حضرتك عارف إني…
مراد مقاطعًا إياها: الحقيقة يا عمي إحنا كنا مقررين نعمل لك الحكاية دي مفاجأة، لأننا كنا عاوزين نبلغك بالحكاية ورهف واقفة على رجلها.. وناجحة ومحققة سمعة كمان.. زي ما حضرتك سمعت النهاردة من الستات اللي كانوا موجودين.
مدكور بحدة: مش عذر أبداً يا مراد، إزاي تبقى بنتي بتشتغل وبتختلط بناس وأنا آخر من يعلم.
رهف: بس أنا ما بختلطش بحد يا بابا.
مدكور بعدم تصديق: يا سلااام، أومال الشغل بيمشي إزاي بقى إن شاء الله.
رهف بتوتر: أنا بعمل التصميمات وبقول على كل اللي أنا عاوزاه وعندي اللي بيساعدوني وبينفذولي اللي أنا عاوزاهم.
مدكور بفضول: ومين بقى هم اللي بيساعدوكي دول.
رهف وهي تحاول إخفاء رهبتها: أمينة بنت دادة زينب.
مدكور بغضب: كمان! كمان طلعتني طرطور قدام الخدم والشغالين.
مراد: العفو يا عمي.. ليه حضرتك بتقول كده.
مدكور: أومال عايزني أقول إيه يا سي مراد.
مراد وهو ينظر لرهف: تقول إن كل اللي بيساعدوها دول فاهمين وعارفين إن كل حاجة بتمشي بأوامرك، وبعدين هو أنا إيه وحضرتك إيه يا عمي.. مش واحد.
مدكور: ويا ترى بقى الأتيليه ده كان بيتصرف عليه منين طول الوقت اللي قرطستوني فيه.
رهف: من فلوسي.
مدكور بفضول: فلوسك دي اللي هي إيه بالظبط أنا عاوز أفهم.
رهف: ورثي من ماما الله يرحمها.
لينتفض مدكور بغضب قائلاً: إنتي بعتي أرض أمي.
رهف برهبة: لأ طبعًا.. أنا مش ممكن أتصرف تصرف زي ده أبداً، وكمان من غير ما تعرف.
مدكور بحدة: أومال جبتي فلوس منين، واتكلمي على طول وخلي كلامك مفهوم وواضح، أنا مش هقعد أسحب الكلام من لسانك.
رهف بذعر: من إيراد الأرض بتاعة ماما، حضرتك سايبها لي، وقلت لي اتصرفي فيها زي ما إنتي عاوزة، وأنا كنت بحوشها كلها لأني ماكنتش بحتاج حاجة، لحد ما جه وقتها، أخدتهم وعملت بيهم الأتيليه، وشوية شوية الأتيليه بقى يغطي مصاريفه، ومن السنة اللي فاتت بقى كمان في أرباح، وبقى فيه فائض غطى كل المصاريف اللي اتصرفت قبل كده وبزيادة كمان، وده شجعني إني أفكر في الفرع الجديد اللي عاوزة أعمله في القاهرة.
مدكور وهو ينظر لمراد بتفحص: وإنت بقى كان عندك علم من البداية بكل الحكاية دي بتفاصيلها، وبتتابعها بنفسك من الأول.
مراد بحمحمة: مينفعش أنسب مجهود رهف لروحي يا عمي، ده تعبها ومجهودها، أنا بس كنت براقب من بعيد عشان محدش يضايقها، لكن هي اللي كانت قايمة بكل حاجة، دي حتى لسه امبارح كانت بتقولي إنها قررت تعمل فرع في القاهرة عشان تبقى قريبة من العملاء بتوعها.
مدكور: ويا ترى بقى الأتيليه ده بقاله كام سنة.
رهف بتردد: أربع سنين.
مدكور بسخرية: أربع سنين وإنتوا مخبيين عليا وقال إيه بتحضروا لي مفاجأة، مفاجأة جملي.
مراد: ما أنا قلت لحضرتك كنا مستنيين إن الأتيليه يسمع كده، وامبارح بس عرفت إن بقى لنا خط إنتاج للتصدير، ودي طبعًا حاجة تشرف، فقررت أنا ورهف إننا نصارح حضرتك، ده أنا حتى.. كنت ناوي أعمل حفلة بالمناسبة دي. بس اللي حصل النهاردة، خلاني عاوز أعرف الناس دي إن الماركة اللي كانوا بيتكلموا عنها دي.. تبقى ملك رهف مدكور العزيزي، واللي خلاص هيبقى لها فرع كمان في القاهرة.
مدكور بخبث: وإنت وافقت بقى على الفرع ده.
مراد: وما أوافقش ليه، المشروع نجح ومحتاج يتوسع.
مدكور: ويا ترى لما تعمل فرع في القاهرة، هتقدر تديره إزاي من هنا.
لتقول رهف بلهفة: ماهو بعد إذن حضرتك، أنا محتاجة إني أنزل أستقر في القاهرة.
مدكور: وجوزك موافق على الكلام ده.
رهف بدهشة: جوزي.
مدكور بسخرية: آه جوزك، لأن معنى كلامكم ده، إنكم عشان تنفذوا الحكاية دي، إنكم لازم تتمموا جوازكم، ولا إنتي ناوية تنزلي تعيشي في القاهرة وتقعدي لوحدك وهو كمان يبقى قاعد لوحده.
رهف: وليه لوحدي، ما حضرتك…
مدكور: مش فاضي.
رهف: مش فاهمة.
مدكور: إيه اللي في كلامي مش مفهوم.. بقول لك إن حضرتك مش فاضي، ثم أنا…. أنا قررت أتجوز.
قالها وهو ينتقل بعينيه بين رهف ومراد، الذي اعتلت الصدمة ملامحهما. ليغلفهم الصمت وكأن على رؤوسهم الطير. فاستطرد مدكور قائلاً: إيه.. مالكم سكتتم كده ليه كأن القطة أكلت لسانكم.
مراد: أبدًا يا عمي، بس المفاجأة.
مدكور: المفاجأة برضه.. ولا الاعتراض.
مراد بتردد وهو ينظر لرهف: ما حدش يقدر يعترض يا عمي، دي حياتك الشخصية وحضرتك حر.
مدكور: وإنتي يا رهف، رأيك برضه من رأي جوزك، ولا ليكي رأي تاني.
رهف بجمود: مين.
مدكور: تالا بنت الأنصاري.
رهف بصدمة: تالا اللي كان أبوها عاوز يجوزها لمراد.
مدكور وعلى وجهه علامات الزهو: بس هي اختارتني أنا.. ما اختارتش مراد.
رهف بصدمة أكبر: أفهم من كده إنكم اتكلمتم فعلاً في الموضوع وإنها كمان موافقة.
مدكور: أنا مش صغير عشان أتكلم في حاجة أنا مش مالي إيدي منها.
رهف باستنكار: دي عمرها تقريبًا زيي، يعني في عمر بنتك.
مدكور بحدة: وأنا مش عجوز يعني للدرجة دي، ولولا إني اتجوزت والدتك وأنا صغير ما كانش بقى عندي بنت في سنك وأنا في العمر ده.
مراد بجمود: ما حدش من حقه أبداً إنه يعترض على جوازك يا عمي، لكن.. ليه تالا، ما ممكن أي حد تاني مناسب لحضرتكم.
مدكور بحزم: أنا بس اللي أحدد إيه اللي يناسبني وإيه اللي ما يناسبنيش يا مراد.
مراد: أفهم من كلام حضرتك إن ده قرار نهائي.
مدكور: أيوه، وهطلبها بكرة من أبوها.
رهف ببعض الحدة: وإنت بقى ضامن إنه يوافق عليك بعد ما كان حاطط عينه على مراد.
لينهض مدكور من مقعده بغضب قائلاً: إنتي نسيتي نفسك ولا إيه، إزاي تتكلمي معايا بالطريقة دي.
مراد وهو يقف حائلًا بين مدكور ورهف: بالراحة يا عمي، هي ماتقصدش، ده بس بسبب المفاجأة.
مدكور بصيغة الأمر: اعملوا حسابكم إنتوا الاتنين إن جوازكم في خلال أسبوعين تلاتة، وبعدها تنزلوا تقعدوا في القاهرة.
رهف برفض: إزاي يعني الكلام ده.
مدكور بصلف: زي الناس، اللي قلته يتنفذ بالحرف الواحد ومن غير نقاش، ولا إنتي ناوية تعترضي على كلامي.
رهف باستياء: حضرتك بتتكلم في جوازي، إزاي ما يبقاليش رأي كده في أي حاجة ومن غير ما تناقشيني فيه كمان.
مدكور بأمر: امشي غورِ من قدامي، طول عمري بقول الكلمة وبتتنفذ من قبل ما أخلص كلامي، جاية النهاردة بعد كل السنين دي وعاوزة تعصيني وتعدلي على كلامي، اللي قلته هيتنفذ بالحرف الواحد، وإنتي تدخلي أوضتك ماتطلعيش منها إلا بأمري وعلى الله المح بس خيالك قبل ما أسافر بعد بكرة.. إنتي فاهمة.
لتنظر له رهف بألم، ثم تهرول من أمامه وعبراتها تغسل وجهها.
ليلتفت مراد وهو يشيعها بنظراته التي تتخلى عن الجمود لاول مرة، ليعود بنظره إلى عمه قائلاً بتخوف: يا عمي… حضرتك كنت قاسي بزيادة على رهف.
ليقترب مدكور من مراد ويقول بهمس: عاوزك تطلع الجنينة شوية وبعدين ترجع تاني بعد كده. ثم قال بصوت جهور: أنا خلاص مش عاوز نقاش تاني في الموضوع ده… انتهينا يا مراد.
وعندما نظر إليه مراد بريبة، وجد مدكور يشير إليه بعينه إلى بقعة بعينها خارج الغرفة. وعندما نظر مراد إلى تلك البقعة لمح ظلًا لشخص ما علم صاحبته على الفور…. تالا.. والتي كانت تقف منذ البداية وهي تختلس الاستماع إليهم. فبعد أن وصلت غرفتها.. خلعت حذاءها وهبطت إليهم مرة أخرى وهي تتخفى خلف الستائر لتستمع إلى حديثهم بالكامل.
ليهمئ مراد إلى عمه ويذهب إلى الخارج دون أن ينظر وراءه حتى خرج من القصر بالكامل. وعندما رأته تالا قد غادر المكان بأكمله، أسرعت إلى غرفتها حتى لا ينتبه لها أحد. وكان مدكور يراقبها من بعيد وعلى وجهه ابتسامة سخرية. حتى عاد إليه مراد مرة أخرى، فأشار إليه مدكور كي يغلق الباب خلفه ويقترب منه. وما إن فعل مراد ما أمر به عمه، حتى قال مدكور بهمس ساخر: بيلعبوا بيا الكورة.
مراد: إيه الحكاية.. أنا مش فاهم حاجة.
مدكور: سليمان وبنته… بعد ما يئسوا منك نقلوا العطا عليا، وفاكريني بريء هصدق التمثيلية الهبلة اللي بيعملوها علي.
مراد بذهول وهو يشير بإصبعه للأعلى: تقصد إن تالا…
مدكور بسخرية: متفقة مع أبوها إنها تجيب رجلي.
مراد: طب ليه.
مدكور بغيظ: ما تفوق بقى من الطيبة اللي إنت فيها دي، الدنيا مش كلها شغل وبس، ولا سالكة كده زي ما إنت فاهم يا مراد، المفروض إنك ابن سوق وفاهم كويس الكلام ده، سليمان هيموت ويحط رجله في المجموعة عندنا بأي شكل.
مراد: طب ماهو تلت أرباع الصفقات بيبقى معانا.
مدكور: بس هو عاوز الصفقات كلها، وعاوزها رسمي وبالإجبار، نفسه يحط إيده على جزء من المجموعة، ولما لقى مافيش فايدة منك، قال نجرب العجوز اللي أول ما بنته هتشاور له هيجري عليها زي الأبله.
مراد بذهول: طب ولما حضرتك فاهم كل الكلام ده، ليه وافقت.
مدكور بخبث: عشان بدل ما هما اللي يحطوا رجليهم في مجموعة العزيزي، أنا اللي هحط رجلي في مجموعة الأنصاري.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الخامس 5 - بقلم ميمي عوالي
مراد بذهول: طب ولما حضرتك فاهم كل الكلام ده، ليه وافقت؟
مدكور بخبث: عشان بدل ما هم اللي يحطوا رجليهم في مجموعة العزيزي، أنا اللي أحط رجلي في مجموعة الأنصاري.
مراد بفضول: تقصد إيه؟
مدكور بسخرية: أقصد إني أطبق عليهم المثل اللي بيقول: تيجي تصيده يصيدك.
ليصمت مراد وهو يحاول ثبر أغوار عمه، ولكنه يفشل فشل ذريع، لينتبه على صوت مدكور مرة أخرى وهو يقول بإيعاز: المهم أنت ورهف دلوقتي لازم تحضروا روحكم للجواز في أقصر فترة، عشان أقدر أفوق وأركز في اللي جاي.
مراد وهو يحمحم بتوتر: أنا مش مستريح أبدًا للحكاية دي، ما نفضها سيرة. أنا الحقيقة طول السنين دي مش فاهم ليه حضرتك مصمم على شراكة سليمان الأنصاري، رغم إنك عارف وفاهم نيته من زمان.
ليلتف مدكور حول مكتبه ليرتمي بجسده على المقعد وهو يقول بامتعاض: أنا مش عارف هتتعلم إمتى، طول الوقت ده وما قدرتش تفهم أنا ليه صابر عليه وعلى طمعه في مجموعتنا.
مراد بنفي: الحقيقة لأ، ما فهمتش.
مدكور بتنهيدة عميقة: طول عمر سليمان وهو يعتبر المنافس الوحيد لمجموعتنا يا مراد، وعشان كده بحاول أكسر سهمه.
مراد بعدم اقتناع: ده بزنس يا عمي، والمنافسة موجودة منه ومن غيره، يبقى تفرق إيه بقى؟
مدكور: الشرف يا مراد.
مراد باستغراب: مش فاهم.
مدكور: من قبل ما تتخرج من الجامعة وأنت إيدك بإيدي، عمرك شفتني بشتغل شغل مش نضيف، أو بضرب من تحت الترابيزة؟
مراد: لأ طبعًا، ده حضرتك بينضرب بيك المثل في الشرف والأمانة.
مدكور: وهو ده اللي سليمان طمعان فيه، الاسم النضيف.
مراد: بس برضه اسم الأنصاري مش شوية يا عمي.
مدكور: كمركز ونفوذ هو أكبر منا بكتير، يمكن بيحاول يتدارى شوية عشان ما حدش يطمع فيه وفي بنته اللي برضه ما عندوش غيرها، لكن على قد نفوذه وجاهه ده، إلا إنه ما قدرش يكسب ثقة الناس فيه زي ما أنا قدرت، وده لأنه ما عندوش ميزان لأي حاجة غير الفلوس وبس.
مراد: بس هو ملتزم بكل الشروط بتاعتنا في كل الشغل اللي عملناه مع بعض، والحقيقة عمره ما حاول إنه يخلف الاتفاق ده.
مدكور: لأنه عاوز العملاء بتوعنا يثقوا فيه زي ما بيثقوا فينا.. فهمت.
مراد: أنا فهمت وجهة نظرك فيه، لكن ما فهمتش برضه ليه مستمرين في شراكتنا معاهم.
مدكور: لأننا لو ما شاركناهوش بإرادتنا، هيشاركنا غصب عنا، الأنصاري ما بيعرفش يلعب بشرف.
مراد بذهول: وهو يقدر يعمل إيه يعني؟
مدكور: لأااا، لو على يقدر يعمل إيه، فيقدر يعمل كتير، ده كفاية إنه يقلب علينا البنوك بعلاقاته، أو يضرب لنا المشاريع بتاعتنا.
مراد: ولما حضرتك عارف كل الكلام ده، إزاي بتقول إنك هتتجوز بنته وكمان هتحط رجلك في مجموعته بدل ما يحصل العكس؟
ثم أكمل بتردد: وبعدين برضه يا عمي سامحني، حضرتك لو عملت كده مش هيبقى حرام؟ مهما كان دي حاجة مش من حقي.
ليصمت مدكور لعدة لحظات وهو ينظر لمراد بتركيز، ثم قال: من الناحية دي ماتقلقش، أكيد مش هتصرف أي تصرف من غير علمك، بس قبل أي حاجة عاوزك تكلم المحامي الشخصي بتاعنا، مش محامي المجموعة.
مراد: خير.
مدكور بخفوت: بلغه يحضر عقود لنقل ملكية المجموعة مناصفة بينك أنت ورهف.
مراد برفض: لأ طبعًا.. إيه الكلام ده، أنا مش عاوز حاجة ولا محتاج الكلام ده، وحضرتك عارف إن ميراثي من بابا الله يرحمه زي ما هو ما لمستش منه مليم.
مدكور بحزم: اللي أقوله يتنفذ ومش عاوز اعتراض ولا عاوز حرف من الكلام ده يطلع برانا.. أنت فاهم، أنا عاوز أطمن عليكم وعلى المجموعة قبل ما أخطّي أي خطوة.
مراد بقلق: ولزمته إيه بس، ما حضرتك ترفض الموضوع وخلاص.
مدكور بسخرية: أصلك طيب وعلى نياتك، سليمان مش هيهداله بال إلا لما بنته يبقى ليها صفة هنا في البيت ده، وطالما إني أقدر أبعدها عنك أنت ورهف، يبقى كله يهون في سبيل سعادتكم، وعشان كده عاوزكم تتجوزوا في أسرع وقت عشان أقدر أفوق وأركز للي جاي.
مراد: طب ورهف؟
مدكور: ماله؟
مراد بحمحمة: مش المفروض تبقى موافقة على الكلام ده؟
مدكور بامتعاض: وهي من إمتى بتعترض على كلامي؟
مراد: بمناسبة عدم اعتراضها على كلام حضرتك.. كنت عاوز أسأل حضرتك على حاجة كده.
مدكور بفضول: حاجة إيه دي يا ترى؟
مراد بتردد: يعني.. وقت ما كتبنا الكتاب، حضرتك سألت رهف عن رأيها في جوازها مني؟
مدكور بتفكير: مش فاكر.
مراد بذهول: يعني إيه مش فاكر يا عمي.. ده جواز، وجواز بنتك كمان مش حد غريب، معقول يعني تكون مش فاكر إذا كنت أخدت رأيها ولا لأ؟
مدكور: أصل آخد رأيها في إيه أنا مش فاهم، أنت ابن عمها وأولى بيها من الغريب، وطول عمرنا وإحنا ده سَلُّنا في الصعيد، يعني أنا ما اخترعتلكمش حاجة جديدة.
مراد باعتراض خافت: بس على الأقل كان لازم تسألها عن رأيها.
مدكور: هو أنت ليه عاوز تعمل حكاية من مافيش؟ وإشمعنى دلوقتي عاوز تعرف بعد ما عدى سنتين بحالهم على الكلام ده، وبعدين يعني.. هي رهف كان ممكن تفكر إنها تعترض عليك بعد ما اتواعدتوا لبعض من وأنتم لسه عيال صغيرة؟
كان مراد يتردد في أذنيه صدى صوت رهف وهي تقول له بحزن: عمرك سألت نفسك يا ترى البنت اللي شايلة اسمك دي موافقة عليك ولا اتجوزتك بس لأن أبوها هو اللي عاوز كده؟
ليلاحظ مدكور انشغال فكر مراد وشروده عنه، فقال: بتفكر في إيه شاغلك للدرجة دي؟
لينتبه مراد ويقول: أبدًا يا عمي، ما فيش.
لينهض مدكور من مجلسه قائلًا: يبقى تطلع تنام، والصبح تكلم المحامي أول ما توصل مكتبك، وكلم مكتب الديكور اللي بنتعامل معاه في القاهرة وحدد معاهم معاد عشان يروحوا الفيلا هناك وشوف إن كنت عاوز تغير حاجة هناك.
ليحمحم مراد بصوته ويقول: حاضر يا عمي.. زي ما تحب، بس.. حضرتك هتفضل حابس رهف في أوضتها صحيح لحد ما تسافر بعد بكرة زي ما قلت لها؟
مدكور: مش عاوزها تشوف تالا ولا تحتك بيها.. مش عاوز مشاكل.
مراد: طب على الأقل تفهمها.
مدكور بتحذير: أوعى.. مش عاوز وجع دماغ دلوقتي، سيب كل حاجة لوقتها.
مراد برجاء: طب على الأقل طيب خاطرها بكلمتين، أكيد مش هتفضل طول الوقت ده وهي بالشكل ده، وبعدين ما هي تالا هتفضل هنا حتى بعد ما حضرتك تسافر القاهرة.
مدكور بتفكير: عندك حق، ماشي، بكرة الصبح…
مراد: الليلة دي.
مدكور باستغراب: أنت إيه حكايتك الليلة دي، وإيه الاهتمام المفاجئ بـ رهف ده.. من إمتى يعني؟
مراد ببعض الضيق: هدى أجلت إجازتها لمعاد مناقشة الدكتوراة بتاعة رهف، وأما أنا اعترضت لأني كده هتحرم منها فترة أطول، قالت لي إنها لو كانت شايفة اهتمام مني أو من حضرتك بـ رهف، كانت اطمنت إننا هنبقى جنبها في يوم زي ده، لكن عشان هي شايفة إن اهتمامنا كله بالشغل، فعارفة إنها هتبقى لوحدها.
وقتها فكرت في كلام هدى وحسيت إننا فعلاً مقصرين في حق رهف، وإن من حقها إنها تلاقي منا اهتمام أكتر من كده.
مدكور: وهي رهف اشتكت لك؟
مراد بتفكير: ما أعتقدش، لأن هدى لما قالت لي الكلام ده كان وسط كلامنا عادي، يعني ما كلمتنيش مخصوص عشان تقوله لي.
مدكور: عمومًا رهف مش صغيرة، وأكيد فاهمة ومقدرة كل الكلام ده.
مراد: ممكن تفهم وتقدر انشغالنا، لكن في حكاية جوازنا ده اللي حضرتك عاوزنا نسرعه من غير حتى ما تبلغها، نبقى كده بنهمشها وبنلغيها تمامًا.
لينهض مدكور وهو يقول: خلاص زي ما أنت عاوز، هعدي عليها قبل ما أروح أنام، لكن بقى لو لقيتها نامت أكيد مش هصحّيها مخصوص عشان أقول لها الكلام ده.
مراد بتفهم: تمام، تصبح على خير.
مدكور: وأنت مش هتطلع تنام؟
مراد: هراجع بس كام نقطة كده اتكلمنا فيها مع جاسر وهحصل حضرتك على طول.
في غرفة رهف…
بعد وصولها لغرفتها، ظلت لفترة غير قصيرة تبكي بمرارة بسبب قرار والدها بزواجه من تالا، وتبكي أيضًا قسوته عليها، لتنهض بعد فترة لتغيير ملابسها والاستعداد لقضاء صلاتها.
وبعد أن فرغت من أداء الصلاة.. كانت تجلس على سجادة صلاتها وهي تسبح الله وتشكو إليه حالها في ذات الوقت، ثم قامت إلى فراشها لتجلس عليه بعد أن جذبت صورة والدتها القابعة بجوار الفراش دائمًا، وقالت من بين دموعها: عمري ما اتصورت أبدًا إنه ممكن يعمل كده في يوم من الأيام، أنا عارفة إنه حقه وحلال، بس ليه تالا؟ دي تقريبًا سنها من سني، إزاي يسلم نفسه لإنسانة بالتفكير والعقلية دي، إزاي بيجيب لي مراة أب بعد السنين دي كلها، ومين.. تالا؟!
ثم أكملت بسخرية: أو تفكير وعقلية إيه بقى… ده على طول عاوزني أبقى زيها، دايمًا شايفها أحسن مني وسابقاني بخطوات كتير، ودايمًا شايف إني لا يمكن أقدر أعرف أعمل ربع اللي هي بتعمله.
لتنتبه من وسط حديثها مع نفسها على طرقات قصيرة على الباب، لتعلم على الفور صاحبها، وقبل أن تتمكن من أن تمسح دموعها، وجدت والدها يقف أمامها وهو يراقب يدها الممسكة بصورة زوجته الراحلة، ليغلق الباب ويتقدم إليها مرة أخرى، مادا يده ملتقطًا الصورة من بين يديها لينظر إليها لبضع لحظات في جمود، ثم يعيدها إلى مكانها مرة أخرى بجوار الفراش، ثم يجلس إلى جوار رهف قائلًا بجمود: ممكن أعرف الدموع دي لازمتها إيه؟
رهف بتردد: ااابدا يا بابا، أنا بس افتكرت ماما الله يرحمه.
مدكور بصدق رغم جموده: ومن إمتى حد نسيها.. الله يرحمه.
لتسود فترة من الصمت كادت رهف خلالها أن تموت قلقًا من محاولة تخمين سبب زيارة والدها لها بغرفتها، والتي لا تحدث إلا كل عدة سنوات ولسبب شديد القوة، أما مدكور فكان يحاول ترجمة بعض الكلمات برأسه لفتح الحوار معها، وهو يسب مراد مئة مرة على وضعه في هذا الموقف، ليسمع رهف وهي تقول في فضول متردد: هو في حاجة حضرتك نسيت تقولها لي تحت؟
مدكور: أيوه.. أنا كنت عاوزك تفهمي إن كل حاجة بعملها.. بعملها عشان مصلحتك، يمكن في حاجات كتير مش هتقدري تفهميها دلوقتي، لكن أكيد هييجي يوم وتفهمي كل حاجة.
المهم أنا عاوزك تنتبهي لحالك كويس الفترة اللي جاية دي، وتشوفي إيه اللي ناقصك وتبلغيني عشان أجيبهولك، وهسيب لك مبلغ كبير قبل ما أسافر عشان تجيبي كل اللي نفسك فيه، وأنا هخلي زينب تبقى معاكِ لحظة بلحظة.
وأنا موافق إنك تنزلي تقعدي في القاهرة بعد الجواز وتستقري هناك، ومراد هيكلم شركة الديكور تظبط الفيلا قبل ما ترجعوا من شهر العسل.
رهف باستغراب: شهر عسل؟
مدكور: طبعًا شهر عسل.. ده أنتِ بنت مدكور العزيزي، يعني أكبر فرح وأفخم شهر عسل، أنتِ مش قليلة.
بس برضه مش عاوزك تطلعي من أوضتك قبل ما أسافر.
رهف بحزن: اللي حضرتك تأمر بيه.
مدكور: اللي أؤمر بيه إن بعد سفري مش عاوز مشاكل مع تالا، لأن بغض النظر عن أي حاجة.. مش عاوزك تنسي إنها ضيفتي.
رهف بحزن: حضرتك عارف إني ما بعملش مشاكل مع حد.
مدكور: حاولي تتقبلي الوضع يا رهف، لأن جوازي من تالا أمر واقع ما منه رجوع، فخليه بمزاجك أحسن.
لتصمت رهف تمامًا ولا تغفل عن حديث والدها، الذي ينهض من مجلسه ويستدير إليها قائلًا قبل مغادرته إياها: وعشان تبقي عارفة.. أنا مش هعمل أي حاجة تخص الموضوع ده قبل ما أطمن عليكي..
تصبحين على خير، وأكيد هعدي عليكي وهشوفك قبل السفر.
ثم يوليها ظهره، تاركًا إياها وهي لا تستوعب كيف ستكون أيامها القادمة.
وفي الصباح، كان مدكور بصحبة مراد وتالا على مائدة الإفطار.
لتتلفت تالا حولها متصنعة الفضول لتسأل مدكور وهي تتصنع البراءة قائلة: أومال رهف فين.. هي لسه ما صحيتش ولا إيه؟
مدكور بعدم اهتمام: ما تشغليش بالك، هي النهاردة مش هتنزل من أوضتها.
تالا بشهقة خافتة: ليه مالها، أوعى تكون تعبانة ولا حاجة وما حدش قالي؟
مدكور: لا مش تعبانة.. بس متعاقبة.
تالا بخبث وهي تتنقل بعينيها ما بين مدكور ومراد: متعاقبة!! ويا ترى بقى مين فيكم اللي معاقبها؟
وعندما وجدت مراد يتجاهلها تمامًا ولم يبادلها نظراتها من الأساس.. عادت لعينيها مرة أخرى لمدكور الذي كان يتابعها بتسلية، وقال: أنا معاقبها يا تالا لأنها خبّت عني موضوع الأتيليه بتاعها.
تالا: يعني ولا أنت ولا مراد كنتم عارفين؟
مدكور وهو يكمل إفطاره: جوزها كان عارف، أي نعم كانوا عاوزين يعملوهالي مفاجأة.. لكن مش مبرر إني ما أعرفش طول المدة دي، أنا ما بحبش اللي يلف ويدور عليا، بحب الصراحة والوضوح في كل حاجة، واللي يتجرأ ويحاول يخبّي عليا حاجة أو يخدعني لازم يتعاقب.
تالا: أيوووة بس دي مهما إن كان تبقى……
مدكور بلا مبالاة: بنتي.. عارف، بس أنا ما عنديش خيار وفقوس، ورغم ذلك عشان بنتي اكتفيت بحبسها في أوضتها وحرمانها من كام حاجة كده هي عارفاها، ده بس عشان جوازها على الأبواب، لولا كده كان هيبقى لي معاها تصرف تاني.
أما بغرفة رهف، فكانت تجلس بصحبة أمينة وزينب والحزن يكسو ملامح وجهها، بينما كانت زينب تضرب كفًا بكف وهي تقول بغضب كامن: بقى السلعوة الصفرااا دي هتلبلنا هنا على طول وتبقى ست البيت، وطبعًا ما هتصدق وتبقى الكلمة كلمتها والشورة شورتها في كل كبيرة وصغيرة، لاااا.. يمين الله ما يحصل أبدًا وأنا موجودة.
أمينة: وهو انتي في إيدك إيه بس يا ماما عشان تعمليه؟
زينب بقلة حيلة: ما فيش في إيدي غير إني أمشي من هنا.
رهف بجزع: إيه.. أمشي ده إيه يا دادة، وتهوني عليّ تسيبيني في الوقت ده وأنا محتاجا لكِ أكتر من أي وقت تاني، عاوزة تسيبيني في أكتر وقت أنا محتاجالك فيه.
زينب وهي تربت على ظهر رهف بحنان ومواساة: ما تخافيش يا رهف يا حبيبتي، أنا أقصد أما تتجوزي وتنزلّي مصر مش هيبقى لي قعاد تاني هنا من غيرك أبدًا، أنا كنت قاعدة عشانك أنتِ، لكن خلاص مش هيبقى لي لازمة بعد ما تتجوزي وتمشي من هنا.
رهف برجاء: أيوه يا دادة.. بس أنا مش عاوزاكي تسيبيني أبدًا لا هنا ولا هناك، أنا عاوزاكي تيجي معايا القاهرة، ومكان ما أكون أنتِ تبقي معايا.
زينب باستنكار: آجي معاكِ! آجي معاكِ إزاي بس يا بنتي، طب وأمينة أسيبها لوحدها إزاي؟
رهف برجاء يصاحبه بكاء ونشيج: عشان خاطري يا دادة بالله عليكي أوعي تسيبيني، تعالي معايا وأمينة كمان تيجي معانا، ثم أنا كمان هحتاج أمينة معايا هناك عشان الفرع الجديد بتاع الأتيليه، أنا هتكلم مع بابا وهطلب منه إنكم تيجوا معايا.
أمينة: إزاي بس يا رهف، طب والمشغل هنا مين ياخد باله منه لو أنا وأنتِ نزلنا القاهرة؟
رهف: أنا هنقل كل حاجة هناك.
أمينة: وتقفلي بيوت الناس اللي نظمت حياتها على شغلها معاكي برضه؟
رهف ببكاء: طب أعمل إيه بس يا أمينة، مش كفاية اللي بابا بيعمله معايا ده كله وأنا خلاص هما كام شهر وهنناقش رسالة الدكتوراة بتاعتي.. تقوموا انتوا كمان عاوزين تسيبوني لوحدي؟
بابا عمال يحرك فيا زي عروسة الماريونيت اللي مربطها بشوية خيوط شابكها في صوابعه وما بيفكرش أبدًا إن كنت مبسوطة وموافقة ولا لأ.
لتحتضنها أمينة بتعاطف معها قائلة: طب بطّلي عياط بقى، عينك بقت عاملة زي كور الدم و خلينا نفكر بعقل شوية.
رهف: هنفكر في إيه بس؟
أمينة: عاوزاكي تنسي أي حاجة دلوقتي ما عدا إن فرحك فاضل عليه أقل من شهر، أنا وأنتِ وماما هنراجع كل الحاجة بتاعتك اللي باباكي كان بيجيبها لكِ، أو اللي ماما جابتهالك، ونشوف إيه اللي ناقص.
رهف: ماليش نفس لأي حاجة.
أمينة بتشجيع: ما فيش الكلام ده خالص، ثم لازم تفرحي وتنْبسطي، وكمان لازم نحتفل.
رهف بسخرية: نحتفل مرة واحدة.
أمينة بثقة: طبعًا، أنتِ ناسية إننا بعد كده مش هنخبّي حاجة، وإن أخيرًا عمي ومراد عرفوا كل حاجة عن الأتيليه.. بس تصدقي.. هولاكو طلع جدع ودافع عنك قدام باباكِ.
رهف: أيوه.. الحقيقة فاجئني بموقفه معايا.
زينب: وليه يعني، ده جوزك اللي لازم تتعلمي وتعرفي إنه سندك وضهرك.
رهف: مش عارفة يا دادة، أنا حاسة إني خايفة وتايهة.
أمينة بعزم وهي تجذبها لتقف على قدميها: لا… أنا عاوزاكي تفوقي كده وقومي ياللا معانا نروح نشوف الحاجة بتاعتك.. ياللا بينا.
في مجموعة العزيزي كان يوم عمل شاق للجميع، وما يكادوا أن ينتهوا من اجتماع ليبدأوا باجتماع جديد، حتى انتصف النهار ليتركهم مراد متجهًا إلى مكتبه لإصدار الأوامر المتفق عليها للمعنيين بالأمر، تاركًا مدكور وهو يراجع بعض المستندات بصحبة تالا، التي ما إن تركهم مراد بمفردهم إلا وقالت: هتروح لدادي بكرة تكلمه في موضوعنا يا مدكور.
مدكور ببعض المراوغة: هشوف ظروفي الأول عاملة إيه.
تالا وهي تدعي القلق: أنا قلت لدادي إنك هتروح له عشان تطلبني منه يا مدكور، عشان خاطري يا مدكور أوعى تكسفني مع دادي، أنت ما تعرفش أنا تعبت قد إيه على ما أقنعته.
كان مدكور ينظر إليها بابتسامة تسلية لم تفهمها، ولكنه عقب على حديثها قائلًا: ماتقلقيش يا تالا، مش هكسفك أبدًا قدام دادي، بس أنا ما أعرفش ظروفي بكرة بالذات هتبقى عاملة إزاي، ما حبكتش بكرة.. خليها بعد بكرة أكون على الأقل دبرت أموري، وكمان لازم تفهمي إني مش هاخد أي خطوة قبل جواز رهف.. مش عاوز آثر على نفسيتها في توقيت زي كده.
تالا باعتراض: يعني إيه الكلام ده، يعني حتى مش هنعلن خطوبتنا دلوقتي؟
مدكور بحزم: لأ.
تالا بادعاء الحزن: ليه كده، هو أنا غلطت للدرجة دي لما صارحتك بحبي ليك، للدرجة دي أنا تقيلة لأني فرضت روحي عليك؟
تالا: أهبل إيه بقى وأنت حتى مش عاوز تعمل لي خاطر في طلب زي ده؟
مدكور: اسمعي يا تالا، من دلوقتي لازم تعرفي إني ما بحبش الدلع وإنك كل شوية تعملي لي حكاية من غير حكاية.
تالا ببعض الرهبة والتردد: يعني إيه، تقصد إننا لما نتجوز مش هتدلعني وتحسسني بحبك لي؟
مدكور: كل شيء وله شيء يا تالا، بس أنا ما أحبش إنك تضغطي عليّ في حاجة، أنتِ عاوزاني أخطبك من سليمان لما أنزل القاهرة وأنا قلت لك حاضر، أروح بكرة بقى ولا بعده ولا حتى يوم رجوعي.. مالكيش إنك تتدخلي، أنتِ ليكي إن طلبك يتنفذ وبس، لكن الحيثيات التانية ماتدخليش نفسك فيها عشان تريحي وتستريحي.
تالا باستسلام: ماشي.. اللي تشوفه، ثم أكملت بخبث: طب ورهف؟
مدكور: ماله رهف؟
تالا: مش هتقولها حاجة خالص؟
مدكور: أنا بلغتها امبارح يا تالا، بس زي ما قلت لك ما فيش حاجة هتتم غير بعد جوازها هي ومراد.
تالا: طب هي لما عرفت اتضايقت ولا اتقبلت الموضوع؟
مدكور بفضول: هي تفرق معاكِ؟
تالا: أكيد هيبقى أفضل لو اتجوزنا من غير ما تبقى متضايقة من وجودي.
مدكور: طبيعي إنها مش هتبقى مبسوطة خصوصًا إنها عمرها ما اتخيلت إني ممكن أتزوج بعد والدتها الله يرحمه.
تالا بمكر: عمومًا يا حبيبي أنا مش عاوزاك تقلق على رهف نهائي، أنا هعرف إزاي أخليها تتقبل الحكاية دي.. ماتشيلش هم أبدًا.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل السادس 6 - بقلم ميمي عوالي
كانت رهف تقف بشرفة غرفتها تراقب أباها وهو في طريقه إلى سيارته التي استقلها وغادر بها متجهاً إلى القاهرة، بعد أن رفع عينيه اتجاه شرفتها وألقى إليها بنظرة لثوانٍ معدودة لم تفهم معناها.
ظلت بوقفتها تراقب تالا التي كانت بصحبة أبيها حتى باب السيارة وأخذت تلوح له بدلال حتى غاب عن الأعين، ثم استدارت عائدة إلى الداخل مرة أخرى.
تنهدت رهف وابتعدت هي الأخرى عن الشرفة لتجلس شاردة في نظرة أبيها التي شغلت تفكيرها، والتي تفسر على أنها نظرة دعم، ولكنها ظلت تكذب ظنها، فلم يسبق أن نظر لها أبوها بتلك النظرة من قبل، فلم الآن وهي حبيسة جدران غرفتها وكأنها تعاقب على العصيان بحبس انفرادي.
لتجذبها بعض الطرقات على باب غرفتها من تفكيرها، لتلتفت على زينب وهي تقول:
"إيه يا بنتي مانزلتيش ليه لحد دلوقتي؟"
رهف بتنهيدة صغيرة:
"ماليش مزاج يا دادة."
زينب باستنكار:
"مالكيش مزاج ده إيه، ده ماسموش كلام، وبعدين مش باباكي موصيكي قبل ما يمشي إنك تبقي دايماً مكانه."
رهف بامتعاض:
"مانا بصراحة مش فاهمة."
زينب:
"وإيه بقى اللي انتي مش فاهماه؟"
رهف:
"لا فهمت كلامه ولا حتى فهمت بصته ليا قبل ما يمشي يا دادة، منين منعني من إني أخرج من أوضتي من ساعة اللي حصل أول امبارح، ومنين جاي النهاردة يقول لي إنه عاوزني مكانه."
زينب:
"يا عبيطة، وليه ماتقوليش إنه عاوزك تفهمي تالا بالمحسوس كده إنها حتى لما تتجوزه، فإنتي اللي هتفضلي هنا ست البيت والرأي رأيك والشورة شورتك."
رهف:
"وليه ما يكونش عاوزني أصاحبها وأتقرب منها زيه؟"
زينب بتفكير:
"والله يا بنتي برضه جايز، بس سواء ده أو ده، لازم تنزلي من أوضتك، ماينفعش تسيبها لوحدها كده مع مراد."
رهف بتردد:
"وهو مراد مش نازل الشغل النهاردة؟"
زينب:
"اللي فهمته إنه هيشتغل في أوضة المكتب لحد بعد الضهر، وبعد كده هيخرجوا سوا عشان عندهم اجتماع مهم، وعشان كده مراد طلب مني أجلك وأقول لك تنزلي تقعدي معاهم."
رهف باستغراب:
"مراد اللي طلب منك ده؟"
زينب بتأكيد:
"أيوه، ده حتى مقعد أمينة معاهم تحت على ما إنتي تنزلي، الظاهر كده مش عاوز يقعد مع اللي ماتتسمى دي لوحده."
وعندما صمتت رهف، ووجدتها زينب لا تبادر بأي رد فعل، قالت لها بانفعال:
"هو إنتي هتفضلي قاعدة مسهمة كده كتير، ياللا قومي."
رهف بامتعاض:
"مانا عندي مذاكرة، إيه اللي هيقعدني وسطهم أنا مش فاهمة."
زينب:
"وماله، انزلي وشوفي جوزك عاوزك في إيه واسمعيله، ولو لقيتيه عاوزك بس عشان تبقي معاهم.. خدي حاجتك وانزلي ذاكري تحت وسطهم، مافيهاش حاجة."
لتنهض رهف على مضض لتتجه إلى الأسفل، وما إن دلفت إلى حجرة المكتب حتى وجدت مراد يجلس إلى مكتب عمه وهو يتابع طابعة الأوراق ويقوم بالتقاط المطبوعات وتنظيمها، وتالا تجلس وهي تتابع مستنداً ما بيدها، أما أمينة فكانت تجلس بالقرب منهما وهي تتحدث في الهاتف إلى شخص ما قائلة بعد أن أشارت لرهف بيدها كإشارة على ألا تتحدث:
"أنا مقدرش أبت في الكلام ده قبل ما أعرض الأمر على رهف هانم، وبعد كده أكيد هرد على حضرتك.. مع السلامة."
وبعد أن أغلقت المكالمة، قامت من مجلسها وجذبت رهف إلى أحضانها بسعادة قائلة ببهجة:
"ألف مبروك يا رهف.. مبروك يا حبيبتي."
رهف بدهشة:
"طب مش تفهميني بس الأول إيه الحكاية؟"
أمينة بفرحة:
"في بيت أزياء تركي عاوز يعمل لنا خط إنتاج عندهم."
تالا بانبهار:
"وااااو.. تركيا مرة واحدة، دي خطوة ونقلة كبيرة فعلاً يا رهف.. مبروك."
لتنظر رهف إلى مراد الذي توقف عن متابعة الطابعة ونظر إليها نظرة مطولة، ظنت لوهلة أن بها نظرة فخر، ولكن سرعان ما انتبهت مرة أخرى على صوت تالا وهي تقول بمرح:
"ده يا ترى بقى وشي عليكي ولا وش مراد عشان حددتوا معاد جوازكم؟"
لتلتفت مرة أخرى لمراد حين قال وهو ينهض من مجلسه:
"مش مهم وش مين، المهم إننا لازم نحتفل بنجاحها ده.. ألف مبروك يا رهف."
رهف:
"الله يبارك فيكم."
ثم التفتت لأمينة وقالت بامتنان:
"الحقيقة أمينة هي اللي تستحق التهنئة دي، لأني من غيرها ما كنتش قدرت أحقق حاجة من اللي وصلتله ده."
تالا بنبرة لا تخلو من سخرية تحاول إخفائها:
"آه طبعاً، مانتو متربيين سوا، بس ياترى بقى هنحتفل بيها إزاي يا مراد، إحنا كمان لازم نكلم مدكور ونبلغه، أكيد هيبقى فخور بيها جدا."
كانت تلك المرة الأولى التي تذكر فيها اسم مدكور دون ألقاب أمام رهف ومراد، اللذان نظرا إليها بدهشة، فهمتها تالا على الفور لتقول وهي تتصنع المرح:
"ماهو يعني أكيد مش هفضل أقول مدكور بيه واحنا خلاص هنتخطب ونتجوز إحنا كمان."
ثم اقتربت من رهف وقالت بود مزيف:
"رهف.. أنا عارفة إن الحكاية مش بسيطة بالنسبة لك عشان خاطر مامتك الله يرحمها، بس ياريت تفكري في باباكِ كمان.. باباكِ محتاج حد جنبه يحبه ويونسه، وخصوصاً إنك إنتي كمان هتنشغلي بجوازك، ومدكور لو لف الدنيا كلها مش هيلاقي حد يحبه زيي، فعاوزاكي تاخدي الأمور ببساطة أكتر من كده."
ثم أكملت بمكر:
"أنا لولا إني بحب مدكور ومتعلقة بيه من زمان، كان زماني سمعت كلام دادي اللي كان عاوز يجوزني لمراد اللي طول معرفتي بيه وأنا بعتبره أخويا مش أكتر."
لتذهب رهف بعينيها إلى مراد الذي ترتسم علامات الانزعاج على وجهه، ولكنها عادت بعينيها لتالا وقالت:
"شايفاكي بتتكلمي كأن رغبة باباكِ متبادلة بينه وبين مراد."
لتجلس تالا مرة مكانها أخرى وهي تقول:
"جواز الأعمال يا رهف مافيهوش الكلام ده، الكلام ده بيبقى مصالح مشتركة مش أكتر، دادي طول عمره قلقان عليا وعشان كده عاوز يتطمن عليا مع حد يكون ثقة ومحترم ومن مستوانا أو قريب مننا على الأقل، وعشان كده اختار مراد، حتى أما اعترضت بعد كتب كتابك إنتي ومراد قالي إن مدكور مش هيماانع أبداً لا هو ولا مراد إنهم يكرروا اللي حصل تاني معايا لأن المصلحة متبادلة."
"لكن الحقيقة إنتي كنتي صعبانة عليا، ليه يبقى ليكي ضرة وإنتي في السن ده، وكمان كنت حبيت مدكور واتعلقت بيه، يبقى ليه أتزوج مراد في الوقت اللي أنا فيه بحب عمه."
ليقول مراد وهو يلتقط بعض الأوراق من أمامه ويناولها لتالا:
"يمكن كلامك فيه جزء من الحقيقة يا تالا، لكن مش الحقيقة كله."
تالا:
"وإيه بقى باقي الحقيقة يا ترى؟"
مراد:
"أولاً جوازي أنا ورهف ماهواش جواز مصلحة."
تالا بمرح:
"إنت عاوز تفهمني إنه جواز حب، ما أعتقدش إنك تعرف تحب يا مراد."
مراد بعدم اهتمام:
"أعتقد إن اللي يهمك تعرفيه إن جوازنا مش جواز مصلحة."
تالا:
"طب وثانياً؟"
ليقترب مراد من رهف حتى أصبح بجوارها وقال:
"ثانياً.. مهما كانت المصالح المتبادلة بين مجموعتنا ومجموعتكم، لا أنا ولا عمي كنا هنوافق أبداً إن رهف يبقى لها ضرة بإرادتنا مهما كانت هي مين."
تالا:
"رغم إني فهمت من دادي إن الموضوع أما اتفتح مع مدكور مالاقاش في أي ممانعة من حد فيكم."
مراد وهو يرفع كتفيه ببعض الاستياء:
"عن نفسي.. الصراحة فضلت إني أسيب عمي هو اللي يرد على سليمان بيه ويتعامل معاه، لكن ماجاش في بالي أبداً إن والدك ممكن ياخد سكوتي ده على إنه موافقة على كلامه."
تالا باحراج:
"عموماً.. أنا كده كده برضه كنت رافضة الموضوع، لأني من البداية ماشفتش حد مناسب بالنسبة لي غير مدكور."
كانت رهف تريد أن تنهي الحوار القائم بأي شكل من الأشكال، فالتفتت لمراد وقالت:
"دادة زينب قالت لي إنك عاوزني."
مراد:
"فعلاً."
ثم قام بالتقاط بعض الألبومات الضخمة من على المكتب وناولها إياهم قائلاً:
"كنت عاوزك تبصي على الكتالوجات دي وتختاري منها اللي يعجبك."
رهف بفضول:
"كتالوجات إيه دي؟"
مراد:
"دي كتالوجات بعتهالنا مكتب الديكور اللي هيوضب لنا الفيلا في القاهرة."
تالا:
"طب مش المفروض تقعدوا تختاروها سوا؟"
مراد موجهاً حديثه لرهف:
"أنا بس عاوزك تتفرجي براحتك وعلمي على الحاجات اللي عجبتك وبعدين نبقى نصفيهم مع بعض."
أمينة بتشجيع لرهف:
"فكرة حلوة يا رهف وما تقلقيش أنا معاكي."
تالا:
"وأنا كمان معاكي أكيد مش هسيبك لوحدك، وكمان آخد فكرة يمكن ألاقي حاجة تعجبني أغير بيها الديكور هنا."
لتنظر إليها رهف قائلة بجدية:
"ما أنصحكيش تحاولي تعملي حاجة زي كده.. بابا بيعتز بكل قطعة أثاث في البيت ده، لدرجة إن فيه حاجات هنا موجودة من أيام جدي الله يرحمه."
تالا بعدم اهتمام:
"نبقى نشوف الموضوع ده بعد كده، المهم دلوقتي الاحتفال اللي مراد قال عليه.. ها هنحتفل إزاي؟"
مراد لرهف:
"تحبي نتعشى بره؟"
رهف:
"لا خلينا هنا أحسن."
تالا بامتعاض:
"احتفال إيه ده اللي في البيت؟"
رهف:
"عشان أكيد دادة مش هترضى تيجي معانا وأنا مش هعرف أحتفل من غيرها."
مراد وهو ينظر لأمينة بخبث:
"خلاص نتعشى هنا وبالمرة أعزم أنور أحسن بقاله فترة وهو نفسه يشوف دادة زينب أوي، وطبعاً إنتي كمان معزومة يا أمينة."
رهف:
"أمينة مش محتاجة عزومة دي صاحبة بيت."
مراد:
"طب تحبي إمتى؟"
رهف:
"خلوها يوم رجوع بابا من السفر."
...
وفي اليوم التالي بالقاهرة، كان الموعد المرتقب بين سليمان ومدكور الذي كان مدعواً على العشاء بمنزل سليمان.
كانا يجلسان سوياً لتناول القهوة بعد تناول العشاء، ليقول سليمان:
"تالا كلمتني وبتشكر في شركة التنفيذ اللي اتعاقدتوا معاه."
مدكور:
"دي مش أول مرة نتعامل مع جاسر، إحنا بقالنا سنين بنشتغل سوا."
سليمان:
"طول عمرك بتعرف تختار الناس اللي بتتعامل معاهم يا مدكور."
مدكور:
"طبعاً تالا فاتحتك في الموضوع اللي عاوز أكلمك فيه."
سليمان ضاحكاً:
"طول عمرك مابتحبش تضيع وقت وبتدخل في الجد على طول، طب يا أخويا اديني فرصة أعمل فيها حمى."
مدكور بسخرية:
"الكلام ده للعيال الصغيرين مش لينا يا سليمان."
سليمان:
"الحقيقة أنا لولا إني عمري ما رفضت طلب لتالا قبل كده ما كنتش اتصورت أبداً إن ده ممكن يحصل في يوم من الأيام."
مدكور:
"ولا أنا."
سليمان:
"مش فاهم."
مدكور:
"طبعاً إنت عارف إن تالا هي اللي طلبت مني الجواز وإن هي اللي صارحتني بحبها ليا."
سليمان:
"تقصد إيه من ورا كلامك ده؟"
مدكور:
"أقصد إنك تبقى فاهم إني عمري ما فكرت أبداً في الحكاية دي، ولا في الجواز من أصله، يعني ما تجيش في أي وقت تقولي إنت شغلت بنتي ولا ضحكت عليها."
سليمان بمرح متعمد أن يتخطى به حديث مدكور:
"مين بقى اللي يشاغل ويتشاغل، هو في حد قدك يا عم مدكور، هتجوز بنتك وتتجوز إنت كمان وتجدد شبابك.. مين قدك يا عم."
مدكور باعتداد:
"والله اللي غيران منا يعمل زيه."
سليمان بخبث:
"أعمل زيك إزاي بقى، طب لو حتى أنا موافق وتمام.. ألاقي فين بنت حلوة وصغيرة كده تحبني وترجعلي شبابي من تاني، طب يا ريت ألاقيها وأنا كنت أكتب لها نص ثروتي على الأقل."
ليبتسم مدكور دون تعليق ثم ينهض قائلاً:
"أنا همشي بقى كفاية كده."
سليمان باستنكار:
"تمشي ده إيه، مش لما نتكلم في التفاصيل ولا حتى نقرا الفاتحة."
مدكور:
"تفاصيل إيه اللي نتكلم فيها يا سليمان.. عيب عليك، هو أنا عيل صغير لسه هخش دنيا."
سليمان:
"أيوه.. بس برضه الأصول أصول."
مدكور:
"الأصول هتتعمل.. شبكة ومهر ومؤخر يليقوا بيا وبك، لكن مافيش حاجة هتتم غير بعد جواز رهف ومراد."
سليمان:
"وليه ما يبقاش الفرح فرحين."
مدكور باستنكار:
"فرح إيه ده اللي بتتكلم عنه.. إنت عاوزني أعمل فرح وأنا في العمر ده."
سليمان:
"أومال ناوي تتجوز بنتي من غير فرح."
مدكور:
"لا طبعاً مافيش أفراح، إحنا كل اللي هنعمله إننا هنعمل حفلة بعد الجواز نعزم فيها الناس عشان تباركلنا، لكن فرح وزفة والكلام ده لا يمكن يحصل أبداً."
سليمان باعتراض:
"أيوه بس تالا ماتجوزتش قبل كده، ومن حقها تفرح ويتعمل لها أكبر فرح في البلد، دي بنت سليمان الأنصاري مش شوية أبداً ومينفعش تتجوز بالطريقة دي."
مدكور بعدم اهتمام:
"ياريت تسيبلي أنا وتالا الحكاية دي وإحنا هنعمل اللي يريحنا ويناسبنا، وأعتقد إن تالا هتتفهم موقفي."
...
وفي اليوم التالي، كانت تالا بغرفتها تتحدث مع سليمان على الهاتف، وكان يبدو عليه الانفعال، فقال بحدة:
"أنا مش فاهم إنتي إزاي توافقيه على الحكاية دي."
تالا بمهادنة:
"كبر دماغك يا دادي، أنا الموضوع ده مش شاغلني من أساسه."
مدكور بحدة:
"مش شاغلك إنك تتجوزي سكيتي من غير لا فرح ولا معازيم، ده إنتي أما بتروحي تتعشي مع أصحابك الميديا كلها بتعرف، تقومى أما تتجوزي بجد.. تتجوزي من غير فرح."
تالا:
"أنا كمان مش عاجبني إن يوم ما أتجوز بجد وأعمل فرح يبقى فرحي على مدكور."
سليمان:
"أومال هتتجوزي مدكور وتعملي الفرح بعريس غيره."
تالا بتأفف:
"لأ طبعاً، بس ماحبش إني لما أتزف أتزف للعجوز ده."
سليمان بذهول:
"وإيه أنا اللي غصبتك على جوازك منه ولا إنتي اللي فكرتي ودبرتي."
تالا:
"أنا قررت أنفذلك اللي نفسك فيه، بس مش معنى كده أبداً إنها هتبقى جوازة العمر."
سليمان باستغراب:
"إنتي تقصدي إيه."
تالا بتوضيح:
"أقصد إني في مهمة محددة."
سليمان:
"إنتي هتجننيني.. مهمة إيه دي اللي بتتكلمي عنها."
تالا بغرور:
"زي المهمات اللي قبل كده يا دادي، إني أضمن لك مجموعة العزيزي لمجموعة الأنصاري، لكن أول ما ده يحصل… لازم تعتبري إن كل شيء بعد كده هيبقى لاغي."
سليمان:
"إنتي كده هتقلقيني عليكي، أو إوعي تستهوني بمدكور، مدكور ده تعلب ومش سهل أبداً زي اللي اتعاملتي معاهم قبل كده، وبرضه مش سهل أبداً إنك تقدري توصلي للي في دماغه."
تالا بخبث:
"ماتقلقش عليا يا دادي، إن كان هو تعلب، فالتعلب رغم مكره تلاقيه يفعد يمكر ويتحايل عشان يخطف فرخة ولا كتكوت، لكن أنا بقى تمساح.. ومتهيألي إنت عارف التمساح ممكن يعمل إيه كويس."
سليمان:
"طول عمري فخور بيكي وبتفكيرك وثقتك في نفسك، لكن أو إوعي ثقتك في نفسك تنسيكِ مين خصمك المرة دي."
تالا بمرح:
"وهي يعني أول مرة يا دادي."
سليمان بجدية:
"أول مرة اللعب يبقى مع دماغ زي مدكور يا بيبي، وعشان كده عاوزك تاخدي بالك أوي من كل خطوة تخطيها وبكررهالك تاني.. مدكور مش سهل.. مش سهل أبداً."
...
لتمر عدة أيام قبل موعد عودة مدكور إلى قصره بالصعيد مرة أخرى، وكان موعد عودته متزامناً مع موعد الاحتفال الذي قرر مراد إقامته احتفالاً بخط إنتاج رهف الجديد بتركيا.
وكان مدكور يجلس في بهو قصره وهو يستمع إلى مراد وتالا وهما يقصان عليه آخر تطورات المشروع، وما إن فرغا من حديثهما قال مدكور موجهاً حديثه لمراد:
"أنا عاوزك بعد أسبوع من دلوقتي تسلم كل حاجة لأنور وتتفرغ تماماً لفرحك إنت ورهف."
مراد:
"مش للدرجة دي يا عمي.. أنا ممكن..."
مدكور مقاطعاً إياه:
"اللي أقوله يتنفذ، وبعدين إنت أكيد هتحتاج إنك تنزل القاهرة تتابع الشغل في الفيلا."
مراد:
"أنا ورهف اخترنا شوية حاجات وبعتنهالهم يشتغلوا عليه."
مدكور:
"أيوه شفتها لما عديت عليهم قبل ما أجي."
رهف:
"إنتوا قررتوا تعملوا الفرح هنا ولا في القاهرة؟"
مدكور بحزم:
"هنا طبعاً، كل عائلات الصعيد هيبقوا معزومين، ماينفعش أروح أعمل الفرح هناك، وكمان لازم رهف تخرج من بيتها اللي اتربت فيه طول عمرها."
تالا لمراد:
"وقررتوا تعملوا شهر العسل فين يا مراد؟"
مراد:
"في تركيا."
ووسط حديثهم يتفاجئون جميعاً بـ رهف وهي تهبط الدرج بسرعة ومرح شديدين وهي تقول بسعادة طاغية:
"هدى جاية بكرة هي وتميمة."
لينهض مراد قائلاً بذهول:
"هي اللي قالتلكي؟"
رهف:
"أيوه.. لسه قافلة معاها، وقالتلي إنها كانت عاوزة تعملهالنا مفاجأة بس ما عرفتش تخبي عليا.. هتوصل على طيارة الضهر."
مدكور بحب:
"يوصلوا بالسلامة إن شاء الله، طب وأحمد جاي معاهم ولا إيه؟"
رهف وهي تتقافز من السعادة:
"قالتلي هيحصلهم قبل الفرح بيوم أو اتنين عشان يقدر ياخد إجازة تاني وقت مناقشة الرسالة بتاعتي والأحلى بقى إنها ناوية تفضل في مصر لحد ما نرجع من شهر العسل ويمكن كمان ماتسافرش غير بعد مناقشة رسالة الدكتوراة."
مراد بسعادة:
"إيه الأخبار الحلوة دي."
مدكور:
"والله وحشتني القردة دي ووحشتني الكتكوتة الصغيرة."
كانت تالا تجلس دون أن تستوعب تفاصيل ما يحدث، فهي تعلم أن هدى تلك هي شقيقة مراد المقيمة بالخارج، ولكنها لا تعلم سر الفرحة الطاغية التي تملكت الجميع، فقالت بفضول:
"واضح إنها بقالها فترة مانزلتش إجازة."
مراد:
"كانت مؤجلة إجازتها لميعاد مناقشة الرسالة بتاعة رهف."
مدكور بمرح:
"بس فرحكم أهو جه بفائدة وخلاها تيجي غصب عنه."
رهف بسعادة:
"سيبكم من نزولها، الأهم إنها هتقضي معانا فترة حلوة قبل ما ترجع تاني."
تالا:
"طب مانتو هتسافروا شهر العسل ومش هتبقوا موجودين في مصر أصلًا."
رهف:
"ماهي هتفضل في مصر عشان تبقى مع بابا، وكمان تبقى مع أمينة لو احتاجت حاجة وأنا مش موجودة."
لتنظر تالا إلى مدكور لتجده يبتسم دون أن ينظر إليها، فتنهض قائلة:
"طب أنا هستأذنكم شوية.. هطلع أوضتي آخد شاور وأغير هدومي على ما العشا يجهز."
وبعد أن تغادرهم، يقول مدكور لرهف:
"اطلعي إنتي كمان اجهزي يا رهف على ما أنا ومراد نخلص شوية شغل مع بعض."
لتتركهم رهف هي الأخرى، في حين يتجه مدكور بصحبة مراد إلى غرفة المكتب، وما إن أغلق مراد الباب حتى جلس مدكور وهو ينظر إلى مراد:
"عملت إيه."
مراد:
"المحامي خلص كل الإجراءات والبيع اتسجل في الشهر العقاري بالتوكيلات اللي معايا."
مدكور:
"عظيم.. والسرايا."
مراد:
"باسم رهف زي ما أمرت هي وفيلا القاهرة."
مدكور وهو يدق بأصابعه على حافة مقعده:
"عظيم، كده الواحد يتحرك وهو متطمن."
مراد:
"وإنت قررت إيه."
مدكور:
"هنكتب الكتاب بعد فرحكم بكام يوم ونسافر نقضي يومين في أي مكان ولما نرجع تكونوا إنتوا كمان رجعتوا من شهر العسل ونعمل حفلة نعزم الناس تبارك لنا كلنا."
مراد بقلق بالغ:
"مش ده اللي أنا عاوز أعرفه يا عمي."
مدكور:
"ماتسبقش الأحداث يا مراد.. أهم حاجة.. عاوزك تشيل العقود دي في خزنة البنك، ماتشيلهاش هنا."
مراد:
"أنا كنت هعمل كده، بس قلت أسيبها لحد ما حضرتك تراجعها الأول."
مدكور:
"مش إنت والمحامي راجعتوها كويس قبل ما توثقوها."
مراد:
"أيوه."
مدكور:
"خلاص.. بكرة الصبح إن شاء الله تحطها في البنك قبل ما تروح تجيب هدى من المطار."
مراد:
"حاضر يا عمي أمر."
وبعد مضي بعض الوقت، كان الجميع يلتفون حول مائدة الطعام بما فيهم زينب وأمينة وبصحبتهم أنور، وهو ما جعل تالا تجلس معهم على مضض.
مدكور:
"مبروك يا رهف.. أنا ما كنتش أعرف إنك شاطرة كده للدرجة دي."
أمينة:
"حضرتك ماتعرفش قد إيه الشغل بتاعنا بينطلب بالاسم دلوقتي، رهف قدرت تخلي للبس المحجبات طابع مميز ورقي وذوق وجودة.. حاجة كده تخلينا فعلاً كلنا لازم نفتخر بيها، أنا متأكدة إن هييجي وقت والأتيليه ده يبقى دار أزياء ضخمة زي اللي بنتفرج عليهم كده في التليفزيون."
مدكور:
"والله بقى هي وجوزها حرين مع بعض في الحكاية دي."
لتنظر رهف اتجاه مراد الذي قال بمرح لا تراه منه إلا في وجود شقيقته:
"أعتقد إن الحكاية ممكن يبقى ليها توابع يا عمي، هدى شكل الحكاية عاجباها وبتقولي إنها عاوزة تشتغل مع رهف وقالتلي كمان إن أحمد موافقها وبيشجعها."
أنور:
"المجال ده مربح جداً لما بتعرف مداخله ومخارجه كويس.. هي مرهقة فعلاً في البداية، بس طالما الاسم اتعرف بيبقى بعد كده المجهود كله مركز في إنك تحافظ على المكانة اللي وصلت له."
مراد:
"نفس الكلام اللي هدى قالته لي، وقالت لي إن عندها خطط كتير هتناقشها مع رهف وأمينة لما تيجي بالسلامة."
تالا بضجر:
"وهي أمينة هتفضل على طول تساعدك يا رهف."
رهف:
"أمينة مابتساعدنيش يا تالا، أمينة شريكتي، لولاها ما كنتش أبداً وصلت للي وصلت له."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل السابع 7 - بقلم ميمي عوالي
كانت تالا يبدو عليها الامتعاض الشديد حين قالت:
و يا ترى أمينة تبقى شريكتك إزاي بقى؟
رهف، وهي تنظر إلى أمينة بحب، قالت:
إحنا شركا بالنص، أنا بالتصميم وهي بالإدارة والتنفيذ.
تالا:
أيوه.. بس المفروض رأس المال بالكامل…
ليقاطعها مراد قائلاً:
أعتقد إن مافيش مجال لمناقشة الكلام ده دلوقتي، الوضع ده قائم من أربع سنين فاتوا، وفعلاً أمينة نجحت إنها تروح بالأتيليه لحتة تانية خالص.
مدكور موجهاً حديثه لرهف وأمينة:
المهم إنكم تقدروا تحافظوا على اللي وصلتوا له.
رهف بابتسامة:
إن شاء الله يا بابا.
مدكور:
وأنا كلمت الناس بتوعنا في تركيا يتابعوا معاكي العقد بتاعك اللي هتمضيه هناك.
رهف بسعادة:
بجد يا بابا؟
مدكور:
أيوه، ما تقلقيش. دول ناس يبقوا شراكات جاسر، كان عرفني عليهم من فترة واتعاملنا مع بعض أكتر من مرة.. مصريين برضه بس عايشين هناك من سنين، هيساعدوكم كتير إنكم تفهموا الدنيا ماشية إزاي ولو العقود اللي هتمضوها هتبقى محتاجة ترجمة هم هيتصرفوا.
رهف بامتنان:
أنا متشكرة جداً لحضرتكم.
بعد العشاء، التف الجميع حول كعكة الاحتفال وهم يعيدوا التهنئة لرهف مرة أخرى، وأثناء تناولهم للحلوى قال أنور موجهاً حديثه لزينب:
بقول لك إيه يا خالتي زينب.
زينب:
اتفضل يا ابني.. خيراً.
أنور، وهو ينظر لأمينة بتحدي، قال:
والدتي كانت عايزة تيجي لك البيت تتعرف عليكي.
زينب بطيبة:
يا خبر يا ابني وبتستأذن، أهلاً وسهلاً بيها، تنور وقت ما تحب، بلغني بالمعاد اللي يناسبها وأنا هكون في استقبالها.
أنور لرهف:
معلش بقى يا آنسة رهف.. هطمع بس إنك تسيبلي خالتي بعد بكرة بالليل على ما الزيارة دي تتم على خير.
رهف بابتسامة خبث وهي تنظر لأمينة:
الحقيقة يا أستاذ أنور أنا مابقدرش أبداً أستغنى عن دادة زينب لحظة واحدة، لكن لو الموضوع مستعجل أوي كده فزي بعضه.. أنا موافقة.
مراد:
وهو يعني لازم في بيتها هناك يا أنور، ما هنا وهناك واحد.
أنور وهو ينظر لأمينة بحب:
معلش يا مراد، لكل مقام مقال زي ما بيقولوا.
مدكور وقد استوعب ما وراء الحديث:
أنور بيتكلم بالأصول يا مراد، هو صحيح هنا بيتها وهناك بيتها، بس الأصول أصول.
ليرتسم الخجل على معالم أمينة وهي تحاول الادعاء بأن الحديث لا يخصها من قريب أو بعيد وسط نظرات التسلية المرحة من رهف وأنور لها.
لتقول تالا:
أنا مش فاهمة حاجة.
لينهض مدكور من مجلسه قائلاً:
بكرة هتفهمي كل حاجة، ودلوقتي تعالي معايا هنقعد في الجنينة عشان كنت محتاج أشرحلك شوية حاجات.
وعندما جلسا بالخارج قالت تالا بدلال:
من ساعة ما وصلت بالسلامة وأنا نفسي أقول لك وحشتني ومش عارفة.
مدكور بابتسامة:
طب ما إنتي قلتي أهو.
تالا بامتعاض مقرون بالدلال:
تؤ.. أول ما شفتك كنت هقولهالك بلهفة أكتر من كده بكتير، وأكيد كنت هتحسها أكتر من دلوقتي بعد ما قعدنا واتكلمنا وكلنا.. يعني قضينا وقت طويل مع بعض قبل ما أقولها أو تسمعها، فاللهفة أكيد بردت.
مدكور بعبث:
ياترى هتفضلي تقوليلي كلام حلو كده برضه بعد الجواز، ولا هيبقى خلاص المولد انفض وكل واحد وصل للي هو عاوزه؟
تالا بلجلجة وتردد:
تقصد إيه بكلامك ده؟
مدكور ضاحكاً بصخب وبادعاء المرح:
أقصد إنك هتبقي حطيتيني في جيبك وضمنتيني واللي كان كان وخلص.
لتتبسم تالا وتقول:
أوعدك إنك هتشوف مني حاجات عمرك ما تخيلت إنك تشوفها.
مدكور:
وأنا كمان.. أوعدك إني هعيشك عيشة عمرك ما كنتي تتوقعيها ولا في أحلامك.
تالا وهي تنظر إليه من أسفل أهدابها:
قوليلي بقى، عملت إيه مع دادا؟
مدكور بسخرية:
زي ما دادا حكالك بالظبط.
تالا بامتعاض:
بس أنا عايزة أسمع منك انت، بحب أسمعك وانت بتتكلم وخصوصاً لو كلامك ده عن مستقبلنا مع بعض أنا وانت.
مدكور بضحك:
بس كده يبقى هنفضل نعيد ونزيد كتير أوي في كلام مالهوش أي لازمة، وعمرنا كمان ما هنتكلم في المفيد.
تالا:
طب وإيه بقى هو المفيد ده؟
ليعتدل مدكور في جلسته وينحني بجذعه مقترباً منها قائلاً بجدية شديدة:
اسمعي يا تالا.. أنا يمكن من ساعة أم رهف الله يرحمها ما ماتت وأنا عمري ما فكرت أبداً في موضوع الجواز ده نهائي، وكان كل هدفي وتفكيري إني أطمن على رهف وأولاد المرحوم أخويا، لأني ماليش غيرهم في الدنيا دي، ولا عندي أعز منهم أبداً ولا هيكون.. ودي أول حاجة لازم تحطيها حلقة في ودانك من واحنا لسه على البر.
تالا بقلق:
تقصد إيه بكلامك ده، تقصد إني مش هيبقى ليا عندك قيمة زيهم؟
مدكور:
أنا ما قلتش كده أبداً.. أنا بس عاوزك تفهمي إن رهف ومراد وهدى عندي في حتة تانية لا يمكن أبداً حد يقدر يهزها أو يحركها من مكانها مهما حصل.
تالا:
طب وأنا؟
مدكور:
إنتي هتبقي مراتي، يعني وضعك غير وضعهم، هم من دمي وطول عمرهم اللي راح واللي جاي اسمهم مقرون باسمي، لكن إنتي…
تالا بوجوم:
تقصد إنك في أي وقت ممكن تطلقني وتبعد عني وما أبقاش على اسمك.. مش كده؟
مدكور:
وليه بس يبقى فيه طلاق؟ إنتي ناوية تعملي مشاكل مع حد فيهم أو تعاديهم أو حتى تقارني نفسك بحد فيهم؟
تالا بدفاع:
لا طبعاً خالص، وأديك شايف علاقتي برهف وبمراد عاملة إزاي، وهدى أنا لسه ما أعرفهاش، ولا عمري حتى شفتها.
مدكور:
خلاص.. تبقى قلقانة ليه، طالما كل واحد هيبقى فاهم حدوده فين يبقى ماحدش أبداً ممكن يزعل من التاني.
تالا باستسلام:
ماشي يا حبيبي.. ها.. فيه حاجة تانية عاوز تقولهالي؟
مدكور:
أيوه.
تالا:
ياترى إيه؟
مدكور:
لازم تفهمي إني راجل غيور بطبعي ونشأتي، وطبعاً لازم دايماً تفتكري إني راجل صعيدي أباً عن جد.
تالا بابتسامة دلال:
وأنا هبقى أكتر من سعيدة بغيرتك دي.
مدكور:
يبقى لازم تاخدي حذرك وانتي بتتعاملي مع الكل، وفي كل الأوقات، ومش عاوزك أبداً تشيلي الكلفة بينك وبين أي مخلوق مهما إن كان هو مين.
تالا وقد بدا عليها التأفف:
ها.. وإيه كمان؟
مدكور:
لبسك.
تالا بامتعاض:
و ماله بقى لبسي كمان، طول عمري لبسي كان بيعجبك، إيه اللي اتغير؟
مدكور:
كان بيعجبني صحيح، بس على أساس إنك بنت سليمان الأنصاري، لكن أما تبقي حرم مدكور العزيزي فالوضع مختلف، إنتي هتبقي شايلة اسمي أنا مش اسم أبوكي.. فلازم تكوني جديرة بده.
تالا باعتراض:
وهو اللبس هو اللي هيخليني جديرة أو مش جديرة، المفروض إني جديرة بقيمتي عندك مش بمظهري.
مدكور بجدية شديدة وهو يضغط على كل حروف من حروف كلماته:
المظهر مهم جداً، وأنا ما ينفعش مراتي تبقى سلعة مكشوفة لكل عين هنا أو هناك.. أنا عمري ما كنت ولا هكون راجل ديوث.
تالا باستغراب:
ديوث؟
مدكور:
مانتيش عارفة معناها ولا معترضة على استخدامي ليه؟
تالا:
لا.. ما أعرفش معناها.
مدكور بتوضيح:
الديوث ده هو الراجل اللي ماعندوش غيرة على حرمة أهل بيته.. مراته بقى.. بنته.. أخته، حتى أمه، اللي يسيب لحمهم لكل من هب ودب يتفرج ويجرب.. ده يبقى راجل ديوث يا تالا وأنا مش كده أبداً، وعشان كده حبيت إني أحطلك النقط على الحروف عشان تبقى كل حاجة واضحة وعلى نور من البداية.
تالا بشيء من التردد:
إنت تقصد إن دادا…
مدكور بحزم:
أنا ما أقصدش حاجة.. وده اللي لازم تتعودي عليه من دلوقتي، أنا دايماً كلامي واضح ومباشر ويوم ما أكون بقصد حاجة معينة هتلاقيها في كلامي على طول مش ما بين السطور.
آه.. وأهم حاجة لازم تفهميها من دلوقتي.. علاقتي بسليمان الأنصاري في الشغل ده شئ إنتي كـ تالا مراتي مالكيش بيه أي علاقة، ولا سليمان الأنصاري رجل الأعمال له علاقة أبداً بتالا مراتي.
تالا:
مش فاهمة.
مدكور:
كلامي واضح يا تالا.. علاقتي بيكي مالهاش علاقة بشغلي مع سليمان وعلاقة الشغل مالهاش علاقة بحياتنا الخاصة.
تالا بلجلجة:
آه طبعاً.. من غير ما تقول.
مدكور:
يعني متفقين؟
تالا بتردد:
آه.. آه متفقين.
مدكور:
أنا حبيت بس أوضحلك كل حاجة من البداية عشان ماترجعيش بعد كده تقولي إن ضحكت عليكي.
لتصمت تالا وقد بدأت تلوم نفسها على ما مزجت نفسها به، ولكنها انتبهت على مدكور وهو يسألها قائلاً:
وإنتي.. ماعندكيش أي حاجة تحبي تقوليها لي؟
تالا:
لأ.. ما فيش.
مدكور:
عموماً أنا اتفقت مع سليمان إننا هنكتب الكتاب بعد سفر مراد ورهف.
تالا:
هو انت ليه مصمم إن كتب الكتاب يكون بعد سفرهم؟
مدكور:
لأن مهما كان موافقة رهف على جوازي منك إلا إنها برضه مش هتبقى مبسوطة أبداً وهي شايفاني بتجوز واحدة تانية.
تالا:
تقصد عشان هاخد مكان مامته؟
مدكور:
ماحدش ينفع ياخد مكان حد يا تالا، لكن اللي أقصدُه إني مش عاوز أوجعها وهي لسه بتبتدي حياة جديدة مع جوزها.
وعموماً بعد كتب الكتاب هاخدك وأطلعك رحلة شهر عسل إنتي اللي هتختاري مكانها بنفسك، ولما نرجع هيكون مراد ورهف كمان رجعوا وهنعمل حفلة ريسبشن نستقبل فيها كل الناس اللي حابين يجوا يباركولنا.. قلتي إيه؟
تالا بدلال:
رغم إن دادا كانت أمنية حياته إنه يشوفني بالفستان الأبيض، بس أنا ما عنديش مانع أبداً.
مدكور:
وأنا ما قلتش إنك ماتلبسيش فستان أبيض.. هتلبسي طبعاً وهتتصوري زي أي عروسة، لكن زفة بقى وفرح والكلام ده ما أقدرش.
أنا هسمحلك تنشري صورة فرحنا على الميديا كإعلان لجوازنا واللي هنستقبل المهنئين والمباركين بيه بعد رجوعنا.
تالا:
ماشي يا حبيبي اللي تشوفه أنا موافقة عليه.
مدكور:
وبالنسبة لفستان الفرح.. ده هديتي ليكي عشان أضمن إنه يكون بالمواصفات اللي أنا عاوزها.
تالا بدون مبالاة:
اللي يريحك.. مش هتفرق كتير.
مدكور بإيعاز:
تالا.. إحنا لسه على البر.. وقدامنا مش أقل من تلت أسابيع على ما نتجوز.. عاوزك تفكري كويس في كل كلمة قلتهالك، وصدقيني لو اتراجعتي أنا مش هزعل منك.. بالعكس، هحترمك وهعزك أكتر.
تالا بدهشة:
يعني معزتي عندك هتبقى أكبر لو ما اتجوزناش؟
مدكور:
مش قصدي أبداً.. القصد… فكري كويس وبلغيني لو غيرتي رأيك.
وما إن حاول النهوض من مجلسه حتى وضعت كف يدها على يده الممسكة بجوانب المقعد وقالت:
لازم تفهم إن مافيش أي كلام ممكن يخليني أبعد عنك بعد كل ده، أنا ما صدقت إني قدرت أبعد خجلي منك وأصارحك بمشاعري من ناحيتك.
ليتنهد مدكور بعمق ثم يقول بابتسامة واسعة:
يبقى أهلاً بيكي تحت جناحي يا بنت سليمان الأنصاري.
في اليوم التالي.. وصلت هدى إلى أرض الوطن وبصحبتها تميمة أو كعكة السكر كما يحلو لمراد أن يلقبها، وكم كانت السعادة تطغى على مراد لملاقاة شقيقته فطالما كانت له كابنته المدللة، وبرغم اهتمام مدكور الدائم بها إلا أنه كان يحب القيام بجميع شئونها بنفسه.
وفي السيارة بعد تبادل العديد من عبارات الشوق والسعادة، قال مراد:
عمي قالي إنه كلمك امبارح.
هدى:
أيوه فعلاً.. كلمني وحكالي على موضوع جوازهم.
مراد:
وإنتي رأيك إيه؟
هدى:
رأيي مش هيفرق يا مراد ومش هيغير حاجة.
مراد:
أفهم من كلامك إن الموضوع مش عاجبك.
هدى:
الموضوع ما يعجبش حد يا مراد، عارف لو اللي اختارها دي تناسبه سناً على الأقل.. ما أعتقدش إن كان ممكن حد يعترض، لكن دي تقريباً من سني أنا ورهف، الفرق بيننا حاجات بسيطة أوي.
مراد:
عندك حق، لكن إنتي قلتي إيه لعمي؟
هدى:
قلت له نفس اللي قلته لك ده.
مراد:
قوليلي قولتيله إيه بالظبط؟
هدى:
قلت له رأيي مش هيغير شيء وسواء موافقة أو معترضة دي حياتك الشخصية، وطبعاً فهم من بين السطور معنى كلامي فقال لي.. اللي أنا عاوزه منك إنك تصبري على ما تشوفي النتائج وما تحكميش بالمظاهر.
مراد:
أنا كمان عاوزك تعملي كده، اتعاملي عادي وكأن الموضوع ما يفرقش معاكي.
هدى:
نفس اللي أحمد وصاني بيه، وده اللي أنا فعلاً ناوية أعمله، وصدقيني أتمنى من كل قلبي إن عمو أمله ما يخيبش في الحكاية دي، رغم إن رهف صعبانة عليا جداً، أكيد برضه الحكاية دي مش سهلة عليها أبداً.
مراد بتنهيدة:
هي مش سهلة على حد ولا حتى على عمي، بس كلنا بندعي ربنا إنه يبقى خير.
وعند وصولهم إلى القصر وجدوا رهف تنتظرهم على أعلى درجاته، لتهبط إليهم مسرعة لتحتضن هدى قبل أن تخرج من السيارة وهي تقول بسعادة جارفة:
وحشتيني وحشتيني وحشتيني.
هدى ضاحكة وهي تبادلها الأحضان بحب شديد:
مش زي ما إنتي وحشتيني.. إنتي هنا معاكي عمو ومراد وأمينة ودادة وكل الناس اللي تعرفيهم ويعرفوكي، لكن أنا ما فيش غير أحمد وتميمة وبس اللي معايا.
لتتمسكها رهف من كتفيها قائلة بصدق:
إنتي عارفة إن كل دول حاجة وإنتي حاجة تانية.
لتقبلها هدى بحرارة وتقول ضاحكة:
عارفة طبعاً، بس لازم أحسسك بمأساتي كل مرة.
لتدور رهف بعينيها متسائلة:
أومال تميمة فين؟
ليعتدل مراد الذي كان ينحني بداخل السيارة وهو يحتضن تميمة النائمة في سبات عميق ويقول بابتسامة جذابة:
كحكة السكر نايمة من ساعة ما خرجنا من المطار.
لتقترب منه رهف بلهفة وهي تقبل تميمة من وجنتيها ويديها حتى قدميها، لتقول هدى ضاحكة:
خلاص يا بنتي إيه كل ده.
رهف وهي تتناولها من أحضان مراد لتضمها إلى صدرها بحب وهي تلتهف ملامحها الطفولية الآسرة بعينيها قائلة:
كبرت شوية ما شاء الله يا هدى.
هدى:
أنا قلت لازم نحتفل بعيد ميلادها التالت معاكم وعشان كده جيت بدري.
مراد:
أحلى وأكبر عيد ميلاد فيكي يا بلد عشان خاطر سمو الأميرة تميمة.
هدى برفض:
لأ.. مش عاوزة عيد ميلاد كبير، عاوزة إحنا بس اللي نكون حواليها عشان تحفظكم بسهولة وتفضل فاكرة.
ليضمه مراد إلى جناحه قائلاً:
حاضر يا حبيبتي زي ما تحبي، شوفي إنتي عاوزة إيه وأنا هنفذهولك بالحرف الواحد.
مدكور من أعلى الدرج:
وأنا هفضل واقف مستنيكم كده كتير ولا إيه؟
لتسرع هدى وتعدو وهي تصعد الدرج وترتمي بأحضان مدكور باشتياق قائلة:
عمو مدكور.. أنا ما صدقتش مراد أما قالي إنك واخد إجازة مخصوص النهاردة عشاني.
مدكور بحب وهو يضمها إلى صدره مقبلاً رأسها:
وأنا عندي أغلى منك آخد له إجازة.
هدى بمشاغبة وهي تتظاهر بتعديل ربطة عنقه:
أنا قلت هاجي ألاقيك زهقت من الانتظار واتحججت بأي حاجة عشان تنزل الشغل.
مدكور بضحك:
يا عفريتة وهو أنا لو عاوز أنزل محتاج أتحجج برضه؟
هدى ضاحكة وهي تبادله الاحتضان:
الصراحة لأ..
مدكور ضاحكاً:
كويس إنك لسه فاكرة، واتصرفوا يالا صحولي العفريتة الصغيرة دي عشان أعرف أسلم عليها براحتي.
كانت تالا تقف من وراء مدكور وهي تراقب هذا الاستقبال الحافل لتتأكد بأن العلاقة بين مدكور وأبناء شقيقه ليست مجرد صلة دم، بل هي أعلى مرتبة من ذلك بكثير، وعندما انتبهت لها هدى قالت بحيادية:
إنتي أكيد تالا مش كده؟
تالا بثقة:
إنتي تعرفيني! كنت مستنية حد يعرفنا على بعض.
هدى:
لا ماتقلقيش.. عمو كلمني امبارح وعرفني كل حاجة.. مبروك.
تالا بابتسامة دبلوماسية بحتة:
الله يبارك فيكي.. ميرسي.
وقبل أن تضيف هدى أي كلمة هرولت مسرعة إلى الداخل عندما لمحت زينب وأمينة من على بعد لترتمي بأحضان زينب وهي تصيح:
أحلى دادة زينب في الدنيا كلها وحشتيني مووووت.
زينب ببهجة:
حمدالله على السلامة يا قلب دادة زينب، وحشتيني ووحشتني أيامك، أومال فين تميمة؟
هدى ضاحكة وهي تبادل أمينة هي الأخرى الأحضان:
سايباهم بياكلوها برة بس على الله يخلوا لي حتة.
ليمضي اليوم سريعاً وسط سعادة الجميع بعودة هدى وتميمة، أما باليوم التالي فانتقلت البهجة إلى منزل زينب حين انتهت زيارة والدة أنور بقراءة الفاتحة، وعندما طلب أنور من زينب تحديد موعد لتقديم الشبكة، صممت هدى أن يكون هو نفس يوم الاحتفال بعيد ميلاد تميمة والذي يأتي موعده بعد أربعة أيام.
وقد لاقى اقتراح هدى استحسان ومباركة مراد ورهف، وأسعد زينب وأمينة، أما أنور فكانت سعادته في تتويج حبه بالإشهار ليعلم الجميع أن أمينة أصبحت زوجة المستقبل.
وفي اليوم التالي كانوا يلتفون حول مائدة الطعام لتناول وجبة الإفطار، وكان مدكور يستعد للمغادرة بصحبة تالا ومراد عندما قالت هدى:
كنت عاوزة أقول لك على حاجة يا عمو عشان إحنا رجعنا امبارح من عند أميمة ودادة زينب لقيناك نايم.
مدكور:
قولي يا حبيبة عمو.
هدى:
امبارح أنور وأمينة قروا الفاتحة.
مدكور بانشراح:
ربنا يتمم لهم بكل خير.
تالا:
لايقين على بعض بصراحة.
هدى:
وأنور طلب من دادة إنه يلبس الشبكة لأمينة في أقرب وقت، وأنا اقترحت عليهم يلبسوها في عيد ميلاد تميمة.. إيه رأيكم؟
مدكور بإيماءة من رأسه:
رغباتك أوامر يا حبيبتي، طالما ده شيء يبسطك فأنا موافق.
لتنهض هدى من مكانها لتقبل رأس عمها ثم تعود مرة أخرى لمكانها لتناول طعامها وهي تقول:
خلاص أنا هخليهم يوضبوا القاعدة في الجنينة برة هتبقى تحفة.
رهف:
بابا.. كنت بعد إذنك عاوزة أشتري هدية لأمينة بمناسبة خطوبتها.
مدكور:
محتاجة فلوس؟
مراد متدخلاً:
ما تشغليش بالك يا عمي بالحكاية دي.. أنا هتصرف.
هدى بمشاغبة وهي تنظر لرهف:
أيوه يا عم.. يابخت من كان مراد جوزه.
ليكسو الخجل وجه رهف وهي تنظر شذراً لهدى التي تنخرط في الضحك وتشاركها تميمة الضحكات بسجية طفولية جميلة.
لينتهي الإفطار ويتجه كل إلى عمله.
في سيارة مدكور.. كانت تالا تجلس إلى جوار مدكور وهي يبدو عليها التجهم الشديد، فقال مدكور:
إيه يا تالا.. شايفك مش على طبيعتك النهاردة؟
تالا وهي تحاول انتقاء كلماتها:
الصراحة خايفة أتكلم لا تزعل مني.
مدكور:
وهزعل منك ليه.. اتكلمي.
تالا:
ربنا خلقنا طبقات يا مدكور، وكل طبقة عارفة اللي ليها واللي عليها، وكنت أما بشوفك تتعامل مع الناس اللي شغالة معاك.. كنت بلاقيك بتتعامل بحزم وجد، بس الصراحة أنا شايفة إنكم خالطين الورق أوي في السراية، خصوصاً مع دادة زينب وأمينة.
مدكور:
ممكن توضحي كلامك أكتر من كده؟
لتقول لتالا بارتياح أكثر:
يعني يا حبيبي.. مهما كانت معزتكم للي اسمها دادة زينب دي وبنتها أمينة.. ما توصلش أبداً إن رهف تشاركها في مشروعها وكمان هدى عاوزة تحتفل بخطوبتها في القصر عندنا.
تالا:
آه عندنا، لأني خلاص بقيت أعتبر نفسي واحدة من أصحاب البيت، ولا أنا لسه غريبة يا مدكور؟
مدكور:
لأ يا حبيبتي مش غريبة، بس دادة زينب وأمينة دول مش شغالين عندنا.
تالا:
أومال دول يبقوا إيه غير شغالين؟
مدكور:
لولا إن ربنا أيد لي زينب بعد موت والدة رهف ما كنتش قدرت أبداً أربيها لوحدي، خصوصاً إن شغلنا مابيخلينيش أستقر في مكان واحد أسبوع على بعضه، وعشان كده استأمنتها عليها والحقيقة هي كانت قد الأمانة وزيادة.. كفت ووفت، أخدتها في حضنها وعوضتها وربتها زي أمينة بالظبط، وعشان كده ما بعتبرهاش شغالة أبداً.
تالا:
بس توصل إنها تشاركها في مشروع أرباحه بعد كده توصل للملايين؟
مدكور:
الموضوع ده يخص رهف لوحدها، هي بس اللي تقدر تبت فيه مش حد تاني، وبعدين المشروع ما ابتداش بملايين يا رهف، المشروع ابتدى بسيط، وما ينفعش تشاركها في التعب بس، ولما المشروع ينجح ويكبر بتعبها ومجهودها تقول لها خلاص كفاية عليكي كده ما بقيتش محتاجاكي.
طول عمر أمينة وأنور كمان واحنا كلنا بنعتبرهم منا مش مجرد بيشتغلوا معانا، ودي فرصة كويسة جداً إنك تقدري تفهمي الكلام ده وتتقبليه.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الثامن 8 - بقلم ميمي عوالي
مدكور: الموضوع ده يخص رهف لوحدها، هي بس اللي تقدر تبت فيه. والمشروع ما ابتداش بملايين يا رهف، المشروع ابتدى بسيط. وما ينفعش تشاركها في التعب بس، وأما المشروع ينجح ويكبر بتعبها ومجهودها تقول لها خلاص كفاية عليكي كده، ما بقيتش محتاجالك. بعدين طول عمر أمينة وأنور كمان، وإحنا كلنا بنعتبرهم منا، مش مجرد بيشتغلوا معانا. ودي فرصة كويسة جداً إنك تقدري تفهمي الكلام ده وتتقبليه.
رهف بتردد وادعاء الحزن، وهي تحاول جس رد فعل مدكور: أنا عارفة إنك بتحاول تفهمني إني ألتزم حدودي مع الكل، وإني مش هبقى أكتر من ضيفة أو دخيلة عليكم كلكم، لكن ما كنتش متخيلة إني حتى مش هقدر أقول النصيحة لو في إيدي.
مدكور: ماحدش قال إنك هتبقي دخيلة، لكن إنتي هتتجوزي مدكور، مش هتتجوزي رهف. رهف كبيرة كفاية إنها تقدر تدير شؤونها.
تالا بسخرية: بس ده ما كانش رأيك أبداً من أسبوعين فاتوا.
مدكور: ده لأنها لسه تحت سلطتي وفي بيتي، لكن أول ما هتتنقل بيتها مع مراد، مش هيبقى لي أي سلطان عليها.. زيك بالظبط.
تالا: زيي!! زيي اللي هو إزاي مش فاهمة، وفي إيه؟
مدكور: إن إنتي كمان أول ما هتبقي في عصمتي، سليمان مش هيبقى له برضه عليكي أي سلطان.
تالا: إيه الكلام ده، طب ماهي رهف مكتوب كتابها من سنتين فاتوا، ولحد دلوقتي…
ليقاطعها مدكور قائلاً: ناقصك كتير عشان تتعلميه يا تالا. كتب الكتاب شيء وجواز شيء تاني. طالما لسه في بيتي وما حصلش دخلة، تبقى البنت لسه في طوع أبوها. تقدري تقولي خطبة مقننة. آآه، هو برضه جوزها وكل حاجة، لكن بشروط وقيود وكمان حدود. لكن للأسف مش كل الناس فاهمة الكلام ده. رهف طالما ما اتزفتش لمراد، فهي تحت رعايتي وإشرافي. إنما إحنا هنكتب الكتاب ونسافر على طول، يعني جواز جواز مش مجرد خطوبة.
تالا: بس مهما كان، أنا ما أقدرش أبعد عن دادي.
مدكور: ومين قال إنك هتبعدي؟ أنا بقول إن أنا بس اللي هيبقى لي سلطة عليكي في كل شؤونك، وده اللي لازم تفهميه كويس وتحفظيه زي اسمك.
لتنظر له تالا وهي تحاول قراءة ما يدور بعقله، وهي تتذكر وصف أبيها له بالثعلب، ولكنها تفشل فشلاً ذريعاً.
تمر الأيام تباعاً ما بين التحضير للزفاف وبين ترتيبات العمل الخاصة بمجموعة مدكور، الذي أرهق نفسه وبشدة كي لا يترك عبئاً ثقيلاً على أكتاف أنور أثناء سفره وسفر مراد أيضاً.
حتى أتت ليلة الاحتفال بعيد ميلاد تميمة، والذي ضم أسرة مدكور، وانضم إليهم سليمان مع ابنته تالا، وأسرتي أنور وزينب، وبعض الأقارب المقربين للغاية لكلا العروسين.
أمينة وأنور.
كان حفلاً بسيطاً ولكنه كان راقياً، وكانت هدى هي بطلته الأولى، فقد أصرت على الإشراف على كل كبيرة وصغيرة به، بعد أن ألح أنور على زينب أن يقوما بعقد القران أيضاً ونال موافقتها.
وبعد الاحتفال بعيد ميلاد تميمة وإطفاء الشموع، أمسكت هدى طبقاً من المعدن ودقت عليه بشوكة معدنية، فأصدرت صوتاً عالياً جعل الجميع ينظر إليها، لتضحك قائلة: احتفلنا بتميمة وكل سنة وهي طيبة، بس آن الأوان بقى إننا نحتفل بالعرسان، ولا إيه.
لِتترك ما كان بيدها، ثم تتجه إلى أمينة، التي كانت تجلس بجوار رهف، وتسحبها معها لركن قريب من المدعوين، كان يوضع به مقعد عريض ومزين بالحرير والتُل مع جدائل زهور الياسمين، لتجلسها على المقعد، لتجد أن مراد قد قام بالمثل مع أنور ليجلس بجانبها، مع ارتفاع صوت الزغاريد، ويصدح صوت الموسيقى والغناء.
ليقوم القاضي الشرعي بعقد القران وسط جو من البهجة، ليقوم الجميع بتقديم التهاني والمباركات الصادقة.
ليأتي موعد ارتداء الشبكة وسط فرحة صادقة من الجميع، عدا تالا وسليمان، اللذان كانا يراقبان ما يحدث بشيء من التسلية، حتى أتت اللحظة الفارقة بالنسبة لهم، عندما وجدوا مدكور يقدم هدية لم يكن يتوقعها أي أحد من المتواجدين، والتي لم تكن سوى عقد تمليك لمنزل مبني فوق عدد من قراريط الأرض البسيطة، والتي لم تتعدى العشر قراريط، والذي كان عقدها باسم أمينة، التي قال لها بحب: الأرض دي ليها معزة خاصة عند زينب من زمان، وعشان كده أنا بانيها وموضبها وعامل حسابي إنها هتبقى هدية جوازك إنتي واللي هيبقى من نصيبك.. مبروك يا بنتي.
أمينة بامتنان: يا خبر يا عمو، ده كتير أوي.
مدكور: مش كتير على أخت بنتي اللي بحبها من قلبي. ثم قال لزينب بمرح: ما تزغردي يا زينب.
لتصدح زغاريد زينب مرة أخرى وسط نظرات الذهول المتبادلة بين سليمان وتالا، التي توجهت مرة أخرى إلى هدية مراد ورهف، والتي كانت طاقم من المجوهرات الراقي الثمين.
تالا بامتعاض: أنا مش فاهمة، هو إزاي بيتعامل كده مع الشغالين.
ليقول سليمان بهمس خافت: دي بشارة خير يا بيبي، تفتكري أما دي تبقى هديته لبنت الدادة بتاعة بنته.. أومال هديتك إنتي هتبقى إيه.
تالا وبعينيها بريق الطمع: بس برضه الحاجات دي خسارة.. الناس اللي زي دي ما بتعرفش تحافظ على الكلام ده ولا بتعرف قيمتها، ولا سي مراد آخر.. شايف الطقم اللي قدمهولهم هدية.
سليمان: خليه يتنعم له يومين بفلوس عمه قبل ما المجموعة بتاعته تتحول على مجموعتنا.
تالا بسخرية: عندك حق، كفاية عليه إنه هيقضي شهر العسل على حسابي، خليه يعيش له يومين.
سليمان باهتمام: إنتي مقررة هتعملي إيه ولا لسه.
تالا بغرور: مش عاوزاك تقلق يا دادي، صحيح مدكور ما طلعش سهل أبداً زي ما قلت لي، بس مهما عمل مش هيعرف يوقفني عن اللي في دماغي.. أنا وعدتك.. وطالما وعدتك…
مدكور ضاحكاً: يبقى هتنفذي يا بيبي.
تمر الأيام تترى، حتى كان يوم زفاف رهف، والذي كان مليئاً بالصخب والاهتمام من الجميع. فمنذ الصباح الباكر والعمل يجري في القصر وفي الحديقة الخاصة به على قدم وساق.
فالمسؤولين عن تنظيم حفل الزفاف يضعون معداتهم من الأمس ويقومون بتنسيق المكان وتقسيمه وسط العمل الدؤوب تحت إشراف أنور وأحمد زوج هدى، والذي وصل من سفره منذ يومين فقط.
أما رهف، فكانت تخضع لما تقوم به خبيرة التجميل بغرفتها بصحبة هدى وأمينة، ومتابعة زينب من فينة لأخرى.
أما تالا، فقد أصرت أن تأتي بخبيرة التجميل الخاصة بها من القاهرة لتقوم بالاعتناء بها وتجهيزها لتلك الليلة التي ستكون حديث الميديا والإعلام لفترة ليست بالقليلة.
أما مراد، فكان بصحبة مدكور، الذي كان يجلس بغرفة مكتبه يتابعه باهتمام بالغ، وهو يوصيه برهف قائلاً: طول عمري كنت بتعامل معاها بجمود، ويمكن بقسوة.. لكن ده كان لظروف شغلنا وبعدي عنها أوقات طويلة.. كنت عارف إنها بتخاف مني، وكنت بتعمد إن ده يحصل عشان تبقى دايماً شايفاني قدامها في أي تصرف تتصرفه، سواء كنت موجود هنا أو لأ. لكن كنت شايف إني كده بعمل منها باب صد لأي حاجة ممكن تحصل معاها وأنا مش موجود. ما أعرفش إن كنت غلطان ولا صح.. لكن هو ده اللي حصل.
وأوعاك تفكر إني ما كنتش أعرف بموضوع الأتيليه والتمثيلية الهبلة اللي عملتوها عليا.. أنا عارف بالأتيليه ده من قبل ما يتعمل.
لينظر إليه مراد بذهول، فيكمل مدكور بسخرية: ما كنتش أبقى مدكور العزيزي لو الكلام ده اتعمل من ورا ضهري.
مراد بفضول: اومال ليه حضرتك فهمتنا إنك ما كنتش تعرف.
مدكور بابتسامة: لكذا سبب.. أولاً فرحت بيك وأنت بتدافع عنها قدامي، وواقف في ضهرها وبتحميها مني وبتقول لي إنك كنت معاها وعارف من البداية.. وقتها حسيت إني مش سايبها لوحدها أبداً.
مراد: طب وتاني.
مدكور: ما كنتش عاوز ثقتها تهتز في زينب وأمينة.
مراد بصدمة: تقصد إن هما اللي….
مدكور بابتسامة: من أكتر من أربع سنين.. كنت إنت في القاهرة وأنا كنت قاعد مكاني هنا براجع أوراق الشغل، لقيت زينب بتخبط عليا ودخلت وهي ساحبة أمينة في إيدها وبتقول لي.
فلاش باك.
زينب: كنت عاوزة أقول لك على حاجة.
مدكور وهو يطالع أمينة التي يبدو عليها التمرد: خير يا زينب.. في إيه ومالك ماسكة أمينة بالشكل ده، إيه اللي حصل.
لتشير زينب إلى أمينة قائلة بأمر: اقعدي.
لتجلس أمينة على الفور ولكن بامتعاض، وتقول زينب: يا مدكور بيه، إنت عارف إني مش أم أمينة وبس، ويعلم ربنا إني بعتبر رهف زيها بالظبط، وغلاوتهم عندي واحدة.
مدكور: وإيه لازمة المقدمة الطويلة دي.. أنا عارف ومتأكد من الكلام ده كويس أوي.
زينب: وأنا الصراحة شايفة البنات عايزين يعملوا حاجة كويسة، بس طبعاً كالعادة رهف بتترعب منك وخايفة تقول لكم.
مدكور: وإنتي بقى جاية تتوسطي لها.
زينب: لا.. جاية أقول لك إنهم هيعملوا اللي هما عاوزينه من غير ما يقولوا لكم.
مدكور بحدة: إيه الكلام الفارغ ده.
لتنتفض أمينة بجلستها وتقول بدفاع: يا عمو، الحكاية مش كده خالص، ماما بس فاهمة غلط.
مدكور: فهميني إنتي الصح يا ست أمينة.
أمينة: حضرتك عارف إن رهف شاطرة أوي في تصميم الأزياء، وغاوية تقص وتفصل بنفسها، وحضرتك ما تقدرش تنكر أبداً إن أي حاجة بتعملها بتخطف عين كل اللي بيشوفها.
مدكور: وبعدين.
أمينة وهي تزدرد لعابها بصعوبة: أنا اقترحت عليها إنها تعمل أتيليه صغنن تقدر تستغل فيه موهبتها دي.
مدكور بسخرية: يعني بعد العمر ده كله بنتي تطلع خياطة يا ست أمينة.
أمينة بدفاع: خياطة إيه بس يا عمو، بقول لحضرتك أتيليه وتصميم زي اللي حضرتك بتجيب لها هدومها كده منها لما بتنزل القاهرة.
مدكور: إنتي بتشرحيلي إيه أنا مش فاهم، هو أنا يعني مش عارف يعني إيه أتيليه يا بنت زينب وإنتي اللي بتعرفيني.
أمينة: العفو حضرتك.. اسمعني بس يا عمو، رهف طول الوقت قاعدة لوحدها، حضرتك محرج عليها كل حاجة ومانع عنها حتى تروح في أي مكان.
مدكور: طب ماهي شغالة على رسالة الماجستير وقربت تخلصها.
أمينة: ماهي برضه الدنيا مش كلها مذاكرة وبس، اديها فرصة تطلع الطاقة اللي جواه.
مدكور: ولما تهمل الرسالة بتاعتها عشان الأزياء.
أمينة: مش هيحصل صدقني، لأنها شايفة إن الرسالة الحاجة الوحيدة اللي ممكن تخلي حضرتك شايفها وفخور بيه.
لينظر مدكور إلى زينب التي كانت تستمع إلى أمينة في صمت، وقال: وإنتي يا زينب، إيه رأيك في الكلام ده.
زينب: أنا موافقة على كل كلمة اتقالت.
مدكور بدهشة: اومال اللي يشوفك وإنتي ساحباها وجاية لي يقول إنك بتسلميها للقضاة.
زينب: ده لأني مش عاوزة ده يحصل من وراك، عاوزاه يبقى بمعرفتك ومباركتك كمان.
أمينة: يا ماما.. يا عمو، ارجوكم اسمعوني، رهف محتاجة تعمل الكلام ده من غير ما تخاف من الفشل أو الحساب. اديها فرصة تثبت لنفسها إنها بتقدر تعمل حاجة ناجحة من غير ما تبقى طول الوقت عاملة حساب رد الفعل لو غلطت أي غلطة صغيرة.. أرجوك يا عمو افهمني.. اديها فرصة واحدة تعمل حاجة بعيد عن الخيوط اللي حضرتك مربطها بيها. لو نجحت وهي عارفة إنها لوحدها هتحس إنها قوية زي ما إنت دايماً بتتمنى.
مدكور: طب لو فشلت.
أمينة بحماس: رغم إني متأكدة إن ده مش هيحصل.. بس حتى لو كان.. على الأقل هتوفر عليها كسرة عينها قدامك.
عودة من الفلاش باك.
مراد: يعني حضرتك كنت بتتابعها وبتساعدها من بعيد لبعيد.
مدكور: كنت بتابع أخبارها بس.. مش بتابعها هي، وعمري ما ساعدتها.
مراد بدهشة: اومال ليه حضرتك كنت عاوز تمنعها من رسالة الدكتوراه بتاعتها.
مدكور ضاحكاً: كنت بحاول أخليها تتحدى روحها قدام تالا، لأن كنت حاسس إن سليمان خلاص مش قادر يصبر أكتر من كده. وكمان ده كان قبل ما أعرف إنهم نقلوا العطا عليا.
ثم أكمل بجدية: قصر الكلام يا مراد.. أنا يمكن ما كانش في وقت قبل كده إني أوصيك على رهف، لكن إنت أكيد مش محتاج تعرف إنها أغلى حاجة عندي في دنيتي كلها، وبتمنى إنك ما تجيش في أي وقت تجرحها أو تحسسها إنها مفروضة عليكم.
مراد: مفروضة عليا.. ليه حضرتك بتقول كده.
مدكور: بقول كده لأني فعلاً فرضتكم على بعض، بس صدقني لأني كنت ومازلت شايف إنكم أكتر اتنين هتقدروا تصونوا اسم العزيزي. يمكن ماسألتش حد فيكم عن رأيه، وبتمنى إن ماحدش فيكم يحملني نتيجة ده في يوم من الأيام، سواء كنت لسه موجود معاكم أو لأ.
مراد بحب: ربنا يخليك لينا ويديك الصحة يا عمي.. إحنا مالناش غيرك. ثم صدقني أنا من صغري وأنا حاطط في دماغي إن أنا ورهف مسيرنا لبعض.. لأننا أولى ببعض، ولا إيه.. مش هي دي عادتنا وتقاليدنا.
مدكور: ربنا يسعدكم يا ابني وأشيل ولادكم.
مراد بابتسامة: إن شاء الله يا عمي، وخلاص حضرتك قررت تكتب الكتاب بعد بكرة فعلاً.
مدكور: أيوه.. إن شاء الله.
مراد: أنا طلبت من أحمد إنه يحضر مع حضرتك هو وهدى.
مدكور بابتسامة باهتة: اهتم إنت بس بجوازك وما تشيلش هم حاجة تانية، وأهم حاجة إنكم لما تسافروا بالسلامة تفضلوا دايماً على اتصال معايا عشان تطمنوني عليكم، و قوم يالا إنت كمان عشان تلحق تجهز.
في غرفة رهف، كانت هدى وأمينة تحاولان الترفيه عن رهف لشعورهما بتوترها وقلقها الزائد عن الحد.
أمينة وهي تأكل بعض الفستق: أحلى حاجة في الدنيا دي هو الفستق.. تاكل كده وتنبسط وتنسى كل حاجة.
هدى: طب ما تجيبي شوية، إنتي واخدة الطبق كله وخلصتي على كل المكسرات لوحدك.
أمينة: مين ده، دي بنتك واخدة نص الكاجو في جيبها.
رهف بزهق: بس بقى دوشة، إنتوا تاعبين أعصابي بمقارنكم ده.
أمينة باستهجان: إحنا اللي تاعبين أعصابك، ده إنتي مخلصة تلاتة متر لبن لحد دلوقتي وبرضه مش مبطلة توتر.
هدى بضحك: إنهي لبن ده اللي بالمتر.
أمينة: أنا عارفة لها بقى، عمالة تهز في رجلها وتفرقع في صوابعها لما حوّلتني.. قلت أجيب لها شوية لبن تطلع فيه قلقها ده.. خلصت العلبة المفترية وبرضه ما فيش فايدة.
رهف وهي على وشك البكاء: إنتوا أصلاً مش حاسين بيا.. أنا عاوزة دادة، حد ينده لها، محتاجاها هنا جنبي، ما تسيبنيش.
هدى بلطف: يا حبيبتي بس.. اهدى شوية، ليه كل القلق ده.
رهف: أنا مرعوبة يا هدى.. حاسة إن قلبي هيقف من الخوف.
وقبل أن تجد رداً من أي منهم، سمعوا دقة على الباب، وعندما سمحوا للطارق بالدخول.. أطل عليهم مدكور بوجهه وقال بمرح قلما يروه: ها يا بنات عاملين إيه.
هدى بمرح: عاملين حفلة كاجو ومكسرات، إنما إيه.
مدكور وهو يراقب رهف التي مدت يديها بسرعة لتزيح بعض العبرات عن وجنتيها: طب هو أنا ممكن آخد منكم رهف شوية وأرجعهالكم تاني.
هدى: إيه ده بقى.. فيها لا أخفيه.
مدكور: يا ستي إنتي فيها على طول، بس سيبيهالي خمس دقايق وأرجعهالكم تاني صاغ سليم.
ليصطحب مدكور رهف إلى غرفة نومه ويجلسها على الأريكة.. ثم يذهب إلى حافظة ملابسه ويخرج منها صندوقاً من الصدف المطعم بالعاج، والتي عرفته رهف من النظرة الأولى، فهو صندوق والدتها التي كانت تحتفظ فيه بمقتنياتها الثمينة. وعاد إليها ثم جلس إلى جوارها وقال: يمكن ما حصلش قبل كده إني قلت لك إنتي غالية عندي قد إيه.. لكن آن الأوان إنك لازم تفهمي إنك أغلى عندي من أي حاجة تانية في الدنيا دي.. إنتي امتدادي على الأرض يا رهف، يمكن أولادك ما يشيلوش اسمي بصحيح، لكن هيشيلوا كل حاجة حلوة غرستها فيكي.
عارف كمان إنك بتخافي مني، لكن اللي ما تعرفيهوش.. إني بحبك أكتر من روحي، ومن وقت ما كنتي لسه في اللفة وأنا بحلم باليوم اللي أسلمك فيه لمراد، واللي عمري ما تمنيت لك غيره لأنه أكتر حد هيصونك وهيخاف عليكي.
يمكن أي بنت في الدنيا دي.. في يوم زي ده بتبقى محتاجة أمها معاها تبقى جنبها، الله يرحم أمك كانت ونعم الزوجة، وأتمنى إنك تكوني زيها ودائماً تبقي مصدر فخر ليا زي ما كنتي طول عمرك.
رهف بدموع: أنا يا بابا.. أنا كنت مصدر فخر لكم.
مدكور بتأكيد: اومال إيه.. طبعاً.. كنت دايماً فخور بيكي لدرجة إني كنت بخاف عليكي من الحسد، فكنت دايماً أحاول أداري فخري ده.
ثم مد يديه بالصندوق ووضعه على قدميها وقام بفتحه قائلاً: العلبة دي فيها كل مجوهرات أمك الله يرحمها.. والنهاردة بقت ملكك. المجوهرات دي غالية عندي أوي لأنها من ريحتها. ثم تناول من الصندوق عقداً من اللؤلؤ الحر وأكمل قائلاً: لكن العقد ده أنا وأمك الله يرحمها اشتريناه سوا وإنتي كان عمرك خمس سنين، وصممت ما تلبسيهوش وقالت إنها هتشيلهولك لحد ما تلبسهولك يوم فرحك، وعشان كده أنا جبتك هنا عشان ألبسهولك بإيدي زي ما كانت بتتمنى.
ليمد يديه حول عنقها وهو يلبسها إياه، لترتمي رهف في أحضانه وهي تجهش بالبكاء، فيضمها رابتاً عليها بحنان قائلاً: هتوحشيني.. البيت مش هيبقى له طعم من غيرك.. مبروك يا حبيبتي.. ألف مبروك. بتمنالك السعادة من كل قلبي.
رهف وهي تجفف دموعها: الله يبارك فيك يا بابا، ومبروك لحضرتك إنت كمان.. وإن شاء الله إنت كمان تبقى سعيد ومبسوط.
مدكور: ربنا يكتب لنا الخير كله من عنده.. يالا عشان ترجعي تكملي اللي كنتي بتعمليه وعاوز الابتسامة ما تفارقش وشك النهاردة.
وعندما همت رهف بمغادرة الغرفة قال: خدي المجوهرات معاكي.
رهف بحيرة: أيوه.. بس هعمل بيها إيه وأنا مسافرة.
مدكور: خلاص ما تشغليش بالك.. أنا هديها لمراد وهو هيتصرف.
رهف: اللي حضرتك تشوفه.
لتمر الساعات سريعة ليجتمع كبار عائلات الصعيد مع كبار رجال الأعمال في حفل زفاف أنجال العزيزي، والذي تناولته بعض المواقع كحدث مباشر.
لينتهي حفل الزفاف باصطحاب مراد لرهف ومغادرتهم القصر بملابس الزفاف بعد توديع الجميع إلى الميناء الجوي لبدء رحلة شهر العسل.
في السيارة التي كان يقودها أحمد زوج هدى، وكانت هدى بصحبتهم.. كانت رهف كالتائهة ويبدو على ملامحها الذعر وهي تنظر من النافذة وترقب قصرهم وهو يبتعد عن عينيها شيئاً فشئ، فقامت هدى بإجلاس تميمة بين مراد ورهف وقالت: بقول لكم إيه.. ما تاخدوا تيمو معاكم، مش هتاخد مكان.. قول لهم الماديلية بتاعتي.
مراد ضاحكاً: بس هيصادروها في الجمارك.. هيخافوا النمل يتلم عليه.
تميمة وهي تصع يدها على فستان رهف: هستخبى في فستان رهف ومش هبان.
مراد: فكرة برضه.. خلاص يا رهف دخليها معاكي في الفستان.
لتبتسم رهف نصف ابتسامة دون رد، ليقول أحمد: بس يا هدى ما تشبطيهاش لا تفضحنا في المطار.
مراد وهو يقبل تميمة: أحلى عروسة لكحكتي.
أحمد: عروسة مين يا عم، إحنا عاوزين عيال تلعب مع تيمو عشان تونسنا.
لكسو الخجل ملامح رهف التي ذهبت ببصرها على الفور إلى النافذة، وسط ضحكات أحمد وهدى، أما مراد فكانت الابتسامة مرسومة على شفتيه دون تعليق.
وبعد أن وصلا إلى الميناء الجوي.. تبادلوا السلام والتهنئة مرة أخرى، بعد أن أخذت هدى رهف بين أحضانها وقالت لها هامسة: سيبى نفسك للدنيا يا رهف وانبسطي وأوعي تخافي.. خلي عندك ثقة في مراد.. صدقيني مراد هياخد باله منك وهيأمل كل ما في وسعه عشان يسعدك.. وحاولي تتكلمي معاه وتطلعي اللي في قلبك.. ابني قناة للحوار بينكم يا رهف.. ما تستنيش حد يبنيها لك.
أما بالقصر.. فبعد ذهاب جميع المدعوين، بقى سليمان باستضافة مدكور ليبيت ليلته بالقصر، بعد أن تم الاتفاق على سفر الجميع إلى القاهرة في اليوم التالي استعداداً للزواج الجديد.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل التاسع 9 - بقلم ميمي عوالي
فى الطائرة المتجهة الى تركيا .. كانت تجلس رهف الى جوار مراد و هى كالموتى.
كانت يداها باردة كالثلج تتشبث بحواف مقعدها و عيونها ذائغة فى كل اتجاه لا تستقر على شئ لاكثر من لحظة.
وهى تجاهد لرسم ابتسامة على شفتيها التى لولا طلاء الشفاة لاجزمت انها باهتة بهوت اشجار الخريف.
و كانت المضيفات يرحبن بها و بمراد مع ترديد عبارات المباركة و التهنئة التى اشترك فيها الكثير من الركاب.
و كان مراد يرد عليهم بايماءات من رأسه يصاحبها ابتسامة دبلوماسية كامتنان للجميع.
و ما ان استقر مراد بمقعده و التفت اليها ليشعر على الفور بما تعانيه فقال لها بخفوت:
ايه يا رهف .. انتى خايفة من الطيارة و اللا ايه.
اهربت عبرة خائنة من مقلتيها عندما احنت راسها و هى تحاول مداراة رعبها الساكن بجوانبها.
فقال مرة اخرى:
انا عارف انك ماركبتيش طيارات قبل كده .. بس مش لدرجة الرعب ده .. ماتخافيش كده.
رهف و عى تحاول السيطرة على نبرات صوتها المتهدجة:
مش الطيارة بس اللى مخوفانى.
مراد بفضول:
ايه تانى مخوفك اومال.
رهف بيأس:
مش هتفهمنى.
مراد:
طب ما تحاولى تتكلمى .. مش يمكن افهم.
رهف و هى تمسح على وجهها:
طول عمرى كنت لوحدى ، و خدت على كده .. بس على الاقل كنت ببقى عارفة ان دادة زينب و امينة حواليا .. لكن دلوقتى …..
مراد:
دلوقتى حاسة بالوحدة اكتر من غيرهم .. هو ده اللى تقصديه.
رهف بتردد:
مش بالظبط.
مراد:
طب ايه.
رهف بخفوت:
حاسة انى عاملة زى اللى مابيعرفش يعوم و رموه فى البحر مرة واحدة و سأبوه و قالوا له عوم لوحدك.
ليصمت مراد لبرهة و هو يفكر فى معنى حديثها ثم قال:
و يا ترى تقصدى ايه بالبحر بالظبط .. السفر و اللا الطيارة … و اللا جواز.
رهف و هى تختلس النظرات الى رد فعله:
كلهم.
مراد:
انتى حاسة انك لسه مش مستعدة لجوازنا .. كنتى حابة ننتظر شوية كمان.
رهف بتنهيدة حارة و هى تتذكر كلمات هدى لها وقت الوداع:
انا بس مش فاهمة.
مراد:
و ايه اللى مش فاهماه.
رهف:
مش فاهمة يا مراد .. و مش عارفة اذا كان جوازنا ده بالنسبة لك عن قناعة خاصة و اللا مجرد ارضاء لبابا.
مراد و قد وجدها فرصة جيدة لخوض حديث تمنى حدوثه:
طب ما تيجى نجيبها من الاول يا رهف.
رهف باستغراب:
هى ايه دى اللى نجيبها من الاول.
مراد:
من فترة كده دار ما بيننا حوار كان معناه انك يمكن تكونى مش موافقة على جوازنا من البداية.
رهف بحمحمة:
لاأاا .. مش ده اللى كنت اقصده.
مراد:
اومال كنتى تقصدى ايه.
رهف:
اقصد انك ما اهتمتش تعرف رأيى .. و خصوصا ان بابا هو اللى …
و عندما صمتت قال لها مراد بالحاح:
بابا هو اللى ايه .. كملى.
لتنظر له رهف بحزن و تقول:
بابا هو اللى طلب منك تتجوزنى.
ليصمت مراد و هو يتنقل بين عينيها و الذى لاول مرة يشعر بألم ساكن بداخلها و قال:
انتى تقصدى انى ممكن اكون مجبر على جواز.
رهف و هى تنظر بعيدا:
ايه … مش هى دى الحقيقة.
مراد:
طب و انتى ايه اللى خلى الفكرة دى جت فى دماغك.
رهف:
تقصد ايه اللى اكدهالى.
مراد بذهول:
و كمان اكدهالك … طب فهمينى.
رهف:
افهمك ايه .. افهمك اننا مكتوب كتابنا من اكتر من سنتين ، و انك طول ما انت موجود و فى نفس البيت و احنا تقريبا مافيش حوار بيننا.
افهمك انك تقريبا ما كنتش تعرف رسالة الدكتوراة بتاعتى عن ايه لحد ما انا اتكلمت عنها فى العزومة بتاعة العشا اللى بابا بلغنا يومها بجوازه من تالا.
اقول لك ايه و اللا ايه ، اقول لك انى لسه مجروحة منك من وقت ما اعتقدت انى بكذب عليك فى موضوع الاتيلية.
مراد بدفاع:
انا ما كذبتكيش.
رهف بحزن:
و ما صدقتنيش يا مراد غير لما سألت هدى و عرفت منها.
مراد:
مش دى الحكاية ابدا ، الحكاية ان الموضوع بالنسبة لى كان زى الصدمة .. الحقيقة انتى فاجأتينى بحاجة كانت مستبعدة جدا بالنسبة لى.
رهف بفضول:
و ليه بقى مستبعدة و جدا كمان.
مراد بابتسامة:
اولا لانى ماكنتش اعرف انك شاطرة اوى كده فى الحكاية دى.
رهف بخجل:
و عرفت منين بقى انى شاطرة و اوى كمان.
مراد:
من رأى كل الستات اللى شافوا شغلك ، او اتعاملوا معاه .. حتى تالا كنت شايف انبهارها بالفساتين بتاعتك اللى عرفت بعد كده انها من تصميمك.
رهف:
طب و ثانيا.
مراد بجدية:
ثانيا … انى ما توقعتش ابدا انك ممكن تقدرى تخطى خطوة زى دى من ورا عمى.
رهف بخفوت:
بالمناسبة .. يمكن ماجتش فرصة مناسبة انى اشكرك كفاية على وقوفك جنبى قدام بابا فى موضوع الاتيلية .. الحقيقة موقفك وقتها فاجئنى.
مراد:
ما هو اكيد ماكانش ينفع انى اسيبك تتعرضى للهجوم ده كله فى وجودى و اقف اتفرج عليكي.
بس خلينا نرجع لحكاية انى متجوزك مجبر دى ، مش معنى ابدا كل الكلام اللى قلتيه ده انى مجبر على جوازنا يا رهف.
لتنظر له رهف بعدم اقتناع فيكمل قائلا:
انا راجل عملى يا رهف ، و ده شئ لازم تعرفيه و تتعودى عليه .. شغلى مهم جدا عندى و عشان كده بيبقى مستحوذ على كل اهتمامى .. و ده لانى ما كانش عندى حاجة غيره اهتم بيها.
حتة انى ماكنتش اعرف موضوع رسالتك بالتفصيل .. فيمكن يكون كلامك فيه شئ من الحقيقة .. بس ده مش عدم اهتمام اد ماهو عدم فهم ، انا ما بفهمش فى القانون ، و عشان كده كنت بسمع و بس و مش هدافع عن نفسى و اقول لك انى صح .. ابدا ، انا بس بقوللك القصة و ما فيها.
و لازم تفهمى حاجة مهمة جدا … من قبل ما عمى يتكلم فى موضوع جوازنا ، و انا كنت واخد جوازى منك شئ مفروغ منه و مسلم بيه.
رهف بدهشة:
ازاى بقى .. و مين اللى قال.
مراد:
العادات .. و التقاليد بتاعتنا … انتى فكرك لو كان ليكى اخ ، و اللا كان لينا ولاد عمام تانيبن .. كانت هدى اتجوزت من برة العيلة.. طبعا لا.
رهف ببعض الحزن:
يعنى لو مش اجبار من بابا ، فاجبار من العادات و التقاليد.
مراد باستياء:
و ليه واخداها انها اجبار انا مش فاهم.
رهف بسخرية:
اومال اخودها ازاى.
مراد:
خديها ببساطة ، و احسبيها من زاوية تانية.
رهف:
زاوية ايه بقى دى.
مراد:
ان عمى هو اللى مربينى من بعد بابا الله يرحمه و بقى فى مكان والدى ، و لما آن الاوان انى اتجوز وافتح بيت .. حب انه يرشحلى عروسة اللى هو انتى ، و انا وافقت و اتجوزنا.
رهف بسخرية:
يااااسلاام.
مراد:
انا شايف ان الموضوع عادى جدا الا إذا… كنتى انتى اللى رافضة جوازك منى او ما زلتى.
رهف بلهفة:
لأ.
مراد بابتسامة:
اومال لازمتها ايه بقى كل اللفة دى.
رهف بخجل:
يمكن لانى ماعرفكش يا مراد .. بعد العمر و السنين دى كلها حاسة انى ماعرفكش.
مراد بابتسامة:
يا ستى بكرة تعرفينى.
رهف بامتعاض:
و هعرفك ازاى بقى و انت الشغل هو محور حياتك كله.
مراد:
ماقلنا ده لانى ما كانش عندى غيره يشغلنى .. لكن اعتقد دلوقتى الوضع اتغير.
رهف بخجل:
و اتغير ازاى بقى.
مراد ضاحكا:
لا خلى ازاى دى بقى تبقى بالتجربة ، و انتى بنفسك اللى هتحكمى على التغيير ده.
لتومئ رهف برأسها بهدوء لتجد مراد يمد يده ليمسك كفها قائلا:
لسه خايفة من الطيارة.
لتنظر رهف باتجاه زجاج النافذة لتكتشف انها بين السحاب و ان حديثها مع مراد جعلها تغافلت عن شعور الخوف الذى كان يملأ جنباتها فقالت بابتسامة رضا:
لأ .. خلاص الحمدلله عدت.
فى فيلا سليمان بالقاهرة كان يجلس مدكور بابهى طلة لرجل فى عمره.
فكان يجلس بخيلاء بجوار سليمان و بصحبتهم تالا و هى ترتدى ثوب العرس الذى قد صمم مدكور على ان ينتقيه بنفسه ليضمن حشمته و وقاره.
كان القاضى الشرعى يقوم بانهاء اوراق عقد القران بعد ان انتهى من عقده فى حضور هدى و زوجها احمد الذى كان شاهدا على عقد القران مع المحامى الخاص بسليمان و عدد محدود جدا لا يتعدى العشرة اشخاص من اصدقاء تالا و اسرة سليمان.
و بعد ان انتهى القاضى الشرعى من اجراءاته قام بلملمة دفاتره و هنأ العروسين و غادرهم ليقول سليمان بمرح:
ياللا يا عريس .. لبس عروستك شبكتها.
لتتقدم هدى من عمها لتناوله صندوقا من القطيفة الفاخرة و هى تقبل رأسه و تقول بدبلوماسية:
اتفضل يا عمى .. ألف مبروك.
ليلتقط مدكور الصندوق و يقوم بفتحه ليظهر طاقما من الالماس الخالص الذى ينطق بالبذخ الشديد و الذى سرق انظار الجميع و بمقدمتهم تالا و التى كانت متشوقة لرؤية هدية الزفاف التى وعدها بها مدكور حين قال لها بعد زفاف رهف:
شبكتك دى المفروض انها هديتى ليكى ، و دى اول هدية منى ليكى و انتى على ذمتى .. يعنى لازم تكون تليق بينا احنا الاتنين.
ليلتقط مدكور الخاتم الذى كان يقدر بعدد ليس بالقليل من قراريط الالماس و مد يده ليلتقط كف تالا التى تراقب الحاتم بانبهار و البسها اياه و هو يقول:
اتمنى يكون ذوقى عجبك.
تالا و هى تعبر عن انبهارها:
الا عجبنى .. ده يجنن يا حبيبى .. ذوقك تحفة .. ميرسى.
سليمان:
الف مبروك يا عرسان .. مبروك يا بيبى.
تالا:
الله يبارك فيك يا دادى.
مدكور بمرح:
عقبالك يا سليمان.
سليمان ضاحكا:
ايدى على كتفك .. الاقى بس عروسة حلوة كده و تحبنى زيكم كده.
و كان هناك مصورا صحفيا عمله الاوحد التقاط الصور لتالا و مدكور و بعض اللقطات لعقد القران و التى اتفقت معه تالا على كيفية توظيف تلك اللقطات فيما بعد.
و بعد القليل من الوقت نهض مدكور قائلا:
ياللا بينا.
سليمان:
هتمشوا من دلوقتى .. لسه بدرى على معاد الطيارة.
مدكور:
يادوب على مانغير هدومنا.
تالا:
انا بعتت شنطى كلها مع السواق اللى بعتهولى الصبح.
مدكور:
و وصلوا من وقتها .. ياللا بينا.
امام عمارة أنيقة بحى الزمالك على النيل مباشرة .. توقفت سيارة مدكور ليهبط منها وسط استغراب تالا التى قالت بفضول:
انت وقفت هنا ليه.
مدكور:
وصلنا.
تالا و هى تتلفت حولها بدهشة:
وصلنا فين .. مش الفيلا بتاعتك فى …
مدكور مقاطعا:
الفيلا دى بتاعة رهف و مراد ، انما احنا هنعيش هنا فى شقتى.
رهف بذهول:
انت اول مرة تجيبلى سيرة الكلام ده.
ليترجل مدكور من السيارة و يتجه الى الباب الخاص بها ليفتحه و يمد يده إليها ليساعدها على الهبوط من السيارة و الصعود الى شقتهما و هو يقول:
اوعى تفكرى ان عشان مراد يبقى ابن اخويا و جوز بنتى كمان .. انى ممكن اسمح انكم تعيشوا مع بعض تحت سقف واحد.
ثم انا عاوزك تبقى فى بيتك براحتك و بكامل حريتك ، ماينفعش حد يشاركك فى مملكتك دى .. و اللا ايه ، وكمان انا مش حابب ان يبقى فى بينا عزول .. مش بذمتك عندى حق.
تالا بتردد:
ااايوة.
و ما ان وصلا الى شقتهما حتى وجدتها جميعا مضاءة بانوار خافتة و مزينة بالورود و الشموع.
و وجدت مدكور قد اعد لها مأدبة عشاء فاخرة فقالت باستغراب:
انت مش قلت هنغير هدومنا و نطلع على المطار على طول.
مدكور:
الكلام ده كان عشان الناس و الاعلام و بس.
تالا:
طب اومال ايه.
مدكور بخبث:
احنا هنقضى الليلة هنا فى بيتنا .. انا و انتى و بس ، و بكرة بالليل ان شاء الله نطير على شهر العسل.
تالا بلجلجة:
طب و ليه ماقلتش لدادى على الاقل يتطمن عليا.
مدكور ضاحكا:
انسى دادى بقى .. احنا مش قلنا لازم نعرف الفرق بين قبل و بعد .. ياللا يا حبيبتى .. تعالى اوصلك اوضة النوم و اوريكى الحاجات اللى مجهزهالك عشان تغيرى هدومك ، و اااه .. اعملى حسابك ان تليفوناتنا هتتقفل لحد ما نرجع القاهرة.
تالا:
طب كده الناس هتقلق عليا.
مدكور:
لا ماتقلقيش .. انا بلغت كل الناس فماحدش هيقلق علينا.
بعد مرور شهر و فى فيلا رهف فى القاهرة.
كان موعد عودة رهف و مراد من تركيا .. و كان فى استقبالهم هدى و تميمة و زينب و امينة.
و ما ان دلفا الى الداخل ، حتى هرعت رهف الى احضان زينب و هى قائلة باشتياق:
وحشتينى اوى يا دادة.
زينب بحب:
انتى اكتر يا قلب دادة ، و لو ماكنتيش وحشتينى بالشكل ده ماكنتش طاوعتك ابدا و جيت لحد هنا النهاردة.
مراد ضاحكا و هو يحتضن هدى و تميمة:
و الله الواحد حاسس انه مسافر بقاله كتير اوى.
هدى بمرح:
ليه يا عم مراد كنت حاسس بالغربة و اللا ايه.
مراد:
لا وانتي الصادقة .. اخدت على الكسل ، مش عارف ازاى هبقى مطالب انى اصحى بدرى و انزل شغلى من تانى.
رهف و هى تحتضن امينة بسعادة:
جايبالك معايا اخبار تجنن بخصوص الشغل.
امينة:
ده انتى اللى تستعدى عشان تسمعى الاخبار اللى هنا.
زينب:
مش هنبتديها شغل.. ياللا اطلعوا غيروا هدومكم و انزلوا عشان نتغدا سوا .. زمان مدكور بية على وصول.
رهف:
هو بابا وصل.
هدى:
كلمنا الصبح و قال انه هييجى يتغدا معانا.
رهف بحنين:
وحشنى اوى.
زينب:
و اكيد انتى كمان وحشتيه .. ياللا اطلعوا اعملوا زى ما قلتلكم.
وبعد صعود مراد و رهف الى غرفتهما .. يلاحظ مراد ان رهف يعتليها الشرود فجذبها تحت جناحه قائلا:
سرحانة فى ايه.
رهف:
مش عارفة يا مراد ، دى هتبقى اول مرة اتعامل فيها مع رهف و هى مراة بابا .. حاسة انى مش على راحتى.
مراد:
لازم تبقى على راحتك .. و لازم تفتكرى ان انتى هنا فى بيتك و هم جايبن ضيوف عليكي.
رهف بذهول:
بابا هيبقى ضيف على بيتهم.
مراد بتوضيح:
مراته هتبقى ضيفة عليكي ، ثم انا فهمتك ان عمى اخد شقة لوحده عشان يبقى هو براحته و احنا براحتنا.
رهف بتنهيدة:
عمرى ما اتخيلت انه ممكن يبعد عنى.
مراد:
طب ماهو كان بينزل القاهرة و يسيبك.
رهف:
كنت ببقى عارفة انه يومين و اللا تلاتة و راجع ، لكن بالوضع ده …
مراد:
بالوضع ده ايه بس يا رهف ، دا احنا مع بعض فى القاهرة ، و المسافة يعنى مش كبيرة للدرجة دى ما بينا و بينه.
لتصمت رهف على مضص ، ليلاحظ مراد امتعاضها فيكمل حديثه قائلا:
حاولى تاخدى الموضوع ببساطة اكتر من كده.
رهف:
مش قادرة اتصورها مكان امى يا مراد ، مش قادرة اتخيل حتى انها ممكن تدخل اوضته.
ليديرها مراد لتقف بين يديه ليقول لها بجدية:
اوعى تفكرى ان عمى ماعملش حساب النقطة دى ، اومال انتى متخيلة سكن بيها بعيد ليه ، ماهو عشان كده ، عمى كان حريص لاقصى درجة انه يحافظ على مشاعرك و على ذكرى مامتك الله يرحمها فى نفس الوقت.
رهف:
الاختيارين احلى مافيهم مر يا مراد .. يمكن ماتصدقش لما اقول لك ان بعد بابا عنى هياثر فيا اوى ، كلكم معتقدين ان عشان كان دايما بيتعامل معايا بجد زيادة عن اللزوم ان بعده مش فارق معايا .. لكن بالعكس .. انا رغم كل شئ الا انى كنت دايما ببقى متطمنة و انا شايفاه قدامى.
مراد بامتعاض:
و انتى مش متطمنة بوجودى معاكى.
رهف:
اقصد انى كنت ببقى متطمنه عليه يا مراد .. ماتنساش انى ماليش غيره فى الدنيا دى.
مراد بعبوس:
اومال انا ابقى ايه بقى.
رهف بابتسامة:
انت جوزى .. لكن هو ابويا ، يعنى ما ينفعش اقارنكم ببعض.
مراد بتنهيدة:
غلبتينى يا ست رهف .. بس انا برضة مش عاوزك تاخدى الموضوع بمأساوية اوى كده ، و ماتحمليش هم ، انا ما اعتقدش ان عمى اصلا يقدر يبعد عنك.
بعد مضى فترة من الوقت .. وصل مدكور بصحبة تالا التى تغير مظهرها مئة و ثمانون درجة.
فكانت ترتدى ملابس انيقة محتشمة لم يعتادها عليها احد و كانت شبه متجهمة تتعامل برسمية مع الجميع.
و ما ان علمت رهف التى كانت ماتزال بالاعلى ان ابيها قد وصل ، حتى هبطت مسرعة و هى تقول بلهفة:
بابا .. حمدالله على السلامة .. وحشتنى.
لينهض مدكور من جلسته و هو يفتح لها ذراعيه قائلا بلهفة حقيقية:
انتى اللى وحشتينى يا عفريتة .. اول مرة تغيبى عنى المدة دى كلها.
ليتبادلا عناقا قويا لم يخلو من دموع رهف التى قبلت ابيها قائلة:
ماكنتش فاكرة انى هوحشك كده .. كنت فاكرة انا بس اللى كده.
ليضمها مدكور الى جناحه مقبلا رأسها و هو يقول:
و مين بقى اللى قال الكلام ده .. ده انتى وحشتينى من قبل حتى ما تسافرى .. تعالى اقعدى جنبى و احكيلى .. انبسطتى فى شهر العسل.
كان مراد كان وصل اليهم هو الاخر فقال بترحيب:
اهلا اهلا يا عمى حمدالله على السلامة .. و مبروك.
ليتبادلا الاحضان فى حين ذهبت رهف الى تالا و قالت:
ازيك يا تالا .. حمدالله على السلامة.
تالا بعنجهية:
ميرسى يا رهف .. و حمدالله على سلامتكم انتم كمان.
مراد بدبلوماسية:
حمدالله على السلامة يا مدام تالا … و الف مبروك.
تالا بابتسامة:
الله يسلمك يا مراد .. ميرسى.
مدكور و هو يسحب رهف من يدها ليجلسها تحت جناحه:
ها .. احكيلى بقى .. انبسطتى.
رهف:
الحمدلله يا بابا .. انبسطت اوى.
مدكور بمرح:
و الولد مراد عرف يفسحك كويس.
رهف ضاحكة:
الحقيقة احنا الاتنين فسحنا بعض كويس جدا.
هدى:
ازاى بقى احكولنا.
مراد و هو يبادلها الضحكات:
اكتر من مرة تطلع فى دماغها انها عاوزة تنزل تتمشى ، و كنا فى الاول مش واخدين خوانة طبعا و لسه ماحفظناش الاماكن ، و كنا نفضل من هنا لهنا لحد ما فجأة نلاقى روحنا فى مكان مالوش معالم.
مدكور:
طب و بعدين.
رهف ضاحكة:
و لا قبلين .. كنا بنقول يا غربتى ، و نقعد ندور على تاكسى يرجعنا الاوتيل و معظم المرات كنا نكتشف اننا اصلا جنب الاوتيل و مش عارفين.
مراد:
بس طبعا اتعلمنا بعد كده.
مدكور:
و عملتوا ايه بقى لما اتعلمتو.
مراد و هو يقبل تميمة الجالسة فوق قدميه:
بقينا ناخد خريطة من الاوتيل قبل ما نتحرك.
امينة:
و عملتى ايه فى الشغل طمنينى.
رهف بسعادة:
مضينا العقد الحمدلله .. و هنبتدى فى التنفيذ خلال شهر بالكتير.
امينة و هى تصفق بمرح:
الله عليكى هو ده الكلام.
هدى:
ده بقى طبعا غير الخبر اللى ليكى عندى.
رهف:
خبر ايه يا ترى.
هدى و هى تصفق بيديها برتم منتظم:
لقينا المقر الجديد اللى فى القاهرة و كتبنا العقد اول امبارح و الاجمل انه مش محتاج توضيب خالص ، و جاهز على الفرش و الشغل على طول.
امينة بحماس:
و اتعاقدنا على المكن كله و هيوصل و هيتركب بكرة ان شاء الله.
لتنهض رهف من مكانها لتحتضن هدى و امينة بسعادة قائلة:
احلى اخبار من احلى هدى و امينة فى الدنيا كله.
مراد:
مبروك يا رهف .. الف مبروك.
رهف بسعادة:
الله يبارك فيكم.
مدكور:
الف مبروك يا حبيبتى .. تستاهليها.
رهف بفرحة شديدة:
بجد يا بابا .. حضرتك شايف انى استاهلها.
مدكور:
طبعا يا حبيبتى .. كفاية انه مجهودك انتى ، حلمتى حلم مشروع و حققتيه برضة بطريقة مشروعة .. فطالما حقك و تعبك يبقى تستاهليه.
كانت تالا تراقب حديثهم بخليط من الحقد و السخرية اللذان لم تستطع مداراتهما لتلاحظ هدى ملامحها التى تنم عن كره شديد لما يدور حولها فقالت لها:
و انتى يا تالا.
تالا بانتباه:
انا ايه.
هدى:
انبسطتى فى شهر العسل.
تالا بسخرية:
ااه اومال ايه .. انبسطت جدا.
تالا:
تقصدى مظهر اكبر من سنى.
رهف:
بالعكس يا تالا .. اى حد يشوفك هيديكى اصغر من سنك ، و بعدين الدريسات دلوقتى بقت لكل الاعمار ، انا حتى انطلب منى انى اصمم مجموعة دريسات للسن اللى تحت العشرين.
تالا ببعض الامتعاض:
بس برضة .. المفروض اللبس بالذات بيبقى حرية شخصية.
رهف بعدم فهم:
ااه طبعا .. بس انا مش فاهمة ، مش انتى اللى مختارة الفستان ده عشان تلبسيه.
تالا و هى تنظر لمدكور بزاوية عينيها:
مش بالظبط.
رهف:
مش فاهمة.
مدكور مقاطعا حديثهم:
هو انتو مش ناويبن تأكلونا و اللا ايه .. انا جعت.
و اثناء الطعام قالت هدى:
انا عاوزة اوجه الدعوة لبعض رجال الاعمال اللى بيشتغلوا فى الازياء فى الحفلة اللى هتتعمل.
مدكور:
انا قلت لك ان الحفلة مسئوليتك .. شوفى ايه المناسب و اعمليه.
تالا ببعض الاعتراض:
الحفلة دى اللى المفروض كل الناس المهمين هيحضروها .. يعنى لازم تبقى تحت اشراف ناس متخصصة فى الكلام ده ، و كمان دادى قاللى انه كلم مكتب تنظيم حفلات هم اللى هيتولوا الحكاية دى.
مدكور و هو يكمل طعامه:
يبقى المكتب ده يتصل بهدى .. لان هى اللى هيبقى معاها كل التفاصيل .. و ماتشغليش انتى بالك بالحكاية دى ، المفروض ان انتى العروسة .. فسيبك من التفاصيل دى و ماتشغليش بالك بيها.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل العاشر 10 - بقلم ميمي عوالي
مدكور وهو يكمل طعامه: يبقى المكتب ده يتصل بهدى.. لأنها اللي هيبقى معاها كل التفاصيل.. وما تشغليش بالك بالحكاية دي، المفروض إنكِ العروسة.. فسيبكِ من التفاصيل دي وما تشغليش بالك بيها.
ظهر الامتعاض جليًا على وجه تالا وهي تحاول العودة إلى طعامها مرة أخرى، لتقول هدى: لو انتِ حابة حاجة معينة بلغيني بيها وأنا هعملهالك يا تالا.
تالا وهي تحاول كسب تعاطف مدكور: مش حكاية حاجة معينة.. بس زي ما انتوا عارفين.. إحنا اتجوزنا من غير فرح.. فكنت حابة إن الحفلة تتنظم من ناس بروفيشنال عشان الحفلة تليق باسمي واسم مدكور.
هدى ببساطة: ما تقلقيش خالص.. ويا ريت تأجلي حكمك لبعد الحفلة، أنتِ نفسك بعد كده هتتمني لو ينفع إنك تطلبي مني إني أشرف على تنظيم أي حفلة تعمليها.
كان مدكور قد أنهى طعامه، فنهض من مكانه قائلاً لزينب: تسلم إيدك يا زينب.. أكلك كان واحشني جدًا.
زينب بود: بألف هنا على قلبك يا مدكور بيه.. والله أنت اللي كنت واحشنا كلنا.
مدكور وهو يتجه إلى البهو الخارجي: طب أنا مستني القهوة بتاعتي.
لحق به مراد على الفور، تاركًا رهف بصحبة أمينة وتالا بعد أن تركتهم زينب لإعداد القهوة لمدكور، فقالت هدى: ها يا رهف.. احكي لنا.. أخبار تركيا إيه؟
رهف: إحنا مش هيبقى لنا سيرة غير عنها لمدة طويلة.. خلونا نسمع تالا.. احكي لنا يا تالا.. عملتي إيه في فرنسا.. انبسطتي؟
تالا بكبر: أوي.. قد إيه بلد جميلة وشيك وراقية.
هدى: كل بلد فيها وفيه يا تالا.. أنتِ بس اللي ماشفتيش غير اللي على الوش.
تالا: يمكن، بس الحقيقة الجو هناك يجنن.
رهف بحمحمة: ويا ترى مبسوطة مع بابا؟
تالا: أه مبسوطة.. مدكور ده راجل لكل العصور زي ما بيقولوا.
رهف: إزاي بقى؟
تالا ضاحكة: يعني تشوفيه تقول لي راجل جد ودقة قديمة ورجعي، لكن فجأة تلاقيه بيعرف يعمل كل حاجة.. ده أنا حتى متهيأ لي إنه ممكن يكون بيعرف حاجات مراد نفسه ما يعرفش يعملها.
رهف: ربنا يسعدكم.
هدى: أهم حاجة إنكم تبقوا مبسوطين.
أما لدى مدكور.. فكان يرتشف قهوته باستمتاع، في حين كان مراد يتحدث قائلاً: ها يا عمي طمنني.. عامل إيه؟
ليضحك مدكور بصخب ويقول: عامل عريس.
مراد بمرح: واضح إن الموضوع جه على مزاجكم.
مدكور: حد يلاقي دلع وما يتدلعش يا سي مراد.
مراد: لأ إزاي.. يتدلع طبعًا، بس أنا أقصد عامل إيه مع سليمان بيه؟
مدكور وهو يختلس النظر تجاه غرفة الطعام: لسه ما اديتلوش فرصة إنه حتى يشوفني.. بس عازمنا على العشا عنده بكرة.
مراد: طب أنا كنت محتاج أنور معايا الفترة اللي جاية دي، يا إما يجيني.. يا إما هضطر أسافر له.
مدكور بتفكير: خليه هو يجيلك كام يوم على ما ترتب حالك وتعرف الدنيا هتمشي بعد كده إزاي.
مراد وهو يلتفت بدوره ناحية غرفة الطعام: أنور اشتكى لي من سليمان وأنا مسافر.
مدكور بفضول: ليه.. إيه اللي حصل؟
مراد: فاجأهم بزيارة بحجة إنه بيتابع الشغل أثناء غيابنا وطلب منه تقرير شامل عن المجموعة والمشاريع اللي شغالة والعملاء وحاجات زي كده.
مدكور بسخرية: وبعدين؟
مراد: ابدأ.. أنور قاله إنه يقدر يعمل له التقرير ده عن المشروع اللي هو شريك فيه.. لكن غير كده فهو ما يقدرش لأنها أسرار شغل.
مدكور بإعجاب: برافو.. بس يا ترى الكلام ده بقى عجب سليمان؟
مراد بسخرية: عمل إنه مبسوط منه وإنه بس كان عاوز يشوف الموظفين بتوعنا عندهم سرعة بديهة وإخلاص لينا ولا لأ.
ليضحك مدكور بشدة، ليرى تالا وهي قادمة إليهم ومن خلفها رهف وأمينة وهدى، ويظل على ضحكاته حتى جلست بجواره وقالت: خير يا حبيبي.. إيه اللي بيضحكك أوي كده؟
مدكور: ابدأ يا حبيبتي.. أصل مراد كان بيحكي لي على حاجة كده بس جامدة.
تالا بدلال: طب إيه.. مش هتضحكنا معاك؟
ليتبادل مدكور النظرات مع مراد ثم يقول: ماينفعش.. حاجة رجالي، ماينفعش أحكيها كده.
ثم التفت لرهف قائلاً: أما جبت لك شوية هدايا من فرنسا إنما إيه.. هتعجبك أوي.
رهف بامتنان: ميرسي يا بابا.. ما نحرمش منك أبدًا.
مدكور: وأنتِ يا هدى، وأمينة وزينب وطبعًا تميمة، بس ما لحقتش أجيبها معايا النهاردة.. كنت مستعجل عشان أشوفكم لأنكم كنتم واحشني جدًا.
رهف: أنا كمان جبت لكم كلكم حاجات حلوة أوي من تركيا، متأكدة إنها هتعجبكم إن شاء الله.
ليقف مدكور استعدادًا للرحيل قائلاً: طب أنا هسيبكم بقى عشان فعلًا محتاج إني أنام.. وإن شاء الله أشوفكم قريب.
رهف بلهفة: طب ما تخليك معانا يا بابا الليلة دي حتى، اطلع نام واستريح، وأما تصحى أبقى شوف اللي وراك.
مدكور: لا يا حبيبتي، واتعودي بقى إن خلاص كل واحد منا بقى له مكانه.
زينب: قولي لها يا مدكور بيه، أحسن دي مفكراني هقعد معاها هنا طول العمر.
مدكور: كل واحد يشوف اللي يناسبه ويعمله.. خلاص كده.. الكل بقى كبير كفاية.. يلا سلام.
وصل مدكور إلى شقته مع تالا التي كان الصمت حليفها طوال الطريق، وما إن دلفا من الباب حتى قالت بتردد وهي تحاول قياس رد فعل مدكور: إحنا لسه بدري أوي يا حبيبي.. أنت هتنام بصحيح من دلوقتي؟
مدكور: مش حكاية بدري وآخرة، إحنا تقريبًا مانمناش من امبارح، وجينا من السفر يا دوب حطينا شنطنا وغيرنا هدومنا ونزلنا من تاني، فاكيد جسمنا محتاج يستريح.
تالا بامتعاض: أنا دادي واحشني.. وكنت عايزة أشوفهم.
مدكور: طب ما إحنا هنشوفه بكرة بالليل.. مش هو عازمنا بكرة على العشا؟
تالا: هو أنا لسه هستنى لبكرة؟
مدكور وهو يتجه إلى غرفة نومهما: ما قدامكيش حل تاني يا حبيبتي.
تالا بتردد: طب إيه رأيك.. على ما أنت تستريح شوية أكون أنا روحت شفته وسلمت عليه وجيت تاني بسرعة.
ليتوقف مدكور عن استكمال طريقه ويلتفت إليها قائلاً بترصد كامن: هو دادي ساكن فين.. فكريني كده.
تالا بدهشة: أنت نسيت بيت دادي فين!!.. في مصر الجديدة.
مدكور: وأنتِ بقى عاوزة تنزلي وإحنا في الزمالك ولوحدك ودلوقتي عشان تشوفي دادي اللي في مصر الجديدة؟
لتشعر تالا إنها قد وقعت في كمين، فقالت بتردد: و.. و.. وفيها إيه.. عادي يعني ماهياش أول مرة أخرج لوحدي في الوقت ده.
مدكور بحزم: سبق وقلت لك من قبل ما نتجوز إنك تنسي كل ده، وأعتقد إني نبهتك إنك وأنتِ شايلة اسمي حاجة، وأنكِ من غيره حاجة تانية.
تالا بامتعاض وقد ارتفعت نبرة صوتها: وده إيه علاقته بإني عايزة أشوف دادي وأسلم عليه، ما أنت كمان روحت سلمت على بنتك أول ما جينا.
مدكور بتحذير: حذاري نبرة صوتك تعلى تاني مرة وأنتِ بتتكلمي معايا يا تالا.
تالا بلجلجة: أنا ما أقصدش.. أنا بس..
مدكور: ولا بس ولا ما بسش..، وما فيش حاجة اسمها اشمعنى، إحنا متفقين من قبل ما ننزل من فرنسا أصلًا، وأنتِ ما جبتيش سيرة إنك عاوزة تشوفي دادي قبل العزومة اللي عاملها لنا، لأنك لو كنتي قلتي لي كنت أنا من نفسي وديتك بعد ما مشينا من عند مراد ورهف أو حتى قبل ما نروح لهم ما كانتش هتفرق، لكن كونك جاية تقولي لي دلوقتي بعد ما وصلنا هنا.. فده مالوش تفسير غير إنك مقررة مع نفسك إنك عاوزة تنزلي لوحدك وتروحي من غيري في الوقت ده.
ليصمت لثوانٍ وهو يراقب ملامح وجه تالا الممتعضة ونظراتها غير المستقرة على مكان واحد، وأكمل حديثه قائلاً: أنا اللي عندي قلتهولك.. ادخلي غيري هدومك ونامي أو اعملي اللي أنتِ عاوزاه، لكن نزول لوحدك في الوقت ده مش هيحصل.. أنتِ فاهمة؟
لتتمخض ملامح تالا بشدة وتتركه وتذهب مسرعة إلى غرفتهما وهي تتصنع البكاء.
لتتناول ملابس نومها وتتجه مرة أخرى إلى خارج الغرفة وهي ترسم على ملامحها الحزن الشديد، ليتجه مدكور هو الآخر إلى الغرفة ليقوم بتغيير ملابسه ودخل إلى الفراش وذهب في نوم عميق في وقت قصير جدًا.
أما بالخارج.. فقد قامت تالا بتغيير ملابسها وتعمدت المكوث بالخارج وهي تظن أن مدكور سوف يأتي ورائها لمصالحتها والقيام بكل متطلباتها، ولكن انتظارها طال لأكثر من اللازم.. لتمر ساعة تلو الأخرى وهي مازالت في الانتظار ولا تعلم بأن مدكور في عالم آخر بين غيوم أحلامه، حتى سحبها النوم هي الأخرى وهي جالسة بمكانها.
في فيلا رهف.
كان مراد قد ترك الإناث لشئونهن، وجلس في غرفة المكتب ليتابع بعض من الأعمال المتراكمة التي في انتظاره كي ينهيها، وكان أنور معه على الهاتف في محادثة فيديو يقول: كل الملفات اللي باقية بعد كده تخص المشروع اللي مع جاسر وسليمان الأنصاري، بس فيهم ملف لازم يبقى قدامك وفي إيدك وأنت شغال عليه يا مراد ماينفعش نظام الأونلاين ده.
مراد: تقصد الحسابات؟
أنور: لا.. أقصد مقاولين التشطيبات.
مراد: مالهم؟
أنور: في مكتبين مقاولين جدد.. سليمان صمم إننا نضمهم للناس بتوعنا.
مراد بحدة: يعني إيه صمم وإزاي أنت وجاسر تسمحوا بالكلام ده، ثم فين الناس بتوعنا؟
أنور: ما تنساش إن مفيش في العقد اللي بيننا وبينه حاجة تقول إنه مالوش علاقة بالكلام ده.
مراد: إزاي يعني؟
أنور: زي ما بقول لك كده، أنا هبعت لك إيميل حالا بصورة العقد.. وأنت هتتأكد بنفسك، أنا حاولت أطلع منه أي كلمة تقول إنه يخليه في حاله ما لقيتش.
مراد: طب الناس دي عندها مشا مشاكل ولا إيه النظام؟
أنور بسخرية: الناس دي ما هي إلا سليمان ذات نفسه بس بيحسن دخله بعد الضهر.
مراد: مش فاهم.
أنور: يعني مكتبين المقاولات دول ملك سليمان الأنصاري يا مراد.. ركز مع أخوك الله يبارك لكم.
مراد بدهشة: طب وليه؟
أنور بتوضيح: عشان يبقى من دقنه و افتل له.
مراد بتهكم: أنت عايز تفهمني يعني إن مكتبين المقاولين دول هم اللي هيفرقوا معاه؟
أنور: أنت مش فاهم.
مراد: فهمني.
أنور: المكاتب دي بتقوم بشغلها على الورق بس، لكن في الواقع بقية المقاولين هم اللي قايمين بكل الشغل الفعلي.
مراد بحدة: وأنت إزاي تسكت على الكلام الفارغ ده يا أنور.. ده كده سرقة علني.
أنور: هو أنت دايماً حمقى كده، مين قال لك إني سكت؟
مراد: وعملت إيه بقى؟
أنور: خليت المحامي بعت إنذار رسمي بفسخ العقد بعد ما عملنا محضر إثبات حالة بعدم الالتزام بالعقد.
مراد بابتسامة: وبعدين؟
أنور بتهكم: ولا قبلين يا حبيبي.. شكل حما عمك حطني في دماغه وناوي يسرحني قريب.
مراد بضحك: إيه.. عمل لك إيه؟
أنور: ابدأ يا أخويا.. لقيته بيكلمني وبيقول لي لما تبعت للمكاتب عندي إنذار بفسخ التعاقد يبقى الظاهر نسيت إنك بتشتغل عندنا.. أنا اللي بنذرك إنك تلتزم بحدود شغلك يا هتلاقي جواب فصلك بين إيديك.
ليضحك مراد بشدة ويقول: ها وبعدين؟
أنور ببراءة: والله يا مراد يا أخويا.. لما فكرت فيها قلت وليه لـ..
مراد بفضول: هو إيه ده مش فاهم؟
أنور: ماهو لو رفدني هبقى فاضي.. فـ أنا إيه بقى.. أروح للبنت أمينة وأفرحها إني فضيت لها ونتجوز ونتلم بقى.
مراد: هتتجوزها وأنت عاطل وما عندكش شغلانة؟
أنور: لا مانا هخليها تاخدني معاها الأتيليه.
مراد ضاحكًا: وهتعمل إيه بقى في الأتيليه إن شاء الله؟
أنور: أضُم لهم إبرة.. أركب لهم زرار، أقول لك.. هاخد لهم المقاسات.
مراد وهو يلتقط أنفاسه من شدة الضحك: تصدق هتليق عليك.. وأبقى فكرني أجيب لك متر لبن من بتاع مراتك.
أنور بامتعاض: هي فين مراتي دي مانتو مستوليين عليها، هو أنتو مش خلاص رجعتوا بالسلامة وسلّمتوا وحكيتوا واتكلمتوا، مراتي مارجعتش ليه أنا عايز أفهم؟
مراد: ترجع ولا ما ترجعش أنت مالك؟
أنور بحدة: مالي إزاي يا جدع أنت.. دي مراتي.
مراد: يا عم بالراحة بس على حنجرتك، أنا أقصد إنك لسه كاتب الكتاب، يعني لسه في بيت أهلها، لما تبقى بقى في بيتك يا معلم ابقى اعمل ما بدالك.
أنور: بس كده.. وحياتك عندي هو شهر من دلوقتي وهتشيل لقب حرمنا المصون.
مراد ضاحكًا: ده لو ربنا نجاك من سليمان وما شلتش لقب حرم المرحوم، عمومًا.. ماشي يا عم.. مبروك مقدماً.
أنور: طب برضه هتسيبوها تيجي إمتى؟
مراد بمكر: يا عم هبعتهالك من الصبح.. بس آآه صحيح اعمل حسابك تبقى عندي في القاهرة من بكرة.
أنور باستنكار: وليه بقى إن شاء الله؟
مراد: ما أنت لسه قايل إن فيه حاجات محتاجة تتراجع وهي في إيدي، فاتفقت مع عمي إنك تجيلي يومين كده نخلص فيهم الكلام ده.
أنور بمرح: طب مش تقول من بدري، هتلاقيني عندك الصبح.. آآه.. ويا ريت تسك على الأوردر.. لغيناهم.
مراد: أوردر إيه ده بقى كمان؟
أنور: أوردر حرمنا المصون.. أصلي قررت آجي أستلمها بنفسي تيك أواي بلفة هدايا محترمة.
أما لدى رهف فكانت أمينة تحدثها قائلة: إحنا عاوزين ناخدك بكرة الصبح نفرجك على المكان قبل ما يتفرش.. إيه رأيك؟
رهف: طبعًا.. بس ما قولتيليش.. هو مكانه فين؟
هدى بخبث: في الزمالك.
رهف: وااو.. طب يا ترى بقى قريب من شقة بابا ولا بعيد؟
أمينة وهي تتبادل نظرات ملؤها التسلية مع هدى: أه قريب.. الحقيقة مش هتصدقي الصدف العجيبة اللي خلتنا في نفس العمارة بتاعة عمو.
رهف بانشداه: مش معقوووول.
هدى: لا معقول.. بس إحنا في الدور الأرضي ولينا مدخل خاص بينا لوحدنا.
رهف بفضول: وبابا عارف الكلام ده؟
أمينة بجدية: أنا عايز اكي تسيبك من الكلام ده وتركز في المهم.. إحنا محتاجين تصميمات جديدة لخط الإنتاج الجديد، وكمان فيه طلبات جديدة كتير جدًا اتفقت عليها هدى.
رهف بدهشة: هدى!!
هدى باعتداد مرح: آه يا بنتي أومال إيه.. لا أنتِ فاكرة إني كنت بلعب ولا إيه.. ده أنا فتحت لك شغل جامد مع ناس ليها اسمها وعشان كده استأذنت من عمي إني أعزم الناس دي على الحفلة.. لأني عايزة أعرفك عليهم.
رهف بحب: أنا مش عارفة أقول لكم إيه.. ربنا ما يحرمنيش منكم أبدًا.
أمينة: بس خدي بالك.. أنا كلها كام يوم ولازم أرجع أسيوط، ماينفعش أسيب الدنيا هناك لوحدها بالشكل ده أكتر من كده.
رهف بمحايلة: يا أمينة الناس هناك قد المسؤولية، خليكي أنتِ معايا هنا.
هدى ضاحكة: شكلك عايزة أنور يصور لنا هنا قت/ل.
رهف باعتذار: أنا عارفة إني واخداكي منه بزيادة، حقكم عليا.
أمينة: ما تقلقيش.. وهانت.. الدنيا قربت تتظبط.
هدى: ماحدش فيكم لاحظ حاجة على تالا لما كانت هنا؟
أمينة: الفستان اللي كانت لابساه من عندنا.. بس أنا مارضيتش أعلق.
رهف: وأنا كمان، لأني حسيته مش عاجبها.
أمينة بسخرية: الاحترام هو اللي مش عاجبها مش الفستان، شكل السيد الوالد ممشيها على العجين ماتلخبطوش.
هدى: أنا برضه لاحظت ده.. بس مش ده قصدي.. أنا بتكلم على حاجة تانية.
رهف: حاجة إيه دي؟
هدى: حسيتها اتضايقت إني أنا اللي برتب للحفلة.
أمينة بسخرية: سيبك منها، هي كانت فاكرة إنها هتؤمر والكل يقول لها شبيك لبيك.. بس أحسن حاجة عملها عمو مدكور إنه قعدها بعيد عنك يا رهف وحط النقط على الحروف من أوله.
رهف: بس بصراحة.. هي برضه صعبانة عليا.
أمينة بذهول: وصعبانة عليكي ليه بقى إن شاء الله؟
رهف: حاسة بابا زي ما يكون بيتعامل معاها بجفا.
هدى: الصراحة أنا كمان لاحظت ده.
أمينة: وأنا كمان.
رهف: مش معاملة عروسة لسه راجعة من شهر العسل أبدًا.
أمينة بمكر: ألا هو صحيح يا رهف.. المفروض يتعامل معاها إزاي؟
رهف بسلامة نية: يعني.. يحتويها ويهتم بيها ولا حتى يتكلم معاها.. دي كانت بتشد منه الكلمة، رغم المفروض العكس تمامًا.
أمينة بتنهيدة سخرية: تقصدي يعمل معاها زي ما مراد بيعمل معاكي كده؟
رهف: أنتِ بايخة على فكرة ومش هتكلم قدامك تاني.
أمينة ضاحكة: والله ونطقنا وعرفنا نتكلم يا زمن، ياختي مش عايز اكي تتكلمي معايا.. عايز اكي تتكلمي مع هولاكو.
رهف بترصد: وما تقوليش عليه هولاكو مرة تانية.
أمينة باعتراض: وما أقولش ليه بقى إن شاء الله، هو اتجوزني أنا ولا اتجوزك أنتِ؟
رهف: يعني يرضيكي أقول على أنور هولاكو؟
أمينة بمرح: ياختي إياكي تقولي عليه بطليموس الرابع عشر.. كل واحد حر في ألقابه.
هدى: طب بغض النظر هنروح نبص على الأتيليه امتى؟
أمينة: بكرة الصبح طبعًا.
رهف: لأ.. خلوها بعد الضهر، عشان حابة إن مراد يشوفه معانا.
أمينة: الحب ول/ع في الدرة يا جدعان.. ماشي يا نحنوحة.. يبقى بكرة بعد الضهر، بس تعملي حسابك إنك مطالبة تسلميني كل يوم تصميم جديد على الأقل عشان الخط الجديد.
كان مدكور قد بدأ في التململ بفراشه ليمتد بصره إلى ساعة الحائط ليجدها اقتربت من السادسة صباحًا لينتبه على أنه وحده في الفراش، ليستجمع تركيزه وينهض ذاهبًا للوضوء، ثم خرج باحثًا عن تالا ليجدها متكومة فوق الأريكة وهي غارقة في سبات عميق، فوقف أمامها لبرهة وهو يحدث نفسه قائلاً: ابتديتيها بدري أوي يا بنت سليمان.. بس معلش، هنشوف مين فينا نفسه أطول من التاني.
ليذهب لأداء صلاته.. وبعد الانتهاء من الصلاة.. بدأ في ارتداء ملابسه استعدادًا للذهاب إلى العمل.. ليسمع دقات قصيرة على باب غرفته وعندما سمح للطارق بالدخول وجدها الخادمة تخبره بأنها قد أعدت الإفطار وقالت له: هي تالا هانم مش هتصحى؟
مدكور: لا سيبها براحتها ماتقلقيهاش عشان نامت متأخرة وبلاش تعملي دوشة جنبها لحد ما تشبع نوم وتصحى من نفسها.
الخادمة: طب هتفضل مكانها كده؟
مدكور: أيوه سيبها ولما تصحى قولي لها إني مش عايزها تروح في حتة لغاية ما أجي.. عشان هنخرج سوا.
الخادمة: حاضر.. طب والفطار؟
مدكور: أنا جاي حالًا.
ليتناول مدكور إفطاره وقهوته ويغادر إلى العمل تاركًا تالا على وضعها الذي استفاقت منه عند العاشرة لتتفاجأ بأن مدكور قد أعطاها أول صفعة في حياتهما معًا.
في مقر مجموعة مدكور بالقاهرة.. كان مدكور يجلس بصحبة مراد وهو يقص عليه كل ما أبلغه به أنور عن ما حدث أثناء سفرهما ليقول مدكور: حاول تخلي أنور يبعد تمامًا الفترة اللي جاية دي عن سليمان، ويا ريت ما يتعاملش معاه من أصله لفترة كده.
مراد باستغراب: وأشمعنى بقى؟
مدكور: سليمان نابه أزرق، ومهما كان.. أنور ممكن ما يبقاش واخد باله.
مراد: من ناحية يقدر فهو يقدر يعمل كتير يا مراد، أنا سبق وفهمتك سليمان معظم شغله من تحت الحزام.
مراد: عمومًا.. حاضر، وأعتقد طالما أنا وحضرتك موجودين فالتعامل كله هيرجع من تاني من خلالي أنا وحضرتك بعيدًا تمامًا عن أنور.
مدكور: هو ده بالظبط اللي أنا عاوزه، ومش عاوزك أبدًا مهما حصل تجيب سيرة اللي حصل قدام سليمان، كأن أنور ما حكاليناش أي حاجة.
مراد: إزاي بقى، طب والإنذارات اللي اتبعتت دي؟
مدكور: ده شغل القسم التنفيذي والشئون القانونية، فمش شرط إننا نبقى عارفين بالتفاصيل دي.
وقبل أن يقوم مراد بالرد على مدكور يستمعا لدق على الباب وقبل السماح بالدخول يجدا أن تالا قد دلفت من الباب وهي في قمة زينتها قائلة بثبات: صباح الخير.. ليه ما استنتنيش عشان تيجي؟
لينظر إليها مدكور بابتسامة وراءها سخرية وترصد ويقول موجها حديثه لمراد: طيب يا مراد.. نكمل كلامنا بعدين.