تحميل رواية وانقطعت الخيوط بقلم ميمي عوالي pdf
بقلم ميمي عوالي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
قد يكون الحب أقرب ما يكون للكائن الحي، فهو ينمو ويتغذى على الاهتمام والمشاعر المتبادلة، ولكن في بعض الأوقات قد يتحول إلى قيود، بعضها من فولاذ والآخر كخيوط العنكبوت. ونحن من نتخذ القرار في تركها، أو التشبث بها. الغفير: يا سعادة البيه، أحلف لك أنها ما خرجتش أبدًا من السراية، أنا ما اتنقلتش من مكاني إلا أما سعادتك ندهتني دلوقتي، ولا يمكن تكون خرجت أبدًا من غير ما أشوفها. مدكور بحدة: امشِ غور من قدامي، وقلّبوا عليها البلد كلها لحد ما تلاقوها. صوت ناعم من ورائه: فيه إيه يا بابا، إيه اللي مخلي حضرتك ع...
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ميمي عوالي
غادر مراد مكتب عمه بعد أن رد التحية على تالا، التي أغلقت الباب خلف مراد وذهبت تجاه مقعد مدكور. انحنت مقبلة وجنته بدلال مقرون بالامتعاض قائلة:
"رغم إني زعلانة منك.. بس أول ما شفتك ما قدرتش أفضل زعلانة."
مدكور بتهكم:
"ويا ترى زعلانة من إيه بقى؟"
تالا وهي تعبث بوجهه:
"يعني مانتش عارف أنت عملت إيه."
مدكور بتهكم:
"مش واخد بالي."
تالا بنبرة حزينة:
"سبتني أنام إمبارح وأنا زعلانة منك، وكمان سيبتني نايمة على الكنبة في الليفنج وقمت وفطرت وشربت قهوتك كمان وعملت كل ده من غير ما تفكر حتى إنك تصحيني تقولي قومي نامي مكانك، أو حتى تقولي ماتناميش بعيد عن حضني مرة تانية.. وكأني مش فارقة معاكم."
مدكور:
"ويا ترى بقى عرفتي منين إني لما صحيت فطرت وشربت قهوتي كمان قبل ما أنزل؟"
تالا:
"من الشغالة."
مدكور:
"امممم.. ويا ترى بقى الشغالة وهي بتقول لك كل الكلام ده.. ما قالتلكيش إني منبه إنك ماتخرجيش لحد أما أرجع؟"
تالا وهي تزدرد لعابها:
"مانا ما خرجتش."
مدكور:
"أومال جيتي لحد الشركة إزاي، في نفق من الدولاب مثلا بيوصل على هنا؟"
تالا:
"أنا أقصد إني مجرد نزلت الشغل، هو ده اسمه خروج؟"
مدكور بجدية:
"بالنسبة لي خروج، ثم إنتي ما قلتيليش إنك عاوزة تكملي شغل بعد الجواز."
تالا بصدمة:
"إيه.. تقصد إيه بإن إني أكمل شغل.. هي دي محتاجة كلام ونقاش؟"
مدكور:
"طبعًا محتاجة، لازم شغلك يبقى بموافقتي."
تالا بجدال:
"طب وهو إنت معترض إني أشتغل، أنا ما أقدرش ما أشتغلش، وبعدين دادي ما يقدرش يستغنى عني.. أنت عارف ده كويس."
مدكور:
"يبقى لازم تلتزمي بشروطي عشان أسمحلك بالكلام ده."
تالا بذهول:
"شروط!!"
مدكور:
"طبعًا شروط، ولازم تفهمي إن رفضك لأي كلمة هقولها.. فده يعتبر بمثابة إقرار منك إنك قررتي تتنازلي عن شغلك ده عشان تتفرغي لي."
تالا وهي تضم ذراعيها حول صدرها بامتعاض:
"وإيه بقى الشروط دي؟"
مدكور:
"أولًا.. اللبس اللي إنتي لابساه ده ممنوع، سواء في شغلك أو بره، وأنا سبق ونبهت عليكي أكتر من مرة، وأتمنى إن دي تبقى آخر مرة أتكلم معاكي فيها في الحكاية دي."
"ثانيًا، المكياج الأوفر ده ممنوع.. إنتي متجوزة راجل، والراجل ده مش عارضك للبيع ولا في بترينة للي رايح واللي جاي، وبرضه سبق واتكلمت معاكي في النقطة دي."
"ثالثًا.. فطالما بقى إنك بتشتغلي مع دادي وعشان دادي.. يبقى وجودك في مجموعة دادي مش هنا، وجودك هنا بس لو المشروع اللي بينا يستدعي وجودك هنا، غير كده.. لأ."
تالا بذهول:
"إنت مش عاوزني أبقى موجودة معاك هنا؟"
مدكور:
"أنا اتجوزتك عشان تبقي معايا في بيتي مش في الشغل."
تالا:
"بس أنا عاوزة أبقى معاك على طول في البيت وبره البيت."
مدكور بسخرية:
"وتسيبي دادي؟"
تالا:
"مانا هبقى معاه و معاكم."
مدكور:
"ما ينفعش.. إنتي مع دادي بتصوني وبتتابعي مالك ومال دادي وبتحافظي عليه، لكن هتعملي إيه هنا؟"
تالا بتردد:
"مانا برضه هنا هراعي مالك وأحافظ عليه."
مدكور:
"طب ما أصحاب المال موجودين وبيعملوا ده.. يبقى الأفضل إنك تخليكي في مكانك الأصلي، لكن لو مش فارق معاكي المكان يبقى قلته أحسن واتفرغي لي على الأقل أما أرجع البيت تعبان ألاقيكي بتستقبليني وبتنسيني تعب يومي.. مش ده كان كلامك ليا قبل الجواز؟"
تالا:
"أنا قلت هبقى معاك على طول عشان أريحك وآخد بالي منك طول الوقت وفي كل مكان."
مدكور:
"ما ينفعش."
تالا:
"وليه بقى؟"
مدكور:
"إنتي في الشغل هتبقي تالا الأنصاري سيدة الأعمال، لكن في البيت.. هتبقي تالا مراتي.. مرات مدكور العزيزي وبس.. فهمتي بقى؟"
تالا:
"طب ما أنا هنا وفي كل مكان هفضل تالا العزيزي.. مراته."
مدكور:
"وهتودي تالا الأنصاري فين؟"
تالا:
"وليه أوديها في حتة.. ما هما الاتنين نسخة واحدة.. يبقى إيه المشكلة؟"
مدكور بحزم:
"المشكلة إني مابشغلش معايا أي حد عنده ولاء لأي مكان تاني أو لأي حد تاني حتى لو الحد ده يبقى أبوكي يا تالا.. إنتي هتفضلي تالا الأنصاري وولائك الأول والأخير لمجموعة الأنصاري.. وده شغل يا حبيبتي ما فيهوش ولا ينفع يبقى فيه عواطف."
تالا بذهول:
"أنا مش مصدقة.. إنت كده فعلاً رافض وجودي هنا معاكم؟"
مدكور بحزم:
"سبق وقلتها وهكررها من تاني.. أنا مابحبش خلط الأوراق يا تالا.. سيبي الشغل للشغل والبيت للبيت."
لتنهض تالا من مكانها وهي تقول بحدة:
"ماشي يا مدكور.. أنا رايحة على المجموعة عند دادي."
مدكور:
"استني عندي."
تالا وهي تدعي الحزن:
"إيه.. في حاجة لسه عاوز تقولهالي؟"
مدكور:
"الظاهر إنك ما فهمتيش اللي أنا قلته."
تالا:
"وإيه بقى اللي أنا ما فهمتوش؟"
مدكور وهو يشير بإصبعه تجاهها:
"إنك مش رايحة في حتة بمظهرك ده، عاوزة تروحي الشركة عند دادي يبقى تروحي البيت تغيري هدومك وتلبسي من اللبس اللي إنتي عارفة إني موافق عليه وتشيلى المهرجان اللي إنتي عاملآه في وشك ده."
تالا بغيظ:
"هبقى أعمل الكلام ده بكرة، سيبني النهاردة عشان اليوم قرب يخلص أصلاً."
مدكور:
"كلامي واضح.. عاجبك وهتنفذيه يبقى تمام أوي، ولو إنتي معترضة على كلامي ده…. أكيد هيبقى في كلام تاني."
تالا بفضول:
"كلام تاني إزاي يعني؟"
مدكور وهو يتجه بنظره إلى أحد الملفات الموضوعة أمامه على مكتبه وقال دون أن ينظر إليها:
"لكل مقام مقال يا زوجتي العزيزة."
"آه وعلى فكرة، لو معتقدة إن حركة إنك تسيبى سريرك وتنامي في حتة تانية ممكن تخليني أرجع في كلمة قلتها.. تبقي غلطانة.. مدكور ما بيرجعش في كلمة قالها أبدًا مهما كان السبب.. ياريت تفضلي فاكرة الكلام ده."
لتقف تالا وهي مشدوهة من رد فعله، فاتجهت إلى الباب والغضب حليفها لتقول قبل أن تفتح الباب:
"ماشي يا مدكور.. أنا راجعة البيت ومش هخرج تاني."
ثم خرجت وأغلقت الباب وراءها في غضب مكبوت، ليرفع مدكور عينه ناظرًا للباب الموصد بنظرة تحدي قائلاً:
"ولسه يا بنت الأنصاري… يا أربيكي من أول وجديد وأعمل منك بني آدمة تانية، يا هرجعك بيت أبوكي وإنتي بتستجيري."
كانت تالا تقود سيارتها باتجاه منزل الزمالك وهي تحدث أباها بانفعال شديد قائلة:
"لا يا دادي.. ده بيتحداني."
سليمان:
"اهدى بس يا بيبي واحكي لي اللي حصل بالراحة عشان أفهم."
تالا بغضب:
"ده عاوز يتحكم في كل حاجة.. لبسي وخروجي وحتى شغلي."
سليمان بفضول:
"وماله شغلك؟"
تالا بتهكم:
"البيه بيقول لي إني لو عاوزة أشتغل يبقى أقعد على طول عندك في المجموعة وما أروحش عنده خالص إلا لو في اجتماع بيضم المجموعتين سوا."
سليمان:
"هو بيغير عليكي ولا إيه؟"
تالا بتفكير:
"تصدق ممكن.. لأنه عمال يقول لي مراتي ومش مراتي ولبسك والناس بتتفرج عليكي."
سليمان ضاحكًا:
"شكلك جننتيه على الآخر يا بيبي."
تالا بامتعاض:
"أيوه بس كده هيخنقني على الآخر يا دادي، ثم ده مش عاوزني أروح المجموعة عنده خالص.. طب إزاي بقى هعمل اللي إحنا عاوزينه وأنا بعيد بالشكل ده؟"
سليمان:
"اللي إحنا عاوزينه.. وجودك في المجموعة من عدم وجودك مش هيفرق كتير.. الحكاية مش أكتر من تكتيك صح وتنفيذ بيرفكت."
تالا بزهو:
"وأنت عارف إني دايما بيرفكت في شغلي."
سليمان:
"عارف يا بيبي.. بس عاوزك تحرصي وتاخدي بالك كويس، وزي ما قلت لك قبل كده.. مدكور مش سهل.. مش سهل أبدًا."
تالا بتحدي:
"ماتقلقش عليا يا دادي.. أنا برضه تالا.. ومش عاوزاك تنسى اللي اتفقنا عليه."
عند عودة مدكور إلى المنزل وجد تالا تجلس أمام حاسوبها وهي توليه كل اهتمامها، ليقترب منها قائلاً:
"مساء الخير."
لترفع تالا عينيها عن شاشة حاسوبها وتنظز إليه بهدوء قائلة:
"مساء الخير يا حبيبي.. حمد الله على السلامة."
ليجلس مدكور وهو يقول بتهكم:
"حمد الله على السلامة وبس كده، ده أنا قلت هتستقبليني استقبال المحاربين، عمومًا ماشي.. الله يسلمك."
لتنهض تالا من مكانها وتتجه إليه لتنحني مقبلة إياه وتقول:
"معلش.. أصل مودي مش حلو النهاردة."
مدكور وهو يتجاهل تمامًا ما ترمي إليه بحديثها:
"لا ألف سلامة على مودك يا حبيبتي، يا ترى الغدا جاهز؟"
تالا بغيظ دفين:
"إنت هتاكل.. مش إحنا معزومين عند دادي؟"
مدكور:
"دادي عازمنا على العشا، إنما دلوقتي أنا عاوز أتغدا وإلا مافيش غدا وإلا إيه؟"
تالا:
"أنا قلت للشغالة ماتعملش غدا لأننا معزومين بره."
مدكور بصوت عالٍ جعل تالا تنتفض بوقفتها:
"سميرة!"
لتأتي الخادمة وهي تهرول قائلة:
"أوامرك يا مدكور بيه."
مدكور:
"هو أنا قلت إني مش هتغدى النهاردة؟"
سميرة بتردد وهي لا تدري ما الأمر:
"لأ.. حضرتك ما قلتش حاجة زي كده."
مدكور:
"أومال الغدا ما اتعملش ليه؟"
سميرة وهي تنظر لتالا بقلق:
"أصل الهانم.."
مدكور بحدة:
"بصيلي هنا ومالكيش دعوة بالهانم، طالما إني ما قلتلكيش إني مش هتغدى هنا يبقى تجهزي الأكل في معاده زي ما سبق وفهمتك قبل كده."
سميرة بوجل:
"أنا آسفة.. مش هتتكرر تاني."
مدكور بأمر:
"روحي اعمليلي أي حاجة سريعة.. وإياك تتكرر تاني.. أنا معاد الغدا بتاعي مقدس."
سميرة وهي تلتفت مسرعة لإنجاز ما طلبه منها مدكور فقالت:
"أمر حضرتك."
ليلتفت مدكور إلى تالا قائلاً إليها بتحذير:
"تاني مرة قبل ما تتصرفي أي تصرف تبقي تسأليني الأول."
تالا بامتعاض:
"هو أنا عملت إيه لكل ده، أنا قلت بما إننا رايحين عند دادي..."
مدكور مقاطعًا إياها بحزم:
"تسأليني الأول، دادي عازمنا إحنا الاتنين مش إنتي لوحدك.. لو إنتي مش عاوزة تاكلي براحتك، لكن أنا عندي مواعيد الأكل بتاعتي مقدسة وما بحبش أغيرها، المفروض تكوني عرفتي وحفظتي بقى الفترة اللي فاتت دي."
تالا بتردد:
"يا حبيبي أنا أما لقيت نفسي مش جعانة قلت أكيد إنت كمان هتبقى زيي، وما اعتقدتش إنك هتتضايق للدرجة دي."
مدكور:
"أنا فطرت الساعة سبعة ونص الصبح.. مش زيك من ساعتين."
تالا:
"آه صحيح.. طب معلش.. دلوقتي الشغالة هتجيب لك الغدا."
لينهض مدكور قائلاً:
"هروح آخد دش وأغير هدومي على ما تخلص."
ليتركها ويتجه نحو غرفة نومهما تحت نظرات تالا الحانقة.
كانت رهف بصحبة مراد وهدى وأمينة وأيضاً أنور في المقر الجديد للأتيليه الخاص برهف وهي تتجول بسعادة بالغة بين أرجائه ليقول مراد:
"المكان فعلاً حلو قوي.. مبروك عليكي."
رهف:
"المكان يجنن فعلاً وكبير ومتقسم بطريقة لو أنا مصممة التقسيمة بتاعة الأتيليه بنفسي.. ما كنتش أبدًا هعرف أقسّمه بالشكل ده."
أمينة:
"أحلى حاجة إن في مكان واسع للورشة يستوعب كل المكن مع بعضه."
رهف:
"ودي فعلاً أكتر حاجة عجباني."
هدى:
"وما تنسيش البروفة."
أمينة:
"ومكتبك."
هدى:
"وكمان مكتب إداري."
أنور:
"شطارتكم بجد إنكم تعرفوا تفرشوا المكان بطريقة تحطه في مستوى عالٍ بين المنافسين.. لازم تعملوا برومو للمكان قبل حفلة الافتتاح."
رهف بتردد:
"بس أنا مش ناوية أعمل حفلة للافتتاح."
مراد:
"وليه؟"
رهف:
"يعني.. مالوش لازمة وعطلة وتكاليف على الفاضي."
أنور:
"بس إنتي محتاجة تعملي ده عشان الدعاية على الأقل."
هدى:
"إحنا ممكن نستغنى عن الحفلة بأننا نعمل فيديو بإمكانيات متخصصة نعلن فيها افتتاح الفرع الجديد ونعرض فيه جزء من شغلنا."
رهف:
"الفكرة دي تناسبني أكتر."
هدى:
"وأنا هستلم بكرة كتالوجات للأثاث المكتبي تقدري تختاري منه اللي انتي عاوزاه."
أمينة:
"وأنا عملت إعلان طلبت فيه صنايعية خياطة وتطريز وفني مكن وعمال تشطيب."
رهف وهي تحتضنهم بسعادة:
"مش عارفة كنت هعمل إيه من غيركم."
أنور بمرح:
"اعملي فينا ثواب وعشينا بقى أحسن عصافير بطني بتنهق."
رهف ضاحكة:
"ماشي.. يلا بينا."
في تمام الثامنة.. كانت تالا بصحبة مدكور قد وصلا إلى فيلا سليمان الأنصاري، ليستقبلهم سليمان بحفاوة بالغة وهو يفتح ذراعيه لتالا قائلاً:
"حبيبة دادي.. حمد الله على السلامة.. وحشتيني يا بيبي."
تالا وهي تحتضن سليمان:
"إنت اللي وحشتني أوي يا دادي."
سليمان وهو يحيي مدكور:
"حمد الله على السلامة يا عريس.. شكلك جيت على الجواز وصغرت ييجي عشرين سنة، عامل إيه.. طمنني."
مدكور ضاحكًا:
"إيه.. ناوي تجرب حظك ولا إيه؟"
سليمان بقلة حيلة:
"وأجيب منين عروسة حلوة كده وصغيرة وتدوب في هوايا زي ما حصل معاك يا نمس.. إنت بس اللي محظوظ زيادة عن اللزوم."
مدكور بسخرية:
"ربنا ما يجعل لنا جار وله عينين."
تالا:
"العشا جاهز ولا إيه يا دادي.. أحسن هموت من الجوع."
سليمان:
"جاهز يا بيبي.. يلا بينا.. اتفضل يا مدكور إنت مابقتش غريب.. إنت بقيت صاحب بيت."
مدكور:
"يجلعها عامرة يا سليمان."
وأثناء العشاء:
سليمان:
"ها احكولي بقى.. انبسطتوا في شهر العسل؟"
تالا بابتسامة وهي تنظر لمدكور:
"أوي يا دادي."
سليمان:
"طول عمرك بتحبي باري."
تالا بغنج وهي تنظر لمدكور من تحت أهدابها:
"وحبيتها أكتر وبه.. كان ليها طعم تاني."
سليمان بتهليل:
"يا سيدي يا سيدي على الكلام الحلو.. أوعدنا يارب."
ثم نظر إلى مدكور قائلاً بإيعاز:
"وإنت يا عريس."
مدكور:
"أنا إيه؟"
سليمان:
"انبسطت في فرنسا؟"
مدكور بمرح:
"ومين ماينبسطش في بلد العشاق."
ليضحك سليمان بصخب قائلاً:
"إنتو هتخلوني أفكر جدياً إني أعملها.. فتحتوا نفسي على الجواز."
تالا:
"لو حضرتك حبيت تعملها يا دادي أنا عمري ما هقف أبداً قدام سعادتك وراحتك.. بس…."
سليمان:
"بس إيه يا تالا؟"
تالا:
"لازم تختار واحدة تكون بتحبك بجد عشان ماتبقاش طمعانة فيك."
سليمان:
"تعرفي يوم ما ألاقيها.. هكتب لها نص ثروتي."
تالا:
"يبقى مبروك عليها."
سليمان:
"مش هتزعلي؟"
تالا:
"وأزعل ليه.. لو لقيتها بتحبك بجد يبقى مش خسارة فيها أبداً.. وأنا كمان ما يهمنيش غير سعادتك وراحتك."
سليمان:
"يبقى إيدي على كتفك بقى يا بيبي."
تالا:
"ما إحنا متفقين بقى يا دادي إن شرط أساسي إنها تكون بتحبك زي ما أنا بحب مدكور كده."
كان مدكور يتناول طعامه وهو يرسم ابتسامة سخرية على شفتيه متجاهلاً حديثهما تمامًا حتى قال سليمان موجهاً حديثه إليه:
"وإنت إيه رأيك يا مدكور؟"
ليقول مدكور وهو يدعي عدم الفهم:
"رأيي في إيه؟"
سليمان:
"إني أدور على عروسة حلوة كده تحبني وتدلعني وأكتب لها نص ثروتي."
مدكور دون أن يهتم بالنظر إليه:
"هتعمل إعلان وتقول عروسة تحبني يا أولاد الحلال.. الحكاية دي بتبقى بالنوايا يا عم سليمان.. ربنا بيدي كل واحد على قد ضميره."
سليمان:
"وأنا ضميري زي الفل.. ده أنا بقول لك هكتب لها نص ثروتي."
مدكور:
"يا عم اكتب لها.. كل واحد حر."
سليمان:
"أصل بيني وبينك لما واحدة حلوة وصغيرة تتنازل عن حياتها وتقرر تسيب كل حاجة عشان تعاشر واحد في عمري.. يبقى تستاهل إني أديها عمري بحاله.. وإلا إنت إيه رأيك؟"
مدكور بعدم اهتمام:
"يا عم اديها اللي تديهولها مبروك عليها بس أما تلاقيها الأول."
لتتبادل تالا نظرات الامتعاض مع أبيها الذي قال:
"طب سيبك من الكلام ده.. قولي بقى.. أخبار الشغل إيه؟"
مدكور:
"على حسب ما سمعت من مراد إن كله تمام، والمشروع ماشي كويس زي ما الخطة الزمنية موضوعة بالظبط."
سليمان:
"طول عمري بحب أشتغل معاك عشان فعلاً بتقدر تظبط كل حاجة."
مدكور وهو ينهض تاركًا المائدة:
"يدوم العز يا سليمان، سفرة دايمة."
سليمان:
"ما أكلتش كويس.. أوعى يكون الأكل ما عجبكش."
مدكور:
"أبدا.. بس مابحبش أتقل على العشا عشان أقدر أنام كويس.. أنا هقعد بره أدخن سيجارة على ما تخلصوا أكل."
ليتركهم ويذهب إلى الخارج، ليفول سليمان بتأفف:
"عامل زي حيطة الصد، ماتعرفيش تجيبه كده ولا كده."
تالا بامتعاض:
"أومال أنا بقول لك إيه من الصبح."
سليمان:
"يعني إيه.. هترفعي الراية البيضا من أولها كده؟"
تالا بتحدي:
"ما أبقاش تالا إن ما أخدت منه كل حاجة.. أنا مش فاهمة هو عاوز إيه من الدنيا أكتر من كده.. مش كفاية عليه أوي كده."
سليمان:
"تقصدي إيه بكلامك ده؟"
تالا بحقد:
"يعني أنا لسه جعبتي مليانة بحاجات كتير، وفي النهاية لازم اللي عاوزينه هو اللي هيكون حتى لو وصلت إني أورثه."
سليمان بتحذير:
"تؤ تؤ تؤ.. ماتتسرعيش، إحنا مش مستعجلين أبدًا.. خدي وقتك، وبعدين إحنا عاوزين المجموعة كلها مش التمن وبس."
تالا:
"ماتخافش عليا يا دادي.. كل شيء بأوانه."
سليمان:
"هي دي تالا حبيبة دادي.. واحدة واحدة وعلى مهلك خالص.. إحنا ما وراناش حاجة."
كان مدكور يدخن وهو يقف بالشرفة يراقب الأجواء والمنظر بالخارج حتى سمع صوت أقدام تالا فالتفت إليها وقال بابتسامة:
"ها يا حبيبتي.. شبعتي من دادي ولا لسه؟"
تالا:
"هو دادي ده حد يشبع منه."
سليمان:
"إيه يا مدكور، زهقت مني ولا إيه؟"
مدكور:
"أبدا.. بس إنت عارف إني بصحى بدري عشان الشغل."
سليمان:
"كان في مشروع كده عاوز أعرضه عليك، وكنت مستني رجوعكم من شهر العسل."
مدكور:
"أوي أوي.. ابعته لمراد على إيميل المجموعة ونشوف."
سليمان:
"لأ مراد إيه.. ده شغل كبار، ومراد لسه عظمه طري على الشغل ده."
مدكور:
"مين ده اللي عظمه طري، مراد هو اللي شايل المجموعة كلها وممشي الشغل من سنين، وإلا مش واخد بالك؟"
سليمان:
"أصل إنت اللي مش واخد بالك.. ده شغل خاص بعيد عن المجموعة.. عاوز ناس قلبها من حديد، ناس دماغها فوق أوي، والصراحة مش هلاقي أحسن منك للشغل ده، وخصوصًا إنك خلاص بقيت جوز بنتي."
مدكور بفضول:
"شغل إيه ده بقى؟"
لتلتفت سليمان إلى تالا قائلاً:
"ما تخليهم يعملوا لنا عصير يا بيبي."
تالا بمرح:
"إنت بتسربني ولا إيه يا دادي؟"
سليمان ضاحكًا:
"بيُعجبني فيكي ذكائك."
تالا:
"ماشي.. أنا هطلع أوضتي آخد منها حاجة وأرجع لكم تاني."
وبعد انصراف تالا التفت سليمان ليقول لمدكور بجدية:
"الكلام ده مش عاوز مخلوق يعرف عنه حاجة ولا حتى تالا.. ده كلام يطير فيه رقاب."
مدكور بفضول:
"وشغل إيه ده بقى اللي يطير فيه رقاب مش فاهم."
سليمان:
"شغل مع الجيش."
مدكور:
"شغل إيه اللي هنشتغله مع الجيش وإيه اللي يقلق من الشغل مع الجيش؟"
سليمان:
"سلاح."
مدكور:
"وإحنا هنشتغل في السلاح مع الجيش إزاي مش فاهم.. هنصنعهولهم؟"
سليمان:
"لأ.. هنبيعهولهم."
مدكور ضاحكًا:
"إحنا اللي هنبيع السلاح للجيش، ده شغل دول ومؤسسات الدولة إيه اللي هيفهمنا إحنا في الكلام ده؟"
سليمان وهو يحك جبهته:
"أصل الشغل ده.. مش مع الجيش بتاعنا."
مدكور:
"أومال أنهي جيش؟"
سليمان:
"هتفرق معاك الدولة."
مدكور:
"هتفرق معايا الشرعية يا سليمان.. إنت عارف الكلام ده عقوبته إيه."
سليمان:
"ده لما يكون فيه تلبس وحيازة، إنما إحنا كل شغلنا هيبقى مجرد اتفاقات وبس."
ليصمت مدكور وكأنه يفكر في الأمر، ليقول سليمان بتحفيز:
"إنت عارف الكلام ده ممكن ينقلنا نقلة شكلها إيه.. إحنا في خلال سنة واحدة هنعدي المليار بمراح."
مدكور:
"بس لا أنا ولا إنت عندنا خبرة في الكلام ده."
سليمان بحماس:
"ماتقلقش.. عندي الناس اللي هتساعدنا وهتخلينا نعدي بسرعة.. إحنا بس محتاجين نخطى خطوة صغيرة تخلينا مستعدين لكل حاجة."
مدكور:
"خطوة إيه دي؟"
سليمان بتروي:
"الدمج."
مدكور:
"دمج إيه مش فاهم."
مدكور:
"وليه إشمعنى؟"
سليمان:
"حجم التعاملات اللي هتتعمل محتاجة أساس رأسماله عالي أوي، وده مش هيحصل إلا بدمج المجموعتين مع بعض."
مدكور:
"طب ما نتشارك وخلاص."
سليمان:
"للأسف ماينفعش، الناس دي مابتتعاملش غير مع اسم واحد بس، ما بتشتتش مجهوده."
مدكور:
"ومين بقى الناس دي؟"
سليمان:
"ما أقدرش أقول لك قبل ما آخد موافقتك في البداية."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ميمي عوالي
كان مدكور يجلس مع سليمان في صمت شديد، وكأن الطير على رؤوسهم، وهما يتبادلان النظرات. نظرات حذرة من سليمان، ونظرات يغلبها الجمود من مدكور.
حتى نطق سليمان أخيرًا وقال بفضول:
ها يا مدكور.. قلت إيه؟
مدكور:
قلت إيه في إيه يا سليمان.. أنت عاوزني أرفض ولا أوافق على حاجة أنا مش عارف تفاصيلها حتى.
سليمان:
أنت عاوز تعرف تفاصيل إيه؟
مدكور:
أولًا كلامك ده ما ينطبقش أبدًا على جيوش الدول، كل دولة بتسلح نفسها باستراتيجيات تخصها وتتوافق مع أوضاعها وظروفها. أنا عمري ما سمعت عن دولة بتسلح جيشها من تجار سلاح.
سليمان بحمحمة وهو يحك أنفه:
ما هو أصلهم مش جيش رسمي.
مدكور:
مش فاهم.
سليمان بتأفف:
مش جيش رسمي يا مدكور.. ما تركز معايا شوية.. إيه اللي في كلامي مش مفهوم؟
مدكور بفضول:
أنت تقصد جيش من اللي بيقولوا عليهم مرتزقة؟
سليمان بتنهيدة متأففة:
أخيرًا فهمت.
انهض مدكور من مجلسه قائلاً:
آسف يا سليمان، أنا لا يمكن أوثق إيدي بدم حد أبدًا.
سليمان بجدال:
وده إيه اللي هيخلي إيدك تتلوث بدم حد؟ أنا مش فاهم.
مدكور بشرح:
تعرف يا سليمان.. طول عمري وليا رأي في مواضيع الحروب الأهلية دي، وأنت النهارده أثبت لي إن رأيي ده صح مليون المية.
سليمان بسخرية:
ويا ترى بقى إيه رأيك ده؟
مدكور:
إن أنت واللي زيك اللي ما بيدوروش غير على المكسب والثروة حتى لو متغمّسة بأرواح الأبرياء.. اللي بتولّعوا الدنيا لمجرد مكاسبكم الشخصية، لدرجة إنكم لو لقيتوا الناس كلها اتصلحت مع بعضها، لازم تشوفوا أي مشكلة وتنفخوا فيها النار عشان مكاسبكم الشخصية.
سليمان:
ده قانون الأرض يا عزيزي.. البقاء للأقوى، ولو ما عملتش كده هتتأكل. ولولا إن رأس المال اللي محتاجاله ما ينفعش أشيله لوحدي ما كنتش دخلت حد معايا أبدًا.. بس لما فكرت فيها قلت أنت أولى.. لأن مهما كان أنت جوز بنتي، يعني في الأول والآخر الخير رايح لها برضه.
مدكور:
أنا عمري ما عملت كده يا سليمان ولا عمري هعمل كده، وعمري ما اتأكلت زي ما أنت بتقول.
سليمان:
يعني إيه.. أفهم من كلامك ده إنك بترفض تشاركني؟
مدكور:
أنا ما أحبش إني أكسب قرش واحد حرام ممكن أتكوى بيه يوم القيامة.
سليمان:
ومين اللي قال إنها حرام.. دي تجارة زي أي تجارة. وكم من مصانع قائمة على صناعة السلاح وكم من تجار تجارتهم الأساسية في السلاح.
مدكور:
كل شيء وله شيء يا سليمان.. ما تخلطش الأوراق ببعضها.
سليمان بخيبة أمل:
كنت معتقد إن راجل بخبرتك واحتكاكك بالسوق خلى أفقك أوسع من كده.
مدكور:
وهو الأفق ما يوسعش إلا بتهريب السلاح وخراب البلاد والديار.. يا أخي الله الغني عن كل ده.
سليمان بجمود:
طب يا ريت تنسى أي كلمة سمعتها مني في الموضوع ده، ويا ريت تالا ما تعرفش حاجة عن كلامنا ده.
مدكور بسخرية:
ومخبّي عنها ليه طالما شايف إنك ما بتعملش حاجة غلط؟
سليمان:
لكل مقام مقال يا مدكور، الشغل اللي زي ده ما بيبقاش على المشاع والكلام فيه لازم يبقى له أصول، وأنت أكيد فاهم ده كويس.
مدكور بصدق:
يا ريت أنت كمان تشيل الحكاية دي من دماغك يا سليمان.. خلينا ماشيين بستر ربنا. وأعتقد إن واحد في مركزك وحجمك مش محتاج أبدًا إنه يعمل حاجة زي دي، حتى لو هتكسبك مليارات زي ما بتقول مش هتلحق أصلًا تصرفها ولا تتمتع بيها.
وقبل أن يأتيه أي رد من سليمان، كان صوت تالا قادمًا إليهم وهي تقول:
إيه يا دادى.. خلصتوا أسرار ولا لسه؟
سليمان بانتباه:
آه يا بيبى تعالى.
تالا:
أفهم من كده إن في مشروع جديد هيتعمل ما بين المجموعتين؟
مدكور:
لا يا حبيبتي.. إحنا كنا لسه بنتكلم إننا عاوزين نخلص المشروع اللي شغال بسرعة.. ويلا بينا بقى ولا إيه؟
تالا وهي تقبل سليمان:
أشوفك بكرة بقى يا دادى.
سليمان:
ماشي يا بيبى.. تيك كير.
في سيارة مدكور، كانت تالا تتلقى مكالمة تليفونية من إحدى صديقاتها، بينما كان مدكور مشغول البال كليًا بحديثه مع سليمان. واعترف لنفسه بأن سليمان رجل أخطر بكثير مما كان يظن، ولم ينكر الرهبة التي شعر بها. وأصبح التردد المقرون بالحيرة حليفه منذ ترك سليمان.
لينتبه على صوت تالا وهي تقول:
إيه يا حبيبي سرحان ده كله؟
مدكور:
أبدًا.. سايبك تتكلمي مع صاحبتك براحتك.
تالا:
البنات كلهم بيسألوني عن معاد الحفلة.
مدكور:
هدى قالت إنها بعد تلت أيام والدعوات انطبعت واتوزعت.
تالا:
اتوزعت إزاي؟ طب وفين الدعوات بتاعتي أنا ودادي؟
مدكور:
راحوا لسليمان النهاردة.
تالا:
غريبة.. دادي ما قاليش.. بس أنا كنت محتاجة دعوات خاصة بيا أنا وأصحابي.
مدكور:
مش مشكلة.. هخلي هدى تبعتلك زيادة لو لقيتي سليمان وزع كل اللي راحوا له.. قوليلى بس على العدد اللي انتي عاوزاه.
تالا:
ماشي.. أما نوصل هعمل بيهم كشف وأقوللك.. إنما ماقلتليش.. دادي كان عاوزك في إيه؟
مدكور:
وهو دادي لو كان عاوزك تعرفي كان طلب منك تسيبنا لوحدنا؟
تالا بدلال:
أيوه يا حبيبي، بس طبعًا هعرف منك عشان أنت ما ينفعش تخبي عني حاجة.
مدكور:
ده لما تبقى الحاجة دي تخصك ماتخصش حد تاني.
تالا بامتعاض:
يعني مش هتقول لي؟
مدكور:
والله سليمان قال لي ما أقولش.. وأديكي رايحة له الصبح، أنت وشطارتك بقى لو قدرتي تعرفي منه حاجة.
وعند وصولهم إلى منزلهم، ودخولهم إلى الداخل، وقفت تالا أمامه وأحاطت عنقه بذراعيها بغنج قائلة:
إمتى هتحبني زي ما بحبك؟
مدكور بابتسامة:
ليه بتقولي كده؟
تالا بامتعاض:
عشان أنا بعمل لك كل اللي أنت بتقول عليه، لكن أنا أي حاجة بطلبها منك ما بتعمليش منها أي حاجة.
مدكور:
وهو انتي طلبتي إيه وما عملتوش؟
تالا:
أبسط حاجة أهو.. مش عاوزني أشتغل معاك؟
مدكور مد يديه وزاح ذراعيها من حول عنقه وهو يقول بتؤدة:
أنا بطلب منك اللي شايف إنه حقي كزوج ليكي. ولحد دلوقتي أنا مش شايف إنك طلبتي مني أي طلب ممكن يتوصف بطلب زوجة من زوجها.
تالا:
وإيه بقى طلبات الزوجة دي؟
مدكور:
تاكلي أكلة نفسك فيها.. أجيب لك فستان ولا جزمة ولا حتى دهب، أفسحك فسحة. إنما تطلبي حاجة في الشغل دي.. فأنا ما أحبش حد أبدًا يتدخل في شغلي يا تالا.
تالا بدلال:
وهو أنا حد برضه يا مدكور.. ده أنا تالا مراتك.. اللي وعدتني إنك هتوريني حاجات عمري ما شفتها.
مدكور بسخرية كامنة:
ومستعجلة ليه يا حبيبتي.. كل شيء بأوانه.
تالا وكأنها تتخيل مشهدًا من الجنة:
تعرف يا حبيبي أنا نفسي في إيه؟
مدكور:
في إيه يا ترى؟
تالا:
نفسي يبقى اسمك أكبر اسم في عالم المقاولات في البلد والشرق الأوسط كله.
مدكور:
مش بعيد عن ربنا، ادينا بنعمل اللي علينا. بس ماتنسيش إن في شركات ومجموعات حجمها أكبر مننا بكتير.
تالا:
ده حقيقي.. لكن كل مشكلة وليها حلم.
مدكور وهو يتجه إلى غرفة نومهما:
ويا ترى إيه الحل من وجهة نظرك؟
تالا وهي تلحق به:
في خطوة معينة خطرت على بالي لو عملناها.. نبقى حطينا رجلينا على أول سلمة، وبعدها.. بعدها ما حدش أبدًا هيقدر ينافسنا مهما كان حجمه ووزنهم.
مدكور وهو يقوم بتغيير ملابسه:
ويا ترى بقى إيه هي الخطوة دي؟
تالا وهي تقوم بقياس رد فعله:
إن أنت ودادي تدمجوا المجموعتين مع بعض، بدل ما يبقى في العزيزي جروب والأنصاري جروب، نعمل دمج للمجموعتين وتبقى أكبر مجموعة مقاولات في الشرق الأوسط كله.
مدكور بسخرية:
الشرق الأوسط مرة واحدة؟
تالا بثقة:
أيوه طبعًا.. وما تنساش أبدًا إن الجروب عند دادي أكبر جروب في البلد، وكل سنة بيكبر عن السنة اللي قبلها. وأنت كمان يا حبيبي، الجروب بتاعك مش قليل أبدًا.. الجروب بتاعك متصنف الثاني أو الثالث بعد الجروب بتاع دادي. فلك أن تتخيل بقى إنكم تتحدوا مع بعض وتعملوا دمج.. يااااه يا حبيبي لو ده حصل.. هيبقى انقلاب في عالم المقاولات. عارف، لو أنت ما عندكش مانع أنا ممكن أفتح دادي وأقنعه يوافق لي.
علا صوت ضحكات مدكور الساخرة، لتنظر له تالا بفارغ صبر تنتظر رأيه في اقتراحها. وعندما وجدته لم يعلق بكلمة، عادت تقول:
إيه يعني.. شايفاك ضحكت أوي وما علقتش ولا كلمة بعد كده.
مدكور وهو يتجه إلى الحمام:
أصل كلامك ما يتعلقش عليه يا حبيبتي.
تالا بامتعاض:
وليه بقى.. شايفني مجنونة وبقول أي كلام؟
ليغلق الباب خلفه دون أن يرد عليها، فتذهب هي الأخرى لتغيير ثيابها وهي غاضبة على طريقة معاملته لها. وعند رجوعه إلى الغرفة، ذهب مباشرة إلى الفراش وهو يتأهب للنوم تحت نظراتها الحانقة. وقالت وهي تجلس بجواره وهي ترتب خصلات شعرها:
على فكرة حتى لو كلامي مش عاجبك.. على الأقل ما تحسسنيش إني بكلم نفسي.
مدكور وهو يعتدل في نومه:
فهمتك وحذرتك أكتر من مرة وأنتي مصممة ما تسمعيش الكلام.
تالا:
حذرتني من إيه بقى أنا مش فاهمة؟
مدكور وهو يغلق الإنارة بجانبه:
فهمتك إن شغلك واهتماماتك بالمجموعة بتاعة دادي وبس، ومالكيش دعوة بالمجموعة عندي.
تالا:
هو أنا مش مراتكم؟
مدكور:
مراتى في البيت وبس، وبلاش تخليني أكرر كلامي كتير عشان الموضوع ده بيضايقني.. تصبحي على خير.
لتنظر إليه تالا بحنق وهي تتوعد له بكل أنواع الإذلال وقتما تتمكن من وضع يدها على المجموعة الخاصة به.
في خلال الثلاثة أيام التالية.. كانت رهف قد استطاعت بمساعدة هدى وأمينة تأسيس الفرع الجديد للاتيليه الخاص بها تحت إشراف مراد وأنور، حتى أضحى المكان مهيأ تمامًا لبدء العمل وقتما يكتمل فريق العمل الخاص، والذي أضحى قريبًا.
فقد قامت أمينة بوضع المواصفات المطلوبة لكل تخصص، واستعانت ببعض الصناع المهرة لديهم بأسيوط حتى يقوموا باختبار المتقدمين للعمل.
وكان يوم الاحتفال بزواج مدكور وتالا هو نفسه يوم إشارة بدء العمل بالفرع الجديد للاتيليه.
صباحًا بمنزل مدكور.. كانت تالا نائمة بفراشها بكسل وهي تتابع مدكور بعينيها أثناء استعداده للذهاب لمجموعته. وكان مدكور يطالعها هو الآخر بتسلية. حتى انتهى تمامًا من ارتداء ملابسه فقال:
إيه يا حبيبتي.. مش ناوي تصحي تفطري معايا النهاردة ولا إيه؟
تالا وهي تعتدل جالسة في مكانها بالفراش:
لا يا حبيبي هفطر معاك طبعًا، بس مستنياك تخلص.
مدكور:
طب وأنتي مش هتقومي تستعدي لشغلك انتي كمان؟
تالا وهي تتثائب بكسل:
أنا مش فاضية النهاردة، يا دوب بعد الفطار هجهز وأنزل البيوتي سنتر عشان أستعد للحفلة.
مدكور بذهول:
هتقعدي طول النهار تستعدي للحفلة؟
لتنهض تالا من الفراش وتقف أمامه بدلال قائلة:
أنت ناسى إن الحفلة دي بمثابة فرحنا اللي الناس ما حضرتهوش.. يعني لازم أبقى في كامل شياكتي وأنوثتي.
مدكور بابتسامة سخرية:
بس مش لدرجة إنك تقعدي أكتر من عشر ساعات يعني.. ده أنتِ ولا اللي هيركب قطع غيار.
تالا بامتعاض:
دي حاجات ستات إحنا بس اللي بنفهم فيها.
مدكور وهو يتجه إلى خارج الغرفة:
ماشي.. جود لاك يا حبيبتي.
وأثناء تناولهما للإفطار قالت لمدكور:
اعمل حسابك إنك هتيجي تاخدني من البيوتي سنتر يا حبيبي، وأنا أول ما أوصل هناك هبعت لك اللوكيشن على طول.
مدكور:
طب وليه ما تخلصيش وتيجي تلبسي هنا؟
تالا:
ما ينفعش، في حاجات لازم تتظبط بعد اللبس.
مدكور:
براحتك.. بس خليكي فاكرة.. تلتزمي بالفستان اللي اختارته لك ومش عاوز مكياج أوفر.
تالا بمحاباة:
طبعًا يا حبيبي.. ما إحنا خلاص اتفقنا على كل الحاجات اللي أنت بتحبها. وكمان لما هتيجي تاخدني من البيوتي سنتر مش هتحرك من مكاني ولا هخرج من هناك قبل ما أتأكد إنك راضي تمامًا عن مظهري.
مدكور:
أتمنى.
تالا بنعومة:
الا قولي يا حبيبي.. أنت عزمت مين؟
مدكور:
ناس كتير أوي.. أكيد مش هفتكر أقول لك عليهم كلهم. أنا خليت مراد عمل كشف بالأسامي اللي عاوزينها وأداها لهدى.
تالا:
لا أنا مش قصدي.. أنا أقصد هل في حد معين من اللي أنا اشتغلت معاهم قبل كده.. حد أعرفه يعني؟
مدكور:
أكيد، وطبعًا على رأس القائمة جاسر وفريق العمل بتاعه.
تالا:
أنا ملاحظة إنك مهتم بيهم أوي.. خصوصًا في اليومين اللي فاتوا.. سمعتك أكتر من مرة بتكلم مراد عنهم في التليفون.
مدكور بعدم اهتمام:
جاسر مش قليل، جاسر شركاته من أكبر شركات المقاولات في وجه قبلي، ولو كانت مجموعته موجودة في القاهرة.. كان هيبقى من أكبر المنافسين لينا. بس وجوده في الصعيد خلانا نبص لبعض ونشارك بعض في المشاريع الكبيرة.
تالا باهتمام:
أنت عاوز تفهمني إن جاسر ده مجموعته في حجم مجموعاتنا؟
مدكور:
أنتي بنفسك دخلتي فرع من فروعهم وشوفتي أد إيه صرح متكامل.
تالا بانبهار:
فرع.. أنا كنت معتقدة إن هو ده المقر بتاعهم.
مدكور:
لاااا.. المقر الرئيسي بتاعهم في المنيا، بس ليهم فروع في أسيوط والفيوم وسوهاج، ده غير فرع قنا كمان.
تالا بانبهار:
واااو.. على كده جاسر ده تقيل أوي.
مدكور:
مش جاسر لوحده.. جاسر ومؤمن ابن عمه بيمتلكوا ميراث عيلتهم بالكامل، واتحادهم مع بعض حافظ على مركزهم المالي والاجتماعي.
تالا بدهشة:
رغم إنه مش باين عليهم خالص.. لما اتعاملت معاهم حسيتهم أبسط من كده بكتير.
مدكور وهو ينهض من مقعده بعد أن أنهى قهوته:
وعاوزاهم يبان عليهم إزاي يعني.. يمشوا وهم شايلين ملايينهم في جيوبهم مثلاً؟
تالا:
أقصد إن حسيتهم بيتعاملوا ببساطة.
مدكور:
ده لأنهم عارفين هم بيتعاملوا مع مين. إحنا برضه مش قليلين، وبعدين إحنا بنكسب بعض ملايين كل سنة.
تالا بتفكير:
عندك حق.
في مركز التجميل.. كانت تالا تحدث سليمان في الهاتف قائلة:
أنا عاوزاك تتعرف على اللي اسمه جاسر ده يا دادي.. ده طلع تقيل أوي.. وأنا اللي كنت فاكرة إنه أبسط من كده بكتير، اتاريه طلع أتقل من مدكور ذات نفسه.
سليمان:
أنا أسمع عنه من زمان، بس ما سبقليش إني اتعاملت معاه مباشرة. همتك بقى ابقى عرفيني عليه.. بس ماقلتليش.
تالا:
أقول لك إيه؟
سليمان بفضول:
ما جابلكيش سيرة برضه عن كلامي معاه عن موضوع السلاح؟
تالا:
أبدًا، سألته زي ما اتفقنا وما رضيش أبدًا يقول لي حاجة. ولما ضغطت عليه، قالي لو عاوزة أعرف أسألك أنت، بس من يومها ما جابليش سيرته تاني.
سليمان بتحذير:
أنا عاوزك تنتبهي أوي وما تتخليش عن حذرك وأنتي بتتعاملي معاه.
تالا:
ما تقلقش يا دادي، أنا خلاص عرفت مفتاحه.
كانت رهف وأمينة وهدى في كامل أناقتهن وهن في طريقهن لمكان الاحتفال، بعد أن حاولت رهف مرارًا وتكرارًا أن تقنع زينب بالانضمام إليهن ولكنها فشلت فشلًا ذريعًا.
وكان مراد قد اصطحب رهف وهدى وتميمة أيضًا بعد أن أصر مراد على حضورها الحفل بصحبتهم، وقام أنور باصطحاب أمينة.
وأثناء الاحتفال.. كان المكان يعج بالمدعوين، والذين كان معظمهم من أكبر رجال المال والأعمال، والذين قدموا التهنئة لمدكور وتالا ومراد ورهف على حد سواء.
ولم تنكر تالا إعجابها بتنظيم الحفل الذي نظمته هدى وأشرفت عليه بمهارة شديدة حتى خرج في أبهى صورة أشاد بها الجميع.
وفي أثناء فقرات الحفل.. أعلنت هدى عن الفرع الجديد للاتيليه الخاص برهف وافتتاحه بالقاهرة وعرض مقاطع فيديو لبعض تصميماتها، ليقدم الجميع التهنئة لرهف وتحيتها على إبداعاتها.
وقامت هدى وأمينة بتعريف رهف على رجال وسيدات الأعمال القائمين على خطوط الموضة والأزياء في مصر والوطن العربي، والذين تبادلوا بعض وجهات النظر الخاصة بالعمل واتفقوا على التعاون معًا بالتنسيق مع الجميع.
أما بالجهة الأخرى.. فاثناء مرور مدكور وتالا على المدعوين للترحيب بهم، أصرت تالا على أن يكون سليمان ملازمًا لهما دائمًا حتى وصلوا للمائدة التي كان يجلس عليها جاسر ومؤمن وبصحتهما فؤاد وعدي وزوجات الجميع عدا زوجة جاسر. فقالت تالا ببعض المكر:
دي تاني مرة أشوفك من غير المدام يا جاسر بيه.. إيه الحكاية؟ يا ترى المدام اللي مش حابة تشوفنا ولا أنت اللي بتغير عليها لدرجة إنك تخبيها كده عن الكل؟
جاسر بمرح:
والله تقدر تقولي كده إنها مالهاش في الدوشة والحفلات والسهر.
مؤمن ضاحكًا:
وطبعًا جاياله على الطبطب.
جاسر بابتسامة:
ما فيش أحسن من الحرية.
تالا:
بس أنت مش حر؟
جاسر وهو ينظر إليها نظرة تقييمية:
مين قال الكلام ده، ما أنا حر أهو وبعمل ما بدالي.
ليتبادل الجميع الضحكات المرحة، بينما قالت بثينة بعد أن تبادلت النظرات مع رفية وسميحة:
بس اسمحي لي أهنئك على ذوقك.. فستانك يجنن.
تميل تالا بدلال على كتف مدكور وهي تقول:
الحقيقة ده ذوق مدكور.. من وقت ما اتجوزنا وهو اللي بيختار لي لبسي كله.
سميحة:
واضح كمان إنه من تصميم رهف.. الحقيقة رهف فنانة بجد.
رقية:
ألف مبروك.. ليكم جميعًا، بتمنى لكم السعادة من قلبي.
تالا:
ميرسي يا مدام رقية، واسمحوا لي كلكم إني أقدم لكم دادي.. سليمان بيه الأنصاري مالك ومؤسس صرح الأنصاري جروب.
مؤمن:
غني عن التعريف طبعًا.. تشرفنا يا سليمان بيه.
سليمان:
الشرف ليا.
جاسر بترحاب:
الحقيقة الأنصاري جروب تعتبر رقم واحد في عالم المقاولات.. وسمعتها مسمعة في كل البلد، وطبعًا فرصة عظيمة إننا نتقابل ونتعرف يا سليمان بيه.
سليمان:
إن شاء الله أكيد هنتقابل تاني وقريب أوي.
مدكور:
بعد إذنكم.. هنرحب بباقي المدعوين.
سليمان بمرح:
لا يا عم.. أنا هستريح شوية مع جاسر بيه ومؤمن بيه، أنت عريس وجددت شبابك، لكن أنا لسه.. روحوا أنتم رحبوا ببقية ضيوفكم على ما أشم نفسي شوية، ده لو ما يضايقش جاسر بيه.
جاسر:
ده شرف لينا.. اتفضل.
سليمان:
الحقيقة أنا سمعت برضه عن مجموعتكم من تالا ومن مدكور بيه، بس يا ترى بقى شغلكم كله في المقاولات زي مدكور كده ولا ليكم نشاط تاني؟
مؤمن:
الحقيقة.. أصل الجروب.. شغل المقاولات، لكن في الفترة الأخيرة قررنا نجرب حظنا في الاستيراد.
لتلمع عينا سليمان ويقول بنشوة:
ويا ترى مبسوطين في المجال الجديد ده ولا لسه بتحاولوا؟
جاسر:
الحقيقة المجال اللي اخترناه مش سهل إنه يتكرر أو حتى يبقى فيه منافسة كبيرة.
سليمان:
ويا ترى تجارة إيه دي بقى اللي اخترتوه؟
مؤمن بابتسامة:
الأثاث.
سليمان باستغراب:
أثاث.. موبيليا يعني.. ولا أنا فهمت غلط؟
جاسر:
لا مش غلط ولا حاجة، هو زي ما فهمت كده بالظبط.
مؤمن بابتسامة:
وإحنا بنوفر على الناس كل الكلام ده.
وكمان الموبيليا تعتبر من الواردات التقيلة اللي الجمارك بيتعاملوا معاها بحساب خاص.
سليمان:
إزاي بقى؟
جاسر ضاحكًا:
يعني بيحسسوا عليها وهم بيكشفوا عليها، لأن لو أي حاجة اتخدشت بس خدش صغير بيبقوا ملزمين بدفع التأمين فورًا، وخصوصًا إن بيبقى فيه أنتيكات كتير وسط الموبيليا دي.
سليمان بإعجاب:
واضح إن الموضوع يستحق المجازفة.
مؤمن ضاحكًا:
وإذا ذكرت المجازفة.. ذكر جاسر فورًا.
سليمان:
إيه.. بيحب المغامرة؟
جاسر:
مش بس مغامرة، بس زي ما تقول كده.. يفوز باللذة كل مغامر. وكمان الثروة مش هتجيلنا وإحنا في مكاننا.. لازم نتحرك، وعلى رأي الشاعر اللي قال.. وما نيل المطالب بالتمني.
سليمان ضاحكًا:
ولكن تؤخذ الدنيا غلابا، هو ده.. تعجبني.. أنا كان لازم أتعرف عليك من زمان.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ميمي عوالي
كان حفلاً صاخباً شغل حيزاً كبيراً من اهتمام الإعلاميين ومواقع التواصل الاجتماعي. وعلى الرغم من أن تعليقات المتابعين لخبر زواج مدكور من تالا كان معظمها يدور في قالب من الذهول لفارق العمر الشاسع بينهما، إلا أن الكثيرين أيضاً قد علقوا بأنه زواج مصلحة بحتة للحفاظ على هيبة المجموعتين، وأنه تزاوج للمجموعتين قبل أن يكون لرجل وامرأة. أي أنه تزاوج المال بالمال.
لكنه على صعيد آخر، فقد سرقت رهف الأضواء تماماً بظهورها لأول مرة للإعلام، وبهذا الشكل الضخم المفاجئ للغالبية العظمى، بإعلانها عن فرع مشروعها الجديد. فأصبح اسم "بروكن هارت" هو الاسم الأكثر تردداً في عالم الميديا، حتى نال المركز الأول في المواضيع المتداولة في الإعلام الإلكتروني بلا منازع، مما أثلج قلب رهف وجعلها مصدر فخر لنفسها قبل الآخرين.
في اليوم التالي، كانت تجلس على مائدة الإفطار بصحبة مراد وهدى وأمينة، وهي تطالع تلك الأخبار بسعادة كبيرة وسط مرح من الجميع.
فقالت هدى بصخب:
"والله وبقيتي تريند يا بنت الـعزيزي."
ردت أمينة:
"دول ما اتكلموش على جواز عمو وتالا زي ما اتكلموا على الأتيليه وشغلك، ده في موقع عامل تقرير كامل عنك لوحدك وعارض في التقرير تصميمات كتير قوي ليكي."
قالت رهف بتوعد:
"ويا ترى الموقع ده بقى يا إيمي عرف منين إني هعمل كمان تصميمات للإكسسوارات؟"
نظرت أمينة حولها بتردد وقالت:
"أكيد في جاسوس وسطنا."
ضحكت رهف وقالت:
"أنا هعرف أحاسب الجاسوس الفتان ده بمعرفتي بس أما أفضي لهم."
نهض مراد من مكانه وقال:
"أنا همشي أنا بقى.. زمان عمي سبقني."
قالت رهف:
"بالسلامة إن شاء الله."
مال مراد على تميمة مقبلاً إياها وقال:
"هاخد البوسة بتاعتي الأول من الكحكاية بتاعتي."
قالت تميمة بشغب:
"يوه! هو كل شوية تبوسني يا خالو؟"
ضحك مراد وقال:
"آه عشان آخد السكر كله لوحدي."
لتنهض أمينة هي الأخرى قائلة:
"وأنا هروح أحضر شنطتي عشان لما نرجع من الأتيليه هنسافر على طول."
قالت رهف برجاء:
"يا بنتي ما تخليكم معايا.. أنا مش فاهمة عاوزين تسافروا ليه بس."
قالت أمينة:
"وبعدهالك بقى.. مش إحنا متفقين على كده؟"
تذمرت رهف وقالت:
"طب ماهو أنور هنا في القاهرة.. هتسافري انتي ليه بقى؟"
قالت أمينة بحزم وهي تعدد على أصابع يدها:
"أولاً.. أنور مسافر معانا لأنه هو كمان عنده حاجات مهمة هناك.. وما تنسيش الشغل اللي هناك، وثانياً.. المشغل هناك ماينفعش يتساب كده وأنا قلتلك الكلام ده أكتر من مرة. وثالثاً بقى وده المهم.. إن ماما مش مستريحة هنا، عاوزة ترجع بيتها يا رهف.. والمفروض إنك خلاص فهمتي الكلام ده. ورابعاً بقى يا هانم.. أنا على وش جواز ومحتاجة أشوف حاجتي وأجهز نفسي.. أنا خلاص اطمنت عليكي."
قالت رهف بامتعاض:
"وهو يعني الجهاز لازم يبقى بختم أسيوط؟"
ردت أمينة:
"ما اللي هنا هو اللي هناك، يبقى ليه أشيل على قلبي من هنا أنا مش فاهمة."
استسلمت رهف وقالت:
"روحي يا أمينة حضري شنطتك.. أنا عارفة إنكم هتمشوا كلامكم في الآخر."
لتنحني أمينة مقبلة إياها بحب قائلة:
"أوعي تفكري إن بعدك عننا مش هيأثر فينا زيك بالظبط ويمكن أكتر كمان.. بس ده حال الدنيا يا حبيبتي."
وبعد ذهابها، لاحظت هدى على رهف الشرود فقالت:
"مالك يا رهف.. كل ده عشان أمينة ودادة راجعين أسيوط؟ طب مانا معاكي أهو.. ومش مسافرة دلوقتي، والأهم إن مراد معاكي ولا إيه؟"
قالت رهف بانتباه:
"طبعاً يا حبيبتي.. طبعاً."
قالت هدى بفضول:
"بمناسبة مراد، من يوم رجوعكم من السفر وماجاتش مناسبة أسأل."
سألت رهف:
"تسأليني على إيه؟"
قالت هدى:
"مبسوطة مع مراد؟"
ردت رهف بتيه:
"مش عارفة."
قالت هدى:
"نعم.. مش فاهماكي.. يعني إيه مش عارفة؟"
ردت رهف:
"يعني يوم فرحنا وإحنا لسه في الطيارة.. مراد قدر إنه يشيل جزء كبير من قلقي ورهبتي، قدر إنه يقنعني إن كل ظنوني ماكانتش أكتر من أوهام."
قالت هدى:
"طب جميل جداً.. يبقى فين بقى المشكلة؟"
تنهدت رهف تنهيدة حارة وقالت:
"المشكلة إني من يوم ما رجعنا وأنا حاسة إنه اتبدل."
سألت هدى:
"إزاي بقى؟"
ردت رهف بتردد:
"مش عارفة هتقدري تفهميني ولا لأ، بس كل اللي أقدر أقولهولك.. إني حاسة إنه رجع يعاملني برسمية من تاني.. حاسة إن بقى في حالة من الجمود مابيننا هو بنفسه اللي دوبها في البداية وبرضه هو اللي رجعها من تاني."
قالت هدى:
"طب ليه انتي ماتحاوليش إنك تكسري الحتة دي أول بأول؟"
ردت رهف:
"حاولت أكتر من مرة وحاولت أشركه معايا في حاجات كتير، وكل ما أفكر إني خلاص نجحت، ألاقي روحي برجع لنقطة الصفر من تاني."
قالت هدى بتعاطف:
"معلش يا رهف.. أنا عارفة إنك هتتعبي في الحتة دي مع مراد.. مراد الشغل كل حياته."
ردت رهف:
"هو كمان قالي كده، بس وقتها قالي إنه عشان ماعنديش حاجة تانية غير الشغل تشغله، واعتقدت إني هبقى الحاجة التانية دي، بس الظاهر إني ماقدرتش أملى الفراغ ده."
قالت هدى:
"إيه الهبل ده.. لأ طبعاً.. المفروض إن انتي تبقي الأساس وأي حاجة تاني تيجي في المرتبة التانية."
حزنت رهف وقالت:
"للأسف مش حقيقي.. ما أنكرش إن رحلة شهر العسل كانت زي الحلم بالنسبة لي، كنت طايرة فوق السحاب، بس أول ما رجعنا.. حسيت إنه أخد كل الاهتمام اللي كان مخصصهولي.. ووزعه على كل اللي حوالينا من غير حتى ما يسيبلي منه نايب."
قالت هدى:
"مش معقول للدرجة دي يا رهف؟ أكيد متهيألك، ده أنا حتى كنت ملاحظة إنه قد إيه كان چانتي أوي وهو بيتعامل معاكي امبارح في الحفلة وكان بيتعامل معاكي باهتمام واحتواء."
ردت رهف بسخرية:
"وأول ما رجعنا أوضتنا وبقينا لوحدنا انقطع بيننا الكلام تماماً، وما سمعتش غير تصبحي على خير، وصبح صباح الخير."
قالت هدى بدهشة:
"غريبة أوي.. طب ليه كده؟"
ردت رهف بحزن:
"مش عارفة.. بس الحقيقة لما فكرت لقيت إن مالهاش غير تفسير واحد."
سألت هدى بفضول:
"تفسير إيه ده بقى؟"
قالت رهف بخفوت شارد:
"إني ما أرضيتوش، ما كنتش بالنسبة له كفاية."
صدمت هدى وقالت:
"تقصدي إيه؟"
مسحت رهف عبرة هاربة على وجنتها وقالت:
"ما مليتش قلبه يا هدى، ما قدرتش أخليه يحبني كفاية، أو يمكن ما قدرتش أخليه يحبني من أصله، طول عمري اللي فات فضلت بالنسبة له حاجة مسلم بيها، والظاهر إني هفضل برضه كده بالنسبة له بقية عمري."
قالت هدى:
"بس انتي بتقولي إنه اتكلم معاكي كويس وانتوا مسافرين وإنك كمان كنتي مبسوطة في شهر العسل."
ردت رهف بسخرية:
"ما أعتقدش إن كان قدامه حل بديل، كنت أنا وهو وبس."
قالت هدى:
"تقصدي إنه كان مضطر.. طب ليه؟"
ردت رهف:
"هو ده اللي أنا عايزة أعرفه."
لتسود فترة من الصمت قبل أن تقول هدى:
"أنا برضه عند رأيي.. لازم تتكلمي معاه.. ماتسيبيش مرحلة الصمت دي تدخل حياتكم بدري كده، المرحلة دي لما أي زوجين بيستسلموا لها.. حياتهم شبه بتنتهي، وأنتم لسه ما ابتديتوش أصلاً عشان تنتهوا."
أما بمكتب سليمان بالمجموعة، فكانت تجلس تالا وبيدها هاتفها النقال وتتابع على شاشته بعض ما قيل عن احتفال الأمس.
فقالت بحنق:
"أنا ما كانش لازم أوافق أبداً إن الحفلة تبقى جماعية بالشكل ده، كل الكلام تقريباً عن الست رهف والأتيليه بتاع الست رهف والمفاجأة اللي فاجأت بيها المجتمع."
قال سليمان بمهادنة:
"سيبك من الكلام ده كله وخليكي في المكاسب الحقيقية اللي طلعنا بيها من ورا الحفلة."
قالت تالا بامتعاض:
"بس برضه التغطية اللي اتعملت مش عاجباني."
قال سليمان:
"بسيطة.. شوفي عايزة إيه يتكتب وإحنا نخليه يتكتب."
قالت تالا بابتسامة خبيثة:
"تصدق فكرة.. رغم إنها لو كانت جت طبيعية كانت هتبقى أحلى."
سأل سليمان:
"إيه هي دي؟"
قالت تالا:
"ينزل تغطية تستاهل عن خبر جوازي من مدكور ومعاه خبر على أكتر من موقع عن الدمج اللي لاح في الأفق ما بينك وبين مدكور والمكاسب اللي هتعود على المجموعتين منه، وخصوصاً مجموعة مدكور لما تقترن بأكبر مجموعة مقاولات في مصر كلها."
قال سليمان:
"طب وده هيفيد بإيه؟"
قالت تالا:
"يفيد إن مدكور لما يقرأ الكلام ده ويسمعه من حد غيري هيخليه يفكر فعلاً إنه يوافق عليه."
قال سليمان بتفكير:
"وعايز كمان كام صورة ليا وأنا قاعد مع جاسر ومؤمن تفتحلي سكة إني أتكلم معاهم من تاني."
قالت تالا بمكر:
"إيه.. عجبوك؟"
قال سليمان بدهاء:
"إلا عجبوني.. كانوا فين دول من زمان.. جاسر ده فعلاً دماغه عالية أوي، وهو ده اللي ينفعني بجد في الحكاية إياها."
سأل سليمان:
"إيه؟"
أجاب سليمان:
"أيوه.. أنا عملت سيرش بالليل عن المجموعة بتاعته."
سألت تالا:
"ولقيت إيه؟"
قال سليمان:
"لقيت كل كلمة مدكور قالها لكِ مش أكتر من نقطة في بحر، ده أنا حتى لقيت حد من الصحفيين عامل عن جاسر ريبورتاج من يومين بس ومنشور على أكبر موقع إلكتروني."
سألت تالا:
"عن جاسر ولا المجموعة بتاعته؟"
قال سليمان:
"جاسر نفسه.. وإنه رجل أعمال فريد ومن الطراز الأول وبيقدم دايماً فكر جديد في مجاله وإنه بيقدر يخلق مجالات جديدة للشباب وللبلد و…. و…. والجديد بقى إن الناس في الدايرة بتاعته كانوا عايزينه يرشح نفسه لمجلس الشعب بس هو اللي رافض يدخل نفسه في السياسة."
قالت تالا:
"غبي.. مش كفاية إنه كان هيبقى معاه حصانة."
نظرت تالا إلى سليمان قائلة بحماس:
"إحنا ليه ما فكرناش قبل كده في الحكاية دي؟"
سأل سليمان:
"حكاية إيه دي؟"
قالت تالا:
"إن يبقى معاك حصانة.. تدخل البرلمان وتاخد حصانة."
قال سليمان:
"الأحسن إننا نقنع مدكور إنه هو اللي يبقى معاه حصانة."
سألت تالا:
"إزاي بقى.. وإحنا هنستفيد إيه من الحكاية دي؟"
قال سليمان:
"هبقى نسيب العضو الموقر، ودي لوحدها مش شوية أبداً، هاخد كل مزاياه من غير ما تبقى العين عليا ولا أبقى تحت الميكروسكوب.. بس يا خسارة.. لسه بدري أوي على ما يبقى فيه انتخابات."
قالت تالا:
"وانت فاكر إني ممكن أفضل على ذمته لحد ما يبقى فيه انتخابات.. أنا بس أنفذ اللي في دماغي وهخلعه من تاني يوم."
قال سليمان:
"طب إيه.. وصلتي لحل ولا لسه؟"
قالت تالا:
"لسه بظبطها.. بس تعرف، أنا لو أعرف إن جاسر بالحجم ده، كان زمانه هو اللي بقى جوزي دلوقتي."
ضحك سليمان وقال:
"بسيطة.. اعمليله دور، بس اخلصي من الثعلب العجوز الأول."
قالت تالا:
"أنا في حاجة كده في دماغي… لو ظبطت، ممكن اخليه هو بنفسه اللي يكتبلي المجموعة بالكامل."
قال سليمان بفضول:
"طب ما تقوليلي.. عشان أساعدك."
قالت تالا:
"هساومه."
سأل سليمان:
"وده بقى ممكن تساوميه على إيه؟"
قالت تالا بابتسامة شيطانية:
"على عجزه إنه يأدي واجباته الزوجية."
قال سليمان بذهول:
"انتي بتتكلمي بجد.. مدكور عاجز؟"
قالت تالا بمكر:
"أنا بتكلم على ما سوف يكون."
قال سليمان:
"مش فاهم."
قالت تالا:
"كنت قريت مقالة كده بالصدفة إن في دواء معين بيحتوي على هرمون أنثوي عالي بيقضي تماماً على الرجالة."
لتصدح ضحكات سليمان عالياً وهو يصفق بيديه قائلاً:
"شيطانة صغيرة.. بنت أبوكي بصحيح.. دايماً تفكيرك برة الصندوق."
قالت تالا بفخر:
"أومال إيه يا دادي.. ما إحنا متفقين من زمان، لازم كل حاجة تبقى بيور وعلى نظافة."
في مجموعة مدكور، كان اجتماع مغلق بين مدكور ومراد وأنور والمسؤول المالي عن المجموعة ورئيس القسم القانوني. وكان أنور يعرض آخر المستجدات التي طرأت أثناء سفر مدكور ومراد قائلاً:
"دي كانت آخر حاجة حصلت وأنتم مسافرين."
قال مدكور:
"طب وبالنسبة لمشروع الأنصاري.. وصلتوا لحد فين؟"
رد أنور:
"كل الأساسات خلصت وكل المباني حالياً شغالين في المرافق."
قال مدكور:
"وعملتوا إيه في مكاتب المقاولين المخالفة؟"
رد رئيس الشئون القانونية:
"الحقيقة بعد الإنذارات اللي اتبعتت، قبل رجوع حضرتك بتلت أيام الغرامة اتدفعت والمكاتب انسحبت."
قال مدكور:
"عظيم."
قال مراد:
"وطبعاً صدر قرار إداري بعدم التعامل معاهم مرة تانية."
مد أنور يده بملف مغلق بإحكام إلى مدكور وقال:
"والدوسيه ده فيه بعض المخالفات اللي لازم حضرتك تطلع عليها بنفسك يا مدكور بيه عشان نعرف هنتصرف فيها إزاي."
قال مدكور:
"تمام.. اتفضلوا انتو.. وخليك انت يا أنور لسه عايز أفهم منك شوية حاجات."
وبعد انصراف الجميع عدا أنور، قال مدكور وهو يطالع الأوراق التي كانت بالملف:
"المخالفات دي أول مرة تحصل من سليمان ولا هو متعود على كده؟"
رد أنور:
"الحقيقة طول عمره ماشي معانا زي الساعة، أول مرة يحصل منه الكلام ده، حتى المهندسين اللي تبعه بعت أخذهم بدون أي سابق إنذار، وكمان الدفعة التانية من التمويل بتاعه ما وصلتش لحد دلوقتي، رغم إنه عدى على معادها أكتر من أسبوعين."
قال مدكور:
"اممم.. وانتوا عملتوا إيه في الحكاية دي؟"
رد أنور:
"بعتناله مطالبة مرة واتنين وفي كل مرة ما بيجيلناش أي رد، وطبعاً مافيش إجراء قانوني قبل مرور تلت شهور على حسب العقد."
قال مدكور:
"تمام.. سيبلي الملف ده واتفضل انت، ولو احتاجتلك تاني هكلمك."
قال أنور:
"أنا راجع أسيوط إن شاء الله النهاردة بالليل، وهرجع زي النهاردة إن شاء الله."
قال مدكور:
"تمام.. وأنا هكون عندكم بعد أسبوع أو اتنين بالكتير."
في مساء أحد الأيام بمنزل مدكور، كان يجلس بالشرفة وهو يستمع إلى بعض الموسيقى لتأتي تالا وهي تقدم له بعض من عصير الفاكهة وهي تقول:
"الموسيقى دي محتاجة عصير فريش، عشان تتسمع بروقان."
قال مدكور بابتسامة:
"شكراً يا حبيبتي."
قالت تالا:
"خلاص هتسافر بعد بكرة؟"
قال مدكور:
"إن شاء الله.. لازم أتابع المشروع هناك بنفسي.. ده شيء ضروري."
قالت تالا:
"دادي عايز ييجي معاك المرة دي."
قال مدكور بابتسامة:
"أهلاً به طبعاً، بس على كده بقى يا ترى مين فيكم اللي هيحضر الاجتماع بتاع بكرة.. انتي ولا دادي؟"
قالت تالا:
"أنا كالعادة، ولا كمان مش عايزني أجي الاجتماع؟"
قال مدكور:
"لأ إزاي.. حضورك بكرة بالذات مهم جداً."
سألت تالا:
"اشمعنى؟"
نهض مدكور من مكانه وسحبها معه اتجاه الداخل وقال:
"خلي الشغل للشغل يا حبيبتي."
بمنزل رهف ومراد، كانت رهف تجلس بفراشها وهي تمسك بيدها دفتر الرسم الخاص بها وتقوم بعمل تصميم ما، حين دخل عليها مراد وقال بعد أن أغلق الباب:
"مساء الخير."
طوت رهف دفترها ووضعته جانباً وقالت:
"مساء الخير.. اتأخرت.. أنت قلت ساعتين وراجع؟"
قال مراد:
"فعلاً.. بس كان في حاجات كتير محتاجين نخلصها قبل اجتماع بكرة."
قالت رهف برجاء:
"ياريت ماتبقاش تسيب بابا يسهر كتير عشان صحته."
قال مراد:
"لأ ما تقلقيش.. عمي ما رجعش تاني بعد الغدا."
سألت رهف على استحياء:
"وأنت كمان؟"
سأل مراد:
"أنا كمان إيه؟"
ردت رهف:
"أقصد إن انت كمان ماترهقش روحك بزيادة."
قال مراد:
"ما تقلقيش."
لتسود صمتاً قاتلاً وهي تراقبه وهو يتحرك أمامها حتى دخل الفراش بجوارها وقال:
"تصبح على خير.. وكأنه إيذاناً بغلق الأنوار لكي يستطيع النوم، ولكن رهف كانت تصارع نفسها حتى تستطيع التحدث فقالت بصوت باهت يكاد يكون مسموعاً:
"هو إيه اللي حصل؟"
قال مراد بانتباه:
"انتي بتقولي حاجة؟"
حاولت رهف الحفاظ على رباطة جأشها وقالت:
"كنت بسألك.. هو إيه اللي حصل؟"
سأل مراد:
"حصل في إيه؟"
ردت رهف بتردد:
"ليه فجأة اتغيرت معايا أول ما رجعنا من برة، ما كنتش كده وإحنا مسافرين.. كان في بينا كلام وحوار، كان في اهتمام متبادل مابيننا.. ليه فجأة كل ده اختفى.. ليه فجأة حسيت إننا زي ما نكون متجوزين من تلاتين سنة وإن كل الكلام اللي كان بينا خلاص خلص ومات؟"
قال مراد بدهشة:
"ليه كل ده؟"
قالت رهف بذهول:
"انت مش حاسس؟ مش شايف إن كلامنا في اليوم كله ما بيتخطاش كام كلمة، صباح الخير، ومساء الخير، وتصبحى على خير، كأننا رجعنا من تاني لأيام ما كنت لسه في أسيوط وكأن جوازنا وكل اللي حصل ده ما حصلش؟"
قال مراد بحنق:
"إحنا هنرجع تاني للكلام العبيط ده."
ردت رهف:
"طب أنا عبيطة وكلامي كمان عبيط، طب اللي بيحصل ده كمان تسميه إيه.. عبط برضه؟"
قال مراد:
"أنا فهمتك قبل كده وقلت لك إني راجل عملي، وإني شغلي أهم حاجة في حياتي."
ردت رهف:
"وبرضه قلت لي إنك كنت كده عشان ما كانش عندك بديل، معنى كلامك ده إن ما قدرتش أبقى بديل كفاية حتى لنص وقتكم."
قال مراد بمهادنة وكأنه يحادث طفلة صغيرة:
"يا رهف افهميني.. أنا بيبقى عليا ضغط كبير أوي في الشغل طول اليوم.. ما بصدق أفصل عشان أنام شوية.. لكن أوعدك إن كل فترة كده أما أقدر آخد إجازة هاخدك ونسافر ونعيد رحلة شهر العسل من تاني يا ستي، ها.. مبسوطة؟"
قالت رهف بجمود وهي تكبت عبراتها بعينيها:
"آه طبعاً.. هطير من الانبساط.. تقدر تنام دلوقتي.. واسفة إني عطلتك.. تصبح على خير."
لتمد يدها وتطفئ الإضاءة بجوارها وتعدل وضعية نومها، لتضع رأسها على الوسادة استعداداً لأطول ليلة قد تمر عليها طيلة عمرها.
وعندما لاح النهار الجديد.. كانت هدى تجلس على مائدة الإفطار بصحبة تميمة وهي تطعمها، حين أقبل عليهما مراد مقبلاً إياها والصغيرة بمرح وهو يقول:
"صباح الخير على أحلى كحكاية بسكر."
قالت تميمة بمشاكسة:
"أنا أكلت كل السكر."
ضحك مراد وقال:
"برضه لسه عليكي سكر."
وعندما جلس لتناول إفطاره، انتبه لعدم وجود رهف، فقال متسائلاً:
"أومال رهف فين؟"
قالت هدى دون أن تنظر إليه:
"خرجت."
قال مراد بدهشة:
"خرجت ليه بدري كده.. ده أنا صحيت مالقيتهاش.. في حاجة حصلت ولا إيه؟"
قالت هدى:
"قالت عندها حاجات مهمة عايزة تخلصها قبل ما تسافر."
قال مراد بدهشة:
"تسافر فين؟"
قالت هدى بنبرة عتاب:
"انت مش عارف إن مناقشة الدكتوراة بتاعتها معادها اتحدد، وخلاص فاضل لها شهر واحد، وأكيد محتاجة تبقى قريبة من الدكاترة بتوعها في الجامعة."
قال مراد بتذكر:
"أنا كنت ناسي خالص موضوع الدكتوراة ده، وهي كمان ما جابتليش سيرة."
تنهدت هدى تنهيدة ممتعضة وقالت:
"أكيد هي مش شايفة إنك مهتم من أساسه، فمارضيتش تدوشك بحاجة تخصها لوحدها."
قال مراد برفض:
"وهو سفرها حاجة تخصها لوحدها؟"
قالت هدى بنبرة عتاب:
" هتفرق معاك لو سافرت؟"
قال مراد:
"أنا عمي مخليني هنا عشان خاطر ما تبقاش لوحدها."
قالت هدى بذهول:
"عمي.. يعني انت قاعد هنا بس عشان خاطر عمي مش عشان خاطرها هي؟"
قال مراد:
"ماهو كله عشان خاطرها برضه."
سألت هدى:
"وانت؟"
سأل مراد:
"أنا إيه؟"
ردت هدى:
"انت فين؟"
قال مراد:
"مانا أهو و معاها و معاكي.. إيه مشكلتكم أنا مش فاهم؟"
قالت هدى:
" معايا يمكن.. لكن معاها أشك، ده أنا ما بشوفكش تتكلم معاها كلمة واحدة، ده لو حد غريب شافكم هيفكركم متخاصمين أو يمكن حتى يفكركم أغراب عن بعض، رهف بتحبك يا مراد.. بلاش تقطع خيوط الوصال ما بينكم."
قال مراد:
"هو فيه إيه.. خيوط إيه اللي هقطعها أنا مش فاهم، ثم أنا مكلف ناس تتابعها في كل حاجة بتعملها، وكنت معاها خطوة بخطوة في تركيا لحد ما اطمنت عليها وعلى العقود بتاعتها، وخللت أنور يتابعكم هنا لحد ما قدرتوا تنجزوا كل ده في الوقت القصير ده.. مطلوب مني أعمل إيه تاني؟"
قالت هدى:
"مطلوب منك تتعامل بعواطفك شوية، مطلوب منك تحتويها.. تحسسها بوجودها في حياتك.. بأهميتها، بإنك تهتم بيها هي مش بشغلها، تخليها تحس إن حياتك فرقت لما هي دخلتها.. الجواز مش زي ما انت فاكر أبداً.. الجواز مودة ورحمة."
قال مراد بجدال:
"انتوا ليه محسسيني إني وحش أوي كده؟"
قالت هدى:
"طول عمرك حنين معايا وبتدور على راحتي وسعادتي، ليه ماتحاولش تعمل معاها هي كمان كده؟"
قال مراد بامتعاض:
"ما اتعودتش."
قالت هدى:
"طب ما انت كنت بتعمل كده في شهر العسل.. إيه اللي جرى؟"
قال مراد:
"كان عندي وقت لأني ما كانش عندي شغل، إنما دلوقتي رجعت تاني للشغل وما بقاش عندي وقت لأي حاجة تانية."
قالت هدى بذهول:
"يعني كنت بتملى بيها وقت فراغك وبس، ثم أكملت بجمود.. خلاص.. يبقى اعتبرها بتتعامل معاك بنفس القاعدة."
سأل مراد:
"مش فاهم."
قالت هدى:
"يعني هتشوف شغلها واهتماماتها ووقت فراغها تبقى تحاول تفهمك هي بتعمل إيه."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ميمي عوالي
في مجموعة العزيزي، كان هناك اجتماع مغلق يضم مدكور ومراد والمحاسب القانوني للمجموعة، ومعهم تالا بصحبة المحاسب القانوني لمجموعة الأنصاري.
أثناء عرض مجريات الأمور في مشروعهم المشترك، قدم مراد إلى تالا كشفًا يضم بعض المبالغ المالية المستحقة على مجموعة الأنصاري، قائلاً:
"وطبعًا يا مدام تالا، إحنا محتاجينك تكتبيلنا شيكات بالمبالغ المستحقة عشان نقدر نستوفي كل الشغل المطلوب أداؤه."
تالا بامتعاض:
"بس أنا ما جبتش معايا دفتر الشيكات.. الحقيقة نسيت أخذه من دادي."
مدكور بسخرية متوارية:
"من إمتى بتستعملي دفتر الشيكات بتاع دادي؟ ما إنتي عندك الدفتر بتاعك."
تالا بلجلجة:
"آآآه، أصل الدفتر بتاعي خلص ولسه ما طلبتش من البنك دفتر جديد."
مدكور:
"بسيطة.. أنا هبعت لسليمان السواق يجيبه لك الدفتر اللي مع دادي."
تالا:
"وعلى إيه يعني؟ أنا هبقى أجيبهولك في البيت."
مدكور بحزم:
"ما إحنا قلنا قبل كده.. خلي البيت للبيت والشغل للشغل."
تالا بتردد:
"اصل دادي مش في الجروب النهارده، عنده ميتينج بره، وعشان كده بقول لك خليها لوقت تاني."
مراد وهو يقدم لها مجموعة من الأوراق:
"مافيش مشكلة.. إنتي ممكن تمضيلنا دلوقتي على أذونات الدفع دي، وإحنا بعد كده هنتعامل."
مدكور وهو ينظر لتالا بحزم:
"امضي على الأذونات يا مدام تالا عشان الشغل ما يقفش."
تمد يد تالا إلى الأذونات وتلقي عليهم نظرة سريعة لتقول بريبة:
"بس المبالغ اللي موجودة في الأذونات ضعف المبالغ المستحقة دلوقتي."
مدكور:
"ماهو لو المجموعة عندكم ملتزمة بمواعيد المستحقات، كان المفروض مستحقات المرحلة الحالية اتصرفت من شهر فات. لكن لو ركزتي في التواريخ اللي قدامك، هتلاقي إن مش كل الأذونات استحقاقها دلوقتي. إحنا هنصرف بس التزامات المرحلة الحالية، لكن الباقي لما ييجي وقته."
تالا:
"طب ولزمته إيه؟ ما كل حاجة تبقى في وقتها أحسن."
مراد بعملية:
"لزمته يا مدام تالا إننا ما نضطرش نعمل اجتماع مخصوص عشان نقدر نحصل المستحقات دي لما ييجي وقتها."
تالا بحدة:
"وإحنا من إمتى بنتاخر في دفع المستحقات يا مراد؟"
مراد بحزم:
"المرة دي اتأخرتوا، واتأخرتوا أكتر من تلت أسابيع، والمجموعة عندنا أصرت تغطي المبالغ المستحقة على المجموعة عندكم عشان الشغل ما يقفش. لكن طبعًا مش محتاج أوضح لك الحكاية دي أثرت على شغلنا والتزاماتنا التانية إزاي."
تالا:
"أنا همضيلكم على المستحقات الفعلية، لكن ما أقدرش أمضي على حاجة لسه مدتها بعد تلت شهور."
مدكور:
"شهرين وأسبوع."
تالا:
"ما تفرقش، لو يوم واحد بيفرق."
مدكور:
"ولو واحد وعشرين يوم؟!"
تالا:
"تقصد إيه؟"
مدكور وهو يترك مقعده على مائدة الاجتماعات ويعود إلى مكتبه:
"أقصد إن مجموعتكم اتسببت في خسارة المجموعة عندي يا مدام تالا.. ولأن دي أول مرة تحصل، وطبعًا أكيد هتبقى الأخيرة، فأنا هكتفي إنك تمضي على الأذونات قبل معادها لضمان الحقوق مش أكتر. وبرغم إن العقود مثبت فيها الكلام ده، لكن مش عاوز أخلي الحكاية تبقى ماشية بينا بالشكل ده."
كانت تالا تطحن العدم بين أضراسها بحقد كامن وهي تتناول قلمها وتقوم بالتوقيع على الأذونات وهي تقول بامتعاض يظهر على محياها بوضوح:
"دادي هياخد على خاطره أوي من الموقف ده."
مدكور بمرح:
"طب ده المفروض يشكرني إني هخليه دايماً ينبه على الحسابات عندكم إنهم يلتزموا بمواعيد الدفع اللي بتلتزموا بيها عشان تقدروا دايماً تحافظوا على صورتكم قدام العملاء بتوعكم."
وبعد أن راجع مراد على التوقيعات المطلوبة، وضعها بالملف الخاص بها ونهض كالجميع وقال موجهاً الحديث لمدكور:
"كده كله تمام يا عمي، حضرتك تؤمرنا بحاجة تانية؟"
مدكور:
"لا، اتفضلوا إنتوا وسيبوني مع مدام تالا شوية."
وبعد انصراف الجميع، قالت تالا بتأنيب:
"بقى كده برضه يا مدكور، تحرجني بالشكل ده قدام الموظفين بتوعنا."
مدكور باستنكار:
"أنا… ليه بتقولي كده؟"
تالا:
"حتة إنك تصمم تخليني أمضي على الأذونات قبل معادها.. إيه يعني؟ مخوننا مثلاً؟ ما كانش يصح أبداً تحرج مراتك بالشكل ده قدام الموظفين."
مدكور:
"بيزنس أز بيزنس يا بيبي، الشغل ما فيهوش محاباة."
"وقلتلك قبل كده الشغل للشغل والبيت للبيت."
تالا بفضول:
"يعني افرض إن حصل ظروف وإنا ما ينفعش نلتزم بمواعيد الدفع، هتعمل إيه بقى وقتها؟ هتمضيني على شيكات بدون رصيد مثلاً؟"
مدكور بعملية شديدة:
"لا طبعًا.. إيه الكلام الفارغ ده، وإيه هستفيد لما أعمل كده؟"
تالا:
"أومال هتعمل إيه؟"
مدكور بابتسامة خبيثة:
"يا إما هفسخ العقد، ووقتها إنتو اللي هتتحملوا الشرط الجزائي، يا إما…."
تالا بفضول:
"يا إما إيه بقى؟"
مدكور ضاحكاً:
"يا إما هحجز على المجموعة عندكم وأبقى شريك سليمان زي ما إنتي كنتي عاوزة 🤣"
تبهت ملامح تالا وهي تراقب مدكور وتتخيله بهيئة ثعلب عجوز يتلاعب بصيده، فوقفت وقالت وهي تزدرد لعابها بصعوبة:
"أنا راجعة المجموعة عند دادى.. اتأخرت عليه."
مدكور بسخرية:
"مش قلتي إن عنده ميتينج بره؟"
تالا بلجلجة:
"آآآه، ماهو زمانه خلص."
مدكور:
"ما اتفقناش على السفر."
تالا:
"دادي هيسافر معاكم."
مدكور:
"وإنتي؟"
تالا:
"وأنا كمان هاجي معاكم."
مدكور:
"تمام.. هخلي مراد يبعتلكم إيميل بكل المواعيد والاجتماعات اللي هنحضرها هنا."
تالا:
"وكمان دادي عاوز يزور الموقع، ويجتمع بباقي الشركا."
مدكور بابتسامة:
"أكيد هيزور الموقع وهيقابل باقي الشركا.. ما تقلقيش."
***
مساءً بمنزل رهف.
عاد مراد من المجموعة ليجد هدى تجلس بصحبة صغيرتها وهي تقرأ لها من كتاب مصور. لينحني على الصغيرة مقبلاً إياها بمرح قائلاً:
"كحكايتي بتعمل إيه؟"
تميمة:
"ماما بتحكيلي حدوتة."
مراد:
"اسمها بتقرالك قصة."
تميمة بمرح مقابل:
"قصة إيه دي.. اسمها حدوتة."
هدى:
"أقول لهم يحضروا لك العشا ولا أكلت بره؟"
مراد وهو يتلفت حوله باحثاً بعينيه عن رهف:
"لا ما أكلتش وجعان جداً.. إنتوا اتعشيتوا؟"
هدى:
"آه اتعشينا."
مراد وهو ينظر بساعته:
"الساعة لسه تمانية.. اتعشيتوا بدري أوي ليه كده؟"
هدى دون أن تنظر إليه:
"رهف كانت محتاجة تنام عشان تقدر تصحى بدري للسفر، فاتعشينا كلنا سوا."
مراد:
"وهي خلاص قررت إنها مسافرة بكرة؟"
هدى:
"آه، الدكتور بتاعها طالبها تبقى عنده بكرة."
مراد:
"طب ما تسافر مع عمي بعد بكرة."
هدى:
"مش عارفة بقى، لو لحقتها الصبح قبل ما تسافر.. أبقى أسأله."
لينهض مراد ويتجه إلى الأعلى قائلاً بامتعاض:
"كمان لو لحقتها.. ماشي."
وعندما دلف إلى داخل الحجرة وجدها غارقة في الظلام إلا من شعاع خافت للقمر يطل من الشرفة ويسقط على الفراش على وجه رهف، ليتبين ملامحها بوضوح بعدما اعتادت عيناه على ظلمة المكان. ليجدها تنام قريرة العين بارتياحية شديدة ليتملكه شعور بالضيق لا يدري سببه. ولكنها تلك المرة الأولى التي تذهب للنوم قبل أن يصل إلى المنزل، حتى قبل إتمام زواجهما. فكانت خلال وجوده بأسيوط تنتظر عودته لتسأله أن كان تناول طعامه من عدمه أو أن كان يحتاج إلى شيء ما. ولكن سرعان ما نفض عن ذهنه كل شيء عندما انتبه إلى صوت معدته الخاوية. فقام بتبديل ملابسه والعودة إلى الأسفل مرة أخرى ليجد أن هدى قد صعدت هي الأخرى إلى غرفتها بصحبة تميمة. ليجلس وحيداً لتناول طعامه الذي فقد رونقه وطعمه أيضاً. ليتركه ويتجه إلى غرفته مرة أخرى ليغرق في ثبات عميق لم يفق منه إلا صباح اليوم التالي على صوت دقات على باب الغرفة. ليعتدل في الفراش سامحاً لمن على الباب بالدخول، ليطل عليه وجه هدى قائلة بابتسامة مشرقة:
"صباح الخير.. إيه النوم ده كله؟"
مراد بدهشة:
"صباح الخير، هي الساعة كام؟"
هدى:
"داخلة على تمانية."
مراد وهو يرتب شعره ويتمطى بإجهاد:
"ياااه، إزاي راحت عليا نومة كده، وليه ما حدش صحاني؟"
هدى:
"أنا لما رجعت من المطار لقيتك لسه نايم، قلت أصحيكم."
مراد باستغراب:
"كنتي بتعملي إيه في المطار على الصبح كده؟ هو أحمد جه ولا إيه؟"
هدى:
"لا يا سيدي مش أحمد اللي جه، ده أنا كنت بوصل رهف."
مراد وهو ينظر للفراش بجواره وكأنه لم يدرك خلوه من قبل:
"توصليها المطار ليه؟"
هدى:
"مانا قلتلك بالليل إنها مسافرة أسيوط النهارده."
مراد بضيق:
"وهي خلاص قررت إنها تسافر كمان من غير ما حتى تبلغني؟"
هدى:
"طب مانت أنا بلغتُك امبارح."
مراد:
"إنتي بتستهبلي يا هدى؟ هو المفروض مين اللي يبلغني؟ هي ولا إنتي؟"
هدى:
"إنت غريب أوي على فكرة، وهي شافتُك إمتى ولا اتكلمت معاها حتى إمتى عشان تبلغك؟"
مراد:
"عذر أقبح من ذنب، كان ممكن أوي تتصل تقول لي على الأقل."
هدى:
"ده بإمارة إيه بقى؟ هو إنت مش منبه عليها إنها ما تكلمكش وإنت في الشغل إلا لو في حاجة ما تتأجلش أو لو لا قدر الله حصل مصيبة؟"
مراد:
"وهي دي حاجة مش مهمة في رأيكم؟"
هدى بابتسامة سخرية وهي تتجه إلى الخارج:
"دايماً أصحاب القواعد بيبقوا أول ناس بتخالفها.. أجهز على ما أخليهم يحضروا لك الفطار."
لتتركه وتذهب موصدة الباب من خلفها تاركة إياه وهو يمتطي أمواج غضبه. فكان بالأمس ينوي تأنيبها على تحديد سفرها دون إعلامه مسبقاً، أما الآن فهو يشعر باحتقان أوردته لما فعلته، حتى أنه يحاول تذكر آخر مرة وصل به الغضب إلى تلك الحافة ولكن فشل فشلاً ذريعاً، فهو كان دائماً مثالاً لصاحب الأعصاب الباردة. فماذا جد…
***
بقصر العزيزي بأسيوط.
كانت رهف تحادث هدى على الهاتف وتقول:
"كده خلاص يا هدى، مش فاضل غير تلت أسابيع بس على المناقشة."
هدى بتشجيع:
"إن شاء الله امتياز مع مرتبة الشرف يا حبيبتي.. ما تقلقيش."
رهف:
"ادعي لي بالله عليكي، وطمنيني الدنيا عندك ماشية إزاي."
هدى:
"الدنيا هنا تمام ما تقلقيش، وأنا متابعة كل حاجة كأنك موجودة بالظبط."
رهف:
"حبيبتي مش عارفة كنت هعمل إيه من غيرك."
هدى:
"وقررتي هتعملي إيه في الأتيليه عندهم؟"
رهف:
"هسيبه زي ما هو.. مش هقدر أقطع عيش الناس دي.. بس هيبقى على قد الشغل اللي مطلوب في الصعيد."
هدى:
"بس خدي بالك يا رهف، مع الوقت لازم هتركَزي مجهودك في مكان واحد."
رهف:
"سيبيها على الله، المهم طمنيني.. مراد عامل إيه؟"
هدى بخبث:
"عامل زي الديب السحلاوي."
رهف:
"يعني متضايق فعلاً إني سافرت."
هدى بمرح:
"إنتي هتحني ولا إيه؟"
رهف:
"مش لما أبقى أحس إنّي فارقة معاه الأول يا هدى."
هدى:
"اسمعي يا رهف، إنتي عارفة مراد يبقى إيه بالنسبة لي، بس أنا مش عاجبني إنه يضيع عمره بالشكل ده من غير حتى ما يحس بطعم الحاجة الحلوة اللي جواه."
رهف:
"طب مش يمكن ما أكونش أنا الحاجة الحلوة دي؟"
هدى بامتعاض:
"ما كانش ده بقى حاله من امبارح."
رهف:
"وحاله ده بقى اللي هو إيه؟"
هدى:
"على آخره يا بنتي، مش عاوزة أقول لك."
رهف بامتعاض:
"بس أنا خايفة لا يشتكيني لبابا، وإنتي عارفة بابا.. مراد نقطة ضعفه الوحيدة."
هدى:
"تقصدي نقطة ضعفه بعدك، لأن إنتي نقطة ضعف عمو الأولى وبعديها أنا ومراد، وبعدين حتى لو كان، مش عاوزاكي تقلقي خالص.. أنا ظبطت عمو."
رهف:
"ظبطتيه إزاي؟"
هدى:
"اسمعي يا ستي، النهاردة بعد ما وصلتك المطار.. كلمت عمو وطلبت منه إني عاوزة أقعد معاه ضروري بعيد عن مراد، وقد كان."
رهف بقلق:
"قعدتي معاه قلتيله إيه يا مجنونة إنتي؟"
هدى:
"هقول لك."
***
فلاش باك.
في الأتيليه الخاص برهف، والكائن بنفس العقار الذي يقطن به مدكور، كانت هدى ترحب بعمها قائلة:
"بقى ينفع تبقى معانا في نفس العمارة ودي تبقى تاني مرة تشرفنا فيها برضه."
مدكور بحب:
"ما إنتي عارفة يا عفريتة يومي بيبقى عامل إزاي، كان المفروض إنتي تخصصي يوم كده وتيجي تقضيه معايا فوق أو حتى تقضيه معانا في الجروب، ولا إنتي ما بقالكش غير رهف وبس. ثم أكمل بتساؤل.. أومال هي فين؟ هي لسه ما جتش ولا إيه؟"
هدى بمحاباة:
"ماهو ده بقى اللي عاوزة أكلم حضرتك فيه."
مدكور بقلق:
"خير يا حبيبتي."
هدى:
"أولاً مش عاوزة مراد يعرف حاجة عن كلامنا ده.. ممكن؟"
مدكور بقلق:
"إنتي قلقتيني يا هدى.. إيه الحكاية؟"
هدى:
"الحكاية يا عمو إن مراد من كتر حبه في حضرتك بيقلدك في كل حاجة، وبيحط الشغل نمرة واحد في حياته ومن بعده أي حاجة تانية حتى رهف.. وده كاسر قلبها وواجعها."
مدكور:
"أنا مش فاهم حاجة.. وضحي كلامك."
هدى:
"يا عمو حضرتك عارف إن مراد بيقضي يومه بالكامل في المجموعة."
مدكور:
"شغلنا يا بنتي، ولو ما عملناش كده هنتسرق."
هدى:
"وما أقدرش أعترض، لكن باقي يومه يا عمي، وباقي حياته.. مراته اللي تبقى بنتك دي.. رهف يا عمو."
مدكور:
"مالها رهف، ماهي طول عمرها وهي عارفة طبيعة شغلنا.. يبقى إيه اللي جد بقى؟"
هدى:
"اللي جد إنها بقت جزء أصيل من حياة مراد، الست بتبقى محتاجة تحس باهتمام جوزها وحبه وحنانه."
مدكور:
"وده إيه علاقته بشغله؟"
هدى:
"المفروض إن مالوش علاقة، بس عند مراد مافيش بواقي، مراد ما بيبقاش عنده أي حاجة يقدمها لرهف بعد شغله. حضرتك ابتديت تدي وقتك كله للشغل بعد وفاة مامة رهف الله يرحمها، كلنا وقتها كنا معتقدين إنها فترة وهتعدي وهترجع من تاني لطبيعتك، لكن مع الوقت كنت بتغرق نفسك في الشغل أكتر وأكتر، ومراد بيقلدك وبيعمل زيك. يعني مراد ابتدى من مكان حضرتك ما وصلت، ما أدّاش لنفسه حتى فرصة إنه يجرب طعم الدنيا وحلاوتها. أنا متهيأ لي وقت ما ربنا يرزقهم بأولاد مراد مش هيقدر حتى يكيف مشاعره كأب."
مدكور برفض:
"لا طبعًا مش للدرجة دي أبداً."
هدى بمهادنة:
"يا عمو.. مراد ورهف وصلوا لمرحلة الخرس الزوجي من قبل ما يمر على جوازهم شهرين."
لتنكمش ملامح مدكور بصدمة ويقول:
"وليه رهف ما تحتويش…."
هدى مقاطعة إياه:
"لا يا عمو.. رهف حاولت بأكتر من طريقة وبأكتر من مرة وأنا أول شاهد على الكلام ده، لكن مراد بقى عامل زي الإنسان الآلي اللي بيشتغل أوتوماتيك وبيفصل برضه أوتوماتيك لمجرد الأكل والنوم وبس."
مدكور بتفكير:
"طب وإنتِ عاوزاني أعمل إيه؟"
هدى بمكر:
"عاوزاك تساعدني في اللي ناويين نعمله."
مدكور بفضول:
"واللي هو إيه بقى بالظبط؟"
هدى بابتسامة مشاغبة:
"هقول لك."
***
عودة من الفلاش باك.
رهف بفضول:
"ووافقه؟"
هدى:
"عيب عليكي."
رهف:
"وما أزعلش مني إني سافرت من غير ما أقول له؟"
هدى:
"هو طبعاً في الأول زعل وقعد يقول إن كده غلط وما يصحش وما ينفعش، بس أنا فهمته إنك سافرتي وإنتي سايبالي مهمة الكلام معاه. وخذي بالك، هو جايلك هو وتالا وباباها بكرة، وتقريباً هيفعدوا يومين أو تلاتة ويرجعوا من تاني."
رهف:
"أيوه، عرفت من الشغالين، بابا كلمهم وبلغهم."
هدى:
"ودادة جتلك ولا إيه؟"
رهف:
"دادة معايا من وقت ما وصلت، وأمينة هتيجي بالليل تبات معايا."
***
في مجموعة العزيزي، في نهاية اليوم.
كان مراد مع مدكور بمكتبه وقد أعد له بعض الملفات التي سوف يحتاج إليها بأسيوط. فقدمها له قائلاً:
"كده كله تمام يا عمي، ولو احتجت أي حاجة تانية كلمني وأنا أبعتهالك على الإيميل."
مدكور:
"ماشي، رغم إنك لو حبيت تيجي معانا يبقى أفضل."
مراد:
"حضرتك ما قلتش إنك عاوزني معاكم."
مدكور:
"مانا ما كنتش أعرف إن رهف مسافرة، لكن طالما إنها هناك يبقى إيه المشكلة لو جيت معايا."
مراد بفضول:
"وهو حضرتك عرفت منين إنها مسافرة؟"
مدكور ضاحكاً:
"وإنت فاكر إنها عشان بقت مراتك يبقى أنا كده خلاص اتركنت على الرف؟ فوووق يا أستاذ، أنا الأساس."
مراد باستدراك:
"آه طبعاً.. حضرتك الخير والبركة، أنا أقصد يعني هي رهف كلمتك إمتى؟"
مدكور:
"سيبك من الكلام ده وقول لي.. ها هتسافر معايا وتقضي يومين مع مراتك ولا هتفضل هنا؟"
مراد بتردد:
"مش عارف.. ما عملتش حسابي."
مدكور وهو ينهض ويستعد للمغادرة:
"عموماً من هنا لبكرة تكون فكرت، وهو على الأقل تحضر معانا عزومة جاسر اللي عاملها على شرف سليمان وزيارته للمشروع."
***
أما بمجموعة الأنصاري، فكان سليمان يتكلم بغضب قائلاً:
"ما كانش المفروض برضه تمضيلهم على الأذونات يا تالا."
تالا:
"يا دادي حاصرني.. هو من ناحية ومراد من ناحية، كنت هعمل إيه؟"
سليمان:
"كنتي تتحججي بأي حجة."
تالا:
"مانا الأول اتحججت إن دفتر الشيكات مش معايا، لقيته طلّعلي بموضوع أذونات الدفع دي، زي ما يكونوا كانوا عاملين حسابهم ومحضرينها بالمليم."
سليمان:
"يعني إيه.. مش هنعرف نستفيد منه بأي حاجة خالص؟"
تالا:
"طلع تعلب فعلاً يا دادي، بس لأ.. تعلب إيه.. ده غول."
سليمان باستنكار:
"يعني إيه.. هترفعي الراية؟"
تالا بحقد:
"لا طبعاً، أنا كلمت ناس صحابي على التركيبة اللي قلتلك عليها وخلاص هانت، على ما نرجع من أسيوط هتكون التركيبة عندي."
***
مساءً بفيلا رهف بالقاهرة.
كان مراد يجلس بصحبة هدى التي قالت له:
"يعني هتسافر مع عمو ولا هتفضل هنا؟"
مراد:
"مش عارف."
هدى:
"عمو خلاص مسافر الصبح، يعني المفروض تكون حددت وخدت قرار من دلوقتي."
مراد:
"يعني هسافر وأسيبك إنتي وتميمة لوحدكم؟"
هدى بامتعاض:
"يعني مش عاوز تسيبني لوحدي وهتسيب مراتك لوحدها عادي؟"
مراد:
"ما عمي هيبقى معاها."
هدى:
"وهيرجع وهيسبها."
مراد:
"أيوه بس معاها أمينة ودادة زينب."
هدى بسخرية:
"آه صحيح.. كنت ناسياهم."
مراد:
"طب لو سافرت تيجي معايا."
هدى:
"أكيد لأ، لأني وعدت رهف إني آخد بالي من الشغل في الأتيليه على ما تناقش الرسالة بتاعتها، وما تنساش إني بقيت أعتبر شريكة معاها هي وأمينة، يعني مسؤولة. بس عاوزة أقول لك ماتحملش همي.. أنا موجودة هنا ومعايا الشغالين وبعدين ده هم تلت أيام مش قصة يعني."
ليعلو صوت هاتف هدى لتجد أن زوجها هو المتصل لترد عليه بسعادة طاغية قائلة:
"أحمد حبيبي وحشتني."
أحمد:
"حبيبتي.. إنتي وحشتيني جداً، مش عارف أوصفلك أد إيه."
هدى:
"إنت وحشتني قد الدنيا كلها."
أحمد:
"طمنيني عليكي عاملة إيه."
هدى:
"أنا كويسة يا حبيبي الحمد لله، وإنت عامل إيه طمنني عليك."
أحمد:
"بخير يا حبيبتي، وتميمة كويسة.. وحشتني."
هدى:
"وتميمة كمان كويسة، لو كنت اتصلت بدري ساعة واحدة كنت لحقتها قبل ما تنام، بس إنت كمان وحشتها جداً، ما بتبطلش سؤال عنك."
أحمد:
"وإنتي كمان كنتي هتنامي؟"
هدى:
"لا.. قاعدة مع مراد."
أحمد:
"والله، طب اديهولي أسلم عليه."
لتمد هدى يدها بالهاتف لمراد قائلة:
"أحمد عاوز يسلم عليك."
ليتناول مراد الهاتف ويقول:
"أبو حميد.. عامل إيه؟"
أحمد:
"الحمد لله والله يا مراد، إنت أخبارك إيه.. كله تمام."
مراد:
"كله تمام وإنت الدنيا عاملة معاك إيه؟"
أحمد:
"ما إنت عارف.. ببقى زي اليتيم من غير هدى."
مراد:
"أومال وافقتها ليه إنها تسيبك كل ده؟"
أحمد:
"حسيتها مش مبسوطة وهي بعيدة عنكم، وخصوصاً إن شغلي بيخليني أغيب عن البيت فترات طويلة. بس ما أخبيش عليك، ناوي أخليها تيجي بعد ما رهف تناقش الرسالة بتاعتها، مش عارف أقعد من غيرها."
أحمد ضاحكاً:
"المفروض إنك اتجوزت وعرفت إنه مش كلام كتب، يعني بزمتك لو رهف سافرت وسابتك لوحدك هتعرف تعيش من غيرها؟"
مراد ببعض الجمود:
"خليك إنت في حالك وخد مراتك أهي وهسيبكم تحبوا في بعض براحتكم وهطلع أنام.. سلام."
ليعيد مراد الهاتف مرة أخرى لهدى ويتجه إلى الدرج صاعداً لغرفته. وسؤال أحمد يتردد في ذهنه بإلحاح.. يعني بزمتك لو رهف سافرت وسابتك لوحدك هتعرف تعيش من غيرها؟
ليجد مراد نفسه لا يستطيع الإجابة على ذلك السؤال البسيط للغاية.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ميمي عوالي
ظل مراد يتقلب على فراشه معظم الليل بعد أن أصابه أرق لم يعرفه من قبل. فكلما حاول الخلود إلى النوم، كان يتذكر كلمات أحمد، فيذهب في حوار طويل مع نفسه وهو يحاول الوصول إلى إجابة، ولكن كان يريد إجابة لسؤاله هو نفسه وليس لسؤال أحمد. فقد وجه سؤالاً إلى نفسه لم يستطع الإجابة عليه. وكان سؤاله التالي: إذا كان بعد رهف عنه قد أثار غضبه وحنقه أيضاً، فهل بعده عن رهف يثير بداخلها أيضاً هذا الغضب؟ هل يملؤها الحنق هي الأخرى بسبب ابتعادهما؟ ولكن كيف تكون حانقة في حين أنها لم تكترث به من الأساس ولم تولِ أخباره بسفرها أي اهتمام؟ فأين ذهب شغفها به الذي كان يستشعره منذ سنوات رغم جموده المقابل؟ كان يستشعر اهتمامها المغلف بالخشية والرهبة رغم إهماله غير المبرر. إلا أنها لم تتوقف لحظة عن أداء دورها بإتقان شديد. فماذا حدث؟ لماذا انقلبت تلك الموازين التي حكمت علاقتهما طوال تلك السنوات رأساً على عقب؟ ليظل طوال ليلته في نقاش طويل مع نفسه أبعد النوم عن جفنيه حتى الصباح.
وفي الصباح، هبطت هدى من غرفتها بصحبة تميمة لتتفاجئ به قد أوشك على إنهاء قهوته.
فقالت بدهشة:
يا صباح النشاط والحيوية، انت صحيت امتى؟
مراد وهو يقبل تميمة في حين يرْتَسِمُ الإرهاق بوضوح على محياه:
صباح الخير.. صحيت من بدري، قلت أشوف اللي ورايا عشان ألحق أسافر مع عمي.
هدى بخبث:
قررت تسافر لها يعني؟
مراد دون أن ينظر إليها:
عندنا ميتنج مهم هنحضره مع شراكاتنا هناك.
هدى بمكر:
امممممم.. ميتنج.. قلتلي، بس أنت شكلك مانمتش كويس يا مراد، أو يمكن مانمتش خالص.
مراد:
آه يعني، كنت بظبط شوية حاجات كده عشان الشغل.
هدى:
وهتسوق إزاي لحد أسيوط وأنت مانمتش كده؟ طب ما تسافر أنت طيران زي رهف.
مراد وهو ينهض مودعاً إياهم:
مانتي عارفة مابستغناش عن العربية هناك، بس ماتقلقيش.. هاخد معايا حد يسوق لي العربية. يالا أنا همشي بقى وهشوفك أكيد قبل ما أسافر.
هدى:
ماشي يا حبيبي، ابقى كلمني بقى عشان تعرف إحنا فين.
تميمة:
هو أنت رايح عند رهف يا خالو؟
مراد بابتسامة حانية:
آه.. تيجي معايا؟
تنظر تميمة إلى أمها قائلة برجاء:
عاوزة أروح لرهف.
هدى لمراد بتأنيب:
عاجبك كده.. أديك شبطتها.
مراد:
وإيه المشكلة؟ سيبها تيجي معايا على الأقل تريحك شوية.
تميمة بمحايلة:
آه يا مامي عشان خاطري، عاوزة أروح عند رهف.
مراد:
خلاص يا هدى جهزي لها شنطة صغيرة وهاخدها معايا.
هدى:
مين بس فاضي لها هناك يا مراد؟
مراد:
يا ستي ماتشغليش دماغك، وبعدين دادة زينب هناك بالدنيا كلها.
هدى:
عندك حق، بس خايفة تزن وتقول لكم أروح لمامي، هتعملوا إيه بقى ساعتها؟
تميمة:
لا يا مامي وعد مش هعمل وحاشة ومش هزن، وهخلي الفون بتاعي على طول مفتوح معاكي لحد أما أنام.
هدى باستسلام:
خلاص ماشي.. أنا مش هنزل الأتيليه لحد ما ترجع أكون جهزتها.
تصعد هدى إلى غرفتها لتجهيز حقيبة تميمة وتقوم بمهاتفة رهف التي أجابتها سريعاً قائلة:
صباح الخير.
هدى:
صباح المفاجآت.
رهف بفضول:
خير.. مفاجآت إيه دي يا ترى على الصبح؟
هدى بمرح:
الظاهر إن جوزك مش قادر على بُعادك فقرر يجيلك مع عمو.
رهف بتوتر:
هو قال لك حاجة؟
هدى:
لا.. كل اللي قاله إنه مسافر مع عمو عشان عندهم ميتنج مهم لازم يحضره.. بس المهم بقى إن الست تيمو شبطت فيه لما عرفت إنه مسافر لك وصممت تيجي معاك.
رهف:
يا أهلاً بيها، هتنور وتسليني.
هدى بتحذير:
خدي بالك.. أنا مش عاوزاه يلاقيِك وقت فراغ، يعني عاوزاه يشوفك بالصدفة.. فهماني؟
رهف:
ماتقلقيش.. بس عاوزاكي تبعتي جهاز الديكت بتاع تيمو معاها عشان أبقى على طول متابعاها لو انشغلت عنها شوية وأنا بذاكر.
هدى بتفكير:
تصدقي صح.. برافو عليكي، هحطهولها حالا في الشنطة بس أوعي ترجعيلي من غيره، وهو تبقى أنتِ معاها من ناحية وأنا على التليفون من ناحية.
رهف:
بس ما قلتيليش.. مراد قال لك أي حاجة عليا؟
هدى:
إمبارح أحمد كان بيكلمني وأخد الفون يسلم عليه ورماه له كلمتين كده حاله اتقلب بعدهم.
رهف بفضول:
كلمتين إيه دول؟
هدى:
يعني عن حاله بعد الجواز وإنه أكيد مابقاش يقدر يبعد عنه.
رهف:
و حاله اتقلب بعدها إزاي يعني؟
هدى:
تحسيه قفش كده وراح مديني الفون وسابني وطلع عشان ينام، وأما صحيت النهاردة لقيته صحي وفطر وكان بيشرب القهوة كمان، وشكله مانامش كويس.. وأما سألته قالي إنه كان بيخلص شوية شغل.
رهف:
مراد عمره ما أخد معاه شغل في أوضة النوم.
هدى ضاحكة:
طب ما أنا عارفة.. بس عملت روحي مصدقاه.. المهم أنا مش عاوزاكي تنسي اللي اتفقنا عليه.
رهف:
حاضر.. مش هنسى ماتقلقيش.
***
كانت رهف قد أشرفت على تجهيز الغداء بمساعدة زينب، وقامت بتجهيز حالها والاعتناء بمظهرها فوق العادة انتظارا لقدوم زوجها وأبيها ومن بصحبتهما.
وكان مدكور هو أول الوافدين بصحبة تالا وسليمان. فرحبت بهم رهف وارتمت بأحضان أبيها بشوق حقيقي قائلة:
ازي حضرتك يا بابا.. وحشتني.
مدكور:
لو كنت وحشتك صحيح كنتي جيتي تشوفيني، لكن الظاهر إنك خلاص استغنيتي عني.
رهف:
عفواً يا بابا.. هو أنا أقدر أستغنى عن حضرتك برضه، ده أنا ماليش غيرك.
تالا:
إزيك يا رهف، ده أنا قلت إنك مش هتهوبي ناحية الصعيد تاني.
رهف:
محدش بيقدر يخلع نفسه من جذوره يا تالا، وهنا جذوري كلها.
سليمان:
الحقيقة الجو هنا جميل جداً.
تالا بسخرية:
بس تحس إنك في فيلم أبيض وأسود.
رهف:
طب هو في أحلى من الأفلام الأبيض والأسود؟
ليدخل عليهم مراد وبيده تميمة قائلاً:
السلام عليكم.
ليرد الجميع السلام في حين تجري تميمة إلى أحضان مدكور قائلة بسعادة:
أنا جيت يا جدو.
ليحتضنها مدكور ويقبلها بسعادة قائلاً:
أهلاً بحبيبة جدو.. إيه المفاجأة الحلوة دي.
لتتركه تميمة وتسرع إلى أحضان رهف وهي تقول:
أنا جيت مع خالو عشان أقعد معاكي يا رهف.
رهف بحب:
ده أنتي هتنوري يا رهف يا قلب رهف.
أما مراد، فبعد أن تبادل السلام والتحية مع مدكور وسليمان وتالا، اتجه إلى حيث تقف رهف وانحنى مقبلاً إياها بجبهتها قائلاً ببعض الجمود:
إزيك يا رهف؟
رهف وكأنها ترحب بضيف عزيز:
أهلاً أهلاً يا مراد.. حمد الله على السلامة.
ثم اتجهت بحديثها للجميع وقالت:
اتفضلوا كلكم غيروا هدومكم على ما أخليهم يحضروا لنا السفرة، متهيألي مش محتاجة أعرف حد على مكانه، وحضرتك يا عمو سليمان الأوضة اللي نزلت فيها قبل كده جاهزة لاستقبال حضرتك.
ثم نظرت لتميمة قائلة:
وإنتي يا تيمو.. تعالي يالا نغسل ايدينا وشنا من تراب السفر ونغير هدومنا وننزل مع بعض تاني.
لتسرع إلى الأعلى بصحبة تميمة إلى غرفتها القديمة. وعندما اتجه الجميع إلى أماكنهم، وقف مراد بوسط الردهة وهو لا يعرف إن كان يتجه هو الآخر إلى غرفته القديمة أم يذهب إلى غرفة رهف، ولكن قرر أن يذهب إلى غرفتها ويدق بابها. وعندما أذنت له بالدخول، وجدها تلبس تميمة بيدها جهاز الديكت الخاص بها وقالت:
أوعى تخلعيه من إيدك عشان أبقى على طول سامعاكي وعارفة أنتي فين.. ماشي.
وعندما أومأت لها تميمة بالطاعة، التفتت لمراد قائلة بعملية شديدة:
خير يا مراد كنت محتاج حاجة؟
مراد وهو يحاول مداراة ضيقه من معاملتها الجافة له:
أبدا.. بس كنت بشوفهم حطوا لي شنطتي فين.
رهف وهي تنهض من جلستها وتسحب تميمة معها بهدوء:
خليهم حطوهالك في أوضتك.. معلش بقى مش هينفع أسيب تميمة تنام لوحدها.
مراد:
طب ما ممكن دادة زينب تنام معاها.
رهف وهي تتجه للخارج:
دادة طلبت مني تبات في بيتها اليومين دول عشان بتجهز مع أمينة حاجتها.. خلاص حددوا جوازهم بعد شهر بالظبط.
مراد باستنكار:
أنور ما قاليش يعني؟
رهف بابتسامة ممزوجة بالمرارة:
أمينة صممت إن الفرح يبقى بعد مناقشة الرسالة بتاعتي بأسبوع عشان ماتسيبنيش لوحدي قبلها.. بعد إذنك أنا هنزل أشوفهم جهزوا الغدا ولا لسه.
لتتركه بوسط الغرفة دون أن تنتظر منه أي رد، ليقف متسائلاً بدهشة:
من تلك المرأة؟
وقبل أن ينصرف إلى غرفته القديمة، لمح الجزء الآخر من جهاز الديكت على الفراش، فقد غفلت عنه رهف قبل انصرافها. فتناوله ودسه بجيب بنطاله واتجه إلى غرفته.
وبعد أقل من نصف الساعة.. كان الجميع يلتف حول مائدة الغداء بقصر العزيزي، وكانت رهف تتألق على أكثر من عادتها وتقوم بدورها كسيدة المنزل بجدارة.
فقال سليمان بمرح:
الحقيقة يا رهف أنتي لولا مراد خطفك من زمان أنا ما كنتش سيبتك أبداً غير أما اتجوزتك.. ده أنتي لقطة.
وقبل أن تجيبه رهف، قال له مراد بجمود يعلو وجهه:
المجاملة ما توصلش أبداً لكده يا سليمان بيه.
سليمان وهو ما زال على مرحه:
يا خبر يا خبر.. أنا شكلي عكيت الدنيا، ما تأخذنيش يا مراد أنا ما أقصدش حاجة، أنت عارف إني طول عمري بعتبر رهف زي تالا بالظبط.. يعني في عمر بنتي.
قالها سليمان وهو يضغط على مخارج الحروف كأنه يوجه رسالة إلى مدكور يذكره فيها بفارق العمر الشاسع بينه وبين تالا، واستقبلها مدكور بابتسامة سخرية وانتقل ببصره إلى رهف قائلاً:
ما قلتيليش يا رهف.. المناقشة خلاص كده معادها اتحدد بمعاد نهائي؟
رهف وهي تطعم تميمة:
أيوه يا بابا بعد تسعة عشر يوم بالظبط من النهاردة.
مدكور:
طب أنتي مش محتاجة أي حاجة مني أعملها لك؟
رهف بابتسامة امتنان:
محتاجة دعواتكم.
مدكور:
إن شاء الله امتياز زي الماجستير.. أنتي تعبتي وأكيد تعبك ده هتجنيه كويس وتقدرى تحددي اتجاهاتك بعد كده بالظبط.
تالا:
أهم حاجة إنك هتبطلي مذاكرة.. دي لوحدها أكبر حاجة هتحققيها.
رهف:
ومين قال كده، أنا لو اتعينت في الجامعة عمري ما هبطل مذاكرة.
تالا:
بس كده مش هيبقى كتير عليكي.. أقصد يعني الأتيليه المفروض إنه واخد كتير من وقتك.
رهف وهي تنظر لمراد بزاوية عينيها:
وده اللي أنا بحاول أعمله.. إني أملى وقتي بالكامل.. مش عاوزة يبقى عندي أي وقت فراغ.
وأثناء تناولهم القهوة بشرفة القصر، قال مراد:
جاسر كلمني وأنا جاي في السكة وقال لي إن فيه عميل عندهم عاوز يتعرف عليك يا عمي وبيفكر يتعامل معانا في كذا مشروع برة مصر وجواه.
مدكور:
ومين العميل ده؟
مراد:
زيد السيلامي.
سليمان بانشداه:
زيد السيلامي صاحب منتجع أزياد بتاع الإمارات؟
مراد:
تقريباً هو.
مدكور:
انت تعرفه يا سليمان؟
سليمان:
ومين ما يعرفوش، ده أشهر من نار على علم.
مدكور:
أنا ما أعرفوش، أنت اتعاملت معاه يعني قبل كده؟
سليمان:
الحقيقة لا.. بس ده عاوز يشتغل معاك في إيه وهو أصلاً أكبر منك ومني أنا ذات نفسي، وكمان شغله كله مش في مصر أصلاً.
مراد:
ماهو ده اللي جاسر قالهولي.. قال إنه اتعرف عليه من خلال شغل الأثاث بتاعه، وقال إن زيد عاوز يعمل منتجع في مرسى علم يبقى زي أزياد كده وحتى بيفكر يسميه أزياد مصر عشان الناس تبقى عارفة إنه تبع أزياد الإمارات بس طبعاً عاوز شركة كبيرة في مصر هي اللي تنفذ.
مدكور:
وهو عاوزنا إحنا ننفذ له المشروع؟
مراد:
زيد كان عاوز جاسر اللي ينفذهوله، بس أنت عارف جاسر مابيحبش يطلع برة الصعيد، وكمان جاسر عارف إننا اشتغلنا أكتر من مرة في مرسى علم فرشحنا ليه وقال له إننا نعتبر واحد وقال لي إنه هيعزمه على العزومة اللي عاملها على شرف سليمان بيه بكرة.
سليمان بدهشة:
وجاسر يضيع من إيده عملية زي دي لمجرد إنه مابيحبش يطلع برة الصعيد؟
مدكور:
جاسر على قد ما بيحب السفر والمغامرة إلا إنه في المقاولات بالذات مابيحبش يغامر بيها لأنها ميراث العيلة، لكن لما بيبقى شغل خاص بيه بيدوس وما يهموش حاجة، بس ماتستغربش أوي كده، ياما جه للجروب عندي عمليات كبيرة وكنا بنبعتها لجاسر يقوم بيها هو.
كانت رهف أثناء ذلك بالحديقة مع تميمة وهي تلهو معها وتشاركها بعض ألعابها تحت مراقبة مراد لها من مجلسه. وبعد برهة تركهم مدكور لأداء الصلاة ليلحق به مراد ليقول سليمان لتالا:
ما تيجي نخرج نقعد برة أحسن.
ليذهبا إلى الحديقة ليجدا رهف تقول لتالا:
معلش يا تالا.. يا ريت بس تخلي عينك على تيمو على ما أصلي المغرب وأجي.
تالا:
آه طبعاً سيبها ماتقلقيش.
رهف موجهة حديثها لتميمة:
خليكي هنا يا تيمو اقعدي ارسمي جنب طنط وجدو على ما أصلي.. ماشي.
تميمة بطاعة:
ماشي بس مش تتأخري.
لتتركهم رهف ليجلسوا بارتياح في حين كان سليمان يتلفت حوله ليتأكد أنهم في منأى عن أي متطفل قد يسترق السمع لهم وهو يقول:
إحنا هنا ممكن حد يسمعنا.
فقالت تالا بطمأنة:
ماتقلقش.. إحنا في أمان.
سليمان:
إيه رأيك في اللي سمعتيه؟
تالا بخبث:
زيد السيلامي جالنا هدية ملفوفة بورق سوليفان.
سليمان:
أنا أعرف إنه له في الشغل بتاعنا.
تالا:
أنا كمان كنت سمعت الكلام ده، بس الحقيقة ما حاولتتش أدور وراه، بس أكيد مدكور هيدور وراه.
سليمان:
أنا لازم آخد العملية دي من مدكور بأي تمن، لازم أبقى أنا الشريك الأوحد للسيلامي هنا في مصر.
تالا:
الحقيقة مدكور فتح لنا باب نعرف منه ناس هتنفعنا كتير، رغم إن يوم ورا التاني و زهقي منه بيكبر.
سليمان:
عملتي إيه في موضوع الهرمونات؟
تالا:
أول ما نرجع القاهرة هيبقى معايا، وأنا ابتديت أستعد له وأخد خطواتي.
سليمان:
خطوات إيه دي؟
تالا:
ابدأ، ابتديت أعوده على كوباية عصير أناناس فريش قبل النوم.
سليمان:
وإشمعنى بقى؟
تالا:
قالوا لي إن الأناناس أكتر طعم قريب من طعم الهرمونات دي فمش هيحس بطعمها لما أحطهاله في العصير.
سليمان:
طب مش ممكن يشك فيكي بسبب العصير ده؟
تالا بخبث:
لا.. ما أنا أول ما بقدمهوله بشرب معاه في قعدة صفاء قبل النوم.
ليضحك سليمان عالياً وهو يقول:
معلش بقى يا مدكور ده بيبقى نصيب يا حبيبي.
ثم أردف قائلاً: بس إحنا كنا عاوزين نخطط ونشوف إزاي هنلف على السيلامي ده بعيد عن مدكور ومراد.
تالا:
مش هنقدر نفكر في حاجة معينة قبل ما نقابله ونقعد معاه.
سليمان:
مش هنستنى كتير، ده هو بكرة، ومن هنا لبكرة عاوزين نجمع أكبر قدر من المعلومات عنه.
***
وباليوم التالي، كان حفل استقبال فاخر بقصر علم الدين، والذي كان قصراً منيفاً قريباً إلى حد كبير من قصر العزيزي، ولكن يركن إلى الحداثة في أثاثه ومقتنياته. ففي قصر العزيزي ما زال محتفظاً برونقه الأصيل الذي يرجع إلى ربما قرن مضى من الزمان.
إلا أن قصر علم الدين ينتمي أثاثه إلى أحدث الصيحات وأرقاها على الإطلاق بجانب الكثير من التحف والانتيكات التي وضعت بعناية شديدة في مدخل البهو الضخم للقصر.
وكان جاسر ومؤمن في استقبال مدكور ومن بصحبته، وقاموا بالترحيب بالجميع ليجلسوا معاً في جو من الود والألفة، وقد نالت رهف القدر الأكبر من ترحيب السيدات بعد أن انضمت إليهم شريفة زوجة جاسر، والتي كانت المرة الأولى التي يراها فيها الجميع.
فقالت لها رهف:
أنا سعيدة إني اتعرفت عليكي، ماتعرفيش أنا حبيتك إزاي من كلام رقية وسميحة وبثينة عنك.
شريفة برقة متناهية:
أنا اللي مبسوطة إني أخيراً شفتك، لأن أنا كمان كان نفسي اتعرف عليكي من كتر ما اتكلموا وحكوا لي عنك.
رهف:
طب كنتي مستخبية عننا ليه المدة دي كلها؟
رقية بمرح:
يا ستي جاسر بيغير عليها موت، ده لو طال هيخبيها عننا إحنا كمان.
جاسر ضاحكاً:
وكمان لولا إن الحفلة عندنا ما كانش حد شافها المرة دي كمان يا ست رقية.
تالا:
بس جاسر بيه طلع ذوقه يجنن.
جاسر:
ده يا ترى عن إيه بالظبط؟
تالا:
الحقيقة في كل حاجة، وأولهم الديكور.
جاسر:
عجبك؟
تالا:
يجنن، أنا مش مصدقة إني قاعدة في قلب الصعيد.
مؤمن:
أومال لو شفتي فيلته الخاصة.
سليمان:
أومال إحنا هنا فين؟
جاسر:
ده قصر العيلة، يعني كان ملك جدي الكبير علم الدين، وزي ما مدكور بيه عارف إننا في العيلة قررنا نسيب كل حاجة زي ما هي، حتى القصر هنا قررنا نسيبه عشان نتجمع فيه ونعمل فيه مناسبات.
سليمان بإعجاب:
الحقيقة كل ما دا وإعجابي بيك وبتفكيرك بيزيد يا جاسر بيه.
جاسر:
ده شرف كبير يا سليمان بيه.
سليمان:
أومال يا ترى فين الضيف اللي سمعت عنه؟
جاسر:
هينزل حالا.
مدكور:
ينزل منين؟
جاسر:
أنا مستضيفه هنا.. ما يصحش أسيبه ينزل في أوتيل وأنا موجود ولا إيه.
مدكور:
طول عمرك صاحب واجب يا جاسر.
ليستمعوا لصوت خطوات مسرعة على الدرج ليجدوا رجلاً أربعينياً يبدو عليه النشاط والقوة يأتي عليهم مسرعاً ويقول:
مسا الخير.. لا تأخذوني على التأخير.
لينهض الجميع في استقباله في حين قال جاسر:
أقدم لكم زيد بيه السيلامي اللي منورنا ومنور مصر كلها.
ليتبادل الجميع التحية في حين قال زيد بمرح:
والله مصر منورة بكل أهاليها.
سليمان:
الحقيقة أنا أسمع عنك من زمان يا زيد بيه وكنت متخيل إنك أكبر من كده بكتير، بس يا ترى بقى مش جايب معاك المدام ليه؟
زيد ضاحكاً:
أنا ماني متزوج سليمان بيه.
ثم نظر زيد إلى النساء وقال بمرح وهو يركز بنظراته على تالا:
لكن والله ما تعتبروها معاكسة.. بس ستات مصر خلوني أفكر أتجوز.
ليضحك الجميع على تعليق زيد، بينما قالت تالا:
بس أنت بتتكلم مصري كويس قوي.
زيد:
ده لأني متعلم بمصر وقضيت فيها أوقات كتير حلوة.
تالا:
ويا ترى ناوي تقعد في مصر كتير المرة دي؟
زيد وهو ينظر لمدكور:
والله لسه مش عارف، على حسب رأي مدكور بيه.
مدكور:
أنا ما أقدرش أقول رأيي قبل ما تبقى أوراق المشروع بالكامل قدامي يا زيد بيه.
زيد:
وأوراق المشروع بالكامل هتبقى بين إيديك بكرة الصبح، وأنا الحقيقة سمعت عنك كتير من جاسر بيه، وعن سليمان بيه كمان، ويسعدني لو المنتجع تم بتعاون كامل ما بيننا كلنا.
سليمان بتأييد:
طبعاً طبعاً يا زيد بيه ده شيء يسعدنا كلنا.
زيد:
يبقى بكرة إن شاء الله نجتمع كلنا مع بعض وأعرض عليكم المشروع بالكامل.
مدكور:
هو مشروع ولا منتجع؟
زيد:
الحقيقة هو ميكس.
مدكور:
مش فاهم.
زيد:
طبعاً في الأساس هو منتجع سياحي، لكن كمان هيبقى ملتقى تجاري لمرسى علم بالكامل، لأني ناوي أعمل زي مركز تجاري يبقى زي ملتقى لكل احتياجات المدينة.
مدكور:
تقصد سوق تجاري؟
زيد:
الحقيقة أكبر من كده بكتير.
مراد:
يعني عاوز تعمل ملتقى لرجال الأعمال؟
زيد ضاحكاً:
أنا رجال الأعمال.. أنا بشتغل في كل حاجة، يبقى ليه أستعين بحد تاني، اللي أقصد إنه هعمل منطقة حرة يبقى فيها كل ما لم تره عين من قبل.
مراد:
بس الحكاية دي هتبقى محتاجة تصاريح كتير أوي.
مدكور بعد فترة صمت قصيرة:
جاسر يعرف عني إني بحب الوضوح والصراحة، وأنا شايف إن مشروع زي كده أكبر من إمكانيات شركتي بكتير.
زيد:
مش فاهم.. يعني بتعتذر عن المشروع ولا محتاج دعم؟
مدكور:
ياريت تاخدها بصدر رحب، لكن أنا فعلاً مش هقدر في الوقت الحالي إني...
ليقاطعه سليمان قائلاً:
رغم إننا متعودين من فترة نشتغل بشراكة واحدة، لكن لو أنت فعلاً بتنسحب فأنا يسعدني إن أحل مكانك بالكامل يا مدكور بيه، مشروع زي ده نقلة تانية في دنيا المعمار والمقاولات.
زيد:
تقصد إنك هتقدر تقوم بالمشروع بالكامل لوحدك يا سليمان بيه.. هتقدر؟
تالا:
وأنهي شركة مقاولات في مصر تقدر لو مجموعة الأنصاري ما قدرتش يا زيد بيه.
زيد بابتسامة:
يبقى اتفقنا.
تالا:
مبروك علينا وعليك، ونجتمع بكرة نناقش كل التفاصيل.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل السادس عشر 16 - بقلم ميمي عوالي
بعد انتهاء حفل الاستقبال وعودة الجميع إلى قصر العزيزي، قال سليمان موجهاً حديثه لمدكور بفضول:
"إنما يا مدكور، انت ليه رفضت العملية دي؟ مع إنها كانت هتنقل الجروب عندك نقلة كبيرة وهتفتحلك آفاق جديدة قدامك سنين على ما تقدر توصل لها."
رد مدكور:
"مانت عارفني يا سليمان… مابحبش الشغل اللي بيبقى له ريحة وحشة."
سليمان بفضول:
"تقصد إيه؟"
واتجه سليمان نحو الدرج قائلاً:
"أقصد إنك أكيد أنت كمان عملت سيرش على اللي اسمه زيد ده زي ما أنا عملت بالظبط، وأكيد برضة عرفت الكلام اللي بيتقال عليه زي ما أنا عرفت بالظبط."
سليمان:
"وافرض… هو أنت هتناسبه؟"
التفت له مدكور قائلاً:
"يا سيدي لا أناسبه ولا يناسبني، حلال عليك العملية، مبروك. أما أنا بقى… فمحتاج إني أفلتِر الناس اللي بشتغل معاهم الفترة الجاية. تصبحوا على خير."
والتفت مرة أخرى تاركاً إياهم وذهب إلى الأعلى. لتلحقه رهف بعد أن ألقت عليهم تحية المساء، ليلحق بها مراد هو الآخر بعد أن فعل بالمثل. لتنظر تالا إلى سليمان قائلة بابتسامة واسعة:
"مبروك يا دادي."
سليمان بتردد:
"الله يبارك فيكي يا بيبي، بس مش عارف ليه حاسس إن مدكور مش طبيعي."
تالا:
"ليه بتقول كده؟"
سليمان بحيرة:
"مش عارف… بس فجأة كده يتخلى عن عملية بملالين بالشكل ده."
تالا بامتعاض:
"مانت خلاص عرفت دماغه عاملة إزاي."
سليمان بتفكير:
"وإيه حكاية إنه هيفلتر الناس اللي بيشتغل معاهم دي كمان؟ تفتكري يقصدنا بكلامه ده؟"
تالا:
"مش عارفة، بس حتة خروجه وبعده عن المشروع ده مصلحة، وأحسن حاجة إنها جت منه، ما إحنا كنا لسه امبارح بنفكر نبعده إزاي."
سليمان:
"ده أنا قلت هنتعب أوي على ما نعرف نعمل كده، وكنت مفكر إن غالباً هنفشل في إننا نوصل للي عايزينه."
تالا:
"بس تفتكر اللي اسمه زيد ده إزاي يبقى معروف عنه نشاطه في السلاح بالشكل ده ويبقى بيتعامل كده عادي وسايبينه يدخل ويخرج البلد بالشكل ده؟"
سليمان:
"طالما ماحدش عرف يمسك عليه حاجة هيعملوا إيه يعني."
تالا بتفكير:
"بس ممكن يكون متراقب مثلاً."
سليمان:
"تؤ… اللي زي زيد ده بيبقى مسنود وعلاقاته دايماً بتبقى حامياه، وأديكي شوفتي، يوم ما شفناه في مصر شفناه فين… مع جاسر علم الدين اللي اتضح إنه مش قليل أبداً."
تالا:
"يعني…"
سليمان:
"يعني محتاجين نمسك في العملية دي بإيدينا وأسناننا، وعاوز همتك مع زيد. أنا لاحظت إنه ماشالش عينه من عليكي طول السهرة، وأهي فرصة إن مدكور مش هيبقى موجود."
تالا بخبث:
"داكور يا دادي… مش عايزة أخاف خالص."
***
أما بالأعلى، فما إن دلفت رهف إلى غرفتها إلا ووقعت عيناها على فراشها وهي تبحث عن تميمة، ولكنها لم تجدها. لتستدير عائدة إلى الخارج للبحث عنها، ولكنها وجدت مراد في وجهها قائلاً:
"لو بتدوري على تميمة، فماتقلقيش، أنا خليت دادة زينب تاخدها عندها الليلة دي."
رهف بفضول:
"تاخدها معاها فين؟"
مراد وهو يدلف إلى الداخل ويغلق الباب خلفه:
"تاخدها عندها يا رهف."
رهف:
"تقصد إن تميمة بايتة النهاردة في بيت دادة زينب؟"
مراد:
"أيوة… مع دادة وأمينة، ماتقلقيش."
رهف بضيق:
"بس أنا كنت متفقة مع دادة إنها هتفضل معاها لغاية ما تنام وتسيب حد من الشغالين جنبها على ما نرجع من برة."
مراد:
"عارف، بس أنا قلت كده أحسن، عشان لو قلقت قبل مانرجع ماتخافش."
رهف بقلق وهي تتلفت حولها:
"وممكن برضه مايجيلهاش نوم وهي بعيدة عني."
مراد ضاحكاً:
"يعني جالها نوم بعيد عن هدى اللي هي مامتها، ومش هيجيلها نوم وهي بعيدة عنك يا رهف."
رهف وهي تتجه نحو الباب:
"أنا هبعت السواق يجيبها."
لتتقف مكانها فجأة عندما أمسكها مراد بحزم وهو ينظر إليها بتركيز كأنه أمام لغز كبير يريد حله، وقال:
"مالك؟"
رهف بلجلجة:
"مالي؟"
مراد باستنكار:
"مش عارفة مالك؟ مش حاسة باللي بتعمليه؟"
رهف وهي تدعي عدم الإدراك:
"بعمل إيه؟ مش فاهمة."
ليترك مراد يدها ويجلس على حافة الفراش قائلاً:
"مش فاهمة وإلا مش فارقة؟"
رهف:
"تقصد إيه؟"
مراد:
"مش واخدة بالك إني من ساعة ما جيت وإنتي بتتحججي بوجود تميمة عشان يبقى كل واحد منا في أوضة، وكمان سافرتي وجيتي هنا من غير حتى ما تكلفي نفسك وتديني خبر، ولا كأن فارق معاكي وجودي من عدم؟"
رهف وهي تدعي عدم المبالاة:
"إزاي بقى الكلام ده؟ أنا قلت لهدى تبلغك إني مسافرة."
لينظر لها مراد بعدم تصديق قائلاً:
"هدى!! ده على أساس إن هدى هي اللي مراتى وإلا إنتي؟"
رهف:
"أنا طلبت من هدى إن هي اللي تبلغك عشان عارفة إن هدى طول عمرها أهم شخصية في حياتكم."
مراد:
"بس إنتي مراتى، يعني المفروض ماتتحركيش غير بمعرفتي وبموافقتي كمان، ماينفعش أصحى الصبح أعرف إنك سافرتي."
رهف:
"أيوة… بس أنا سافرت عشان رسالتي مش عشان حاجة تانية، يعني حاجة مهمة ومهمة جداً كمان… ده مستقبلي."
مراد:
"وأنا ما منعتكيش عن مستقبلك يا رهف، أنا بس عايز أفهم."
رهف:
"تفهم إيه؟"
مراد:
"أفهم تصرفك ده كان ناتج عن عدم اهتمامك بمعرفتي وإلا عدم فهم منك فعلاً للي المفروض كنتي تعمليه."
رهف بجمود:
"أنا ما عملتش أكتر من اللي أنت بتعمله يا مراد، أنت قلتهالي قبل كده وأكدتها من تاني بالكلام والفعل."
مراد:
"هو إيه ده اللي أنا قلته وأكدته؟ أنا مش فاهم حاجة."
رهف:
"إن شغلك أهم حاجة بالنسبة لكم."
مراد:
"وده دخله إيه باللي حصلي؟"
رهف:
"دخله إني بحاول أعمل زيك… بحاول أملى وقتي زيك بالظبط عشان ما أحسش إني عبء عليك يا مراد."
مراد باستنكار:
"عبء عليا!!! إيه الكلام الفارغ ده؟"
رهف:
"مش كلام فارغ أبداً… أنت قادر تملى وقتك بالكامل بالشغل لدرجة إن ما عندكش أي وقت لأي حاجة تانية جنبه، لدرجة إني لما حاولت أتكلم معاك كان ردك إنك لما تبقى تفضى هتبقى تاخدني ونسافر، أكنى واحدة دماغها فاضية ما وراهاش غير السفر والفسح، وكان معنى كلامك إن على ما ده يحصل المفروض إني أبقى راضية وصابرة، رغم إني ما طلبتش منك أي حاجة. أنا كل اللي عملته وقتها إني كنت عايزة أفهم… وفهمت."
مراد:
"وإيه بقى اللي فهمتيه؟"
رهف بجمود:
"إن شغلك مهم وإنه مالي كل وقتك لدرجة إنك أصلاً مش واخد بالك من اللي بيحصل حواليك… ممكن أفهم بقى أنت ليه زعلان من إني بعمل زيك، رغم إن مشاغلي أكتر منك بمراحل… أنا عندي رسالة الدكتوراة وكمان الأتيليه، في حين إنك يا دوب شغل المجموعة واللي كمان بابا معاك في كل الشغل ده خطوة بخطوة."
ليقف مراد مشدوهاً لا يدري إجابة على كلماتها، ففي لحظة قلبت المائدة لتصبح له الند بالند وليست مجرد زوجة.
وعندما طال صمته، عادت اتجاه الباب قائلة:
"أنا هبعت السواق يجيب تميمة."
وهنا لم يستطع مراد الصمت أكثر، فقال:
"عشان أروح أنام في أوضتي مش كده؟"
لتتقف رهف دون أن تجرؤ على النظر إليه. فاتجه إليها مراد ووقف أمامها وقال متسائلاً بصيغة تأكيد:
"مش عاوزاني أفضل معاكي في نفس الأوضة… مش كده؟"
وعندما لم يتلقى منها أي إجابة، قال بوجوم:
"مش محتاجة تتعبى نفسك وتصحي البنت في وقت زي ده، أنا راجع أوضتي، تصبحي على خير."
ليتركها ويذهب إلى غرفته القديمة، بينما جلست رهف وهي شاحبة الملامح ولا تدري إن كان ما حدث هو الصواب أم العكس.
أما مراد، فعاد إلى غرفته والحنق يملأ نفسه وعقله، وكانت أنفاسه تتلاحق نتيجة كبت غضبه. فكان يشعر بإهانة ليس بعدها إهانة، فقد شعر برفض رهف له وإصرارها على رفضه دون مواربة أو محاولة إنكار. ولكن في تلك اللحظة تذكر حوارهما معاً، والذي كان الحوار الأخير لهما قبل أن تتحول مئة وثمانون درجة. فهل كان هذا الحوار هو السبب؟ هل فهمت حديثه لها على أنه رافضاً لها فحفزتها كرامتها أن تفعل المثل؟ أم أن تصرفها ذلك ناتج عن شيء آخر لا يعلم عنه شيئاً؟ ولم يشعر بنفسه إلا وقد أمسك الهاتف وقام بمهاتفة هدى التي أجابته بصوت ناعس قائلة بقلق:
"مراد… في حاجة وإلا إيه؟ تميمة كويسة؟"
مراد بتنهيدة حانقة:
"تميمة كويسة ماتقلقيش، حقك عليا، كلمتك من غير ما أبص في الساعة.. كملي نومك وهبقى أكلمك الصبح."
هدى بقلق وهي تعتدل في الفراش:
"مالك يا مراد، صوتك ما يطمنش."
مراد وهو ينفخ بقوة:
"كملي نوم يا حبيبتي وهكلمك تاني الصبح.. تصبحي على خير." وأغلق الهاتف قبل أن يعطيها أي فرصة للجدال.
***
أما باليوم التالي، فكان الجميع يلتف حول مائدة الإفطار، وقد فرغ معظمهم من طعامه وكانوا يرتشفون القهوة في صمت مطبق، حتى قال سليمان:
"طب دلوقتي المفروض هنروح الموقع الأول وإلا المجموعة عند جاسر الأول؟"
مدكور:
"براحتك يا سليمان.. أنا جالي تليفون مهم ولازم أنزل القاهرة."
تالا بذهول:
"هتنزل القاهرة دلوقتي حالاً؟"
مدكور:
"أيوة… وإنتي شوفي اللي يريحك، إن كنتي هتيجي معايا وإلا هتستني مع دادي وترجعي معاه."
تالا بتملق:
"لو عليا طبعاً أجي معاك يا حبيبي، بس طبعاً أنت عارف الشغل وعارف إني ما أقدرش أسيب دادي في وقت زي ده."
مدكور وهو يغادر المائدة:
"خلاص براحتك."
لتنهض رهف خلف أبيها قائلة بقلق:
"بابا.. هتقدر ترجع تحضر المناقشة بتاعتي؟"
مدكور بابتسامة:
"أكيد المرة دي مش هفوتها، ماتقلقيش."
ثم التفت لمراد قائلاً:
"أنا عاوز أقعد معاك شوية قبل ما أنزل القاهرة يا مراد، وكلم لي أنور خليه يجي لي حالاً ومعاه كل ما يخص مشروعنا مع جاسر."
مراد:
"حاضر يا عمي."
لينهض سليمان لاحقاً بمدكور وهو يستدعي تالا بعينيه أن تلحق بهما. وما إن دلف مدكور إلى غرفة المكتب حتى كان سليمان وتالا خلفه، وقال سليمان بريبة:
"هو فيه حاجة حصلت في المشروع وإلا إيه؟"
مدكور:
"أبداً.. أنا بس عاوز أشوف الدنيا وصلت لإيه وقدامنا قد إيه على ما نخلص."
سليمان:
"مانت عارف زي ما أنا عارف إن لسه قدامنا حوالي خمس شهور."
مدكور:
"أيوة عارف… بس…"
سليمان بحث:
"بس إيه؟ ماتفهمني بتفكر في إيه وشركني معاك، هو إحنا مش شركا في كل حاجة وإلا إيه؟"
ليدخل عليهم مراد وقتاً قال مدكور:
"ما دي الحكاية اللي كنت عاوز أكلمكم بخصوصها."
تالا:
"فيه إيه يا مدكور؟ ماتتكلم على طول."
مدكور:
"الحقيقة أنا قررت إني أعتزل كل حاجة."
سليمان:
"يعني إيه تعتزل؟"
مدكور:
"يعني أعيش اللي باقي من عمري من غير وجع دماغ.. كفاية كده."
تالا:
"وهتسيب المجموعة لمين يديرها؟"
مدكور:
"البركة في مراد بقى، هو اللي بقى عارف كل حاجة رايحة فين وجاية منين، وأنا كفاية عليا لحد كده."
مراد وهو يضع بعض الأوراق أمام مدكور:
"ربنا يديك الصحة يا عمي.. أنت الخير والبركة."
لتتبادل تالا نظرات الحنق المتوارية مع سليمان، بينما قال سليمان:
"وإيه اللي خلاها تطلع في دماغك كده فجأة، وكمان إيه علاقة ده بإنك عاوز تراجع مشروع جاسر؟"
مدكور:
"مش عاجبني اللي بقى في الوسط يا سليمان، ولا عاجبني طريقة الشغل. أما بقى جاسر.. فاخر حاجة عاوز أعملها قبل ما أسيب كل حاجة لمراد إني أخلي ده يبقى آخر مشروع بين العزيزي وعلم الدين."
سليمان بحدة:
"أنت بتتكلم كأن الشغل كله بتاعك لوحدك، أنت ناسي إني شريكك في كل حاجة ومفروض إنك ترجع لي قبل ما تتصرف أي تصرف."
مدكور بحزم:
"أنت اللي نسيت إنك شريكي في المشروع وبس مش في المجموعة يا سليمان، وأنا بتكلم عن شغل المجموعة مش عن المشروع."
سليمان:
"بس بعد جوازك من بنتي المجموعتين بقوا حاجة واحدة."
مدكور بهدوء:
"ده في خيالك أنت بس، الأماني ودتك بعيد شوية، أما مجموعة الأنصاري شيء ومجموعة العزيزي شيء تاني."
تالا بمهادنة:
"دادي يقصد إن الناس بتتعامل مع المجموعتين كأنهم واحد، ومش متصور إنك فعلاً هتسيب الشغل ومش هتبقى معاه بعد كده."
مدكور بابتسامة لعوب:
"مانا لازم أبص لروحي وأعيش اللي باقي منه وأتفرغ شوية لحياتنا وإلا إيه."
لتنظر إليه تالا بإحباط. بينما يقول سليمان:
"أنا برضه ما فهمتش أنت عاوز توقف التعامل مع جاسر ليه."
مدكور:
"جاسر داخل في سكة جديدة أنا ماليش فيها ومابحبهاش."
سليمان:
"كل واحد حر، أنت ليك شغلك وهو له شغله."
مدكور بنظرة تحدي:
"أديك قلتها هو حر.. وكل واحد حر يا سليمان، وأنا شايف إن كل واحد يعمل اللي يريحه، وأنت كمان."
سليمان بتوجس:
"أنا كمان إيه؟"
مدكور:
"أنت كمان لازم تشوف حد تاني غير مجموعة العزيزي تشاركه في مشاريعك اللي جاية."
سليمان:
"أنت تقصد إيه بكلامك ده؟ فهمني.. أنت مش عاوز يبقى فيه تعاون بين مجموعتي ومجموعتك بعد كده؟"
مراد:
"لأ طبعاً إزاي الكلام ده.. أكيد عمي ما يقصدش كده."
سليمان بضيق وهو يتجه للخارج:
"أنا طالع أجيب تليفوني عشان نسيته فوق."
ليتركهم ويذهب إلى الأعلى. بينما تقول تالا لمدكور بنبرة عتاب:
"كده برضه يا مدكور، أنا حاسة إن دادي زعل منكم."
مراد:
"أكيد عمي ما يقصدش اللي فهمناه يا تالا."
مدكور بتصميم:
"لأ أقصد يا مراد."
مراد:
"اسمح لي يا عمي أختلف مع حضرتك.. إحنا من زمان ومعظم شغلنا مع مجموعة الأنصاري لحد ما معظم الشركات فعلاً بقوا بيتعاملوا معانا على إننا واحد، وده ادالنا ثقل معين في المنطقة العربية كلها، يبقى إيه اللي هيخلينا نخلف ده دلوقتي."
مدكور:
"أنا شايف إن ده أفضل لينا."
مراد:
"اسمح لي يا عمي.. حضرتك قلت إنك هتسيبني أنا أدير المجموعة بطريقتي."
مدكور:
"تقصد إيه؟"
مراد بتردد وهو يتهرب بعينيه من مدكور:
"أقصد إن ياريت حضرتك تسيبني أديرها بطريقة تعلي اسمها أكتر.. ماتقللوش أبداً."
مدكور:
"وهو أنا كلامي ده هيقلل من اسمها يا سي مراد؟"
مراد بحمحمة:
"العفو يا عمي.. هو أنا كلامي ييجي إيه جنب كلام حضرتك، بس أنا أقصد إننا لما فجأة كده نوقف التعامل مع جاسر وكمان مع مجموعة الأنصاري هيحصل دروب جامد في تعاملاتنا وشغلنا، وأعتقد إن ده نفس الكلام اللي كان سليمان بيه كان يقصد يقولهولك، وأنا شايف إن حضرتك أحرجته جامد."
مدكور بحدة مكبوتة:
"أنت مش فاهم حاجة، وأنا مش هقدر أوضح أكتر من كده."
مراد:
"معلش يا عمي من فضلك اديني فرصتي أثبت لك إني أقدر أوزن الأمور كويس."
مدكور:
"عموماً أنا قلت لك اللي عندي وأنت حر."
مراد:
"شكراً يا عمي.. ومش عاوزك تقلق خالص."
مدكور بحزم:
"أهم حاجة أنا مش عاوز شغل مع اللي اسمه زيد ده نهائي."
مراد:
"رغم إني شايفها خسارة كبيرة بس مش هقدر أكسر كلامك اللي أنت قلته له امبارح."
كانت تالا تتابع حديث مراد مع مدكور بصبر بالغ وهي تريد الوصول إلى نهاية الجدال لتعلم لمن الغلبة في النهاية. وبعد أن فرغا من حديثهما، قالت لمراد:
"بما إن أنت اللي هتدير كل حاجة من هنا ورايح، فـ أنا هطلع أبلغ دادي بالكلام ده وأحاول أراضيه بعد الكلمتين اللي سمعهم من مدكور."
لتلحق بوالدها بالأعلى. وما إن دلفت عليه إلا ووجدته يتحدث بالهاتف وأشار لها بعدم حدوث أي صوت. وسمعته يقول:
"تمام يا زيد باشا، هنكون عندك في المعاد."
وما إن أغلق الهاتف، قال:
"جوزك المجنون ده ناوي يهد كل حاجة قبل الأوان."
لتقص عليه تالا ما حدث بين مدكور ومراد بعد انصرافه. فقال سليمان بسعادة:
"مراااااد ده ولد، ياما كان نفسي هو اللي يتجوزك مش المخبل التاني ده."
تالا:
"ما قلنا هانت يا دادي."
مدكور:
"ماشي.. أما أشوف آخرتها.. ويالا بينا عشان زيد في انتظارنا."
***
أما رهف، فبعد الإفطار طلبت من تميمة أن تلهو بالقرب منها بالحديقة حتى تنتهي من الاستذكار، وجلست وهي مندمجة مع ما تتلوه عيناها من على شاشة حاسوبها النقال وهي تشعر بمن يراقبها من على بعد. وعندما التفتت بعينيها، اصطدمت عيناها بعيني مراد وهو ينظر إليها بوجوم من نافذة سيارته قبل أن يذهب دون حتى أن يودع تميمة كعادته. وأثناء شرودها فيما حدث بالأمس، انتبهت على صوت هاتفها لتجد أن هدى هي المتصلة، فأجابتها قائلة:
"صباح الخير يا هدى، إزيك؟"
هدى:
"صباح الخير.. إيه اللي حصل؟"
رهف بفضول:
"حصل إيه؟ في إيه؟"
هدى:
"جوزك شايط على آخره، وصحاني من عز النوم الساعة اتنين بالليل."
رهف:
"وقال لك إيه؟"
هدى:
"ولا حاجة."
رهف:
"يعني كان مصحيك عشان يسمعك سكاته؟"
هدى:
"واضح إنه حس إنه اتسرع أو إن الوقت مش مناسب لما سمع صوتي ولقاني نايمة، فـ قفل معايا على أساس هيكلمني الصبح تاني، فـ قلت أكلمك الأول أفهم منك اللي حصل قبل ما يكلمني تاني."
رهف بتنهيدة حارة:
"شكلي عكيت الدنيا، بس ما كنتش عارفة أعمل إيه."
هدى:
"إيه اللي حصل؟"
رهف:
"هحكيلك."
***
أما لدى مراد بمكتبه، فكان أنور يقول له بعتاب:
"مانت برضه غلطان يا مراد."
مراد بغضب:
"غلطان ليه بقى؟ هو أنا عملت لها حاجة؟"
أنور بامتعاض:
"مانت عشان ما عملتلهاش حاجة يا قفلة."
مراد بتحذير:
"ما تحترم نفسك."
أنور:
"يا ابني أنت مش عاوز تفهم أبداً، هو أنا مش فهمتك قبل الفرح إنك لازم تطمنها وتحتويه؟"
مراد بدفاع:
"مانا اتكلمت معاها وفهمتها وإحنا في الطيارة من قبل حتى ما نوصل تركيا والدنيا كانت زي الفل، مش عارف إيه اللي حصل تاني."
أنور:
"أنا أقول لك اللي حصل تاني، اللي حصل يا سيدي إنك ما عرفتش تعيش."
مراد بعدم فهم:
"تقصد إيه؟"
أنور بقلة حيلة:
"أنا مش عارف هفضل أعلم فيك لحد إمتى.. يا ابني افهم.. هو ربنا لما قال: "وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ" كان يقصد إيه؟ ربنا كان يقصد بالسكن السكينة يا مراد، الود يا حبيبي، المودة والألفة، الست بتبقى طول اليوم مستنية جوزها يحتويها ويطبطب عليها.. يقول لها كلمة حلوة، مش مجرد إنه يروح البيت ويقيم معاها في نفس المكان."
مراد:
"وهو أنا فاضي إني كل يوم أرجع أقعد أطبطب وأفكر في كلام حلو يتقال؟"
أنور بامتعاض:
"هتفضل طول عمرك جلنف، هو لازم تقعد تقول لها من حبك مابنامش الليل."
مراد:
"أومال أنت تقصد إيه؟"
أنور:
"يا ابني افهم، ده أنت حتى ممكن وقت الأكل تسألها وتقول لها عاملة إيه أو حتى عملتي إيه النهاردة، أعرف كويسة وإلا لأ، وإلا محتاجة حاجة وإلا لأ."
أنور بتهكم:
"طب ماتتعود إنت."
مراد:
"أتعود على إيه بقى مش فاهم."
أنور:
"اعتبر إن طريقة معاملتها اليومين اللي فاتوا دول إن هو ده طبعها واتعود عليه."
مراد باعتراض:
"لأ طبعاً مش طبعها، رهف طول عمرها بتهتم بيا حتى من قبل جوازنا، أي نعم كنت أوقات أحس إنها بتخاف مني وبتتجنبني، بس كانت برضه بتهتم بيا."
أنور:
"أنت أناني على فكرة، عاوز تاخد و بس من غير ما تدي أي حاجة في المقابل. طب أديك طول عمرك بتاخد اللي هي بتديهولك من غير حتى كلمة شكر، ولما هي قطعت عنك اللي كانت بتعمله يومين اتنين محسسني إنها ارتكبت في حقك جناية. طب هي!! ما فكرتش إحساسها إيه وانت بتتعامل معاها كأن مالهاش أي حقوق عندك من الأساس وإنها المفروض كمان تبقى ممنونة لك ومستنية رضاك؟"
"تصدق البت أمينة كان عندها حق أما كانت دايماً تقولي هولاكو هيفضل هولاكو وعمره ما هيتغير."
"بس نصيحة يا صاحبي هقولهالك وأخلص ذمتي من ربنا.. رهف بتحبك صحيح.. بس لو خسرت قلبها واتقفل من ناحيتك مش هتعرف أبداً تكسبه من تاني."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل السابع عشر 17 - بقلم ميمي عوالي
كانت هدى مازالت تحادث رهف على الهاتف حين قالت:
"اتسرعتي يا رهف."
رهف بإحباط:
"طب كنتي عاوزاني أعمل إيه بس يا هدى، كل تصرفاته كانت مضايقاني. وبعدين كنت منتظرة إنه حتى يحاول يعرف مني معاد مناقشة الرسالة بتاعتي. مش تبقى كل معلوماته واخدها من كلامي مع اللي حواليا بالشكل ده. أنا حاسة إني ولا حاجة بالنسبة له."
هدى:
"بلاش كلام فارغ، صدقيني مراد بيحبك وأوي كمان، بس هو أنا زي ما قلتلك قبل كده كل الحكاية إنه عملي زيادة عن اللزوم. أنا عاوزاكي بس تركزي في الرسالة بتاعتك دلوقتي وتسيبك من أي حاجة تانية على ما نشوف هنعمل إيه."
أما في مجموعة علم الدين، كان جاسر ومؤمن في استقبال تالا وسليمان، الذي أبدى إعجابه الشديد بالمكان وتصميمه الفخم. وبعد قليل قال:
"أومال فين زيد باشا؟ المفروض إنه مواعدني دلوقتي."
مؤمن:
"هو موجود بالفعل في مكتب جنبنا هنا، بس جاتله مكالمة مهمة من برة تخص شغله وفضلنا إننا نسيبه براحته على ما يخلصها ونكون رحبنا بيكم."
سليمان:
"ويا ترى انتو اشتغلتوا مع بعض كتير قبل كده؟"
جاسر:
"الحقيقة أنا بتعامل مع زيد من فترة مش كبيرة أوي، بس اللي عاوز أقولهولك إن أي حد يتعامل معاه بيبقى مكسب كبير ليه طول العمر."
سليمان:
"أكيد طبعًا، أنا عارف إن له وزنه في دنيا البزنس عمومًا مش المقاولات وبس. زيد باشا سمعته سابقاه من زمان."
جاسر:
"حقيقي، أنا مثلًا كل شغلي اللي معاه ملوش علاقة بالمقاولات."
سليمان:
"الحقيقة أنا عاجبني دماغك جدًا يا جاسر بيه وفعلاً كنت أتمنى إني أتعرف عليك وأتعامل معاك من زمان."
جاسر:
"ده شيء يسعدني يا سليمان بيه، وخصوصًا إني بسمع عنك من زمان من مراد كل خير الحقيقة."
سليمان بزهو:
"مراد ده أنا بعتبره ابني."
جاسر:
"وأدينا أهو بنشتغل مع بعض وإن شاء الله ماتكونش آخر مرة نتعامل فيها مع بعض."
سليمان:
"الحقيقة أنت ومؤمن بيه مكسب كبير لأي حد يعرفكم ويتعامل معاكم."
وكان دخول زيد عند تلك الكلمة، فقام بالترحيب الحار بسليمان وتالا، التي قبل يدها قائلًا بغزل:
"أنا ماكنتش أعرف إني ممكن أقابل في مصر سيدة أعمال بالجمال ده وكمان في العمر الصغير ده، خسارة إني ما قابلتكيش من زمان."
جاسر بمرح:
"فرمل يا زيد بيه، دي ممتلكات خاصة."
زيد بملامح متحسرة:
"مش لازم تفكرني يا عزيزي."
تالا بمرح:
"جرى إيه يا جاسر بيه، ليه الإحباط ده بس؟"
جاسر وهو يرفع يديه عاليًا:
"أطلع أنا منها يعني؟"
تالا بضحكة لعوب:
"يعني..."
ليضحك الجميع، بينما نظر زيد لتالا بخبث قائلًا:
"والله مصر حلوة بأهلها."
سليمان:
"طب نتكلم في الشغل بقى ولا إيه؟"
ليقضوا قرابة الساعة والنصف وهم يتناقشون في عدة أمور تخص المشروع المراد إقامته والأرض المخصصة له، ليقول زيد:
"ها يا سليمان بيه، إيه رأيك؟"
ليقول سليمان في النهاية:
"رغم إن لسه فيه حاجات كتير أنا لسه مش فاهمها كويس، بس البداية عظيمة، والأعظم إني أنا وأنت هنتعاون مع بعض."
زيد:
"أنت كمان مكسب كبير لكل اللي يعرفك يا سليمان بيه."
سليمان بفخر:
"أنا صحيح الجروب عندي يعتبر أكبر صرح في عالم المقاولات في مصر كلها، لكن... أكيد لما هشتغل معاك في الصرح الكبير اللي هنعمله سوا الدنيا هتبقى غير. وأهم حاجة دلوقتي، إننا في الأول نوثق الورق بتاع الأرض، ونبتدي نعمل العقود عشان نبتدي الشغل على طول."
زيد:
"تمام، يا ترى الإجراءات دي تاخد وقت قد إيه؟"
جاسر:
"ماتقلقش، الناس عندي تقدر تخلص لك كل الكلام ده."
سليمان:
"وأنا كمان طبعًا الناس بتوعي جاهزين في أي وقت."
زيد:
"تمام أوي، أنا الحقيقة مضطر أسافر لمدة كام يوم كده ولما أرجع نشوف الدنيا وصلت لفين، وأكون حضرت الناس اللي هتبقى تبعي هنا في مصر."
سليمان:
"أنا مستعد أرشحلك ناس من عندي لو تحب."
زيد بابتسامة امتنان:
"أشكرك يا عزيزي، بس الحقيقة جاسر بيه سبقك في الواجب ده، بس لسه هحتاج أجتمع بيهم وأشوف هشغلهم إزاي، بس أما أرجع من السفر إن شاء الله."
تالا بدلال:
"يا ترى راجع لبنان ولا الإمارات ولا النمسا؟"
زيد ضاحكًا:
"إيه المعلومات دي يا تالا هانم، ده أنتِ لو مراتي يمكن ماتعرفيش تعدي عليا خطواتي بالشكل ده."
تالا بدلال أنثوي ظاهر للعيان:
"ده ذكاء الأنثى يا عزيزي."
زيد:
"الحقيقة لا لبنان ولا الإمارات ولا حتى النمسا، أنا عندي شغل في جنوب أفريقيا."
تتبادل تالا النظرات مع سليمان الذي قال:
"أنا كمان عندي شغل في جنوب أفريقيا."
زيد بفضول:
"شغل مقاولات؟"
سليمان:
"لأ، تجارة."
زيد:
"يا ترى ممكن أسأل تجارة نوعها إيه؟"
سليمان:
"يعني... لسه هشوف."
زيد بدهشة:
"يعني إيه لسه هتشوف، أنت مش عارف هتتاجر في إيه؟"
تالا:
"أصل دادي لسه بيبتدي يدخل مجال التجارة جديد، ومعروض عليه أكتر من حاجة ولسه ما قررش."
زيد:
"اممم، فهمت، ويا ترى فيه حد معين تعرفه وبتتعامل معاه في جنوب أفريقيا؟"
سليمان بشيء من التأني:
"اتعرفت على حد هناك اسمه استيفن ماكل."
تتسع ابتسامة زيد وهو يقول:
"استيفن ماك أشهر من نار على علم في جنوب أفريقيا."
سليمان بانشراح:
"ده خبر عظيم، ويا ترى بتشتغل معاه؟"
ليتبادل زيد وجاسر ومؤمن النظرات، ثم تعلو ضحكاتهم عاليًا، حتى قال سليمان بفضول:
"هي إيه الحكاية؟"
ليقول جاسر:
"المفروض يا سليمان بيه تبقى حويط أكتر من كده شوية وأنت بتتكلم على شغلك وتبقى عارف معلومات أكتر عن الناس اللي عاوز تشتغل معاها."
سليمان:
"مش فاهم."
زيد:
"أصل استيفن شغله كله معروف إنه منحصر في حاجتين مالهمش تالت، ولما تكون بتشتغل معاه يبقى معروف طبعًا أنت بتستغل في إيه."
سليمان بريبة:
"ويا ترى بقى إيه الحاجتين دول اللي استيفن بيشتغل فيهم؟"
زيد:
"البودرة والسلاح."
سليمان وهو يدعي الرهبة:
"بودرة؟ أعوذ بالله، لأ طبعًا بودرة إيه."
لتعلو ضحكات زيد مرة أخرى، ثم قال بنبرة تهكم:
"طب والسلاح أخباره إيه؟"
سليمان:
"لأ، السلاح ده حاجة تانية."
زيد:
"مش فاهم، حاجة تانية إزاي يعني؟"
سليمان:
"يعني... السلاح تجارة تانية، دي الدول بتعمل صفقات سلاح."
جاسر:
"أيوه يا سليمان بيه، بس أكيد سلاح الدول غير سلاح استيفن ماك."
سليمان بمكر:
"وأنت تعرف الفرق ده؟"
زيد:
"أنت عاوز تعرف إيه بالظبط يا سليمان بيه؟"
سليمان وهو ينظر لزيد وجاسر ومؤمن بالتبادل:
"أنا داخل صفقة سلاح وعاوزكم معايا."
زيد وهو يريح ظهره على مقعده:
"ومين قال لك إننا لينا في شغل السلاح؟"
سليمان:
"سمعتك معروفة يا زيد باشا، والحقيقة أنت ماتعرفش وجودك في مصر في الفترة الحالية فرحني أد إيه، وخصوصًا لما لقيتك على سابق معرفة بجاسر بيه واللي كنت ناوي أعرض عليه مشاركتي قبل ما أعرف إنك نازل ضيف عنده."
جاسر بتجهم:
"وأنت أي حد كده تروح تعرض عليه حاجة زي كده؟"
تالا:
"لأ طبعًا، بس دادي اتواصل مع استيفن امبارح واتأكد منه إن زيد بيه من أكبر العملاء عنده."
جاسر:
"زيد مش أنا يا تالا هانم، والكلام ده خطير جدًا."
زيد:
"استنى بس يا جاسر بيه، لازم نسمع وجهة نظر سليمان بيه الأول." ثم نظر إلى سليمان قائلًا: "اسمح لي يعني يا سليمان بيه، خلينا نفترض مع بعض إن كلامك مظبوط وإني بتاجر فعلاً في السلاح، وسمعتي وصلالك زي ما بتقول، إيه اللي يخليني أتعاون معاك وأنت زي ما فهمت منك لسه بتحاول إنك تدخل المجال، يعني لسه مبتدئ؟"
سليمان بحمحمة:
"الحقيقة مش مبتدئ."
زيد:
"إزاي بقى؟"
سليمان:
"أنا اشتغلت قبل كده في كذا صفقة، بس كلهم كانوا يعتبروا صفقات صغيرة، لأني كنت بدخلها لوحدي."
زيد:
"وكنت بتتعامل مع مين قبل كده؟"
سليمان:
"توني جيم."
زيد:
"فرنسا؟"
سليمان:
"أيوه."
زيد:
"طب وكنت بعد كده بتبيع لمين؟"
سليمان وهو يعبث بشاربه:
"الحوثي."
زيد:
"تقصد اليمن؟"
سليمان:
"أيوه."
زيد:
"بتتعامل مع مين هنا؟"
سليمان:
"أبو عياش، تعرفه؟"
زيد:
"لأ، بس اشمعنى دلوقتي عاوز معاك شركاء وليه سبت توني جيم وروحت لستيفن؟"
سليمان:
"لأن الصفقة اللي قدامي دلوقتي ما أقدرش أشيلها لوحدي."
زيد:
"اشمعنى؟"
سليمان:
"الناس اللي عاوزين الشحنات المرة دي عاوزينها من استيفن بالاسم."
زيد:
"رايحة للحوثي برضه؟"
سليمان:
"لأ، المرة دي منظمة حقوقية رافضة تصرح عن هويتها."
زيد بسخرية:
"ومن أمتى المنظمات الحقوقية بتشتري سلاح؟"
سليمان بسخرية مقابلة:
"ومن أمتى المنظمات الحقوقية مالهاش ظهير مسلح يا زيد بيه؟"
زيد:
"ويا ترى أنت اتفقت مع استيفن وهو مستعد للحكاية دي؟"
سليمان:
"استيفن المرة دي هيبقى وسيط مش أكتر، لأن الصفقة كبيرة عليه."
زيد:
"للدرجة دي؟"
سليمان:
"مليار ونص دولار."
زيد بانتباه:
"وأنت اتفقت خلاص مع كل الأطراف؟"
سليمان:
"لأ طبعًا."
زيد:
"أومال إيه؟"
سليمان:
"مانا عشان أتفق مع كل الأطراف كان لازم ألاقي شركاء معايا في الأول، لكن لحد دلوقتي مافيش."
زيد:
"أفهم من كده إنك عملت محاولات مع حد قبل كده؟"
سليمان:
"محاولة واحدة وفشلت."
زيد بترصد:
"مع مين بالظبط؟"
سليمان:
"مدكور العزيزي، بس رفض. والحقيقة سبب زيارتي لأسيوط حاليًا كان إني أقابل جاسر بيه وأعرض عليه مشاركتي."
جاسر:
"وإيه اللي خلاك تعتقد إني ممكن أوافق، مش ممكن أرفض زي مدكور بيه؟"
سليمان:
"الحقيقة لما سمعت كلامك إنك بتحب المغامرة خلاني فكرت فيك على طول."
ليتبادل زيد النظرات مع جاسر ومؤمن، الذي كان مجرد مستمع طوال الحوار، ليقول مؤمن:
"اسمح لي يا سليمان بيه، أنت بتصرفك اللي اتصرفته ده تخلينا نقلق من التعامل معاك."
سليمان:
"ليه بتقول كده؟"
مؤمن:
"لأن المفروض إنك تكون حريص على سرية شغلك ده جدًا، أنت تضمن منين إن مدكور بيه ما يبلغش عنك البوليس؟"
سليمان:
"لأ طبعًا، أنت ناسي إنه جوز بنتي."
جاسر:
"حتى لو كان، مدكور بيه لا يمكن أبدًا تتوقع هو بيفكر في إيه."
سليمان:
"عارف إنه تعلب، بس مهما كان، مدكور لا يمكن يعمل كده، على الأقل هيخاف على المجموعة بتاعته إن سمعتها تتلطخ في الحكاية."
مؤمن:
"هو ده السبب الوحيد اللي يخلينا لو وافقنا نشاركك نبقى متطمنين إن مدكور بعيد تمامًا عن الحكاية دي."
زيد:
"أتمنى إن الكلام في الموضوع ده ما يطلعش لمخلوق برانا لغاية ما نديك رد نهائي."
سليمان:
"والرد ده هيكون إمتى؟ أنا لازم أرد على المنظمة خلال أسبوع واحد من النهاردة، عشان نتكلم في التفاصيل."
زيد:
"ماتقلقش، هنرد عليك النهاردة."
سليمان بابتسامة تفاؤل:
"وأنا منتظر منكم الرد ده على أحر من الجمر، وخلاص هرتب نفسي على الخير اللي جاي، واسمحوا لي بقى إني أعزمكم النهاردة على العشا."
جاسر:
"ما يصحش تبقى عندنا وتعزمنا يا سليمان باشا، دي إهانة لينا."
سليمان:
"واحد يا جاسر باشا."
مؤمن:
"طالما واحد، يبقى العشا الليلة دي عندنا، ولما ننزل القاهرة تبقى أنت تعزمنا عندك."
سليمان:
"يعني أعتبر كلامك ده موافقة مبدئية؟"
زيد:
"اعتبرها كده على ما نتكلم في التفاصيل."
لتقف تالا قائلة:
"يبقى لازم نحتفل بالكلام ده."
ليقف زيد هو الآخر قائلاً:
"تمام، يبقى نتقابل بالليل ونحتفل سوا."
***
كان مراد قد دلف إلى مكتبه بعد أن عاد لتوه من الموقع بصحبة أنور، الذي قال:
"أعتقد إن كده الشغل ماشي على حسب الخطة الزمنية بالظبط."
مراد:
"فعلاً، وسمير كلمني وبلغني إنه صرف الدفعة المستحقة من الأنصاري وحولها على البنك."
أنور:
"هايل، أنا هروح أخليهم يبعتوا لك الشيكات المستحقة عشان تمضيها."
مراد:
"خليهم يبعتوها عليك وأنا هاجي أمضيها عندك عشان نراجعها سوا قبل الإمضاء."
وبعد خروج أنور، يعلو صوت رنين هاتف مراد، الذي وجد أن هدى هي المتصلة، فأجابها قائلًا:
"السلام عليكم، إزيك يا حبيبتي عاملة إيه؟"
هدى:
"وعليكم السلام، أنا بخير الحمد لله، طمنني عليكم."
مراد:
"كله تمام، وعمي في الطريق ليكي، قدامه ساعتين بالكتير ويكون عندك."
هدى:
"هييجي على الفيلا ولا اللي هيروح على شقته في الزمالك؟"
مراد:
"لأ على الفيلا، أصلُه راجع لوحده من غير تالا."
هدى:
"طب كويس عشان ما يبقاش لوحده، بس قول لي، إيه المكالمة المريبة اللي كلمتني ليها بالليل وقفلتي دي؟"
مراد:
"عاوزة تفهميني إنك ما كلمتيش رهف؟"
هدى:
"كلمتها طبعًا، وكذا مرة كمان، أنتِ ناسى إن تميمة معاه؟"
مراد:
"قالت لك حاجة؟"
هدى:
"حاجة زي إيه؟ ماتفهمني إيه الحكاية؟"
مراد بتنهيدة تحمل بعض الغضب:
"أفهمك إيه؟ الهانم بتتحجج بتميمة عشان تنام في أوضة وأنا في أوضة."
هدى بشهقة متعمدة وهي تحاول كتم ضحكتها:
"أنت عاوز تميمة تنام لوحدها؟"
مراد بدفاع:
"لأ طبعًا، أنا ما أقصدش كده."
هدى بامتعاض:
"على فكرة أنت اللي صممت تاخد تميمة معاك وأنا ما كنتش موافقة."
مراد باستياء:
"يا هدى أبوس إيدك أنا فعلاً مش ناقص غبي، مش تميمة أبداً المشكلة."
هدى:
"أومال إيه المشكلة؟ فهمني."
مراد وكأنه يحاور نفسه:
"المشكلة إن رهف بتتهرب مني، زي ما تكون فجأة اكتشفت إنها ما بقتش تحبني ولا عاوزاني."
هدى بفضول:
"طب وهو أنت عارف إنها بتحبك؟"
مراد:
"طبعًا عارف."
هدى:
"وعملت إيه بمعرفتك دي يا مراد؟"
مراد:
"هو أنتِ تقوليلي عملت إيه؟ وأنور يقوللي عملت إيه؟ أنا مش فاهم أنتم عاوزيني أعمل إيه، هو أنا لازم أقعد أقول لها في قصايد شعر عشان تعجب؟"
هدى بيأس:
"مافيش فايدة."
مراد:
"هو ده اللي عندك، إن مافيش فايدة."
هدى:
"يا مراد يا حبيبي، أنا هسألك سؤال، هو اللاب توب بتاعك ينفع يشتغل من غير ما توصله بالكهرباء أو على الأقل تشحنه؟"
مراد:
"لأ طبعًا."
هدى:
"وبالمثل التلاجة مثلًا، ماينفعش تحافظ على الأكل وتسقع لنا الماية من غير ما تتواصل بالكهرباء، لكن لو فصلنا عنها الكهرباء، في الأول هتفضل محتفظة بسقعويتها والحاجة جواها زي ما هي، لكن لو الوقت طال هتلاقي شوية بشوية درجة حرارتها بتتغير ومع الوقت الأكل اللي جواها هيفسد ويبوظ. صح؟"
مراد:
"أنا مش فاهم أنتِ عاوزة توصلي لإيه."
هدى:
"عاوزة أقول لك إن الآلة اللي بتتشحن لما شحنها بيخلص ما بتقدرش تقوم بمهمتها وكمان مع الوقت تضرنا بدل ما نستفيد منها، ما بالك الإنسانة اللي ما بتتشحنش أصلًا، إزاي عاوزها تحافظ على كل قدراتها وإمكانياتها وتفضل تأديها بنفس القدرة. الإهمال وحش أوي يا مراد، بيموت كل حاجة حلوة، لو عندك زرع وأهملت ريه بيموت، والمشاعر كمان لو مارويتهاش بتموت يا مراد، والحب لما بيصيبه الإهمال بيبرد وبيموت زي بالظبط الأكل اللي بنسيبه في التلاجة المفصولة مابيبوظ."
مراد بحيرة:
"تقصدي إن ممكن يكون حب رهف ليا مات؟"
هدى:
"أو في طريقه للموت، وممكن يكون في غيبوبة ومحتاج إنك تنعشه."
مراد بفضول:
"وعشان أنعشه المفروض أعمل إيه؟"
هدى:
"الاهتمام يا مراد، اهتم بيها وبتفاصيلها واحتياجاتها وحياتها، حسسها إنك معاها، حسسها إنك شايفها يا مراد."
مراد:
"كل ده ومش شايفها؟"
هدى:
"أنت عمرك ما شفت رهف يا مراد، دايماً حاططها في قالب بنت عمك اللي مسيرها ليك وبس، عمرك ما فكرت إنها كيان مستقل، أنت وعمي ظلمتوها كتير أوي."
مراد بدفاع:
"مش حقيقي، عمي عمره ما ظلم رهف، بالعكس، أنا اكتشفت إن عمي كان حتى متابع الأتيليه بتاعها وعارف بتفاصيله من أول يوم، بس كان مخبي عليها."
هدى بذهول:
"طب وليه؟"
مراد:
"يعني... كان عاوز يشوفها هتقدر لوحدها ولا لأ."
هدى بسخرية:
"عذر أقبح من ذنب، كان الأولى إنه يساندها ويدعمها، لكن إيه فايدة إنه عارف وفي نفس الوقت دايماً يحبطها ويحسسها إنها لوحدها، أنا من بعد ما بابا وماما الله يرحمهم ما ماتوا كان عمي دايماً في ضهرنا، وعلى قد فرحتي بيه وهو سندنا، على قد زعلي على رهف وإحساسها باليتم في وجودهم."
مراد:
"أنتِ ما تعرفيش عمي بيحب رهف قد إيه."
هدى:
"المصيبة إني عارفة، بس كان نفسي إن حبه ليها يترجم بأفعال تتحس يا مراد."
مراد:
"ما تنكريش إن علاقة عمي برهف اتغيرت كتير عن الأول."
هدى:
"مش هنكر، رغم إنها اتأخرت كتير، بس أكيد أحسن من مافيش. المهم أنت ناوي على إيه؟"
مراد:
"مش عارف."
هدى بحدة:
"بعد كل الكلام اللي قلتهولك ده وبرضه بتقول مش عارف، يعني ما فهمتش أي حاجة من كل ده؟"
مراد:
"فهمت يا هدى، بس برضه مش عارف المفروض أعمل إيه، أنا الدنيا كلها هنا فوق دماغي، ومفروض إني أرجع القاهرة خلال يومين تلاتة بالكتير."
هدى:
"يا مراد العمر بيجري، أنا عارفة إن الشغل مهم وعارفة كمان أنت بتحب شغلك قد إيه، لكن الشغل مش كل حاجة، قلبك يا مراد، قلبك وروحك، القلب والروح بيبقوا محتاجين غذا زيهم زي الجسم بالظبط، لازم تحس بالدنيا اللي أنت عايشها وتحبها، عشان هي كمان تحبك، صدقني."
***
كان أنور يجلس بمكتبه وهو يراجع أحد الملفات عندما سمع طرقًا على الباب، وعندما سمح للطارق بالدخول، وجدها أمينة تدخل عليه وهي تحمل بعض الحقائب وتترك الباب مفتوحًا وتقول بإجهاد:
"السلام عليكم."
لينهض أنور مسرعًا ليستقبلها قائلًا بسعادة:
"وعليكم السلام والرحمة، إيه المفاجأة الحلوة دي؟"
أمينة وهي تضع الحقائب على الأريكة الموجودة بجانب المكتب:
"أنا قلت أجلك أنا عشان ما أعطلكش لأنني كمان مش فاضية بالليل."
أنور:
"ليه؟ إيه الحكاية؟"
لتمد يدها وتخرج من إحدى الحقائب حذاءً كلاسيكيًا أسود اللون قائلة:
"شوف الجزمة دي كده وقول لي رأيك إيه، وقيسها عشان أتطمن على المقاس."
أنور بذهول:
"إنتي اشتريتي الجزمة من غيري؟"
أمينة وهي تشير على إحدى الحقائب الكبيرة الحجم:
"واشتريتلك البدلة كمان."
أنور بتبرم:
"يا بنتي اديني فرصة أختار حاجة بنفسي، مش كده؟"
أمينة:
"مانا سبتك اخترت أهم حاجة وما اتكلمتش."
أنور بدهشة:
"فين ده؟ هو أنا اخترت حاجة في أم الليلة دي غير إيه؟"
أمينة بزهو:
"ما أنا أهم حاجة."
أنور وهو يضرب وجنتيه بكفيه بخفة:
"يا دي الحوسة، لأ هو كمان كان ممكن ما أختاركيش بنفسي، أومال كان مين هيختارني؟"
أمينة بمرح:
"والله يا أنور يا ابني أنا بعزك كده لله في لله وعشان كده كنت برضه هختارني ليك ماتقلقش، مش هعزني عليك أبدًا."
أنور بمرح:
"هو ده العشم برضه يا أبو دومة."
أمينة:
"طب يالا قيس الجزمة."
أنور وهو يتناول منها الحذاء ويقيمه بعينيه:
"بس تصدقي شيك أوي، بجد ذوقك يجنن."
أمينة:
"طبعًا يا ابني مش اختارتك، يبقى أكيد ذوقي حلو."
أنور ضاحكًا:
"طب والله فيكي الخير إنك رافعة معنوياتي."
أمينة:
"طب يالا اقعد وقيس الجزمة وطمنني إن مقاسها مظبوط عشان لو مش مظبوط ألحق أغيرها قبل ما أروح لرهف."
أنور وهو يضع الحذاء بقدمه:
"لأ إن شاء الله هتطلع مقاسي، شفتي أهو مقاسي أهو."
أمينة:
"طب الحمد لله، عقبال البدلة ما تطمنني عليها هي كمان، أوعى تنسى تاخدها وأنت مروح."
أنور:
"تسلم إيديكي يا حبيبتي، تعبتي نفسك، بس أنا مدياكي الفلوس عشان فستانك وحاجتك، تروحي تدفعيهم في البدلة والجزمة بتوعي أنا."
أمينة:
"رهف صممت إن الفستان هي اللي هتعملهولي بنفسها وقالت لي إن دي هديتها ليا، وفعلاً صممته وحاليًا شغالين عليه، فقلت أجيب لك أنت حاجتك بالفلوس اللي اديتهالي."
أنور بامتنان:
"ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا يا حبيبتي."
أمينة:
"طب أنا همشي بقى عشان ورايا حاجات كتير عاوزة أعملها وأنت أما تروح طمنني على مقاس البدلة والقميص."
أمينة:
"أكيد طبعًا مش هسيبها لوحدها، وماما هتاخد بالها من تميمة على ما نرجع."
أنور:
"طب تحبي أجي أوصلكم؟"
أمينة:
"لأ بلاش عشان رهف ما تتضايقش ولا تنكسف منك."
أنور:
"بس لو احتاجتم حاجة بلغيني."
أمينة:
"طبعًا يا حبيبي، يالا أشوفك على خير."
أنور:
"مع السلامة، خدي بالك من نفسك."
لتذهب أمينة دون أن تنتبه لمن كان بجوار باب غرفة مكتب أنور ويستمع لحوارهما معًا.
رواية وانقطعت الخيوط الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ميمي عوالي
عاد أنور إلى انهمامه في عمله بعد ذهاب أمينة، ولم ينتبه إلى مراد الذي كان يقف بباب مكتبه والوجوم يعلو وجهه، إلا حينما شعر بمن يراقبه. رفع عينيه ورآه على تلك الحالة، فقال بفضول مقرون بالدهشة:
"مالك يا ابني؟ واقف زي أسدين قصر النيل كده ليه؟"
فتقدم منه مراد وقال دون مراوغة:
"أمينة رايحة فين بالليل مع رهف؟"
أنور بذهول:
"انت واقف مكانك كده من امتى؟"
مراد بحدة:
"ماتردش على سؤالى بسؤال يا أنور.. وقوللي مراتك رايحة فين مع مراتى بالليل؟ ومش عاوزاك توصلهم عشان ماتحرجهاش."
أنور بامتعاض:
"مانا مش المفروض إني أقول لك حاجة زي كده يا مراد، ده شيء مايخصنيش عشان أتكلم فيه."
مراد بذهول حاد:
"دلوقتي مايخصكش تتكلم فيه معايا.. لكن كان يخصك وانت بتتكلم فيه مع أمينة."
أنور بدفاع:
"اديك قلت أهو.. أمينة، يعني بتكلم مع مراتي على مشوار استأذنتني تروحه مع مراتك، وعشان كده اتكلمت فيه، لكن ما اتدخلتش في تفاصيله ولا أسبابه."
مراد بلهجة تحذيرية:
"برضه هتقوليلي مراتك رايحة فين مع مراتى بالليل يا أنور؟ والأحسن لك ترد من غير تحوير."
أنور بضيق:
"مانت كده لو رهف عرفت إنك عرفت مني، ممكن يحصل زعل مابينها وبين أمينة بسببى."
مراد بحدة:
"وهو انت شايفني عيل صغير هروح أوقع بينهم؟ ماتنطق يا جدع انت وتقول اللي تعرفه قبل ما أتهور عليك أكتر من كده."
أنور بتنهيدة يملؤها الضيق:
"رايحة معاها للدكتور."
مراد بفضول قلق:
"دكتور!! ليه؟ ودكتور إيه؟ هي تعبانة؟"
أنور وهو يرفع كلتا يديه عالياً:
"لحد كده وماليش فيه، وما سألتش وما أعرفش."
ثم أشار إلى الملف الموضوع أمامه على المكتب وأكمل قائلاً باستياء:
"هتيجي تمضي على الشيكات دي بقى في يومنا ده ولا إيه؟"
***
كانت رهف على مائدة الغداء، تقوم بدورها المعتاد بمساعدة زينب، وهي تعتني أيضاً بإطعام تميمة تحت مراقبة مراد لها، وهو يحاول إيجاد سبب لزيارة الطبيب التي عرفها من أنور، ولكن وجدها كعادتها لا يبدو عليها أي شيء غير عادي.
في حين قالت تالا:
"أنا ودادي الليلة دي هنعفيكم من العشا يا رهف."
رهف باستغراب:
"إيه؟ خلاص راجعين القاهرة زي بابا؟"
تالا:
"لأ.. بس عندنا عشا عمل بره."
رهف باستيعاب:
"تمام.. سهرة سعيدة إن شاء الله."
مراد موجهاً حديثه لسليمان:
"أتمنى تكونوا اتوفقتوا في مشروع زيد السليمي يا سليمان بيه."
سليمان:
"الحقيقة زيد مكسب لأي حد يتعامل معاهم."
مراد:
"حقيقي.. خسارة إن المجموعة عندنا مش هتشارك في المشروع العملاق ده."
سليمان:
"وما حاولت تقنع عمك ليه أومال.. طالما المشروع عاجبك كده؟"
مراد بقلة حيلة:
"طالما عمي قال كلمة.. ما أقدرش أبداً أنزلها، كفاية إني قدرت أقنعه إننا نحافظ على شراكتنا وشغلنا مع جاسر."
تالا:
"الحقيقة أنا أشهد إن مراد بذل مجهود كبير مع مدكور في الموضوع ده."
سليمان بإيعاز:
"الحقيقة عمك دماغه ناشفة زيادة عن اللزوم يا مراد، ومش عارف مصلحته كويس."
وقبل أن يجيبه مراد، تفاجأ الجميع بر هف وهي تنبري مدافعة عن أبيها قائلة:
"لو ما كانش عارف مصلحته يا عمي، ما كانتش المجموعة بتاعته وصلت أبداً للي وصلت له طول السنين دي.. بابا بيبقى حاسب حساب كل خطوة بيخطيها كويس أوي، وأكيد هو عارف الصح فين."
كان الجميع ينظر إليها بانشداه، وسؤال واحد يجول بذهنهم جميعاً: من تلك التي تتحدث؟ أهي رهف، القطة الوديعة التي لا يسمع لها أحد صوتاً، عروسة الماريونت التي تتشابك خيوطها بأصابع مدكور وهو يحركها يميناً ويساراً كما يريد دون أي بادرة اعتراض منها؟ متى نمت مخالبها؟ ومتى انقطعت الخيوط لتتحرر من قيودها دون أن ينتبه لها أحد؟
وكان سليمان أول القادرين على الخروج من تلك الدهشة التي استحوذت عليهم، فقال بلهجة اعتذار:
"سامحيني يا رهف يا بنتي.. أنا ما أقصدش أبداً إني أقلل من قدر أبوكي وحكمته.. بس ماحدش يقدر ينكر أبداً إنه عنيد جداً."
رهف باعتداد:
"بابا ما بيصممش على رأيه في حاجة غير لما بيبقى عارف كويس أوي ومتأكد إنه صح."
لتنهض تالا بامتعاض واضح قائلة:
"خلاص يا رهف، وما تنسيش إن دادي ضيف عندنا، وما أعتقدش أبداً إن مدكور هيوافق على أسلوبك ده معاه."
ليستدرك مراد الموقف قائلاً بمهادنة:
"ما تكبريش الموضوع يا تالا، ما حصلش حاجة أبداً للكلام ده.. وبعدين سليمان بيه مش ضيف، ده صاحب بيت."
سليمان موجهاً حديثه إلى تالا:
"وأنا بعتبر رهف زي تالا بالظبط وعمري ما أزعل منها.. اهدى يا تالا، ما حصلش حاجة."
لتصمت رهف تماماً ولا تعلق بأي كلمة، رغم مطالبة مراد لها بنظراته بمحاولة الاعتذار واستدراك الأمر، ولكنها تجاهلت نظراته ونظرات تالا الممتعضة، والتي توقفت عن الطعام، ولم تحاول رهف حتى دعوتها لإكمال طعامها، وأكملت إطعام تميمة دون النظر لأي منهم.
فتركت تالا المائدة بحدة قائلة:
"أنا شبعت.. بعد إذنكم."
***
وفي السابعة مساءً، كانت رهف بغرفتها تستعد للخروج بعد أن ساعدت تميمة على تغيير ملابسها، لتسمع طرقاً على الباب. وعندما سمحت للطارق بالدخول، وجدته مراد الذي دلف وهو ينظر إليها وإلى تميمة قائلاً:
"انتوا خارجين؟"
رهف وهي تزدرد لعابها بضيق:
"هو انت ما رجعتش الشغل تاني؟"
ليجلس مراد واضعاً قدماً على الأخرى قائلاً بهدوء:
"لأ.. ما عنديش حاجة تستدعي إني أنزل تاني.. فقلت أقعد معاكي انتي وتميمة."
تميمة بامتعاض طفولي مرح:
"جاي تقعد معانا النهاردة واحنا خارجين؟"
لتضع رهف كف يدها على فم تميمة بتحذير، في حين قال مراد في محاولة لاستدراج تميمة:
"وخارجين رايحين فين بقى يا كحكتي وسايبني لوحدي؟"
لتمد تميمة يدها وتزيح يد رهف من على وجهها وتذهب إلى مراد وتجلس على قدميه وهي تقول بمشاغبة لطيفة:
"دلوقتي بقيت كحكتك؟ انت الصبح ما كلمتنيش ولا حتى سلمت عليا قبل ما تروح الشغل وتسيبنا لوحدنا."
ليقبلها مراد باعتذار قائلاً:
"يا خبر أبيض.. أنا آسف، بس كنت الصبح مستعجل أوي عشان كان عندي شغل مهم، واديني أهو أول ما خلصت جيت عشان أقعد معاكم."
تميمة:
"المرة دي بقى إحنا اللي عندنا شغل ومش فاضيين، وانت عليك الدور إنك تقعد لوحدك."
مراد:
"شغل إيه بقى؟"
تميمة:
"هعمل كيكة مع دادة زينب عندها في بيتها على ما رهف ترجع."
مراد وهو ينظر لرهف بفضول:
"ترجع منين؟"
لترفع تميمة كلتا كتفيها عالياً، واقترنت حركتها تلك بحركة من شفتيها علامة عدم المعرفة، ليقول مراد موجهاً حديثه هذه المرة لرهف:
"انتي رايحة فين؟"
لتدير رهف ظهرها إليه وتدعي انشغالها بترتيب الغرفة وقالت:
"أبدا.. بس اتفقت مع أمينة إني رايحة معاها مشوار."
مراد:
"مشوار فين يعني؟"
رهف:
"مشوار يا مراد.. مشوار."
مراد بحدة مستترة:
"إيه يعني؟ مش من حقي أعرف انتي رايحة فين؟"
لتستدير له رهف وتقول بجمود:
"خارجة مع صاحبتي شوية.. محتاجة أغير جو.. إيه.. مش من حقي؟"
مراد بتساؤل:
"انتي إيه اللي حصل لك؟ بقيت أحس إنك دايماً بتتكلمي بندية.. حتى مع سليمان بيه على الغدا، ما راعيتيش إنه ضيف عندنا وله واجبه."
رهف بتحدي:
"واجبه أخدته وبزيادة، بس مش معنى إنه ضيف عندنا إني أسمعه بيتكلم عن بابا بالشكل ده وأسكت، وكان الأولى إن انت اللي ترد عليه مش أنا."
ثم سحبت حقيبتها وقالت لتميمة بأمر:
"يالا يا تميمة.. اتأخرنا."
ليملك الذهول أكثر وأكثر من مراد وهو يتابع هذا التحول الكبير في شخصية رهف، ليتساءل: ما الذي جعلها تتحول ذلك التحول الكبير؟ أم أنها لم تتحول أبداً؟ وأنه هو الذي لم يستطع رؤيتها بوضوح منذ البداية.
---
أما عند تالا.. فقد ارتدت ثوباً لم تكن تجرؤ على ارتدائه في وجود مدكور، فكان أقل ما يقال عنه أنه فاضحاً، وذهبت بصحبة أبيها إلى السهرة التي دعاهم إليها مؤمن. وما إن وصلا إلى مكان السهرة والذي لم يكن إلا منزل علم الدين، وكان في استقبالهم جاسر ومؤمن اللذان استقبلاهما استقبالاً حافلاً، ولكن سليمان وتالا لاحظا عدم وجود أي شخص آخر خلافهما.
فقالت تالا:
"إحنا الظاهر جينا بدري."
مؤمن:
"أبدا.. ده انتوا وصلتم في معادكم بالظبط."
تالا:
"أصلي مش شايفة حد، حتى شريفة هانم ورقية هانم مش موجودين."
مؤمن ضاحكاً:
"لأ.. ما هو الكلام اللي هنتكلمه الليلة دي ماينفعش مخلوق يبقى موجود فيه.. ده سلاح مش لعب عيال."
سليمان ببهجة:
"أفهم من كده إن خلاص هنقرأ الفاتحة؟"
جاسر ضاحكاً:
"ويمكن نلبس شبكة كمان، بس يوصل زيد باشا."
تالا وهي تنظر حولها:
"هو مش موجود ولا إيه؟"
لتأتيهم صوت زيد وهو يدلف إليهم من الخارج وبيده حقيبة هدايا فاخرة ويقول:
"موجود طبعاً، هو أنا أقدر أتأخر عنكم.. أنا بس كنت بجيب هدية صغيرة كده لتالا هانم.. عربون محبة."
تالا من أسفل أهدابها بابتسامة لعوب:
"قد إيه انت چانتي."
ليخرج زيد من الحقيبة قلادة يبدو عليها الفخامة والرقي ويدنو منها ليلبسها إياها وهو يهمس بأذنها قائلاً:
"وأد إيه انتي جميلة."
تالا بدلال:
"وبعدين معاك، انت مغازل كبير، وأنا مش قدك.. مش هتبطل كلامك الحلو ده بقى؟"
زيد بتأوه مرح:
"أنا ناسك في محراب جمالك يا عزيزتي."
سليمان ضاحكاً:
"وبعدها لك يا زيد باشا، انت كده بتغوي البنت وهتعصيها على جوزها."
زيد:
"طب هي بس تعصي، وتشاور وأنا أخليها ملكة."
تالا بتنهيدة:
"كنت فين من زمان؟"
زيد:
"شاوري وأنا أوقفلك عجلة الزمن وأرجعها كمان لورا لو تحب."
مؤمن ضاحكاً:
"لما زيد السليمي يشاور الكل بيطيع."
سليمان بحمحمة:
"طب نتكلم في التفاصيل ولا إيه رأيك؟"
ليتقدم منه زيد ويقدم له صندوقاً صغيراً أنيقاً، وقدمه له قائلاً:
"مش قبل ما أقدم لك هديتي ليك انت كمان يا سليمان بيه."
سليمان بابتسامة:
"انت كده بتحرجني يا زيد باشا."
زيد وهو يشير بعينيه اتجاه الهدية:
"ياريت تفتحها وتشوفها لي."
ليقوم سليمان بفتح الصندوق ليجد هاتفا محمولا من أحدث الإصدارات، ليقول سليمان بامتنان:
"بشكرك طبعاً لكن تعبت نفسك، وده كان واجب علينا إحنا الحقيقة."
زيد:
"مش ملاحظ حاجة في التليفون ده؟"
سليمان وهو يقلب الهاتف بين يديه:
"حاجة زي إيه؟"
ليلتفت منه زيد الهاتف مرة أخرى ويقوم بتشغيله، ثم يعيده إلى سليمان وهو يقول:
"التليفون ده متشفر."
سليمان:
"يعني إيه؟"
زيد:
"يعني محمي من المراقبة والتتبع، عشان نقدر نبقى متطمنين إننا في الأمان."
وعندما نظر سليمان إلى جاسر وجده رفع يده بهاتف مطابق للهاتف الذي قدمه له زيد، ثم وجد مؤمن يفعل المثل، وعندما عاد بنظره إلى زيد وجده يخرج من جيبه هو الآخر نسخة أخرى من نفس الهاتف، وهو يقول:
"التليفونات دي متوصلة على القمر الصناعي فوراً، ولازم تحافظ عليه كويس."
وأكمل بتحذير قائلاً:
"وحذاري إن أي حد غيرك يمسكه أو حتى يلمسه."
سليمان:
"اشمعنى؟"
زيد:
"لأن النوع ده من التليفونات محظور استخدامها."
سليمان:
"طب ما ده معناه إن لو أي حد لمحه…"
مؤمن مقاطعاً إياه:
"أي حد هيشوفه من بعيد هيشوف إنه موبايل يا سليمان بيه ومش هيشغل باله، إلا لو حد فتحه وقلب فيه بتعمق.. وقتها بس هيفهم، وعشان كده مهم جداً إن ماحدش يلمسه ولا يشوفه غيرك."
سليمان:
"تقصد إن استعماله يبقى لشغلنا ده وبس؟"
زيد:
"لأ عادي، أنا هنقلك حالا الشريحة بتاعتك فيه عشان يبقى فعلاً تليفونك الشخصي، وعشان كمان مايفارقكش في أي وقت، لأن لو أي حد فينا حب يتواصل مع التاني في أي لحظة… تواصلنا كله هيبقى من خلال التليفون ده وبس.. مفهوم؟"
سليمان:
"مفهوم."
زيد بجدية:
"يبقى نتكلم في الصفقة.. أولاً.. أكيد مش محتاج أوصيك أبداً إن الكلام ده مايخرجش برانا إحنا الأربعة."
مؤمن:
"وأهم حاجة إن حتى استيفن مايعرفش إننا معاك."
سليمان باستغراب:
"طب إزاي وليه؟"
زيد:
"لأن استيفن وقت مايعرف إننا معاك في الصفقة دي، هيزود عمولته."
سليمان:
"إزاي؟ ده المفروض العكس.. إنتم زباينه من قبلي."
زيد:
"لأنه عارف إني لما اسمي بيبقى في صفقة، سهم الصفقة بيعلى سعره يا سليمان بيه."
سليمان بعدم فهم:
"برضه مش فاهم."
مؤمن:
"استيفن بيبقى عارف إن طالما الصفقة دي رايحة لزيد، فبيبقى عايز يكسب من وراها أضعاف أي حد تاني، لأن زيد ما بيبيعش لأي حد، وغالباً السلاح بيروح على المشتري على طول، فالسعر بيبقى أعلى."
سليمان:
"طب وهو يفرق معاه في إيه؟"
جاسر:
"يفرق معاه إنه بيبقى عايز يضمن عمولته بالمظبوط.. فبيبقى عايز يضمن نسبة من فرق السعر ده. وعشان كده أنا عاوزك تفهمه إنك داخل الصفقة لوحدك عشان ما يعليش عليك السعر."
مدكور:
"بس هو عارف إني بدور على شريك من فترة."
زيد:
"عادي، قول له إنك ما عرفتش تلاقي شريك تثق فيه، فقررت تكمل الصفقة لوحدك، بس هتاخدها على تلت دفعات."
جاسر:
"متهيأ لي فرق العمولة إحنا أولى بيها حتى لو هنصرفها على تأمين الشحنة ونقلها."
سليمان بإعجاب:
"عندك حق، بس ليه تلت دفعات؟"
مؤمن:
"من ناحية عشان إحنا نكون قدرنا ندبر باقي المبلغ.. لأنك فاجئتنا طبعاً بالموضوع وإحنا آخر صفقة لسه ما استلمناش تمنها، يعني لسه مش مستعدين لصفقة بالحجم ده، فانت اللي هتدفع الدفعة الأولى بالكامل لوحدك، ومن ناحية تانية نكون دبرنا مشتري."
سليمان:
"طب ما أنا عندي المشتري."
زيد:
"انسى.. معلوماتي بتقول إن المنظمة اللي انت اتفقت معاها.. البوليس بيدور وراها من فترة، وأكيد مراقب كل اتصالاتهم وتعاملاتهم."
سليمان بقلق:
"يعني معنى كده إنهم…"
زيد:
"ماتقلقش.. هما عرفوا إنهم بيتواصلوا مع أكتر من حد، بس لسه ما قدروش يعرفوا مين الحد ده بالظبط، وعشان كده أنا عاوزك ماتحاولش تتواصل مع أي حد منهم في الوقت الحالي، وأي حد يحاول يكلمك أوعى ترد عليه."
مدكور:
"طب معنى كده إني هشترى الصفقة وأنا مش عارف هتصرف فيها إزاي؟"
مؤمن:
"من الناحية دي ماتقلقش، إحنا ما بنستلمش سلاح، السلاح بيتسلم لأصحابه على طول، إحنا ما بنظهرش في الصورة نهائي."
جاسر ضاحكاً:
"ماتقلقش من ناحية المنظمة، إحنا برضة مش هنسيبها، بس لازم نشوف حد تاني جواها يكون متأمن نقدر نتعامل معاه من غير قلق."
لينظر سليمان إلى تالا ويقول بسخرية:
"شفتي الخبرة بتعمل إيه؟"
تالا بتلاعب وهي تنظر لزيد:
"شفت يا دادي."
زيد:
"تمام.. يبقى أول خطوة لازم تعملها إنك تتصل باستيفن وتبلغه الكلام اللي اتفقنا عليه دلوقتي."
سليمان:
"تمام.. وإيه تاني؟"
مؤمن:
"هتتفق معاه على المعاد اللي هتحول له فيه الدفعة الأولى.. وخليك فاكر… إنت ما عرفتناش، وعلى ما الشحنة الأولى توصل هنكون حضرنا المشتري أو لقينا حد بعيد عن الشبهة من جوة المنظمة أو حتى وسيط وحضرنا باقي ثمن الصفقة بالكامل، ووقتها هتبلغه إنك قدرت تجمع باقي مبلغ الصفقة بالكامل وتطلب منه إنه يحضر باقي كمية السلاح المطلوبة كلها وهتتفق معاه على موعد جديد."
سليمان:
"وبعدين؟"
مؤمن:
"وبعدين إيه تاني، خلاص هيحصل زي المرة اللي قبله."
تالا بفضول:
"أنا ملاحظة إن انتوا التلاتة بتتكلموا وكل واحد فيكم بيكمل التاني، انتوا للدرجة دي اشتغلتم مع بعض كتير قبل كده؟"
جاسر ضاحكاً:
"خليها في سرك بقى يا تالا هانم."
لتقول تالا بمرح:
"سركم وسرنا في بير يا جاسر بيه."
مؤمن:
"اتفضلوا بقى نتعشى سوا.. الأكل جاهز من بدري."
***
كانت رهف ترقد على الفراش النقال المخصص للمرضى بداخل عيادة نسائية، وكانت الطبيبة تتحسس بطنها بمجس الأشعة الصوتية وهي تقول بعملية شديدة:
"السونار بيقول إن الحمل تقريباً مدته شهرين ونص.. مبروك."
رهف وهي تعتدل بمساعدة أمينة:
"حضرتك متأكدة؟"
لتناولها الطبيبة صورة ضوئية من الأشعة وهي تقول:
"لو مش مصدقة اتفضلي الأشعة أهي ومطبوع معاها البيانات."
لتقبلها أمينة ببهجة قائلة:
"ألف مبروك يا حبيبتي، ربنا يتمم لك بكل خير."
الطبيبة وهي تناولها أسماء الوصفات العلاجية:
"لازم تتابعي ضغطك باستمرار.. ضغطك واطي بزيادة وواضح إنك مهملة في أكلك فلازم تتغذى كويس وتواظبي على الأدوية اللي كتبتهالك وحاولي ماترهقيش نفسك."
وأكملت وهي تناولها ورقة أخرى:
"كمان هنعمل التحاليل دي وتجيبيهالي معاكي بعد أسبوعين من دلوقتي."
***
في السيارة، كانت رهف في حالة شرود تام، فقالت لها أمينة بمرح:
"مالك يا بنتي مسهمة كده ليه.. ده بدل ما تفرحي وتنبطي إنك هتبقي ماما؟"
رهف:
"مانتي عارفة اللي فيها يا أمينة."
أمينة:
"وإيه بقى اللي فيها يا ست رهف؟ الله لا يسيئك ماتنكديش على نفسك وعلينا على الفاضي، كلنا عارفين ومتأكدين كمان إن مراد بيحبك وهيموت عليكي، إحنا بس وافقناكي في اللي انتي بتعمليه عشان نساعدك تنفضي التراب اللي مالي عينه، لكن الدنيا ما وقفتش يا رهف، طب ده أنا متأكدة إن هولاكو لما يعرف إنه هيبقى أب هيطير من الفرحة."
رهف بتحذير:
"أوعي يا أمينة، أنا مش عايزاه يعرف حاجة دلوقتي خالص."
أمينة:
"رغم إني مش موافقاكي خالص في الحكاية دي، بس مش هقدر ما أعملكيش اللي انتي عايزاه."
رهف:
"وأنور؟"
أمينة بهيام:
"أنور.. ماله؟"
رهف بحدة:
"إياك تجيبيله سيرة حاجة."
أمينة بامتعاض:
"أكيد مش هجيبله سيرة، رغم إني حتى لو قلت له أنا متأكدة إنه لا يمكن يبلغ كلمة واحدة لجنكيز خان بتاعك ده."
لتضحك رهف بشدة وهي تقول:
"هو مش كان هولاكو، خليتيه جنكيز خان ليه؟"
أمينة بمرح:
"الراجل هيبقى أب ولازم نحتفل بيه برضه، ما فيهاش حاجة أما نرقي."
رهف:
"طب يالا يا فقرية عشان ما نتأخرش أكتر من كده على دادة وتميمو."
***
وعندما عادت رهف بصحبة تميمة إلى قصر العزيزي، وجدت هدوءاً شديداً، فاتجهت إلى الأعلى مباشرة واتجهت لغرفتها وساعدت تميمة على تغيير ملابسها، وقامت هي الأخرى بتبديل ثيابها، وأخرجت من حقيبتها الوصفات الدوائية التي وصفتها لها الطبيبة ووضعتها على المنضدة بجانب الفراش. وما كادت أن تنتهي حتى سمعت طرقات على الباب، فقالت باضطراب:
"ادخل."
ليدلف مراد وهو بملابسه الرسمية، ويبدو عليه أنه عائداً لتوه من الخارج، ونظر إلى رهف بجمود قائلاً:
"مساء الخير."
رهف:
"مساء الخير."
مراد:
"جيتوا امتى؟"
رهف:
"يعني، من حوالي ربع ساعة."
وعندما نظر مراد إلى تميمة وجدها قد غرقت في النوم، فاقترب من الفراش وانحنى مقبلاً إياها بحنان، ثم اعتدل ونظر إلى رهف وقال:
"مش عايزة تقوليلي حاجة؟"
فنظرت له رهف باضطراب وتردد، ثم قالت وهي تحاول الثبات أمامه:
"لأ.. ما فيش حاجة.. تصبح على خير."
لينظر إليها بمزيج من الغضب والحيرة لثوان معدودة، ثم استدار متجهاً إلى الخارج بعد أن قال:
"وإنتي من أهل الخير."
ولكنه التفت إليها مرة أخرى قبل أن يغلق الباب وراءه وقال:
"أكيد مش محتاج أفكرك إنك لو احتاجتي أي حاجة تطلبيها مني فوراً."
رهف:
"متشكرة."
وبعد أن خرج وأغلق الباب من ورائه، وضعت رهف يدها على بطنها وهي تربت عليها تربيتة هادئة وقالت:
"إن شاء الله على ما توصل بالسلامة أكون قدرت آخد قرار."
***
وفي الصباح على مائدة الإفطار، قال سليمان:
"الحقيقة يا جماعة أنا متشكر جداً على حسن الضيافة، وأتمنى إني أقدر أردهالكم لما تنزلوا القاهرة إن شاء الله."
مراد:
"ماتقولش كده يا سليمان بيه، ده انت في بيتك."
سليمان بامتنان:
"ده بس من ذوقك يا مراد."
رهف بفضول:
"هو حضرتك مسافر ولا إيه؟"
سليمان:
"أيوه.. هاخد فنجان قهوة وهنزل القاهرة على طول."
رهف وهي توجه حديثها لتالا:
"وانتي هتنزل القاهره معاه يا تالا ولا هتفضلي معانا كام يوم كمان؟"
تالا بجمود:
"هنز ل طبعاً.. أنا كمان عندي شغل ومش فاضية."
سليمان مداعباً تميمة:
"إحنا هنسافر عند ماما يا تيمو.. إيه رأيك بقى.. تيجي معانا؟"
تميمة:
"لأ.. أنا اتفقت مع ماما إني هفضل مع رهف لحد ما تروح الجامعة وتبقى دكتورة."
زيد:
"بس اللي فهمته منك إنك مش مبسوطة معاه."
تالا:
"حقيقي، بس هعمل إيه؟"
زيد:
"سيبك منه، اطلبي الطلاق وأنا موجود وتحت أمرك."
تالا بمكر:
"بس أنا ما أقدرش أسيب مدكور قبل ما أسترد حقي منه."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ميمي عوالي
كانت تالا مازالت تتحدث مع زيد على الهاتف عندما قالت له:
"بس أنا ما أقدرش أسيب مدكور قبل ما أسترد حقي منه."
زيد بفضول:
"حق إيه.. هو أخد منك حاجة؟"
تالا بخبث:
"آه أخد، مش كفاية شبابي و... و إنت فاهم بقى."
زيد:
"مانا لحد دلوقتي مش فاهم إنتى إزاي توافقي على جوازة بالشكل ده من راجل بعمر أبوكي."
تالا:
"أعمل إيه بس، إنت عارف البزنس اللي بين دادي و بينه سنين، و هو ضحك عليا و فهمني إني هعيش سعيدة معاه العمر كله، بس طلع بخيل و حتى شهر العسل اللي فهمني إني هقضيه في فرنسا ما خرجنيش من باب شقته، و أنا بس اللي قعدت أمثل قدام الكل إنه سفرني و فسحني عشان ما حدش يشمت فيا."
زيد بذهول:
"للدرجة دي؟"
تالا بنبرة حزن:
"و أكتر بكتير، ما حدش أبداً يعرف أنا شفت إيه معاه من يوم ما اتجوزني."
زيد:
"طب و ليه سليمان بيه ساكت على الكلام ده؟"
تالا:
"أنا ما قلتش حاجة لدادي، الكل مفكر إني مبسوطة و إننا سافرنا فعلاً، بس أنا اللي خفت حد يشمت فيا زي ما قلتلك فسكتت."
زيد:
"و طالما لقيتي الوضع غير، ليه مستنية معاه، ما طلبتيش الطلاق ليه؟"
تالا و هي تدعي الإحباط:
"دادي يا سيدي خايف على زعله."
زيد:
"طب لو أنا اتدخلت و اتوسطتلك عند دادي؟"
تالا بمكر:
"خد بالك، مدكور مهم عند دادي جداً عشان شغلهم، و لو حصل انفصال مابيني و بينه أكيد شغلهم مع بعض هيتأثر."
زيد:
"طب ما يتأثر، هو أنا مش بديل كفاية عند دادي و إلا إيه؟"
تالا:
"بس إنت مالكش شغل في مصر."
زيد:
"جاسر و مؤمن موجودين."
تالا:
"مابيشتغلوش غير في الصعيد و بس، إنما مدكور شغله في كل أنحاء الجمهورية، و الحقيقة سمعته بتخلي الناس كلها عاوزة تتعامل معاه."
زيد:
"يا ستي أنا على استعداد إني أعملك شركة لوحدك.. لأ.. مجموعة شركات رأس مالها ما يقلش عن خمسين مليون دولار.. بس تبقي معايا."
تالا بزهو:
"للدرجة دي عاجباك؟"
زيد:
"آه عاجباني، و لو توافقيني تيجي معايا من دلوقتي."
تالا:
"موافقاك طبعاً، بس لازم أخلص أموري مع مدكور الأول.. ماينفعش أسيب الموضوع متعلق كده."
زيد:
"خلاص اللي يريحك اعمليه.. بس خليكي فاكرة إني مستنيكي على أحَر من الجمر."
تالا بدلال:
"ماتقلقش، مش هخليك تستنى كتير."
***
كان مراد بغرفة مكتب مدكور بقصر العزيزي بصحبة أنور و هو مشتت الذهن تماماً و لا يستطيع التركيز في عمله. حتى وجد أنور يفرقع بأصابعه أمام وجهه قائلاً:
"إيه يا بني، إنت مش على طبيعتك خالص النهاردة و ما عندكش بتلاتة جنيه تركيز.. مالك.. إنت تعبان و إلا حاجة؟"
مراد بتنهيدة قوية:
"مش عارف.. حاسس إني مش عارف أركز."
أنور:
"يبقى أكيد في حاجة شاغلة تفكيرك، و أنا ملاحظ عليك إنك بتسرح كتير أوي، أنا عمري ما شفتك كده.. في إيه؟"
لينظر مراد بتركيز إلى أنور ثم ينهض من مكانه و ينظر من خلال النافذة. ليجد رهف تجلس إلى حاسوبها في الحديقة تراجع رسالتها و هي تراقب تميمة بين الفينة و الأخرى. و عندما لمحته يقف ناظراً إليها من النافذة هربت بنظراتها سريعاً إلى شاشة حاسوبها دون حتى أن تبتسم إليه كما كانت تفعل في السابق.
فقال بغيظ:
"أنا مش قادر أفهم إيه اللي حولها بالشكل ده."
أنور:
"تقصد مين؟"
مراد بامتعاض:
"هيبقى مين يعني.. حرمنا المصون."
ليجلس أنور و يقول بتسلية:
"الحقيقة أنا اللي مش فاهم إيه اللي غيرك بالشكل ده."
مراد:
"أنا ما اتغيرتش."
أنور بمرح:
"آهيييه، مين ده اللي ما اتغيرش، بقى إنت اللي كانت البت أمينة دايماً مسمياك هولاكو، و كانت على طول خايفة تتجوز و تنشغل عن رهف و تسيبها لوحدها و دايماً تقوللي هولاكو قلبه حجر و عمره ما بيشغل باله بيها و لا حتى بيكلف خاطره يعرف هي عاملة إيه، دلوقتي بقت هي اللي على طول شغلك الشاغل لدرجة إنك حتى ما بقيتش تركز في شغلك."
مراد بعند:
"بس الوضع اختلف دلوقتي."
أنور:
"اختلف في إيه بقى؟"
مراد بتردد:
"يعني.. على الأقل خلاص بقت مراتي فعلاً مش زي الأول يعني."
أنور:
"طب ماهي كانت مراتك برضه يا مراد بعد ما رجعتوا من تركيا و كانت كل ما تكلمك في التليفون تقول لك على حاجة ماتسمعش منك غير.. اتصرفي إنتي يا رهف أنا مش فاضي للكلام ده، المرة الوحيدة اللي اتواجدت معاها لما روحنا كلنا اتفرجنا على الأتيليه الجديد معاها و اللي هي ما تعرفهوش لحد النهاردة إنك روحت معانا بس لأن عمك طلب منك ده."
مراد بتبرير:
"و إيه الجديد يعني، ما دي ظروف شغلي طول عمري.. إيه اللي اختلف؟"
أنور:
"ما إنت لسه قايل.. اللي اختلف إنها دلوقتي بقت مراتك فعلاً.. مش زي الأول."
لينظر له مراد و الحيرة تمرح بين عينيه. ليستدرك أنور حديثه قائلاً بإخلاص:
"اسمع يا مراد.. إنت عارف المشكلة فين؟.. المشكلة عندك إنت، إنت عاوز تاخد كل حاجة من غير ما تدي أي حاجة، أنا ما برجعش من شغلي غير لما إنت كمان بترجع بيتك و مع ذلك.. لازم أتكلم مع أمينة و أشوف طلباتها و احتياجاتها رغم إنها لسه مش في بيتي، بس لازم أحسسها بحبي ليها عشان تفضل دايماً متدفية بيا بدل ما تدور على الدفا عند غيري."
مراد بملامح يبدو عليها القلق للمرة الأولى:
"و هو رهف ممكن تدور على الدفا ده عند غيري؟"
لتعلُ ضحكات أنور و هو يقول:
"تعرف إن دي أول مرة أعرف فيها إنك بتحب رهف للدرجة دي."
مراد بتردد:
"أنا بحب رهف."
أنور:
"ده إنت غرقان لشوشتك."
مراد:
"طب و هو عيب إني أحبها ماهي بنت عمي و…."
أنور مقاطعاً إياه:
"يا ابني بنت عمك إيه بس، إنت بتحبها يا مراد، بس مش عارف تبين لها حبك ده و لا عارف حتى إنت نفسك تفهم حبك ده و تعرفه."
مراد:
"و هو المفروض أعمل إيه عشان أبين الحب ده؟"
ليضع أنور يده على كتف مراد قائلاً:
"الاهتمام يا صاحبي، عمرك شفت زرعة بتطرح من غير ما ترويها؟"
مراد:
"لا طبعاً."
أنور:
"اهو الحب زي الزرعة كده، بس الزرعة بنرويها بالمياه، إنما الحب بنرويه بالحب برضه و معاه الاهتمام، قلة الاهتمام بتموت الزرعة و تموت الحب يا صاحبي."
مراد و كأنه يحدث نفسه:
"يا ترى ممكن يكون حبها ليا مات؟"
أنور:
"ليه بتقول كده؟"
مراد:
"رهف من قبل ما ترجع هنا و هي متغيرة معايا مية و تمانين درجة، بقت تتصرف تصرفات غريبة، و بقت تتعمد تبعد عني كل أخبارها حتى الحاجات اللي من حقي أعرفها لدرجة إنها…"
و عندما طال صمته قال أنور ليحثه على إكمال حديثه:
"لدرجة إنها إيه ما تكمل؟"
ليلفت مراد إلى النافذة مرة أخرى و أكمل و هو يتابع رهف بعينيه و التي كانت بين الفينة و الفينة تمسح على بطنها بيدها:
"لدرجة إنها عرفت امبارح إنها حامل و ما بلغتنيش."
أنور بفرحة:
"إنت بتتكلم جد.. ألف مبروك، و الله و هتبقى أب يا هولاكو، طب بذمتك ده منظر واحد عرف خبر زي ده، المفروض تحتفل يا عم إنت."
ليلفت إليه مراد مرة أخرى قائلاً:
"أحتفل إزاي و هي مخبية عني لحد دلوقتي."
أنور بدهشة:
"آه صحيح.. اومال إنت عرفت إزاي؟"
مراد بإحراج:
"مشيت وراها هي و أمينة امبارح، الفضول كان هيجنني، كنت عاوز أعرف هي رايحة للدكتور ليه و مخبية عني ليه بأي طريقة، و كنت متنرفز بسبب تخبيتها عليا."
أنور و على ملامحه علامات الغباء:
"يعني مشيت وراها فعرفت إنها حامل؟"
مراد بحنق:
"لا طبعاً.. بعد ما مشيوا من العيادة، طلعت للدكتورة اللي كانوا عندها و عرفتها على نفسي و وريتها بطاقتي و كمان صورة فرحنا من على التليفون على ما رضيت تقولي."
أنور:
"طبعاً.. دي أسرار مرضى."
مراد:
"و طبعاً طلبت منها ما تقول لهاش إني عملت كده."
أنور بفضول:
"طب و إنت ناوي على إيه؟"
مراد:
"مش عارف."
أنور:
"لازم تحاول تتكلم معاها يا مراد، حاول تحتويها و تحسسها بحبك و اهتمامك ده."
مراد:
"المشكلة إنها مش مديني أي فرصة إني أتكلم معاها و أي موضوع أفتحه معاها تقفله بسرعة و تسيبني و تمشي، و عاملة تيمو حجتها عشان تبقى هي في أوضة و أنا في أوضة."
أنور:
"هو كده فاضل حوالي عشر أيام على مناقشة الرسالة بتاعتها، كلم هدى خليها تيجي، و اهي من ناحية تاخد تيمو تنام معاها، و من ناحية تانية كأنك بتساعدها تتفرغ لمذاكرتها، و حاول من وقت للتاني تسألها لو محتاجة حاجة، لو عاوزاك مثلاً تساعدها في حاجة.. تذاكر لها حاجة."
مراد بامتعاض:
"أذاكر لها.. هي بنت أختي و أذاكر لها.. ثم هفهم أنا إيه في اللي هي بتعمله ده."
أنور:
"بلاش.. اعرض عليها مثلاً لو محتاجة مساعدة إنك ممكن تطلبها من دكتور فؤاد نوار، و أنا ملاحظ إن مراته بقت صاحبتها هي و أمينة جداً و الراجل مش هيرفض، و حتى لو هي مش محتاجة ده.. كفاية تحس إنك مهتم بيها و باهتماماتها كمان."
***
أما في القاهرة.. فقد وصلت تالا إلى شقة مدكور في الزمالك، و ما إن حاولت وضع المفتاح لتفتح الباب إلا و فشلت فشلاً ذريعاً لتتيقن على الفور أن هناك خطأ ما، فما كان منها إلا أن دقت الباب، لتجد مدكور قد فتح لها الباب بعد لحظات.
لتقول بفضول:
"هو إنت مغير الكالون و إلا إيه؟"
مدكور و هو يعود إلى مكتبه ليتابع العمل الذي كان يقوم به:
"أيوه."
تالا باندهاش:
"ليه.. حصل حاجة و إلا إيه؟"
مدكور:
"عادي، بس كده أضمن، عشان الأمان."
ما إن دلفت إلى الداخل حتى وجدت مدكور قد عاد إلى جلسته خلف مكتبه. لتقترب منه تالا رغم استغرابها قائلة:
"وحشتني."
مدكور بعدم مبالاة:
"حمد الله على السلامة."
لتذهب إليه مقبلة إياه بوجنته قائلة:
"أخيراً أخدت بالك.. بس أنا اعتقدت إني هاجي مش هلاقيكم."
مدكور:
"ليه يعني؟"
تالا:
"عشان قلت لي إنك هتقعد مع هدى على ما أرجع."
مدكور و هو يعود لعمله:
"هدى هتسافر لرهف عشان رسالتها خلاص قربت، يبقى هقعد في بيتها ليه و هي مش موجودة."
تالا:
"أيوه يا حبيبي، بس ده بيتك قبل ما يبقى بيتها."
مدكور بوجوم:
"لأ.. بيتها هي و باسمه."
تالا بصدمة:
"إنت ما قلتليش الكلام ده قبل كده."
مدكور و هو يعود بعينيه لأوراقه:
"و أقول لك ليه، أعتقد إن ده شئ ما يخصكيش."
تالا ببعض الحدة:
"يعني إيه ما يخصنيش، المفروض إني مراتك و أعرف عنك كل حاجة."
مدكور باستهزاء:
"إنتي ما سألتيش و أنا ما قلتلكيش."
تالا بفضول:
"و إنت عاوزني أسألك عن إيه؟"
لينظر إليها مدكور قائلاً:
"على اللي عاوزة تعرفيه بالظبط."
تالا:
"المفروض أعرف عنك كل حاجة من غير ما أسألك يا مدكور.. ده أنا مراتك."
مدكور:
"و هو إنتي عرفاني عنك كل حاجة؟"
تالا:
"و هو إيه اللي إنت ماتعرفوش عني، أنا ما عنديش حاجة مخبياه."
مدكور بجمود:
"متأكدة؟"
تالا بتأكيد:
"طبعاً."
مدكور:
"و جوازك العرفي من نوار الأسعد شهرين من تلت سنين؟"
تالا بصدمة:
"إنت جبت الكلام ده منين؟"
مدكور بسخرية:
"إنتي فاكرة إن موضوع زي ده ممكن يفضل في السر؟"
ثم صمت لثوانٍ و هو يراقب تغييرات وجهها القلقة قبل أن يقول بتمهل:
"و منير الورداني، و سلال الأشقر و حالياً بترسمي على زيد السليمي و إنتي لسه على ذمتي."
تالا بتردد:
"آآآيه الكلام اللي إنت بتقوله ده، الكلام ده مش حقيقي."
مدكور:
"يترى أنهي كلام فيهم بالظبط اللي مش حقيقي يا تالا، جوازاتك السابقة و اللي كانوا كلهم عرفي و في السر، و إلا عمليات العذرية اللي كنتي كل جوازة بتعمليها قبلها في العيادة المشبوهة اياها بتاعة المهندسين، و إلا علاقاتك الغير مشروعة السابقة، و إلا تقصدي زيد السليمي؟"
تالا برهبة:
"إنت إيه الكلام الفارغ اللي إنت عمال تقوله من ساعة ما وصلت ده.. لو زهقت مني و عاوز تطلقني طلقني، بس من غير الاتهامات الباطلة دي كلها."
تعلو ضحكات مدكور قائلاً:
"اتهامات باطلة، ده أنا مديت لك كل خيوط الاحترام و قلت يمكن تتشعبطي فيها لما تفهمي إن تربيتك من البداية كانت غلط و إن أبوكي عامل لك زي المومس من إيد لإيد و بيقبض تمنك كل مرة، لكن كنت كل ما أرميلك خيط ينتشلك من المستنقع اللي إنتي غرقانة فيه تقطعيه بحقد و غباوة. طب لو قلت لك إني عارف كل ماضيكي الأسود ده من قبل الجواز.. تقولي إيه؟"
تالا بذهول:
"عارف إيه بالظبط؟"
مدكور:
"عارف إن كل ما أبوكي كان بيرسم على شغل مع حد تقيل و إلا يحط عينه على مصنع و إلا شركة تعجبه كان بيزقك على صاحبها، تتجوزيه شوية على ما تنولوا مرادكم و تستولوا على اللي عاوزينه و بعد كده تتطلقي بعد ما المسكين يكتشف إن رجله جت في الخية."
تالا:
"و لما إنت عارف كل ده اتجوزتني ليه؟"
مدكور بسخرية:
"حد يلاقي دلع و ما يتدلعش، ثم عجبني شكلك و إنتي عاملة فيها واثقة في حبي يا بنت سليمان."
تالا بغضب:
"إنت باينك نسيت نفسك و نسيت فرق السن اللي بينا، هحبك على إيه فهمني."
ليتقدم منها مدكور بتؤدة و هو يقول:
"الحقيقة أنا اللي عاوز أفهم."
تالا بلكنة غل:
"تفهم إيه بقى؟"
لينقض عليها مدكور فجأة و يجذبها من ذراعها بقوة و هو يقول:
"عاوز أعرف كنتي ناوية تحطيلي هرمونات إيه في العصير يا بنت سليمان."
تالا برهبة مقرونة بالذهول:
"إيه اللي إنت بتقوله ده، هرمونات إيه و عصير إيه اللي هحطهالك فيه؟"
ليجرها مدكور معه حتى وصل إلى هاتفه و قام بتشغيل الهاتف لتسمع صوت أبيها و هو يقول:
"عملتي إيه في موضوع بتاع الهرمونات؟"
تالا:
"أول ما نرجع القاهرة هيبقى معايا، و أنا ابتديت أستعد له و أخد خطواتي."
سليمان:
"خطوات إيه دي؟"
تالا:
"أبدأ، ابتديت أعوده على كوباية عصير أناناس فريش قبل النوم."
سليمان:
"و اشمعنى بقى؟"
تالا:
"قالوا لي إن الأناناس أكتر طعم قريب من طعم الهرمونات دي فمش هيحس بطعمها لما أحطهاله في العصير."
سليمان:
"طب مش ممكن يشك فيكي بسبب العصير ده؟"
تالا بخبث:
"لأ.. ما أنا أول ما بقدمهوله بشرب معاه في قعدة صفا قبل النوم."
ليضحك سليمان عالياً و هو يقول:
"معلش بقى يا مدكور ده بيبقى نصيب يا حبيبي. بس إحنا كنا عاوزين نخطط و نشوف إزاي هنلف على السليمي ده بعيد عن مدكور و مراد."
لتنظر تالا إلى مدكور بذهول و هي تقول:
"إنت إزاي سجلتلنا كل الكلام ده، إحنا كنا لوحدنا و ما كانش معانا غير…."
مدكور بسخرية:
"غير تيمو اللي كانت قاعدة بترسم جنبكم و هي لابسة في إيدها جهاز الديكت بتاعها و اللي سمعته كانت في جيب مراد و اللي كان سايبه لي وقتها على ما يتوضأ عشان خاف لا تقع منه أو ييجي عليها مياه، و سمعت وساختك إنتي و أبوكي بوداني، و ربنا ألهمني إني أسجلك جزء من كلامكم سوا عشان لما تيجي اللحظة دي أعرف أحاسبك كويس."
ليغلق مدكور الهاتف و هو يراقب وجه تالا الشاحب من أثر الصدمة و قال:
"كفاية عليكي كده، و قولي لي بقى بسرعة و من غير لا لف و لا دوران هرمونات إيه دي اللي كنتي ناوية تحطيها لي و بمعرفة أبوكي كمان."
تالا برعب:
"هررررموناات… هررمونااات إيه.. آه، آه افتكرت، دي عشان الطاقة و…."
مدكور بغضب:
"لو هتفضلي تكدبي كتير هيبقى آخرك مرمية زي الكلبة في أي مخزن من مخازني لحد ما تعرفي إن الله حق، و الدبان الأزرق مش هيعرف لك طريق، و يوم ما أتسأل عنك فإنا ماشفتكيش من وقت ما سبتك في أسيوط، و ده يبقى أقل عقاب ليكي على وساختك.. هتتنطقي بمزاجك و إلا غصب عنك."
تالا برعب:
"دادي عارف إني جيت و مش هيسكت أبداً."
مدكور بسخرية حادة:
"دادي ده أول واحد هيتخلى عنك يوم ما يلاقي روحه هيتفضح و يروح في ستين داهية."
تالا:
"خلاص.. طلقني و سيبني و مالكش دعوة بيه."
مدكور:
"مش قبل ما أعرف إنتي كنتي ناوية تعملي فيا إيه.. انطقي."
تالا برهبة و استجداء:
"سيبني أمشي و كل واحد يروح لحاله."
مدكور بغضب و هو يقبض على ذراعها بعنف:
"خروجك من هنا مشروط بأنك تقولي لي بالظبط الهرمونات دي بتاعة إيه."
تالا بلجلجة:
"دي.. دي تركيبة بتعلي هرمونات الأنوثة في الجسم."
مدكور باستغراب:
"و دي كانت عشانك و إلا عشاني؟"
تالا بتردد:
"ع عشاااانك، مانت لما كنت هتاخدها كانت يعني هتأثر عليك و…."
لتقطع حديثها عندما شعرت بوجهها و هو يكاد يحترق من أثر يد مدكور التي هبطت على وجنتها بعنف و هو يقول بصدمة:
"آه يا شيطانة يا سلالة الأبالسة، و إنتي كنتي هتستفيدي بإيه فهميني."
تالا و هي تنشج بالبكاء و هي تضع كفها على وجنتها التي التهبت بشدة من أثر الصفعة:
"كنت هساومك.. يا إما تكتب لي المجموعة، يا إما هرفع قضية طلاق في المحكمة و أتهمك بالعجز."
ليدفعها مدكور بشدة حتى سقطت أرضاً و قال:
"طب بما إن بقى اللعب كله بقى على المكشوف يا بنت سليمان التعبان الأكبر، أحب أعرفك إني ما أملكش أي حاجة في الدنيا دي، و إن كل حاجة باسم رهف و مراد بيع و شرا من قبل ما أتزوجك لأن كنت عارف من البداية إنتي عاوزة توصلي لإيه، بس وافقتك وقتها عشان بس أبعد شرك عن ولادي و أكسر سمك و سم أبوكي بعيد عنهم."
ثم قال بحدة:
"قومي فزي من مكانك ده و اقعدي على الكرسي ده."
ثم التف حول مكتبه و قام بإخراج ملف من درج مكتبه و ألقاه على مائدة صغيرة أمام مقعدها و قال:
"امضي على الورق ده."
تالا بقلق:
"ورق إيه ده؟"
مدكور:
"ده إقرار منك إنك استلمتي مني كل حقوقك بعد الطلاق."
تالا بصدمة:
"هو إنت طلقتني؟"
مدكور:
"أول ما وصلت القاهرة، و عشان كده غيرت الكالون، تفتكري كان ممكن أسيبك على ذمتي و إنتي بالحقارة دي.. حقارتك اللي وصلتك إنك تشاغلي راجل تاني و إنتي على ذمتي، و أنا اللي كنت فاكر إنك هتبوسي إيدك وش و ضهر إنك لقيتي واحد يغطي على ماضيكي الأسود السنين اللي فاتت دي كلها.. امضي."
تالا بنشيج متمرد:
"أنا مش هتنازل عن أي حق من حقوقي."
مدكور ببرود:
"تمام، و أنا هقدم التسجيل ده للنيابة و أتهمك فيه بالخيانة."
تالا:
"أنا ما خنتكش، و ما عندكش أي دليل على إني عملت أي حاجة."
ليشير مدكور إلى زاوية ما فوق مكتبه و يقول:
"اللي ما تعرفيهوش إن كل كلامنا ده متسجل صوت و صورة بكاميرة الفيديو اللي هناك دي، و اللي شغلتها من أول ما البواب بلغني إنك دخلتي العمارة، عاوزة نذيع قول لي ذيع، و بعد نص ساعة هتلاقي كل الكلام اللطيف اللي حصل ده على كل شبكات التواصل الاجتماعي.. ها قلتي إيه؟"
تالا بإحباط شديد:
"همضي."
و بعد أن انتهت من التوقيع نظر إليها مدكور بازدراء و قال:
"تاخدي شنطتك اللي إنتي جاية بيها و ترجعي على بيت دادي، و تبلغيه إن مشروع أسيوط اللي مع جاسر ده آخر تعامل مابيننا و بين بعض، و إنه لو حاول أي محاولة إنه يتلاعب في أي مرحلة.. التسجيل و الفيديو هيلفوا الميديا كله."
تالا:
"و أنا أضمن منين إننا لما نعمل لك اللي إنت عاوزه إنك ما تروحش برضه تنشرهم؟"
مدكور بجمود:
"الضمان الوحيد إني مش في وساختك إنتي و أبوكي.. آه و على فكرة.. الشبكة اللي جيبتها لك كانت عبارة عن أزاز و كام جرام دهب أبيض."
تالا بصدمة:
"كمان.. كمان الشبكة مش سوليتير أصلي؟"
مدكور ضاحكاً باستهزاء:
"هو أنا كنت لقيت عروسة أصلي و ما قدمتلهاش شبكة أصلي."
ثم أكمل باحتقار:
"دقيقتين و ما ألقاكيش قدامي."
***
في منزل سليمان.. كان سليمان يتحرك ذهاباً و إياباً بغضب و هو يضرب كفاً بكف بحدة وسط بكاء تالا و نحيبها و هي تقول:
"ضحك علينا كلنا يا دادي، طلع أخطر ما كنت أنا و إنت متصورين."
سليمان بغضب:
"إزاي ما أخدناش بالنا من الجهاز اللي البنت كانت لابساها في إيدها طول الوقت، إزاي ما ركزناش في حاجة تافهة زي دي."
تالا و هي على نحيبها:
"مش الجهاز بس يا دادي، ده طلع عارف كل حاجة من زمان، و عارف بكل علاقاتي و جوازاتي السابقة بالاسم كمان."
سليمان بحدة:
"و إنتي إزاي اعترفتي له كده بكل بساطة؟"
تالا:
"خفت منه، لأول مرة في حياتي أحس إني خايفة من حد، إنت ما شفتوش كان عامل إزاي، كان عامل زي الغول، و بعدين خفت إنه فعلاً ينشر التسجيل و الفيديو اللي سجلهم لي."
سليمان:
"حطنا في خانة الياق مدكور العزيزي، و اتغدى بينا قبل ما نتعشى بيه."
تالا:
"أول مرة أحس بالفشل، أول مرة حد يعرف يغلبي يا دادي، مدكور عرف يستغلني و يستفيد مني من غير ما أقدر أستفيد منه أي حاجة."
ليذهب سليمان و يجلس بجوارها قائلاً بمكر:
"بس إحنا استفدنا برضه."
تالا:
"ماننسيش إن هو اللي فتح لنا السكة مع جاسر و بعدين كمان زيد، و هما دول المكسب الحقيقي، و اهو زيد طلبك للجواز من قبل حتى ما تتطلقي، و دي فرصة إنك تفهميه إنك طلبتي الطلاق من مدكور و صممتي عليه عشان خاطره، و إن كمان شغلي مع مدكور اتضر بسبب اللي حصل و كل ده برضه عشان خاطره، و عاوزين نشوف بقى قيمتك عند زيد هتتقدر بكام."
تالا و هي تمسح وجهها:
"تصدقي فعلاً عندك حق."
سليمان:
"و يبقى كده مدكور خدمنا خدمة العمر من غير ما ياخد باله."
تالا:
"طب تفتكر أكلمه دلوقتي و أقول له إني اتطلقت؟"
سليمان و هو يناولها الهاتف:
"كلميه حالا و إنتي لسه صوتك باين عليه العياط و إنتي عارفة هتتصرفي إزاي."
رواية وانقطعت الخيوط الفصل العشرون 20 - بقلم ميمي عوالي
سليمان و هو يناول تالا الهاتف:
كلميه حالا و انتى لسه صوتك باين عليه العياط، و انتى عارفة هتتصرفى ازاى.
تقوم تالا بمهاتفة زيد الذي رد عليها بلهفة قائلاً:
انا قلت مش هسمع صوتك تاني دلوقتي طالما رجعتي البيت عنده.
تالا و هي تتصنع الانكسار:
انا عند دادى في بيته.
زيد بدهشة:
اعتقدت انك هترجعي على بيتك.
تالا:
ماهو مابقاش بيتي خلاص.
زيد:
مش فاهم، هو حصل حاجة و اللا ايه.
تالا و ما زال يسيطر على صوتها البكاء:
ايوة.. انا اتطلقت خلاص.
زيد بتهليل:
انتي بتتكلمي بجد.. عرفتي تخلصي منه بالسرعة دي.
تالا ببكاء:
ايوة خلاص.
زيد باستغراب:
طب و بتعيطي ليه دلوقتي.. انتي زعلانه انه طلقك.
تالا بنشيح:
ضربني و بهدلني يا زيد.
زيد بحدة:
ازاي تسمحيله انه يعمل كده، ده انا ممكن اقتله فيه.
تالا بلهفة:
اوعى يا زيد.. اوعى، ده سجل لي و انا بقول اني معجبة بيك و بحبك و هددني انه هينشرهم على الميديا، و انت عارف ان ده شئ يضر سمعتي و سمعة دادى و اكيد سمعتك انت كمان، ده غير انه فض الشراكة مع دادى و ده هيتسبب ان دادى هيخسر فلوس كتير اوي بسببى.
زيد:
حبيبتي الفلوس دي اخر حاجة ممكن تفكري فيها، ليكي عليا اول ما نخلص المشروع بتاعنا مع بعض اني هعوضك انتي و دادى عن كل ده، و كمان تكون العدة بتاعتك خلصت و هعمل لك اكبر فرح في الشرق الأوسط كله.. انما انتي ازاي قدرتي تخليه يطلقك بسرعة كده.
تالا:
مانا قلتلك.. طلبت منه الطلاق و اعترفتله اني معجبة بيك و بحبك، بس ما اخدتش بالي انه بيسجل لي.
زيد:
عموما ده احلى خبر سمعته النهاردة.. و لازم نحتفل بالخبر ده.
تالا و هي تتحسس وجنتها:
ماشي، اول ما وشي يخف هكلمك و نتقابل نحتفل كلنا.
زيد بخبث:
لا يا حبيبتي، المرة دي الاحتفال هيبقى مقتصر عليا انا و انتي و بس.
و بعد ان اغلقت تالا الهاتف مع زيد قال سليمان بفصول:
طمنيني.
تالا:
كله تمام.. ماتقلقش.
سليمان بنبرة تهكم:
قلت لي نفس الكلام على مدكور و في الاخر لا عرفتي تيجي و لا تروحي معاه.
تالا بحدة:
انا ماكنتش اعرف انه بالخبث ده كله.
سليمان:
حذرتك منه و قلت لك ده تعلب، قلت لي على نفسه.
تالا بغضب:
هو انا بس اللى ماعرفتش اعمل معاه حاجة، مانت كمان ماعرفتش تاخده في صفك زي ما كنت عاوز، فبلاش نقعد نعيط في بعض احنا الاتنين.
مدكور:
ماشي.. بس يا ريت تركزى مع زيد، هنستفيد من وراه كتير.
تالا بتردد:
زيد هيفيدنا من غير ما نحاول نعمل معاه حاجة، هو من نفسه قال انه هيعمل معانا حاجات كتير ماجاتش على بالنا اصلا.
سليمان:
يعني ايه بقى الكلام ده.
تالا:
يعني ممكن نستنى و نشوف هو ناوي يعمل ايه معانا الاول، مش عاوزاه يشوف اننا طمعانين فيه.
سليمان:
و ده من امتى الكلام ده.. انتي ايه اللي حصل لك.
تالا:
اللي حصل لي اني اتعلمت من القلم اللي اخدته من مدكور بسبب اني استهنت بيه فمش عاوزة اكرر نفس الغلطة من تاني.
سليمان:
و ايه كمان.
تالا بامتعاض:
و كمان.. زيد مختلف.
سليمان:
و ايه اللي خلاه مختلف بقى.
تالا بهيام:
شاب، وسيم، چانتي، چنتل مان، تحسه كده عامل زي ابطال الروايات.
سليمان بسخرية:
عاجبك للدرجة دي.
تالا:
مش هنكر، ثم زيد مش زي اي حد اتعاملنا معاه قبل كده.
سليمان:
ازاي يعني.
تالا:
يعني ولا عاوز يتجوزني عرفي على مراته و عاوز يعيش له يومين في السر زي اللي قبل ما مدكور، ولا مستنيني اطلب منه حاجة و بيعد عليا انفاسي زي مدكور، و كمان مش هنقدر ناخد منه اكتر من اللي هو عاوز يديهولنا، ثم.. هو معجب بيا و طلب مني الجواز حتى و انا لسه على ذمة مدكور، و اما عرف اني اتطلقت طار من الفرحة و قال لي انه هيعوضنا عن كل الخساير اللي اتعرضت لها انا و انت بسبب طلاقي من مدكور و جاب سيرة جوازنا من تاني.
سليمان:
انتي عاوزة ايه بالظبط.. فهميني.
تالا:
عاوزة اتجوز زيد جواز حقيقي.. انا زهقت، عاوزة استقر بقى، و زيد الوحيد اللي قابلته اللي يستاهل اني اعمل كده عشانه.
سليمان:
بس ده ما كانش اتفاقنا.
تالا:
يا دادى ارجوك افهمني، زيد هيعمل لنا كل اللي احنا عاوزينه من غير ما نحاول اننا نخطط له زي اللي قبل كده، يبقى ليه نتعب نفسنا، و بعدين ماتنساش ان زيد من اباطرة السلاح، يعني اللعب معاه مش سهل ابدا.
سليمان:
يعني معجبة بيه و اللا خايفة منه.. ماتفهميني اللي في دماغك بالظبط.
تالا:
الاتنين يا دادى.. الاتنين، ثم انا ابتديت اكبر، و اللي كان ينفع اعمله زمان مش هفضل طول عمري اقدر اعمله.
لتمر الأيام سريعا حتى بقى على مناقشة رسالة الدكتوراة الخاصة بـ رهف يوم واحد، و قد مر على وصول هدى ثلاثة أيام، و بقى وضع رهف مع مراد على ما هو عليه.
اما رهف.. فكلما اقترب موعد المناقشة، كلما زاد توترها و قلقها مع رفضها التام لمساعدة الدكتور فؤاد لها عندما اقترح عليها مراد ذلك، و بررت رفضها بانها تريد الاستمتاع بنجاحها القائم على مجهودها الشخصي فقط.
و كانت كعادتها تجلس بحديقة القصر و هي تراجع رسالتها و تعدل بعض اجزائها و هدى تجلس الى جوارها تشد من أزرها و تراقب ابنتها و هي تلهو من حولهم، ليستمعون إلى صوت من خلفهم يقول:
وحشتوني كلكم.
و صوت تميمة تقول بسعادة كبيرة:
بابي.. وحشتني.
لتسرع هدى إلى أحضان زوجها قائلة:
احمد.. ايه المفاجأة الحلوة دي.. حمد الله على السلامة.
احمد و هو يحتضنها باشتياق عارم:
الله يسلمك يا حبيبتي، وحشتوني قلت اجي اشوفكم و اقضي معاكم يومين كده و ارجع تاني.. بس المرة دي مش هسيبك، انا مش عارف اعيش من غيرك.
رهف بحمحمة:
حمد الله على السلامة يا احمد، مصر كلها نورت بوجودك.
احمد بابتسامة عريضة:
انا من يوم ما سافرت بعد فرحكم و انا عاوز اجي اخد هدى، بس قلت اما انزل احضر المناقشة بتاعتك ابقى اخدهم و اسافر.
رهف بسعادة:
يعني انت جاي تحضر المناقشة معانا.
احمد:
مش ده كان اتفاقنا من الاول، اني لازم احضر المناقشة و اكون اول واحد ابارك لك عليها.
رهف بامتنان:
انا متشكرة اوي يا احمد، من يوم ما دخلت وسطنا و انت حقيقي نعم الاخ ليا.. ربنا ما يحرمنيش منك و لا من هدى ابدا.
تميمة بمشاغبة:
و لا مني انا كمان يا رهف.
لتنحني عليها رهف مقبلة إياها بحب قائلة:
و لا منك يا قلب رهف.
كان مراد كعادته مؤخرا يجلس بغرفة المكتب يراجع بعض الأوراق بصحبة أنور، و حين سمعا الجلبة من خلفهما بالحديقة وقفا يراقبان كل ما حدث لينتاب مراد بعض الضيق من حوار رهف مع احمد، و عندما لاحظ أنور الامتعاض الظاهر على ملامحه قال:
مالك.
مراد:
شايف بتتعامل ازاي مع احمد، دي ما بتتكلمش معايا كلمتين على بعض.
أنور:
احمد سايب شغله و حاله و محتاله و جاي من بلاد الغربة عشان يبقى معاها و هي بتناقش رسالتها، و كمان سايب مراته اللي بيدوب فيها معاها بقاله حوالي تلت شهور، مش عاوزها تشكره و لا تتكلم معاه بالشكل ده، ثم انا كل شوية اقول لك اهتم.. و انت واقف محلك سر.
مراد بدفاع:
ماهو على يدك اللي بعمله.
أنور:
ايوة.. بس عمليا.. هي لسه ما شافتتش منك اي حاجة تدل على اهتمامك ده.
مراد:
بس انا حاولت كتير اقرب منها و اساعدها و هي دايما بترفض.
أنور:
حاول تصبر عليها نص الصبر اللي صبرته عليك كل السنين اللي فاتت.
مراد:
عموما لما ارجع من السفر ربنا يسهل.
أنور:
قلت لها انك مسافر.
مراد:
لا لسه.
أنور:
و ناوي تقول لها امتى و اللا هتسافر من غير ما تقول لها.
مراد و هو يتجه ناحية الباب:
تعالى نسلم على احمد على ما اشوف.
ليتجه إلى الخارج.. ليجد أن الجميع قد دلفوا إلى الداخل و جلسوا يتسامرون ليأتي عليهم مراد قائلاً بترحيب:
حمد الله على السلامة يا ابو حميد.. ايه المفاجأة الهايلة دي.
ليتبادلا الأحضان و التحية، ثم يأتي دور أنور الذي قال بمرح:
عود احمد يا عم احمد.
احمد:
وحشتوني يا جدعان.
أنور:
قطعت الغربة و سنينها.
احمد:
ااه و الله.. ياللا الحمد لله.
مراد:
ما انت اللي تاعب نفسك، ياما اتحايلت عليك انا و عمي انك تستقر هنا و تشتغل معانا.
احمد:
سيبها على الله يا عم مراد.. المهم قولولي انتم عاملين ايه، و اخبار عمي مدكور ايه.. هو فين اومال.
مراد:
عمي في القاهرة و هيوصل على بكرة ان شاء الله.
احمد:
كويس.. ادينا نتجمع مع بعض كلنا.
مراد و هو يراقب رهف بجانب عينيه:
للأسف انا اللي هتحرم منكم كلكم.
احمد:
و ليه بقى يا عمي.
مراد:
الحقيقة انت لحقتني قبل ما اسافر.
احمد:
مسافر فين.
مراد:
القاهرة.. الشغل محتاجني هناك.
هدى بصدمة:
هو ده وقته يا مراد.
مراد:
مانتو عارفين يا جماعة.. الشغل مابيستناش حد.
هدى و هي تنتقل بعينيها ما بين مراد و رهف بضيق:
ممكن يعني يتأجل يومين اتنين مش هيحصل حاجة.
لينهض مراد و هو يقول:
اليومين دول ممكن يفتحوا شركة و يقفلوها يا هدى.. ها.. محتاجين مني حاجة قبل ما اتوكل على الله.
هدى باستياء:
هترجع امتى.
مراد بمرح و هو يشير إلى أنور:
اكيد قبل فرح اخينا ده، ماينفعش ما احضرش الفرح.
كانت رهف طوال الوقت ترسم ابتسامة على وجهها، و لكنها كانت تقطر بداخلها بالمرارة و السخرية، و عندما وجه إليها مراد الحديث و قال لها:
هتحتاجي مني حاجة قبل ما اسافر يا رهف.
قالت باقتضاب:
شكرا.
ليتركهم مراد متجها إلى الأعلى و هو يقول:
يادوب هطلع اغير هدومي و اجهز.. بعد اذنكم.
و بعد ان تركهم و انصرف ظل احمد و أنور يتحدثان عن الزفاف المنتظر بينما انتقلت هدى إلى المقعد المجاور لرهف و همست لها قائلة بتعاطف:
انا مش عاوزاكي تضايقي ابدا.
رهف:
و انا ايه اللي هيضايقني.
هدى بتردد:
يعني.. عشان مراد هيسافر و يسيبك في الوقت ده، و مش هيحضر المناقشة معانا.
رهف بسخرية و الحزن يطل من عينيها بوضوح تحاول مداراته:
و من امتى انا كنت على قايمة اهتماماته من الأساس يا هدى.. صدقيني.. خلاص مابقتش فارقة.
هدى:
طب انا هسيبك خمسة عشان اطلع اوضب اوضتي بسرعة قبل ما احمد يحب يطلع يستريح، و روحي انتي كملي مذاكرة عشان ماتضيعيش وقت.
كان مراد قد اوشك على الانتهاء من ارتداء ملابسه حين سمع طرقا على الباب فقال:
ثانية واحدة.
و بعد ان انتهى ذهب ليفتح الباب ليجد هدى تدخل مندفعة إلى الداخل و تغلق الباب خلفها و معالم الغضب ترتسم على وجهها بشدة ليقول بقلق:
في ايه مالك.. حصل حاجة و اللا ايه.
هدى بغيظ:
عاوز يحصل ايه اكتر من كده يعني انا مش فاهمة.
مراد:
ماتتكلمي على طول يا بنتي مالك.
هدى بعتاب حاد:
ماهو بصراحة كده ماتزعلش مني اللي انت بتعمله ده ما فيهوش اي مراعاة لشعور البني ادمة اللي على ذمتك.
ليلتفت مراد عنها و يقول و هو يصفف شعره بالمرآة:
نفسي مرة اعمل حاجة من غير ما حد فيكم ينتقدني.
هدى بامتعاض:
مش لما تبقى تعمل حاجة صح من اصله، يعني انت تيجي لحد اسيوط و تقعد هنا كل ده، و تيجي وقت معاد المناقشة و تسيبها و تسافر.
مراد:
و انا يعني وجودي فارق معاها في ايه انا مش فاهم، بنت عمك اصلا مابقيتش تطيق تبص في وشي، و على طول قاعدة بعيد عني و متجنباني، و كانت الاول عاملة تيمو حجتها عشان كل واحد فينا يبقى في اوضة، و لما انتي جيتي بقت تطلع من العشا و تقفل اوضتها على نفسها عشان تقطع عليا اي تواصل ممكن يبقى بيني و بينها.
هدى:
ماتنساش ان انت اللي عملت كده من الاول.
مراد:
انا ما عملتش حاجة غلط، انا كل اهتمامي بشغلي و بشغلي و بس، لا روحت بصيت برة و لا عملت علاقة مع اي واحدة تانية، و رغم ذلك انا حاولت يا هدى و لسه بحاول، لكن في حاجات رهف بتعملها معناها انها خلاص مابقيتش عاوزاني، انا سايبها بمزاجي و مش عاوز اضغط عليها و على اعصابها عشان الرسالة بتاعتها، لكن اكيد مش هسكت اكتر من كده، و انتي بدل ما تيجي تهاجميني بالشكل ده خليكي حيادية على الاقل عشان تفهمي ان لو انا غلطت قبل كده من غير ما اخد بالي، فغلطات رهف دلوقتي كترت اوي و زيادة عن اللزوم، و لو كنت عاذرها دلوقتي فمش هعذرها بعد كده.
ثم تقدم منها و قبل رأسها قائلاً بجمود:
اشوف وشك بخير و طبعا لو احتاجتم اي حاجة كلميني.
ثم تركها و ذهب و هي تقف مذهولة من حديثه و لا تدري كيف استطاع ان يعكس الأحداث بتلك البراعة المتناهية.
اما في القاهرة.. فقد كانت تالا هي المدعوة الرئيسية و الوحيدة في احتفال فاخر أقامه لها زيد بمناسبة انفصالها عن مدكور، و كانا يجلسان بشرفة أحد الفنادق الفاخرة في معزل عن الجميع حين قبل زيد يديها قائلاً بسعادة:
لو قعدت اوصف لك من هنا لبكرة انا مبسوط قد ايه انك بقيتي حرة مش هقدر برضه اوصل لك احساسي بدقة.
تالا:
و يا ترى ايه سبب فرحتك دي كلها.
زيد:
اني هقدر اخدك ليا و ليا انا و بس، انتي ماتعرفيش انا اول ما عيني وقعت عليكى حصل لي ايه.
تالا من تحت أهدابها:
عندي استعداد اسمع.
زيد ببحة رجولية رائعة:
اول مرة عيني تقع على ست و ما اقدرش اشيل عيني عنها بسهولة.. وقت ما عيني وقعت عليكى، حسيت انك خطفتيني.
تعرفي كمان اني انبسطت ان مدكور رفض انه يشترك في المشروع بتاعي، و ان سليمان بيه هو اللي هيبقى معايا فيه لوحده.
تالا باستغراب:
ليه بقى.
زيد:
لاني ما كنتش هقدر ابدا اني اشوفه معاكي و هو بيتعامل معاكي قدامي على انك ملكه.
تالا بغرور:
بس انا عمري ما كنت ملك حد.
زيد بتملك:
هتبقي ملكي.. ملك زيد السليمي.
ثم اقترب منها هامساً:
و يوم ما ده يحصل هخليكي ملكة متوجة على عرش قلبي.
تالا بفضول:
و اشمعنى انا اللي هتعمل معايا كده.
زيد و هو يشير على صدره:
لأن انتي الوحيدة اللي قدرتي تشغلي ده، قلبي ده.. عمره ما عرف الحب قبل ما يشوفك.
تالا باستغراب:
بسرعة كده.
زيد:
مش في أغنية بتقول من نظرة عين، اهو انا حبيتك من نظرة عين.
تالا و هي تردد الكلمة بذهول:
حبيتني.
زيد بتأكيد:
عشقتك.. مش حبيتك و بس.
ليصيب تالا بعض التيه و هي تفكر في كلمات زيد الذي لاحظ شرودها ففرقع بأصابعه أمام عينيها و ما ان انتبهت إليه قال:
اوعي تسرحي طول مانتي معايا، عاوزك طول الوقت معايا لوحدي بكل كيانك.
تالا بذهول:
ازاي بتقول ان عمرك ما حبيت و بتعرف تقول كل الكلام الحلو ده.
زيد:
لأن مش انا اللي بكلمك يا حبيبتي، ده قلبي.
تالا:
حبيبتي.
زيد:
حبيبتي و عمري كله اللي جاي.. تعرفي.
تالا:
ها.
زيد:
من يوم ما ابتديت اشتغل، و انا حاطط في بالي ان هييجي عليا يوم و اتجوز و يبقى عندي ولاد، و كانت كل ما الفكرة تيجي على بالي.. كنت اشتغل اكتر و اكتر، عشان كنت واخد قرار اني يوم ما اتجوز لازم اتجوز اللي تخطف قلبي، و لازم ابقى مستعد اني اتفرغ لها عمري اللي باقي.
تالا:
مش فاهمة.
زيد:
اقصد اني تعبت اوي في حياتي على ما قدرت اني اكون المليارات اللي عندي دي كلها عشان لما اتجوز الانسانة اللي تشغل قلبي هعتزل كل حاجة و اعيش معاها في سلام.
تالا:
تقصد انك هتبطل شغل بعد ما نتجوز.
زيد:
مش كل الشغل.. لكن السلاح بالذات لازم ابطله.
تالا:
غريبة، رغم ان معلوماتي بتقول ان تجارة السلاح اساس معظم ثروتك.
زيد:
حقيقي و عشان كده قررت ان كده كفاية.
تالا:
اشمعنى.
زيد:
عايز مراتي و ولادي يعيشوا في امان، مانتي فاهمة ان مخاطرها كتير، كنت فاكر انك فاهمة ده من نفسك بما انك مع سليمان بيه خطوة بخطوة.
تالا:
حقيقي، انا مع دادى في كل تفصيلة، لكن لحد دلوقتي ماشفتش حاجة تقلقني.
زيد:
و لا حتى البوليس.
تالا:
لا طبعا.. اكيد البوليس بيبقى ليه احتياطات خاصة.
زيد بمرح:
احتياطات زي ايه بقى.. احكي لي يمكن منكم نستفيد.
تالا:
اكيد اول حاجة عملناها كانت اختيارنا للناس اللي بتشتغل معانا، ناس مصحصحة.. عندها خبرة في كيفية التعامل على الحدود، و الأهم كان الغطا المناسب للشغل ده و طبعاً شغلنا مع مدكور كان الغطا ده، سمعته نفعتنا كتير في انها تبعد عننا العيون.
زيد:
بس ده مش كفاية ابدا انهم يحموكم.
تالا:
الأهم من كل ده.. ان عندنا ناس اللي على استعداد كامل انها تشيل الليلة لو حصل اي حاجة.
زيد:
مش فاهم.
تالا:
في ناس بتشتغل معانا و هي عارفة ان لو في اي وقت البوليس وصل لاي حاجة هيعترفوا ان هم اللي ورا كل حاجة و اننا بعيد عن كل ده.
زيد:
و الناس دي ايه اللي يجبرها تروح للاعدام برجليها.
تالا:
الفلوس.
زيد:
و هيعملوا ايه بالفلوس و هم ميتين.
تالا:
هيأمنوا مستقبل أولادهم اللي احنا هنتكفل بيه بالكامل.
زيد:
و ده حصل قبل كده.
تالا:
مرة واحدة من حوالي عشر شهور.. و كانت شحنة صغيرة جدا حرس الحدود قدر يظبطها اثناء نقلها، و واحد منهم شالها.
زيد:
اعتقد اني سمعت عن الشحنة دي، مش دي اللي اتحكم فيها على المتهم بخمسة و عشرين سنة.
تالا:
ايوة.
زيد:
و دفعت له كتير على كده.
تالا:
سبعة مليون جنية راحت يوم الحكم لولاده، ده غير مرتب شهري لسه شغال لحد النهاردة.
زيد بابتسامة:
كنت فاكر دادى هو اللي بيقوم بالتفاصيل الصغيرة دي لوحده، و كنت فاكرك قطة سيامي، ما كنتش اعرف انك قطة شرسة بالشكل ده.
تالا بدلال:
و يا ترى دي حاجة كويسة و اللا حاجة وحشة.
زيد:
احلى حاجة في الدنيا كلها.
تالا:
اقول لك على سر.
زيد:
و سرك في بير.
تالا:
انا اول مرة احس اني مبسوطة كده، احساس عمري ما جربته.
ليقبل زيد يديها قائلاً:
اوعدك طول مانتي معايا هتجربي حاجات كتير ما عيشتيهاش قبل كده.
..
في قصر العزيزي.. كان وقت آذان الفجر.. و قد استيقظت رهف من نومها و هي تشعر بالغثيان، فجلست في فراشها لدقائق قليلة و هي تحاول ان تتماسك، و لكنها ما لبثت ان اسرعت للمرحاض لتفرغ ما بمعدتها، لتعود لغرفتها بعد ان غسلت وجهها و توضأت و وقفت لتؤدي فرضها و بعد ان أتمت صلاتها رفعت يديها للدعاء قائلة بخشوع:
ربي انت تعلم ما بنفسي و لا اعلم ما بنفسك فاصلح لي نفسي بما ترى انه خير لي، ربي اصلح لي شأني كله و لا تكلني إلى نفسي طرفة عين، ربي الهمني فعل الخير.
ثم دمعت عيناها فقالت برجاء:
يارب.. انت عالم بحالي و غني عن سؤالي، يارب اقف جنبي النهاردة.. قوني يارب، عاوزة اناقش الرسالة و انا واقفة على رجلي و اشوف نتيجة تعبي اللي معظم اللي حواليا مش شايفينه و لا حاسين بيه.. ساعدني يارب.
و بعد ان انتهت من دعائها نهضت و جلست إلى حاسوبها حتى كانت الثامنة فقامت بتغيير ملابسها و اصطحبت كتبها و أوراقها و اتجهت إلى الأسفل لتجد أن الجميع بانتظارها و كانت زينب أول من استقبلها بأسفل الدرج قائلة:
صباح الخير يا بنتي.
رهف:
صباح الخير يا دادة.
زينب:
ماحدش طلع لك اهو و لا نده عليكى زي ما طلبتي، بس انا محضرالك حاجة خفيفة تاكليها.
رهف بامتعاض:
لا و الله يا دادة بلاش عشان خاطري، انا لسه راجعة اول ما فتحت عيني الفجر.
زينب بحزم:
ده مالوش علاقة بده، ما ينفعش تروحي تقفي تناقشي رسالتك ساعتين تلاتة من غير فطار.. اسمعي الكلام و ماتتعيبينيش معايا.
لتتقدم منهم أمينة قائلة و هي تسحب رهف بروية:
يالا يا حبيبتي اسمعي كلام ماما و تعالي كلي سندوتش و اشربي كوباية عصير، و انا واخالك معايا سندوتش و عصير تاني عشان لو فرهدتي في النص.
هدى:
شريفة و رقية و بثينة و سميحة سبقونا على الجامعة و بيقولوا لك انهم مستنيين نجاحك بفارغ الصبر.
رهف بقلق:
ان شاء الله، هو بابا خرج.
لتسمع صوت مدكور من خلفها قائلاً:
صباح الخير يا رهف.
لتلتفت إليه قائلة:
صباح الخير يا بابا.
مدكور:
مستعدة.
أمينة:
ايوة يا عمي ان شاء الله مستعدة، بس تاكل السندوتش ده مع العصير و نمشي على طول.
و بعد ان تناولت رهف فطورها وقفت بين يدي زينب التي كانت ترقيها و تحصنها ببعض آيات الذكر الحكيم و تدعو لها ثم قالت لها:
انتي تعبتي و عملتي كل اللي كنتي بتقدرى عليه، و خلاص النهاردة اخر سلمة.. خطيها بكل قوتك، خلاص كلها كام ساعة و هتبقي الدكتورة رهف العزيزي.
لتقبلها رهف بامتنان قائلة:
ادعي لي يا دادة.
زينب بحب:
ربنا يا بنتي يوفقك و يلهمك الصواب.
لتلتفت رهف إلى الجميع قائلة:
يالا بينا.