لم يتوقع سناء وجود من رآتها تقف على مقدمة باب الشقة، والتي بالمقابل نظرت لها الأخرى بقلق، فتحدثت قائلة: "سناء." تساءلت تلك المصدومة باستغراب: "سونه، إنتي بتعملي إيه هنا؟ أجابت محاسن بتلعثم: "أنا… أنا كنت نازلة وسمعت…" ثم توقفت عن باقي الحديث وسألتها مستفسرة: "سنسن، إنتي جيتي هنا إزاي؟ وسيف فين؟ فوضعت يدها على فمها لتتضح لها الأمر كاملاً، فتحدثت بصوت منخفض: "هو سيف معاكي؟ كادت أن تجيب سناء، ولكن صوت سيف وهو يهبط على
الدرج للأسفل كان الأسبق: "للأسف يا ماما، سيف اللي ما بتسمعيش كلامه هنا، سيف اللي ملوش لزمة عندك هنا، سيف اللي ما يهمكيش زعله هنا. عموما، أنا ماليش حق إني أقول لك تعملي إيه وما تعمليش إيه، بس كنت عشمان تقدري اللي حصلي أنا ومراتي بسببهم وتبعدي عنها خالص، لكن عشمي زاد شوية." هنا تحدثت سناء وهي تنظر لسيف بلوم، فوالدته بدأت تبكي من حديثه هذا، فعاتبته مردفة:
"سيف، ما حصلش حاجة لكل ده، وإذا كان عليا، فأنا مسامحة في حقي، والمفروض إنت كمان تسامح. طنط نجاة بقيت عايشة لوحدها، وسونه عمرها ما هتقدر تسيبها كده. وإنت طول عمرك قلبك طيب، بلاش تبين إنك قاسي بالشكل ده." استغرب سيف من حديثها الذي لم يتوقعه نهائياً، ولكن تحدث دون تعقيب عليه، فأردف وهو منزعج قائلاً: "يلا عشان أوصلك البيت، مش هنطلع الشقة خلاص." جاءت لتعترض حديثه، ولكن استمع ثلاثتهم لصوت يأتي من الداخل، وكان لنجاة
التي تحدثت وهي تسعل قائلة: "اطلعي مع ابنك يا محاسن، أنا بقيت أحسن. بلاش تزعليه، مش هستحمل يحصل زعل بينكم بسببي." ثم بدأت تسعل أكثر عما كان. لم يقدر سيف على الاستماع لما يحدث بالداخل ويبقى بمكانه، فدلف مسرعاً، فوجدها متسطحة على الأريكة المتواجدة في بهو الشقة، فتحدث بقلق: "إنتي بتكحي كده ليه؟ وشك باين عليه التعب أوي. طب ما قلتيليش ليه." ثم نظر للخلف ليعاتب والدته لعدم إخباره، وأكمل متسائلاً: "من إمتى ونوجا تعبانة كده؟
وجد اثنتين ينظران إليه فاتحتين فاهما مما استمعاه ويشاهدانها أمامهما. فقد دلفا وراءه بعدما أمسكت محاسن يد سناء لتحثها على الدلوف إلى الداخل بخطوات هادئة. فكرر سيف سؤاله مرة أخرى دون تعليق على حالتهما. أردفت سناء وهي مستغربة حديثه قائلة: "قعديني يا سونه على الكرسي، رجلي وجعتني، كفاية عليا ابنك اللي عاوز يجنني." نظرت لنجاة وتحدثت إليها قائلة: "سلامتك يا نوجا، هاجي أبوسك بس ارتاحي شوية."
فألقت إليها قبلة في الهواء، وبالمقابل ابتسمت نجاة وبادلتها ما فعلته. وبعدما جلست سناء وانتهت من حديثها، مسحت محاسن عيناها ونظرت لسيف وهي متعجبة من تناقض حديثه، فهو منذ لحظات كان يلومها لتواجدها هنا، والآن يلومها أيضاً ولكن لعدم إخباره بمرض نجاة. فكادت أن تسأله: "مين أنت ذاك أم ذلك؟ فتراجعت لأنه ليس الوقت المناسب، فأجابت قائلة:
"من امبارح الصبح. كان نفسها تفطر طعمية ومعاها باذنجان وفلفل مقلي، وأول ما شمت ريحة الزيت الكحة مسكتها وفضلت أكتر من نص ساعة على ما عرفت تتنفس كويس. روحت الصيدلية أجيب لها دوا، فالدكتور قالي لو مارتحتش عليه لازم تروح المستشفى تاخد جلسة تنفس، بس هي مارضيتش." التف سيف وتحدث لنجاة مردفاً: "يعني كان لازم تفطري طعمية؟ ما الفطار بيجي لك كل يوم لحد باب الشقة، والغدا زيه. مش عارف إنتي وماما بتتعبوا نفسكم ليه." تحدثت محاسن
ونجاة في وقت واحد قائلتين: "هو إنت اللي بتبعت الأكل؟ فأكملت نجاة ناظرة لمحاسن: "أنا شكيت في فضل، هو اللي بيعمل كده." أردفت محاسن هي الأخرى قائلة: "وأنا قلت كده برضه، بس مردتش أقول لك أحسن تضايقي." ضرب سيف بكف يده على مقدمة رأسه عما تفوه به، وحاول المراوغة عليهما، ولكن قد فات الأوان حتى يصلح ما قاله، فلم يجد مفر من ذلك غير الحقيقة، فتحدث مردفاً:
"أيوا أنا اللي بعمل كده، وفهمت عامل الدليفري لو رفضتوا تاخدوا الأكل يقول لكم إنه هيترفد من الشغل عشان عارف قلوبكم مش هتستحمل حد يتأذى بسببكم." أردفت سناء بخفة ظلها المعتادة وبسعادة مفرطة من جمال ذاك الرجل الذي يملك هذا العضو المتواجد بجسدها أعلى الجانب الأيسر مما يفعله دائماً منذ وقتما رأته في شاليه السخنة بالصدفة، مردفة: "أنا بالنسبة لي مش هندهش خلاص على حاجة هتقولها تاني. كمل يا سيفو، كمل قول واشجيني."
ابتسم سيف على حديثها وشقاوتها الذي بات يعشقهما، فهي من أرجعت شخصيته السابقة بعدما تعرف عليها وأحس أنها نصفه الآخر، لا أحد غيرها، فأكمل قائلاً: "ما تستغربيش يا ماما، أنا عارف إن حضرتك يومياً بتنزلي هنا من يوم ما عمي مشي، لما نجاة تعبت وأنا خليتك تطلعي فوق غصب عنك. وعشان كده كل يوم قبل ما أجي من الشغل برن عليكي بحجة لو عايزة حاجة من بره عشان ما أنزلش تاني لما أرجع البيت."
"الحقيقة، أنا كنت بديكي مساحة من الوقت عشان ما تكونيش مرتبكة وإنتي بتجهزي الأكل ليا أنا ويوسف، ويبان عليكي وتضطري تضغطي على أعصابك وتتعبي." فأكمل حديثه حتى تهدأ نهائياً قائلاً: "آه بالمرة بقى، يوسف عارف برضه." سعدت محاسن لقلب ولديها الملئ بالحب والصفاء مهما حدث لهما من الحياة. تقدمت لوقوف سيف وأردفت بوجه مبتسم، واضعة كف يدها على وجنته قائلة:
"هو ده ابني وابن راجي الله يرحمه، اللي مربينه على التسامح والحب والعفو عند المقدرة." أمسك سيف يد والدته مقبلاً إياها، ثم قبل رأسها داعياً الله أن يرحم والده ويبارك في عمر والدته. فأتجه إلى مجلس نجاة التي تتساقط من عينيها الدموع دون توقف، وجثا على ركبتيه حتى يكون بمستواها وهي مستلقية على ظهرها لأنها لم تقدر على الاعتدال، فما زالت مجهدة من السعال. "يلا عشان نروح المستشفى."
فأمسكت يده لتقبلها، فسحبها سيف سريعاً، ثم قبل رأسها قائلاً: "عمري ما هنسى لما كنت أنا ويوسف صغيرين، وماما كانت عاملة عملية، وإنتي اهتمتي بينا من أكل لخروج لنوم لحد ما ماما خرجت بالسلامة. ويا ريت ننسى كل اللي حصل ونبدأ صفحة جديدة، عشان مش عايز الحزن يدخل بيتنا تاني." هزت رأسها وهي مبتسمة رغم الدموع المتواجدة في عينيها، ثم تحدثت مردفة:
"حاضر يا سيف، أنا ندمت على كل حاجة عملتها معاك أو مع مراتك، ياريت تسامحوني. ونفسي أتجمع مع بناتي من تاني، والغلط اللي كنت بعمله معاهم هصلحه، بس للأسف ما بقاش ينفع أشوفهم خلاص." أردف سيف بتأكيد: "مين قال كده؟ إذا كان على عمي فضل ونادين، هيكونوا من بكرة عندك. خالد كلمني كتير عشان يجمعكم مع بعض، وعمي لسه بيحبك بس زعلان شوية منك. ولكن بالنسبة لـ هنا…"
فنظرت وراءه لمكان جلوس سناء التي ضمت كفي يدها على شكل قلب وألقت معه قبلة كدعم له لاستكمال ما يردفه. فحديثه عن هنا لم يزعجها في شيء، فيكفيها حبه لها وكل ما يفعله معها لإسعادها. فبادلها ابتسامة خاصة لها لتفهمها، وأكمل حديث مع نجاة: "موضوع هنا غير نادين طبعاً، وإنتي فهماني أكيد. جوزها معاه الموقف حساس، بس برضه مش هنيأس أنا وعمي وخالد، وهنحاول نجمعك معاها، بس هنحتاج وقت شوية."
شكرته نجاة على كل ما فعله وقاله، وأكدت له أنها أفضل عما كانت بعد استماعها لكل هذا، مؤكدة له إن تزايد معها السعال ستخبره ليذهبا إلى المشفي على الفور. وافقها الرأي، ثم نهض من جلسته، ووجه حديثه لـ سناء قائلاً: "يلا عشان نطلع فوق." أحست سناء من وراء حديثه شيئاً غير مطمئن، فأردفت بقلق: "لا مش هطلع، كفاية كده، أحسن سمسم هتزعق لي على التأخير." غمز لها بعينه وتحدث بحديث غير مفهوم لمن معهما:
"ما تقلقيش، كلمت عمي وأنا فوق وقولته إننا هنقعد شوية. يلا عشان تشوفي الأوضة بتاعتي، هي ما وحشتكيش؟ زاد توترها لعلمها بمغزى حديثه، فحاولت الرفض، ولكن تحدثت نجاة لتهدئ من توترها مردفة: "اطلعي مع جوزك يا سناء، ومحاسن شوية هتطلع وراكم." قامت سناء من جلستها واقتربت من نجاة، ثم مالت عليها وقبلت وجنتها قائلة: "ألف سلامة عليكي يا نوجا، هاجي لك تاني." ثم تحركت في اتجاه محاسن قائلة: "حبيبتي يا سونه، ما سلمتش عليكي لما جيت."
فاحتضنتها ثم حدثتها بأذنها: "متتأخريش عليا، أنا قلقانة من ابنك." ضحكت والدة سيف على ما أردفته، مربتة على ظهرها قائلة: "ما تقلقيش، هطلع وراكم على طول يا سنسن." فأمسك سيف يديها وخرجا سوياً من باب الشقة، وبدأ يصعدان الدرج، فحدثها بجسارة وحماس: "خايفة مني وبتطلبي من محاسن تنجدك؟ طب إيه رأيك هقفل علينا الباب بالمفتاح لحد ما آخد حقي منك بسبب اللي عملتيه فيا لما حدفتي البوسة في الهوا." نطقت باسمه مستعطفة إياه:
"ســــــــــيف." أجاب بحب يخرج بإخلاص من جميع حواسه: "عيونه وقلبه، حبيبتي بهزر معاكي، ده أنا أخاف عليكي من نسمة الهوا لو هتضرك، وعمري ما هعمل حاجة تزعلك ولا تضايقك مني." اطمأن قلبها لحديثه، ولكن لم يكمل هذا بعدما سمعته يقول: "بس يعني القعدة من هتخلي من حاجة كده ولا كده." "عاااا سيف عشان خاطري روحني." قهقه هو بصوت عالٍ مردفاً: "يلا يا مجنونة، الناس هتتلم علينا."
ضحكا معاً عما فعلاه اثنيهما، ثم أكمل صعود الدرج حتى وصل إلى الشقة. *** اقترب عادل من مدخل حي الغمري وهو يقود سيارته ويتحدث بالهاتف قائلاً: "أنا جاي لك عشان عارف إنك مش هتقدر تسيب أسر وهو تعبان، الله يطمنك عليه. مع إني نفسياً مش تمام ولا عاوز أتكلم مع حد، بس إنت بالنسبة لي يا طارق أخويا بجد، وما بعرفش أحكي حاجة وجعاني غير ليك."
يعلم طارق جيداً عندما يكون صديقه مهموماً لم يتحدث مع أحد غيره، وهذا يدل بأنه في أسوأ حالاته. فطــارق بسبب مجال عمله يسافر كثيراً خارج البلاد، في الآونة الأخيرة لذلك لم يتقابل مع عادل منذ وقت بعيد، فأردف بتأكيد: "ولولا تعب أسر ابني، وإن حمايا الحاج سمير صمم أجيبه البيت عنده عشان يطمن عليه، كنت أنا اللي جيت لك المكان الموجود فيه." مكملاً: "صوتك وطريقة كلامك خلوني قلقان عليك جداً."
أخبره عادل بعدم القلق، وسوف يكون بحال أفضل عندما يراه. غير أنه يريد تغيير مكان مقابلتهما المعتادة، لذلك عندما علم بتواجده بحي الغمري الذي يسمع عنه الكثير والكثير منه، أحب أن يشاهده عن قرب، لعل وعسى تتحسن حالته ولو قليلاً. وأثناء حديثهما معاً، أتى شعور قوي لعادل أن من الممكن يجد لدى يحيى معرفة بتواجد غادة، فهو يتمنى أن يحصل على معلومة حتى لو كانت صغيرة، سيسعى وراءها، ربما توصله بحبيبة قلبه.
فاق من شروده وتابع حديثه قائلاً: "عموماً، أنا خلاص دخلت الحي. إنت فين؟ مش شايفك." أخبره طارق بالتقدم بسيارته مسافة ليست كبيرة بعد مقهى المعلم علي، بينما دقائق قليلة وسيرتجل إليه حتى ينتهي من إعطاء ولده الدواء. تأخر طارق في النزول إليه، فأسر لم يرد أخذ الدواء، فاتصل عليه ثانياً لينتظره دقائق أخرى. انتظر عادل بالفعل بعدما وقف بسيارته أمام منزل الحاج سمير، ثم ترجل منها ساندًا عليها حتى مجيء صديقه.
مر عليه ما يقرب من العشر دقائق، فشغل انتظاره بالتعرف على المكان، ومسح بعينيه الحي، فأحس براحة شديدة بداخله، فـ وجوه سكانه مليئة بالطيبه والبشاشة. ثم نظر يمينه فوجد مجموعة من الصبية يلعبون لعبة ذات الكور الزجاجية الصغيرة الملونة تسمي (بلي) ، فهي لعبة معروفة في المناطق الشعبية بين أطفال سكانها.
شرد عادل قليلاً وتذكر طفولته مع أصدقائه في الحي الذي كان يسكن به عندما كان صغيرًا قبل تركه له والذهاب مع أسرته إلى إحدى المدن الجديدة. ووسط ذكريات، استمع لصوت قريب منه يعرفه عن ظهر قلب. فنظر بعينه في جميع الاتجاهات حتى يجده، فعلم بأن مصدر الصوت من المنزل المقابل لوقوفه مباشرة.
الوقت الذي فتح في بوابة المنزل كانت ثواني قليلة، ولكنها مرت عليه كالدهر من مدى اشتياقه لمعرفة من ورائه. فراى ما أثلج قلبه الذي بات مشتعل بنار الفراق منذ وقتما علم بغياب ساكنه. بالمقابل، كانت تقف غادة في مدخل البيت تخبر والدتها بأنها لن تتأخر، ستجلب من البقالة عدد من علب العصائر وتأتي على الفور.
فمنذ يومين أبلغها يحيى عن حضور المحامي حمزة كامل اليوم، فالموعد أوشك على الاقتراب، فهو أتى حتى يستمع إليها عما فعله عمها وذلك المحامي المدلس الذي كان أقرب صديق لوالدها، حتى يبدأ برفع دعوى قضائية ضدهما بتهمة التزوير وخيانة الأمانة، كما أخبره يحيى بعض التفاصيل المختصرة عن تلك المأساة.
أنهت غادة حديثها مع والدتها وفتحت البوابة وخرجت منها ناظرة أمامها بتلقائية شديدة، ولكن توقفت قدماها عن الحركة عندما رأت ما جعلها تظن أنها باتت تتخيله في يقظتها، ليست بأحلامها فقط.
هي لم يمر عليها يوم إلا وتترجى من الله عز وجل في دعواتها أن يأتي إليها ليقف بجانبها في هذه المحنة والأيام المريرة التي تمر بها هي وأسرتها منذ وفاة والدها. ولكن لم تتوقع أنها بدأت تهلوس بتواجده أمامها الآن، وبجانب كل هذا، فقد اشتاقت إليه حد الجنون. نعم، هي من طلبت منه أن يبتعد عنها، ولكن بداخلها كانت تتمنى ألا يستمع لكلماتها البغيضة التي أخرجتها من فمها.
ما زالا اثنيهما ينظران لبعضهما بشوق ولهفة، متناسيان ما يحدث حولهما، كأن توقف الزمان عليهما والسكون عام المكان. احتضنت قلوبهما بعضهما البعض، رغم أنهما لم يتحركا من مكانهما، ولكن الأعين فعلت كل شيء، وكل واحد منهما اشتكى للآخر عن مدى الوجع والألم اللذان باتا داخل جسدهما دون الإفصاح عنه لأحد. جمع عادل شتاته وتحرك إليها وتحدث بجملة صغيرة مع تنهيدة قوية عبرت عن تلك الفوضى التي بداخله: "أخيراً لقيتك يا غادة."
هنا تأكدت غادة بأنه أمامها بالفعل وليس وهم أو حلم بعد سماع اسمها بصوته الذي قشعر بدنها عند سماعه. نظرت إلى السماء بعيون دامعة تشكر ربها على استجابته لدعواتها التي لم تكل ولن تمل منها للحظة واحدة. ولكنها حائرة لوجوده هنا، وتزاحمت الأسئلة برأسها، فقررت أن تخرج من تلك التيهة وتوجه له كل ما يدور بداخلها لأنها تريد معرفته. أردفت بصوتها المتحشرج قليلاً من البكاء قائلة: "عادل، إنت عرفت إن بابا مات؟
طب عرفت إن عمي طردنا من الشقة ورمانا في الشارع؟ طب عرفت إننا ما لقيناش مكان نروحُه؟ ثم توقفت عن الحديث مرة واحدة وأردفت باستفسار قائلة: "عادل، إنت عرفت مكاننا إزاي؟ أمسك يدها وحدثها وهو يربت عليها بوجه متأثر من حالتها تلك التي أوجعت قلبه قائلاً: "عرفت كل ده بس متأخر للأسف." مكملاً بحزن:
"الله يرحمه عمي ويغفر له. عمري ما هنسى كل لحظة عشتها معاه وكل كلمة كان دايماً ينصحني بيها. غادة، لو قولت لك إن قلبي هو اللي دلني عليكي، هتصدقيني؟ أنا بقالي فترة بدور عليكم، روحت عند قرايبنا كلهم، ما سبتش بيت اللي وسألت عنكم فيه، بس للأسف محدش ريح قلبي بكلمة. وانهاردة بالصدفة جاي أقابل طارق صاحبي هنا عشان ألاقيكي. انهارده أسعد يوم في عمري كله. أنا كنت شبه فاقد للحياة، بس خلاص من دلوقت مش هسيبك لحظة واحدة."
استغربت غادة من حديثه هذا، كيف له التحدث بهذه الثقة ونسي أمر زوجته سارة؟ فجاءت لتستفسره، ولكنها صمتت عندما استمعت لصوت والدتها يقترب منهما قائلة: "وقفة عندك، بتعملي إيه يا غادة؟ التفت إليها وهي تردف بوجه مبتسم وعيون تسكنها دموع الفرحة لرؤيته: "تعالي شوفي بنفسك." تقدمت عايدة من وقوف ابنتها، فشـهقت بصوت عالٍ عندما رأت ما أسعد قلبها، فهي لم تتوقع نهائياً تواجد عادل هنا ولا حتى بمنامها، فهذا كان شيء شبه مستحيل.
بدون مقدمات، ارتمت داخل أحضانه وبكت بشدة، فمنذ مجيئهم هنا أظهرت التماسك رغم أنها كانت منهارة داخلياً، ولكن حاولت كي تقوي بناتها على تلك الفترة العصيبة التي يمرون بها.
أما الآن، أتى من سيزيل عنها ذلك الحمل الثقيل بجانب إحساسها القوي الذي أكد لها بأنه سيكون سندها بالحياة بعد رحيل زوجها. فعادل دائماً كان يحدثها بأنه ولدها، وإن احتاجت لشيء تخبره على الفور مهما كان حجمه. ولكن ابتعاده عن أسرة عمه بعدما انتهت علاقته بـ غادة وتزوج بأخرى، جعلها تنسى حديثه هذا. خرجت من حضنه ثم هدأت من حالها وسألته بحيرة: "إنت عرفت إننا هنا إزاي؟ ابتسم إليها وهو ممسك بيديها مردفاً:
"حظي الحلو هو اللي بعتني هنا." فأكمل مستفهماً: "أنا بقى اللي عاوز أعرف، إنتوا جيتوا هنا إزاي؟ وبعدين بيت مين ده؟ جاءت لتقص له من بادئ الأمر، إلا وسمعت من يتحدث وهو يهبط على الدرج مردفاً: "اتفضل يابني واقف بره كده ليه." وكان هذا صوت الحاج رشاد بعدما أخبره يحيى هوية ذاك الواقف على بوابة المنزل.
وكان خلفهما الحاجة سعاد يليها عمرو، فقد هبطوا لأسفل بذلك الوقت ليتواجدوا بجوار غادة وأسرتها لاستقبال المحامي حتى لا يجلسوا معه بمفردهم. فأول أمس صعد يحيى إلى شقة العائلة مع والده بطلب منه بعدما كان اثنيهما بمنزل عم جرجس، حتى يرضي والدته، فهي متعبة كثيراً منذ علمت بالإدعاء الكاذب عن انفصاله بـ ضحى.
طمأن يحيى والدته بأن ما حدث بينه وبين ضحى ما هو إلا أمراً بسيط وسيصلحه في القريب العاجل، ثم اتفق معها عدم إخبار أي شخص بما حدثها به الآن، وبالأخص أمل متحججاً حتى لا تخبر ضحى قبل أن يذهب هو إليها أولاً لتكون مفاجأة تسعدها. تـفهمت والدته الأمر ووعدته بأنها ستفعل ما طلبه، ولكن عليه الاستعجال في المصالحة حتى يطمئن قلبها أكثر عليهما، كما اطمأنت على أمل وسامر.
مال يحيى على رأس والدته مقبلاً إياها ومؤكداً لها بأن قريباً جداً ستسعد بذلك. تهللت أساريرها عما سمعته، ثم وقفت من جلستها قائلة: "عشان الخبر الحلو ده هعمل لكم رز بلبن يستاهل بؤكم." بالفعل تحركت في اتجاه المطبخ بسعادة كبيرة. نظر يحيى لوالده وهو يخرج زفيراً قوياً لانتهاء تلك المهمة الصعبة، فكان قلق كثيراً لو رفضت والدته الاستماع إليه، ولكن انتهى الأمر بسلام. فهم والده ما يدور بعقله، فتحدث بجدية بعض الشيء قائلاً:
"طيبة والدتك وبتصفى بسرعة، بس خد بالك لو ما نهيتش الموضوع بسرعة هتقلب عليك، وساعتها لا يمكن تقدر تصلحها بسهولة تاني." ابتسم يحيى وأردف بحماس: "ما تقلقش يا حاج، كله هيبقي تمام إن شاء الله." أما الآن، فقد ترجل الحاج رشاد لأسفل، ووقف مقابل عادل، ممد اليد مرحباً به قائلاً: "ادخل يابني، ماينفعش تقف كده، إنت مش غريب." بادله عادل التحية مردفاً:
"شرف ليا يا عمي أكون ابنك حضرتك، وأسف جداً إني جيت من غير ميعاد. حقيقي ما كانش يخطر على بالي أبداً إني أشوف بنات عمي هنا." تقدم منهما يحيى مرحباً بـ عادل هو الآخر مردفاً: "إزيك يا باشمهندس عادل؟ أنا رحت عندك الشركة عشان أقابلك، بس للأسف عرفت إنك مسافر. وأنا بعد كده انشغلت في شوية حاجات خاصة بشركتي وما روحتش تاني. بس نقول الحمد لله إنك وصلت هنا حتى لو كانت صدفة." تدخل عمرو قائلاً:
"اتفضل يا باشمهندس جوه، ما ينفعش نتكلم كده." هنا قد أتى طارق وعلم بما يحدث، فأخذ من عادل مفتاح السيارة حتى يصفها بالجراج، فمن المبين أن صديقه سيجلس بالداخل وقت طويل، ولكن لا يهم، فيكفي أن ملامح وجهه قد تغيرت ونبرة صوته باتت أفضل عن السابق. وهذا ما جعل طارق منشرح الصدر لأجل صديقه. بالفعل تقدمت غادة ووالدتها ودلفا الشقة وهما في قمة سعادتهما، ووراءهما الحاجة سعاد. قبلتهم ريم في بهو الشقة وتساءلت ماذا يجري بالخارج؟
فرأت الحاج رشاد يدلف إلى الشقة ووراءه عادل، فجحظت عيناها غير مصدقة، فجرت عليه وارتمت بحضنه وهي تصرخ وتبكي من الفرحة، فكم تحب ابن عمها الذي بمثابة أخيها الكبير. لمس عادل على حجابها وهو يهدئها قائلاً: "خلاص يا ريمة، مش هسيبك تاني. حقك عليا، كان غصب عني غيابي عنكم الفترة دي كلها، بس إن شاء الله هعوضك ومش هسيبك تاني أبداً." فنظر للواقفة أمامه حتى يؤكد لها أن تلك الكلمات لكِ منها النصيب الأكبر.
أحست غادة بما يقصده، ولكنها ما زالت حائرة بشأن زوجته. رأى يحيى تلك النظرات وسعد كثيراً لفهمه معانيها، وتذكر شمسه التي اشتاق إليها بشدة. تقدم الجميع إلى الداخل وجلسوا على الأريكتين المتواجدتين مقابل بعضهما. أما غادة، اتجهت إلى المطبخ لتحضر شيئًا تقدمه لعزيز عينيها الغائب الحاضر بقلبه. بدأت تسرد له والدة غادة ما حدث معهم وكيف أتوا إلى هنا، كمان شرح لهم عادل كيف وصل إليهم.
بعد حوالي ساعة، دق هاتف يحيى وكان الاتصال من المحامي حمزة. خرج من الشقة حتى يستقبله من أمام المنزل، وكان هذا مع وجود طارق الذي حضر للتو. فدلف ثلاثتهم إلى الداخل. *** وصل سامر وأمل إلى القاهرة منذ ما يقرب من الساعتين، وهما الآن داخل شقتهما بعدما استراح اثنيهما قليلاً من إرهاق السفر. فـ هذا اليوم لم ينسه من ذاكرتهما أبداً، ولكن يريدان محو بعض الساعات منه التي تسببت في حزنهما.
قام سامر من جلسته وجهز الثياب البيتية لزوجته حتى تأخذ حمامًا دافئ، فهي في أشد الاحتياج له، لعل جسدها يسترخي وتنعس. دَلفت أمل إلى مرحاض غرفة النوم منذ خمس دقائق. أما سامر، قرر ألا يذهب إلى المرحاض الخارجي ليغتسل هو الآخر، وفضل أن ينتظرها داخل الغرفة حتى تنهي ما تفعله، لربما تحتاج إليه. فنبطح على الفراش مغمض العين وتذكر ما حدث معه اليوم، فغضب كثيراً، ولكن رن بأذنيه ذلك الخبر السعيد الذي كان عوضاً كبيراً من ربه لهما.
فأبتسم بتلقائية وحمد الله كثيراً. وفجأة لاحت برأسه فكرة، فأخذ يفكر كيف يدبرها، وبعد وقت ضئيل اكتملت الخطة ويجب عليه التنفيذ. أخرجه من شروده صوت فتح باب المرحاض، فالتفت إليه ورأى خروج أميرة قلبه وحياته وأم ولي عهد حبهما وهي مرتدية البرنس الخاص بها. تلاشى النظر إليها مرة أخرى لأنها أهلكته من النظرة الأولى وحطمت قواه، فمظهرها خلاب. وأكمل في ذلك حتى يؤكد لها عما سيخبرها به الآن:
"كويس إنك خلصتي، أحسن حاسس إني دايخ وعايز أنام ومش هعرف أغمض عيني غير لما آخد شور." فأختل توازنه وكاد أن يقع أرضاً، ولكنه تشبث بظهر المقعد الخشبي المتواجد بالغرفة ليكمل مخططه. ارتعبت أمل مما حدث له، فجرت عليه وتحدثت بخوف شديد والدموع تترقرق بعينيها مهددة بالنزول: "حبيبي مالك؟ طب اقعد على السرير على ما أجيب لك كوباية عصير بسرعة." وجاءت لتتحرك إلى الخارج، ولكن أوقفها سامر بعدما سب حاله على ارتعابها هذا،
فحدثها حتى تطمئن: "ما تخفيش حبيبتي، هاخد شور وهبقى كويس." فربت على يدها وتحرك اتجاه المرحاض. نادت عليه بصوتها الهادئ الذي لخبط كيانه وجعله يلتف إليه بصعوبة مردفة: "سامر، إنت متأكد إنك كويس؟ حرك رأسه كتأكيد دون صوت، ثم دلف سريعاً داخل المرحاض وأغلق بابه حتى لا يضعف أمامها الآن، فهو يريد مغامرة جديدة معه.
تحركت أمل اتجاه التسريحة وهي تجفف شعرها بالمنشفة الموضوعة على رأسها لتمشيطه، ولكنها توقفت عن ذلك عندما سمعت شيئاً يرتطم أرضاً. دق قلبها خوفاً أن يكون أصيب زوجها بمكروه، جرت بلهفة وفتحت الباب وهي تنادي باسمه. فوجدت يده تسحبها من وراء الباب، ومن شدتها ارتطمت بجسد معشوق عينيها وهو يقف مبتسم الوجه، وهي تسكن أحضانه. نظرت له بلوم وأردفت بصوت غاضب قليلاً قائلة: "كده يا سامر؟ توقع قلبي عليك بجد، زعلانة منك."
وحاولت الإفلات منه، لكنه أحكم يده حول خصرها حتى لا تتحرك خطوة بعيداً عنه، فقال بصوت حنون: "وه يا بنت عمي، طب ما إني وجعت في حبك من يوم ما شيلتك وإنتي لسه حتة لحمة حمرا. يومها اتربعتي جوه قلبي وجلت لحالي، هي دي أمل حياتي ومراتي وأم عيالي." ابتسمت له بسعادة، كم تحب سماع لهجته الصعيدية تلك بجانب كلماته التي زلزلت فؤادها بعشقه، فأردفت بحنو قائلة:
"وأنا حبيتك من يوم ما عرفت يعني إيه حب، وعمري تخيلت حد غيرك مالي قلبي وعقلي. يعني كده خلصين يا حضرة الدكتور الكبير؟ ابتسم لشقاوتها، ثم أمسك رأسها واضعاً إياه ناحية قلبه وتحدث بعشق مردفاً: "قلبي عمره ما دق غير ليكي، عشان ما شافش غيرك تستاهليه." وأكمل بمراوغة: "بس فيه حد هيشارك فيه قريب." نظرت له بعدم فهم، فهي قد نسيت أمر جنينها. فوضع يده على بطنها وتحدث والسعادة تتراقص داخل مقلتيه مكملاً:
"ثمرة حبنا الجميل، وعوضنا عن أي تعب عشناه. إنتوا الاتنين أغلى ما ليا في الدنيا بعد أبويا وأمي." احتضنته بحب جارف وتحدثت بسعادة لتذكرها تلك الهدية الذي بعثها الله لهما في ذلك الوقت الصعب عليهما قائلة: "وإنت أغلى عندي من نور عينيّا، بس هحب ابنك زيادة عنك شوية." فضحكت لتغيظه وهي تتملص من بين يديه.
فتحدث سامر وهو يضع يده وراء ظهرها، والأخرى أسفل قدميها، رافعاً إياها لأعلى، فتقابلت الأعين وهام كلاهما بالآخر. خرج سامر من تلك الحالة حتى يتمم باقي مخططه قائلاً: "وعشان خاطر ابننا اللي جاي في السكة، لازم آخد حقي منك دلوقتي عشان عارف دكتور مالك هيقولي إيه."
وأكمل طريقه اتجاه تلك الكابينة الزجاجية القابعة بإحدى زوايا المرحاض، وسط صرخات أمل الضاحكة، ضارباً بيديها الناعمة على صدره العاري، لكنه لن يهتم، واستمر في التقدم حتى دلف اثنيهما داخل الكابينة، منزلاً قدماها أرضاً وفتح الصنبور المعلق الذي اندفع منه المياه من ثلاث اتجاهات، حتى شهقت أمل من تدفقها عليها، فأرتمت بحضنه لتختبئ منها. سعد قلب لاعترافها دون كلمة بأنه مأمنها وحمايتها الوحيد لها بالحياة.
أخذ يقبل شفتيها بهدوء حتى تحولت إلى معركة بينهما، لم يقدر أحد منهما على إنهائها. وأخيراً تركها ونظر بعينيها، محدثاً إياها دون صوت، ولكن عيناه عبرت عما بقلبه: "ربما لا أستطيع إصلاح ما أفسد بالسابقة، ولكن سأحارب لابعاد أي شيء يعكر صفو حياتنا، يا من سبحتُ في بحر عينيها وسميتُ حالي بالغارق." أخبرته هي الأخرى بعينيها قائلة:
"حبنا منقوش داخل قلوبنا، لم يقدر أحد على إزالته. فحبنا لم يكن مبني على الهوى، بل حبنا مثل الشجرة لها جذور في الأرض وبالغرام ارتوي." ثم عاد سامر عما كان يفعله منذ قليل، ولكن بطريقة أحرف وأمهر، وما جعله يستمر بهذا تجاوبها معه بكل رومانسية وعشق فاق حدود خيالهما، فغاص اثنيهما حتى لم يعرف كم مر الوقت عليهما. ***
هنا قد انتهت عايدة من قص كل ما أحزن صدرها مما فعله شقيق زوجها، مع تحفظها بأي كلمة تجرح عادل، فمهما كان هو والده. تحدث المحامي حمزة بعدما استمع من غادة ووالدتها كل ما حدث معهما قائلاً: "كده أقدر أقول لكم من بكرة هبدأ في إجراءات رفع دعوى قضائية بالتزوير في الأوراق الرسمية على الأستاذ حمدي واصف، ومعاه المحامي شرف حافظ، ده غير قضية خيانة الأمانة اللي ما كانش قدها."
فنظر حمزة ناحية عادل، الذي احتقن الدماء بوجهه من شدة الغضب عما سمعه من أفعال اثنيهما اتجاه تلك الأسرة المنكوبة قليلة الحيلة، حتى يعتذر منه مردفاً: "أستاذ عادل، أنا آسف لو كنت قلت أي لفظ ضايقك عن والدك الأستاذ حمدي، بس زي ما حضرتك شايف، ده حق أيتام ولازم يرجع." أكد له عادل بأنه لم ينزعج من شيء، ولكنه حزين عما حدث معهم. ثم حدث حمزة برجاء قائلاً: "كنت عاوز أطلب منك طلب."
فـ وجه نظره لزوجة عمه رحمة الله، هذا بعد إذنك يا ست الكل. فأردفت عليه قائلة: "اتفضل يابني، قول اللي إنت عاوزه." تحمحم عادل حتى يشجع حاله، فهو قلق ليرفض طلبه هذا. "ياريت توقف إجراءات الدعوى كام يوم لحد ما أقابل المحامي شرف، يمكن أقدر أحلقها من غير محاكمة." أخبره الحاج رشاد بأن حديثه ذلك خطوة جيدة حتى لا يكن طرفاً في النزاع مع والده بالمحكمة لتواجده بجانب أسرة عمه وعدم تركهم بمفردهم في مواجهة تلك المشكلة.
أكدت عايدة على حديث الحاج رشاد بالموافقة. أما غادة، فهي لا تريد شيئاً بالحياة غير بقاء عادل بجانبها. فأخرجها من تفكيرها صوته وهو ينادي باسمها. انتبهت عليه ناظرة إليه بحنو، فسألها إذا كانت معترضة على حديثه هذا؟ أجابته بالموافقة، وكذلك ريم أبدت بالموافقة هي الأخرى لثقة ثلاثتهم به. حمد ربه كثيراً بداخله، ثم وجه حديثه إلى الحاج رشاد قائلاً:
"بعد ما سمعت وصية عمي حسين لـ يحيى على بناته، وبالنسبة أن حضرتك كبير مقام وكبير القاعدة، بطلب إيد غادة للجواز." لم تتوقع غادة طلبه هذا مطلقاً، ورغم سعادتها، لكنها ما زالت تفكر بأمر زوجته، فهي لا تريد أن تكون سبباً في حزن قلبها. أحس عادل بحيرتها ولعلمه السبب، وجه حديثه إليها قائلاً:
"غادة، أحب أخرجك من تأنيب الضمير وأقول لك أنا وسارة انفصلنا من فترة، يعني ما تشيليش هم حاجة. من انهاردة، بعد إذن عمي رشاد وحضرتك يا طنط عايدة، موافقة تكون مراتي؟ ابتهج وجهها بسعادة وهي تهز رأسها بالموافقة دون كلمة واحدة. سر الحاج رشاد عما يحدث أمامه وبارك لهما، وكذلك الجميع. فتحدث عادل مرة أخرى مردفاً: "إن شاء الله يوم ما أجيب حقكم اللي اتاخد منكم يا طنط عايدة، هنحدد يوم كتب الكتاب والفرح."
وافقت عايدة وهي تبكي من سعادتها، وتمنت أن يكون زوجها متواجداً بينهم الآن، ولكن لا اعتراض على أمر الله، فدعت له بالرحمة والمغفرة، ثم أردفت قائلة: "تمام يا ابني، ربنا يسعدكم. أنا موافقة على كل اللي قلته يا عادل، بس بعد إذنك مش هعمل فرح." هذا كان إجابة غادة على حديث عادل. الجميع استغرب من حديثها هذا. فتحدثت بهدوء قائلة:
"اعذروني كلكم، بس مش هقدر أعمل فرح وبابا لسه متوفي. وكمان ليا طلب، ياريت ما تكسفنيش. عمو رشاد يكون وكيلي، ويحيى شاهد على عقد الزواج." وافق اثنيهما بجانب موافقة عادل على عدم إقامة عروس، فهو كان سيطلب منها ذلك لنفس السبب. هنا وجه الحاج رشاد حديثه إلى السيدة عايدة وغادة قائلاً: "يبقى كده اتكلمنا في كل شيء. حد فيكم عنده حاجة عايز يقولها؟ أجاب اثنيهما بـ لا، فأكمل حديثه مردفاً:
"على بركة الله، نقرأ الفاتحة وندعي لهما إن ربنا يبارك لهم في بعض ويجعل بينهم المودة والرحمة." أمن الجميع على دعواته، وبعد قراءة الفاتحة والمباركة وسط فرحة على وجه الجميع، قام المحامي حمزة من جلسته مستأذناً ليغادر المجلس، فقد اتفق مع عادل أن يتصل بعضهما بعدما تبادلا أرقام هواتفهما ليخبره عن مستجدات ما يحدث مع ذلك المحامي البغيض. قام معه يحيى وعمرو حتى يوصله إلى سيارته، وبالفعل تحركوا للخارج.
أثناء توجههم إلى الجراج، دق هاتف يحيى معلناً عن رسالة على موقع الواتساب. فتح يحيى الهاتف وضغط على الرسالة وكانت من شمس قلبه، فتوقف عن السير وتغيرت ملامح وجهه عندما قرأ جزء منها. فسأله عمرو: "أيوجد شيء مزعج بالرسالة؟ أجاب يحيى بـ لا، بل إنها رسالة تخص عمله ويجب عليه الرد للضرورة. فتحدث حمزة طالباً منه الرجوع، وكذلك عمرو، وهو سيكمل الطريق إلى الجراج بمفرده. وافق يحيى بالذهاب، ولكن يبقى عمرو معه حتى يوصله لسيارته.
صفح بعضهما وتحرك كل منهم إلى وجهته. كم كان يود عمرو وهو يسير بجانب حمزه ويتحدثان في شؤون كثيرة أن يقطعها جميعها ويسأله عن تلك المروة الظالمة لقلبه، ولكن منعه عقله حتى لو ذكر اسمها فقط. حاول قلبه يوضح له أنه سؤال بريء ليس إلا، ولكنه صمم على الرفض، فصمت عمرو، فهو بالفعل غاضب منها بشدة.
هنا قد وصلا إلى الجراج واستقل حمزة سيارته ثم تحرك بها بعدما ودع عمرو، وأثناء قيادته بالقرب من مدخل حي الغمري حتى يسير بالطريق العمومي، شاهد سمية وهي تشاور لسائق السيارة الأجرة، وبعد توقفه لها صعدت جالسة خلفه ثم أغلقت بابها. في نفس الوقت، حاول حمزة الاقتراب من سيارة الأجرة ليطلب منها الترجل لأنه يريد التحدث معها ليقص لها كل ما يدور داخل قلبه تجاهها.
ولكن قد أتاه اتصال من أحد موكليه في إحدى القضايا التي يترافع عنها، وبعدما أنهى الاتصال اختفت السيارة الأجرة من أمامه. سخط من حاله لإضاعتها، ولكن هدأ قليلاً وحدث ذاته: ربما لا يريد الله أن يحدث ذلك اليوم. فأكمل طريقه إلى منزل العائلة خاصته. *** صعد يحيى إلى شقته المتواجدة بمنزل والده ليقرأ رسالة ضحى بهدوء، لأن بداخلها كلمات قاسية للغاية. فجلس على المقعد الخشبي المتواجد في الصالة وفتح الرسالة مرة أخرى، وكان محتواها:
(خلفت وعدك وبعدت عني، رغم إنك حلفتلي أنه مستحيل يحصل حتى لو على موتك. صدقت وعدك وأنا عمياء في بحر حبك، واتصدمت فيك ودعيت ربي أكون بحلم. صدفة انتبهت على كسرة قلبي، وكل ده مش قادرة أكرهك يا حب عمري.) أكمل يحيى قراءة الرسالة وتقطعت أنياط قلبه مع كل حرف كتبته لأنه يظهر حزنها به. فنظر لأعلى يناجي ربه قائلاً:
"ساعدني يا الله. كم تمزق قلبي من كلماتها. كم أهلك جسدي من مقاومة بعدها. كم أحزنت عيناي من عدم رؤيتها. كم اشتقت إليها ولضمة حضنها. ساعدني يا الله، فإنِ لم أعد أتحمل فراقها، فهي الحياة بالنسبة لقلب حبيبها. فأعني يا الله حتى أبقى صامداً لحين أجتمع بشمسي ودفئها."
فتح تطبيق الاتصال ليهاتفها ويعترف لها بالحقيقة كاملة حتى لا تحزن أكثر من ذلك، ولكن توقفت يده عن دق رقمها على آخر لحظة، لوقته ما يتضح له الصورة كاملة عن ذلك الشخص المجهول الذي يراسله منذ فترة. أما ضحى، فكانت ممسكة بالهاتف على يقين باتصال يحيى عليها لأنه رآها تشاهده للرسالة، ولكن مر ما يقرب من الساعتين ولم يحدث ما تمنت، فأغلقت الهاتف وغفت في النوم والدموع غارقة وجهها. ***
بعد مرور سبعة أيام داخل حي الغمري، فقد أوشك الاقتراب على آذان الفجر وصلاته. وكان يصلي الأستاذ فتحي صلاة القيام داخل شقته، وبعد الانتهاء مباشرةً دلف إلى غرفة ابنته إيناس حتى يوقظها لتتوضأ. فتحت عيناها وهي مبتسمة لوالدها، فحدثها قائلاً: "يلا يا كسلانة، الفجر قرب يأذن." اعتدلت من نومتها وانزلت قدماها أرضاً ووقفتها، حاضنة والدها، مقبلة جبينه، وبالمقابل ربت هو على ظهرها بحنو مقبلاً رأسها وأردف والبشاشة تزين وجهه:
"صباح الخير على عيون حبيبة أبوها." بدلته الصباح قائلة: "صباح النور يا حبيب قلب بنتك." أخرجها من حضنه وأمسك أسفل وجهها، ثم غمز لها بعينه قائلاً: "أنا برضه اللي حبيبة قلبك؟ أومال يوسف يبقى إيه؟ اضطربت إيناس من حديث والدها، فأجابت بصوت يكسوه الخجل: "يبقى يوسف يا بابا." قهقه والدها على براءتها، ثم أردف قائلاً:
"يوسف يبقى جوزك، وإن شاء الله قريب هيكون أبو أولادك، وقبل ده كله، فهو حبيبك وصاحبك وأخوكي وسندك. اسمعي كلامه عشان تعيشوا مرتاحين، وطول ما إنتي بتطيعيه وهو بيراعيكي، ربنا هيملأ حياتكم بركة وخير ليكما ولأولادكم." نظرت إيناس لوالدها مستغربة حديثه، فأردفت قائلة: "بتقول الكلام ده ليه دلوقتي يا بابا؟ هو يوسف قال لحضرتك حاجة عني؟ ربت على يدها مردفاً:
"ما تظلميش الراجل ده، أنا بقول له لو إيناس مزعلاك في حاجة قولي وأنا آخد لك حقك منها، قالي أبداً يا عمي، إيناس رقيقة وهادية وبتكسف على طول." ابتسمت إيناس على وصف زوجها لها، فدعا والدها لهما أن يسعدهما مدى الحياة. ثم أخبرها أن تذهب سريعاً إلى المرحاض لتتوضأ وتصلي ركعتين السنة قبل الأذان. تحركت بالفعل ودلفت المرحاض لتستعد.
أما الأستاذ فتحي، فقد استمع لشخص مع آخر يتحدثان بجانب شباك صالة شقته من الخارج، فالشقة كائنة بالدور الأرضي. اقترب أكثر من الشباك وسمع الحديث بوضوح، فأمسك عصا غليظة يضعها دائماً خلف باب شقته، فأخذها وخرج إلى الشارع ليعاقب من بالخارج عما استمع إليه. خرجت إيناس من المرحاض ورأت والدها يغلق باب الشقة، نادت عليه ولكنه لم يجيبها. ظنت أنه لم يسمعها وذهب إلى المسجد ليصلي مثل كل يوم، ولكن الأذان لم يؤذن.
اندهشت لهذا، ولكن حاولت إقناع ذاتها لربما نادى عليه أحد ممن يصلون معه دائماً. فاتجهت إلى غرفتها لتصلي ركعتين السنة، وبعدما أنهت صلاتها، سمعت لصوت والدها كأنه يتشاجر مع أحد. جارت إلى الخارج ووجدت شخصين يقفان أمام والدها، ملامحهما ليست ظاهرة، وشخص منهما يتقدم منه كثيراً، طعنه في جانبه الأيسر. جحظت عينا إيناس مما رأته وتوقفت قدماها عن الحركة، كأنهما تثبت بالأرض. بينما والدها اختل توازنه وهو ممسك بمن طعنه وتحدث إليه
وصوته يظهر عليه الألم: "لعنة الله عليك ليوم الدين." ثم وقع أرضاً غارقاً بدمائه. عند سقوطه، فاقت إيناس مما هي عليه وتقدمت نحو والدها، جثت على ركبتيها قائلة: "بابا، أرجوك فوق ورد عليا." حاول شخص منهما كتم صوتها وجذبها معه إلى خارج الحي، ولكن قاوم والدها رغم ضعف جسده من تلك الطعنة وتشبث بقدمها كمحاولة لإيقافه وعدم أخذها، ولكنها فلتت من يده لأنه قد لفظ أنفاسه الأخيرة.
في نفس اللحظة، كان يدلف أحد لداخل الحي بجانب اقتراب سكانه إلى المسجد، فقد بدأ المؤذن النداء إلى الصلاة. خاف اثنيهما لانكشاف أمرهما، فتركاها ملقاة على الأرض وفرا هاربين بالاتجاه المعاكس. زحفت إيناس بجسد مرتعش حتى وصلت لتمدد جسد والدها، فقواها قد خرت من كثرة الدفاع مع هذان الوغدين، فرفعت رأسه على قدميها وحاولت إفاقته ولكن لم يجيب، فأخرجت صرخة قوية جعلت كل من تواجد بالقرب من مكانهما أتى في عجالة وهي تنادي عليه:
"بابااااااــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ" انتهى الفصل الأربعون ♡وبك القلب يحيا♡ قراءة ممتعة
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!