في إحدى العمارات الكبيرة المكونة من خمسة أدوار، كانت تجلس السيدة حسنة، التي تبلغ من العمر ستين عامًا، على مائدة الفطور. وبجانبها حفيدها الأكبر مروان، وهو يردد: "لا يا تيته، قلت لا. أنا مش هطلع فوق، عايز أفضل معاكي هنا، انتي وجدو. مش هسيبكم لوحدكم." ابتسمت حسنة وهي تنظر إليه، حتى خرج الحج رمضان وهو يجفف وجهه ويردد: "ما تسيبيه بقى يا حجة حسنة، أنا عايز أعرف انتي عايزة تطلعيه فوق ليه؟ ما هو مالي علينا الدار اهه."
حسنة بابتسامة: "يا حج، علشان يبقى مع أمه وأبوه. مش عايزاه يبعد عنهم." مروان بتذمر: "يا تيته، ما أنا بطلع، بس لازم أفضل معاكم هنا علشان لو احتاجتوا حاجة. بصي، مش هسيبكم يعني مش هسيبكم." ابتسم رمضان بسعادة وجاء ليتحدث، ولكن دخل ابنه الأكبر أمين، الذي يبلغ من العمر 36 عامًا ويعمل في تجارة قطع غيار السيارات، متزوجًا من عبير، التي تعمل في إحدى الشركات كمهندسة ديكور. وهو يحمل في يده أكوابًا من الحليب ووضعها على السفرة،
وتحدث: "عملتلكم أحلى شاي بلبن لأحلى أم وأب في العالم." حسنة بابتسامة: "ربنا يرضى عنك يا ابني يارب. أومال فين عبير؟ مش هتفطر معانا؟ أمين بضيق: "لأ يا ماما، انتي عارفة عبير. هي بيبقى عندها شغل بدري ومش فاضية، وخدت البنت معاها توصلها المدرسة." مروان بلهفة: "المدرسة؟ أنا نسيت خالص، لازم أمشي فورًا." ألقى مروان كلماته، ثم اقترب من جده وجدته وقبّل يديهما، واحتضن والده، وذهب. فابتسم أمين وتحدث قائلًا:
"بعد إذنكم بقى، أنا همشي علشان عندي شغل مهم. هتيجي معايا يا بابا ولا ترتاح النهارده؟ رمضان: "لأ يا حبيبي، هاجي طبعًا. انت عارف زين إني مش بحب قعدة البيت دي." حسنة: "بقى معقول يا رمضان؟ بقالك عايش في القاهرة أكتر من 15 سنة ولسه بتتكلم صعيدي؟ رمضان بابتسامة: "ولو فضلت قاعد هنا مليون سنة، هفضل برده أتكلم كده. أنا صعيدي ابن صعيدي، واللي يتكسف من لهجته يبقى معندوش أصل يا حجة. يلا في رعاية الله."
ألقى رمضان كلماته وذهب هو وابنه. وفي الدور الثالث من البيت، كانت تقف هذه الفتاة التي تبلغ من العمر 25 عامًا، تسمي بـ ونس، في المطبخ تطهو بعض الطعام. حتى دخل شاب في أواخر العشرينات، وهو أحمد، الذي يعمل بإحدى المستشفيات كطبيب نسا وتوليد، وهو الابن الأصغر للحج رمضان، وهو يردد بسخرية: "انتي واقفة في المطبخ من دلوقتي؟ بتعملي إيه؟ الساعة لسه 10 الصبح، فيه حد يطبخ دلوقتي؟ ونس بابتسامة:
"أنا بعمل أكل علشان الحجة حسنة بيبقى عندها علاج، وكمان هي والحج رمضان بيتغدوا بدري، فقُلت أعمل أنا الأكل علشان متتعبش." نظر أحمد إليها بسخرية وهو يتفحصها، ثم ردد: "مريم أختي تحت وبتعرف تعمل كل حاجة. وبعدين اسمها ماما وبابا، مش الحج والحجة. انتي مش ناويه تنسي بقى الصعيد دي؟ لبسك وكلامك وأسلوبك وكل حاجة فيكي غلط. أنا مش فاهم والله أي اللي خلاني أتجوز الجوازة السودا دي، حتى مش عارف أفرح بطفل لحد دلوقتي. دي حاجة تقرف."
نظرت ونس إليه بصدمة وتجمعت الدموع في عينيها، ثم رددت: "إيه اللي بتجوله دا يا أحمد؟ أنا أول مرة أسمع الكلام دا منك. أي اللي حصل عاد؟ أحمد بعصبية: "اللي حصل إني دكتور، فاهمه يعني إيه دكتور؟ المفروض أبقى فخور بيكي، لكن أنا بتكسف آخدك معايا في أي مكان. لا تفضحيني قدام الناس بـ لبسك وشكلك وكلامك، حتى تعليمك أقل مني. والأطفال... أنا عايز طفل." ونس بدموع: "ومدام انت مكسوف جووي أكده مني، اتجوزتني ليه من الأول؟
انت مش جيت لحد الصعيد وطلبت يدي من عمي؟ هو أنا غصبتك؟ وبعدين تعليم إيه عاد؟ حد جالك عني إني جاهلة؟ أنا متخرجة من كلية تربية. وبالنسبة للأطفال، إحنا لسه بدري، إحنا متجوزين من سنة واحدة بس. مستعجل ليه أكده؟ أحمد بسخرية: "صحيح، معاكي حق. المفروض أفكر ألف مرة قبل ما أخلف منك. الله أعلم يمكن تطلعي ولادي زيك. أنا رايح المستشفى أهه، على الأقل أشوف ناس نظيفة."
ألقى أحمد كلماته وذهب. فجلست ونس على إحدى الكراسي وهي تبكي بشدة. وفي مكان آخر في إحدى الشقق، كانت تجلس عبير، زوجة أمين، مع والدتها وهي تردد: "يعني مش عاجبني يا ماما. فيها إيه لما نروح نعيش لوحدنا في مكان تاني؟ هو أنا هفضل طول عمري في العيشة دي؟ كل حياته أمه وأبوه وإخواته. حتى ابني خطفوه مني. وبعدين أمه وأبوه دول ناس جاهلة." لبنى بعصبية: "خطفوه منك؟! خطفوه منك إزاي يا بنت بطني؟ وأي قلة الأدب اللي بقت فيكي دي؟
ناس جاهلة؟! فيه واحدة محترمة تقول على حماها وحماتها كده؟
ولو هما ناس جاهلة، فإحنا كمان زيهم. وبعدين الحج رمضان هو اللي كبر الشغل دا كله، وال جوزك بيشتغل فيه، وانتي بتصرفي منه. والحجة حسنة هي اللي ربت ولادها، طلعت واحد معاه كلية تجارة وبيشتغل مع أبوه اللي هو جوزك، والتاني دكتور، والبنتين ما شاء الله، واحدة اتخرجت من كلية علوم ومتجوزة واحد ابن أغنى ناس في البلد، والتانية بتدرس صيدلة ومخطوبة برده لواحد كويس. بقى اللي يربي كده يبقى جاهل؟ انتي إيه اللي حصلك يا بت انتي؟
عبير بدموع: "مش بيحبوني يا ماما. خدوا ابني مني وبيفضلوا مرات ابنهم التاني عني، علشان هي من الصعيد زيهم، وأمين كل فلوسه لأهله." لبنى بعصبية: "يا بنتي، دا معرض أبوه، يعني كل دي فلوس أبوه. حرام عليكي يا عبير، انتي عندك ولاد يا بنتي، اتعاملي كويس معاهم واعتبريهم زينا.
دا ربنا قال في كتابه: {وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلاَ تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [صدق الله العظيم]. "
نظرت عبير إلى والدتها بحزن وضيق وحاولت تغيير الحديث. وفي المساء، كانت تجلس ونس بجانب حسنة التي تشاهد التلفاز بتركيز. حتى انتبهت إليها مريم، الابنة الصغرى لرمضان، والتي تبلغ من العمر عشرين عامًا، ورددت: "مالك يا ونس؟ من وقت ما جيتي من الكلية وأنا ملاحظة إنك زعلانة." حسنة بتركيز: "مالك يا بنتي؟ في أي حد مزعلك؟ إلا يكون أحمد. أنا فعلاً ملاحظة إنك من الصبح زعلانة." ونس بابتسامة: "لأ طبعًا يا حجة...
قصدي يا ماما. هو فيه زي أحمد؟ ربنا يخليه ليا يارب. أحمد كويس جووي معايا. أنا بس يمكن عندي برد." مريم باستغراب: "مش باين والله إنك عندك برد نهائي." نظرت ونس إليها بتوتر، فتحدثت حسنة بابتسامة: "طيب يا بنتي، قومي خدي مريم وانزلوا اتمشوا شوية وشموا شوية هوا." ونس بابتسامة: "حاضر يا ماما. هتصل بأحمد أقوله وألبس." ألقت ونس كلماتها وصعدت إلى شقتها. وفي مكان آخر في المستشفى عند أحمد، كان يجلس في مكتبه بضيق. حتى دخلت زميلة
له وهي تردد بابتسامة: "دكتورنا العظيم قاعد لوحده ليه كده؟ معقول ألا نكون مزعلينه؟ أحمد بضيق: "إزيك يا كوثر؟ عاملة إيه... أنا مش زعلان ولا حاجة، بس كنت بفكر في الشغل و... لم يكمل أحمد حديثه حتى قاطعه صوت رنين هاتفه، فأجاب وكانت ونس التي تطلب منه الإذن حتى تخرج مع مريم. فردد بحدة: "غوووري روحي أهه تشوفي الشارع شكله إيه بدل ما انتي قاعدة في البيت زي الشغالين." ألقى أحمد كلماته، ثم أغلق الهاتف. فنظرت كوثر بضيق وتحدثت:
"لأ لأ، انت شكلك مضايق أوي. طيب قوم يلا، أنا عازمالك على قهوة واحكيلي." ألقت كوثر كلماتها، ثم أخذت أحمد وذهبوا. وفي إحدى الشوارع، كانت تنظر مريم إلى إحدى محلات الملابس وهي تردد: "حلو أوي المحل اللي هناك دا يا ونس، تعالي نعدي الشارع ونروح يلا نشوفه." ابتسمت ونس وكانت ستذهب، ولكنها انتبهت إلى سامح، خطيب مريم، وهو يجلس في إحدى السيارات بجانب فتاة. فتحدثت ونس بلهفة:
"مريم، سامح خطيبك أهه. ومين دي عاد اللي جاعد جمبها في العربية؟ مريم بصدمة: "سامح؟ هو فين دا يا ونس؟ فين سامح؟ نظرت مريم حولها بلهفة وهي تحاول البحث عنه. وفجأة، صرخت ونس عندما وجدت سيارة تقترب من مريم، وقبل أن تنقذها، صدمت السيارة مريم التي وقعت على الأرض غارقة في دمائها.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!