حاولت إيناس إفاقة والدها ولكن لم يجيب، فأخرجت صرخة قوية جعلت كل من تواجد بالقرب من مكانهما أتى في عجالة وهي تنادي عليه: بابااااا قبل أربعة أيام، بعد تواجد عادل داخل حي الغمري بيوم واحد. كان يجلس بغرفته على فراشه يفكر ماذا يفعل مع ذلك المحامي المسمي بـ شرف حافظ، الذي لا يحمل أي وصفة من معاني اسمه. دلفت إليه والدته بعدما طرقت الباب، فسمح لها عادل بالدلوف وجلست بجانبه سائلة إياه عن تغير حاله منذ أمس.
فكر عادل لحظات، أيخبرها الآن عن مقابلته لعائلة عمه المفقودة منذ فترة، أم ينتظر بعد انتهائه من تلك المهمة الصعبة ألا وهي إقناع عديم الشرف بما سيقوله له. نادت عليه والدته، فانتبه إليها محاولاً تغيير ملامح وجهه حتى لا تشك بأمره، ولكنها لن تنخدع بابتسامته المصطنعة هذه. كررت السؤال بطريقة أخرى لربما تعرف ما يضيق صدره: حبيبي طمني عليك، فيك إيه؟ طب بابا قال لك حاجة ضيقتك؟ عن موضوع طلاقك من سارة زي كل مرة؟
ريح قلبي يابني، إنت من امبارح قاعد في أوضتك من ساعة من كنت بره. لم تستمع لإجابة منه، فقامت من جلستها قائلة: ادام مش عاوز تقول حاجة، أنا هدخل المكتب لباباك وأقول له يبعد عنك ومالوش دعوة بيك، كفاية ظلم ليك بجوازك من سارة عشان طمعه. ومش مشكلة هيعمل إيه معايا بعدها، اللي يحصل يحصل، أنا ما بقيتش أخاف وأقلق منه. سكوتي ظلمك يابني ولازم أصلح غلطتي دلوقتي.
كادت تخرج من الغرفة لتفعل ما سردته الآن، ولكن أوقفها عادل عندما تحدث قائلاً: ماما، أنا عرفت مكان طنط عايدة وبناتها، وكمان قعدت معاهم وحكولي كل حاجة. رجعت والدته لمجلسها راقصة كطفلة صغيرة، سعدت بضالتها الضائعة منذ سنين، فتساءلت بلهفة لتتأكد: بجد يا عادل عرفت مكانهم؟ طب اتكلمتوا في إيه؟ طب ما جبتهومش معاك ليه؟ طب هما فين وعاملين إيه؟ اتكلم احكي لي يا عادل، أنا قلبي وجعني عليهم من ساعة ما اختفوا.
بالفعل، طيلت الفترة الماضية كانت حزينة وقلقة كثيراً لأجلهم بجانب عدم معرفتها بمكانهم. ربت عادل على كف يد والدته وحاول تهدئتها مع ابتسامة ضعيفة شقت ثغره، مردفاً: هما بخير حبيبتي. وكل حاجة هترجع زي الأول، بس لما أتوّفق في مشوار بكرة. وقبل ما تسأليني مشوار إيه، بعد ما أرجع بأمر الله هحكي لك كل حاجة بالتفاصيل. مكملاً بأهمية:
بس عاوز منك حاجة يا أمي، بعد إذنك ما تحكيش أي حاجة قولتها لك عن مرات عمي وبناتها لبابا خالص، خليني أنا أقول له في الوقت المناسب، لأن ممكن جداً يضرهم لو عرف مكانهم. هزت والدته رأسها بالموافقة على حديثه هذا، فأهم شيء قد اطمئن قلبها عليهم، وهذا يكفي الآن. ثم دعت لولدها أن يحفظه الله ويوفقه في كل خطوة يخطوها بحياته. هدأ عادل عما كان عليه، وبعد ذلك تحركت والدته إلى الخارج، وبدأ هو يرتب خطته فيما سيفعله غداً. ***
أشرقت شمس يوم جديد يحمل الكثير من المفاجآت، منها بدايات كشف غموض وأيضاً رد حقوق لأصحابها. بعد مرور عدة ساعات من اليوم، فقد انتهى يوسف من فترة عمله ذاهباً إلى حي الغمري قاصداً مكتبة والد زوجته الأستاذ فتحي. بعدما تابع صديقه الذي يعمل في إحدى شركات خطوط الهواتف الرقم الذي بعث رسالة لـ يحيي منذ أيام عن طريق الخطأ. غير الرقم الخاص الذي يحدثه منه دائماً ذلك الرجل البغيض.
فهذا الخطأ ساعده كثيراً. ورغم أنها معلومة بسيطة ولكنها مهمة للغاية، ألا وهي أن هذا الرقم تم شحن رصيد له من مكان داخل حي الغمري. وعندما بحث أكثر، حدد المكان الذي باع كارت الشحن هذا من خلال ذلك الرقم التسلسلي الموضوع عليه. وكان من مكتبة الأستاذ فتحي. دلف يوسف المكتبة، وبذلك الوقت تقف إيناس بالداخل لذهاب والدها منطقة الفجالة لشراء بعض اللوازم الخاصة بالمكتبة. ألقى يوسف عليها السلام. فردت السلام مع ابتسامة رقيقة.
وبعد ذلك سألها عن والدها. فأجابت أنه خارج الحي. جلس يوسف على مقعد خشبي مقابل لها، ويفرق بينها ذلك الفاترينة الزجاجية. لكنه شارد ولم يتحدث معها مطلقاً. استغربت إيناس من هيئته تلك، فقامت من جلستها والتفت خلف تلك الفاترينة ووقفت أمامه تتساءل بقلق: يوسف مالك؟ إنت مضايق من حاجة؟ نظر يوسف إليها وهو يفكر، أخبرها أم ينتظر والدها؟ ولكن لضيق الوقت اضطر أن يحكي لها سبب مجيئه، فتحدث قائلاً:
إيناس، كنت عاوز أقول لك على حاجة ومحتاج مساعدتك بس من غير ما حد يعرف. موافقة. قلقت إيناس من كلماته تلك، فمعنى ذلك يوجد مشكلة كبيرة. فجلست بجانبه وأجابت قائلة: طبعاً موافقة. فقص عليها ما حدث مع يحيي منذ فترة من ذلك الرجل البغيض. حزنت إيناس عما عاشه يحيي وكذلك صديقتها ضحى. فأردفت قائلة:
شوف هقدر أساعدك إزاي وأنا معاك في أي حاجة. ياريت ينكشف مين الراجل ده عشان يحيي وضحى يرجعوا لبعض. لأني متأكدة إن ضحى بتتعذب بسبب بعدها عن يحيي. إنت ما تعرفش هي بتحبه قد إيه. تحدث يوسف بصدق حتى يجعلها تهدئ من انفعالها الحزين هذا، مردفاً: اللي أعرفه يا أنوس إني بحبك قد الكون. خجلت إيناس من جمال كلماته التي رجفت قلبها من شدة صدقها. فنظرت أرضاً ولم تجيب.
فأمسك يوسف أسفل وجهها رافعاً إياه لأعلى، ناظراً بعينيها متحدثاً بعشق خالص لم يعيشه من قبل، ولكن أراد الله أن يعيشه مع تلك الفتاة التي جعلته لم يريد شيئاً بالحياة غير وجودها بجانبه، قائلاً: رغم إني بحب أشوف خجلك اللي بيجنني وبيزيد حبك في قلبي، بس برضه عايزك ما تتكسفيش مني تاني. طب أقول لك على حاجة حلوة؟ اعتبريني جوزك. ابتسمت إيناس على آخر جملة تفوه بها يوسف، فأكمل قائلاً:
أيوا كده حبيبتي اضحكي، أصل بتفائل بضحكتك دايماً. هتفت إيناس حتى تنهي حديث يوسف الذي جعل وجهها شديد الاحمرار، فهي لم تمر بتلك الأحاسيس من قبل، فردفت بتلعثم قائلة: يوسف، يلااا قوولي أقدر أساااعدك ازااااي؟ قهقه يوسف على خجلها الممتع هذا، وبعد ذلك تحدث بجدية قائلاً: بصي حبيبتي، أنا عاوز أشوف تسجيلات الكاميرا اللي جوه المكتبة بتاريخ ../.. عشان أقدر أحدد مين الشخص اللي اشترى كارت الشحن.
بدون نقاش اتجهت إيناس لجهاز التسجيل، وتحرك يوسف وراءها وبدأ في فحصه، حتى أتى بتسجيلات ذلك اليوم. وبعد حوالي نص ساعة وجد ما يبحث عنه، وكان هذا الشخص هو رضا، عامل المقهى الملقب بالشبح. استغرب يوسف منه كثيراً، وسأل حاله، لماذا يفعل مع يحيي هذا؟ أو لحساب من يعمل؟ أغلق يوسف الجهاز ووقف دون تحدث لثواني، فكان يفكر. ثم نظر لإيناس وطلب منها أن تطلب من أحد الأطفال الذين يلعبون أمام المكتبة بإبلاغ الشبح بصنع كوبين من الشاي.
فعلت إيناس مثلما طُلب منها، وبعد عشرة دقائق جهز الشبح المطلوب واتجه ناحية المكتبة، ثم دلف وهو يلقي السلام بوجه مبتسم. وأكمل حديثه معتذراً عن تأخيره بسبب ازدحام المقهى بالزبائن. أخبره يوسف لا عليه، فهو مقدر ذلك. وضع الشبح الصينية على الفاترينة وهو يشكر يوسف على تقديره لموقفه، فالتفت ليذهب ويكمل عمله، إلا ورجع مكانه عندما نداه يوسف سائلاً إياه مردفاً: هو يوم ../.. حوالي الساعة، أخذت كارت شحن من هنا، كان لمين؟
ذهل الشبح من تسائل يوسف الذي لم يتوقعه، ولكن لن يعرف بماذا يجيب، فحاول سريعاً أن يجد إجابة حتى لا يشك به، فتحدث قائلاً: ده كان لزبون قاعد على القهوة، أول مرة أشوفه وما يعرفش حاجة هنا، فسألني عن مكان يشحن منه، فقولت له هات وأنا أجيب لك الكارت. فأكمل بتساؤل: خير، هو في حاجة حصلت؟ أحس يوسف بعدم صدق حديثه، فهو يتحدث ولم ينظر لعينيه، غير أنه متلجلج وهو يسرد. هنا تأكد يوسف أن الشبح وراءه شيء مريب ويجب عليه إخبار يحيي.
أكتفى بما سمعه، فأردف ووجهه لم يكن عليه أي رد فعل قائلاً: أبداً، كل خير. أصل إيناس وهي بتجرد المكتبة لقيت حوالي مية وخمسين جنيه ناقصين من الدرج. فرجعنا اللي خرج، قالت لي احتمال ما حسبش على كارت الشحن، وقولت أسألك. هدأ الشبح قليلاً من حديث يوسف، ورغم ذلك يريد أن يخرج من هذا المكان فوراً، ولكنه لم يقدر حتى لا يثير الشكوك حوله، فأردف قائلاً: أنا فاكر كويس إني حسبت عليه. ثم نظر باتجاه إيناس مكملاً:
آنسة إيناس، ما تقلقيش، ما أقدرش آخد حاجة من غير ما أحاسب عليها، أنا أمين، وياي. يماء بسيط مع ابتسامة ضعيفة ارتسمت على شفاه إيناس مجاملة دون التحدث بكلمة. أما يوسف، فرمت على كتفه وحدثه بتأكيد حتى يطمئنه أن لا يوجد لديهما أي اشتباه به، فتفوه قائلاً:
طبعاً أمين ولا يمكن تخون، ودايماً يحيي وعمرو بيقولوا لي عنك كل خير. ممكن المبلغ اللي ناقص من حاجة تانية اتباعت من المكتبة، ما تشغلش بالك إنت، وأنا هدور تاني وإن شاء الله نقدر نعرف راحوا فين. روح إنت شوف شغلك عشان ما أعطلكش أكتر من كده. شكره الشبح ثم خرج مسرعاً دون كلمة أخرى. نظرت إليه إيناس تتساءل بفضول قلق: هاه يا يوسف، حسيت إن له يد في أي حاجة تخص يحيي وضحى؟
أجاب يوسف وهو مازال واقف أمام مدخل المكتبة ناظراً لمكان الشبح الذي بدأ ارتباكه وارتطامه بإحدى طاولات المقهى من شدة الخوف بأن يكون اكتشف أمره، قائلاً: إحساسي بيقول لي عنده أول طرف خيط للموضوع. فالتفت إلى الوراء وأخذ حقيبته الجلدية الموضوعة على المقعد، مستأذناً بالذهاب، فعليه مقابلة يحيي بأقصى سرعة خارج الحي حتى لا ينتبه ذلك الشبح عليهم.
تفاهمت إيناس الوضع ودعت الله أن ينير بصرهما وتبين الحقيقة وينتهي هذا على خير لصالح صديقتها وزوجها. بعد ساعتين من ذلك، كان يجتمع يحيي وسيف ويوسف داخل المكتب الهندسي. فبعدما قص عليهما كل ما دار في المقابلة، تأكد يحيي أيضاً بأن الشبح معه حل لغز الحكاية. وبعد تفكير من ثلاثتهم، قرر يحيي أن يواجه هذا الشبح ويعرف الحقيقة. في مساء اليوم التالي، اتجه يحيي وعمرو إلى منزل مينا منتظرين سيف ويوسف ليذهبوا جميعاً إلى منزل الشبح.
بالأمس أرسل يحيي، حمص صبي مخبز والده وراء الشبح بعد انتهائه من العمل بالمقهى حتى يعلم بتواجد مسكنه. نفذ حمص ما طُلب منه وأتى إليه وأخبره المكان، وبعد معرفته بالمسكن أين يتواجد بالضبط. تذكر يحيي أن هذا العنوان يكن لذاك الشابان اللذان تشاجر معهما عندما أزعج ضحى وسناء داخل الحي منذ فترة. بعدما عاقبهما يحيي، اعتذرا له عما بدر منهما وأقسما ألا يفعلاه ثانياً.
تحرك يحيي إلى ذلك الحي ويسمى حي غنيم وهاتف على الشابان، فكان ينتظرهما خارجاً. توا إليه في عجالة وأبلغهما بما يريده، فأنصاعا اثنيهما لطلبه واتفق معهما على الالتقاء غداً داخل حيهما بمشيئة الله. انتبه يحيي من تذكره على دق هاتفه معلناً اتصال من سيف يبلغه عن تواجده أسفل منزل مينا ومعه يوسف، فارتجل عمرو ليأتي بهما لأعلى. اجتماع خماسي على سطح منزل مينا، فحدثهم يحيي عن خطته لانكشاف أمر الشبح ومن يعاونه.
وبعد المعرفة تحركوا لوجهتهم. *** دلف عادل للتو مكتب المحاماة الخاص بـ شرف حافظ، واقفاً أمام المكتب الخشبي لسكرتيرته طلباً منها الدلوف إليه، معلماً إياها بأنه قد هاتفه بالأمس ليأخذ منه موعد بالمقابلة اليوم. وقفت السكرتيرة من جلستها مرحبة به، ثم حثته على الجلوس حتى تعلم المحامي شرف عن حضوره، فقد أبلغها بقدومه وقتما أتى إلى المكتب منذ ساعات. لحظات قليلة وخرجت السكرتيرة لتخبره بأن الأستاذ شرف بانتظاره بالداخل.
دلف عادل، وبالمقابل وقف الآخر متقدماً من مكانه مستقبلاً إياه بترحاب شديد، ومد يداه ليصافحه وتحدث قائلاً: حمد لله على سلامتك بشمهندس عادل، نورت مكتبي ومصر كلها. جيت إمتى من السفر؟ بادله عادل نقيض ما بداخله اتجاهه، فهو لم يعد يحترمه مثل سابق، فكفى ما فعله مع صديق عمره وصديق دربه عمه الأستاذ حسين صادق وعائلته. ولكن اضطر يجاري في الحديث حتى يتم ما يريد حدوثه، مردفاً:
ده نور حضرتك يا أستاذ شرف، أنا جيت من السفر من كام يوم. المهم عشان ما أضيعش وقتك الثمين وكمان سعادتك تخلص لي إجراءات طلبي اللي جاي عشانه، لأن كل ما نسرع هيكون أفضل. تقدم شرف خطوتين للأمام مشيراً على تلك الأريكة الموضوعة بجانب مكتبه قائلاً: اتفضل نقعد هنا عشان نتكلم براحتنا، من الواضح الموضوع اللي جاي عشانه مهم. جلس عادل مثلما وجهه شرف، أما هو جلس بالاتجاه المقابل.
فبدأ عادل حديثه وهو ناظراً إليه بأهمية حتى يقرأ ردت فعله عما سيخبره به الآن، فتحدث مردفاً: من يومين بالصدفة عرفت إن حضرتك بعد وفاة عمي صادق بفترة صغيرة نقلت كل أملاكه باسم والدي بالتوكيل اللي كان عمي عمله باسمك عشان تخلص حاجات خاصة بالضرائب لعدم قدرته يروح بنفسه. تحدث شرف كمحاولة لإقناع عادل بأنه لم يخن عمه حسين، بينما والده راجي هو من ضغط عليه ليفعل ذلك، ولكن أوقفه عادل عن باقي حديثه قائلاً:
أستاذ شرف، أنا مش جاي ألومك ولا أعاتبك على أي حاجة، أنا جاي لأمر تاني خالص، وهو إني طالب من حضرتك المساعدة في نقل كل حاجة يملكها والدي باسمي، بما إنك المحامي الخاص له. وقبل ما تعترض على اللي طلبته، أحب أعرفك إن نسبتك لو تم نقل الملكية ليا هتكون خمسة وثلاثين في المية من نسبة أملاك والدي كلها. فواصل حديثه مردفاً:
عموماً، مش مستعجل إني أعرف رأيك دلوقتي، هسيبك تفكر براحتك، بس أتمنى ترد عليا خلال اليومين اللي جايين لأني مسافر قريب. ثم وقف من جلسته ليستأذن حتى يرحل، فوجد شرف شارداً، فأيقن بأنه يفكر بما قاله، فالنسبة ليست بقليلة. نادى عليه عادل باسمه، فأنتبه عليه وأبلغه أنه سيحاول بما أخبره به حتى يساعده وسوف يعلمه بقراره بأقرب وقت. صافحه عادل وهو راسماً ابتسامة مصطنعة على وجهه، مربتاً على يده الممسك بها واردف قائلاً:
أتمنى عشمي فيك يكون في محله وتقف جنبي. أومأ شرف مبتسماً، ثم ربت على كف يد عادل مطمئناً إياه بأنه سيفعل كل ما بوسعه لإتمام تلك المهمة. خرج عادل من مكتب ذلك المحامي عديم الشرف متجهاً إلى شركته ليتابع أعماله المعطلة بعدما أخبره بما يزيد طمعه بأن من الممكن زيادة نسبته إلى سبعة وثلاثون في المية إن حدث النقل في أسرع وقت. ***
بنفس الوقت، دلف يحيي حي غنيم الذي يقتن به ذلك الشبح، قاصداً منزله الذي أخبره مكانه أحد الشابان المقيمان معه بنفس الحي، ولكن انتظراه اثنيهما بالخارج ومعهما بعض من أصدقائهما الذين يسكنون بنفس الحي، ويقف معهم أيضاً مينا وعمرو ويوسف على اتفاق مع يحيي إن حدث شيء بالداخل سيدلفوا جميعاً إليه. بينما سيف فقد صمم التواجد مع يحيي رغماً عنه.
دق يحيي باب شقة الشبح، الذي فتحهُ دون السؤال بمن الطارق مثل عادته، ربما لاشغال عقله بما حدث معه أمس بمكتبة الأستاذ فتحي. صدم عندما رأى من يقفان أمامه، ولكنه فاق مسرعاً وهو يعتذر لهما قائلاً: مؤاخذة يا أستاذ يحيي إنت والبشمهندس سيف، ما كنتش متوقع ألقيكم هنا. فواصل حديثه مردفاً: وهو إنتوا عرفتوا البيت إزاي؟ ابتسم يحيي بتهكم قائلاً: هو بيتك سر مثلاً ومحدش يقدر يعرفه. ثم أكمل قاصداً تشتته مردفاً:
هنفضل واقفين كده على الباب، مش عاوزنا ندخل ولا إيه؟ تلجلج الشبح متحدثاً بتلعثم وهو يحرك جسده من أمام باب شقته حتى يفسح الطريق لدخولهما قائلاً: لاااا إزاي مين قاااال كده، ده ااانتم شرفتووني، اتفضلوا اتفضلوا. فترك الباب مفتوحاً من شدة توتره. دلف اثنيهما وهما ينظران لأثاث الشقة وحوائطها، فمن يراها يعرف لأول وهلة بأن لم تسكن بها امرأة على الإطلاق من شدة اتساخها.
نظر سيف إلى الأريكة المتواجدة في إحدى زوايا الصالة وتحرك إليها، ثم أخرج منديل ورقي ومسح تلك الأتربة القائمة عليها، وبعدما انتهى جلس وهو يفحص تعبيرات وجه هذا الشبح. بينما يحيي مازال واقفاً وواضعاً يده داخل جيوبه وينظر هو الآخر إليه. تحمحم الشبح حتى يقدر على التحدث، فقد قلق من نظرات هذان المتواجدان معه، فهتف متجنباً النظر إليهما: اتفضل اقعد يا أستاذ يحيي، واقف ليه؟
جرى ليزيل الغبار من على سطح المقعد المتواجد وراء يحيي مباشرةً، ولكن أوقفه عما يفعل عندما تساءل قائلاً: أومال فين ابنك يا شبح عشان عاوز أشوفه؟ مش إنت خلفت ولد برضه؟ فقد أخبراه ذاك الشابان أن الشبح يسكن بمفرده بالشقة منذ حضوره إلى الحي، يبحث عن مسكن، لم يروا أحد معه. لُجم لسانه ولم يعرف بماذا يجيب. فربت يحيي على كتفه ليؤكد له بأن أمره كشف وعليه الاعتراف:
ياريت تقعد أنت وتقول كل حاجة، أحسن لك، لأن محدش هيقدر ينجدك من إيدي مهما كان هو مين. فعشان ما تتعبش نفسك وتتعبنا معاك، اتكلم على طول. قال يحيي تلك الكلمات وهو يضغط على كتف الشبح حتى أجلسه عنوة على المقعد الذي كان يمسحه. أردف الشبح وهو يكاد يصوب عرقاً من الخوف، فمعنى حديثه ذلك بأن من المحتمل انتهاء حياته اليوم.
فابتلع لعابه حتى يهدئ حاله ويقدر على التحدث، ولكن كيف يعترف بكل شيء وشاهين يهدده دائماً بالسجن بسبب قضايا النصب الخاصة به إن تلاعب معه أو تخلى عن خدمته بأي وقت. فحاول المراوغة حتى لا يخبره بشيء ويتهرب من اتهاماته تلك، فتفوه سائلاً: مش فاهم تقصد إيه يا أستاذ يحيي؟ أنا مش عارف بتتكلم عن إيه؟ تغيرت ملامح وجه يحيي إلى الضيق وكذلك سيف الذي قام من جلسته واتجه إليهما، فتحدث هو هذا المرة قائلاً:
إنت هتعترف بكل حاجة ولا نتصل على الشرطة وهما هيعرفوا يخليك تتكلم إزاي. فتحدث الشبح ببكاء حتى يرحمه ويتركه: أنا معرفش حاجة، حرام عليكم. لم يتأثر سيف من طريقته تلك، فأكمل بصوت عالي يملأه الغضب: انطق يالا بدل ما يكون آخر يوم تشوف فيها الدنيا. دموع التماسيح ديه مش هتأثر فينا. فلكزه بقوة. هنا دلف كل من بالخارج على صوت سيف، فتحدث أحد الشابان سائلاً: في حاجة يا أساتذة؟
أجاب يحيي وهو ينظر إلى الشبح بعيون تريد التهامه على الفور لعدم اعترافه بمن وراء ما يحدث معه:
الآفندي مش عاوز يتكلم وفاكر إننا هنصدق استعباطه علينا وإنه مش عارف إحنا نقصد إيه. عموماً يا شبح، إحنا عرفنا إنك لا خلفت ولا اتجوزت من الأساس زي لما قولت أول ما ظهرت بالحي عندنا واشتغلت بالقهوة، واللي فهمته بعد ما عرفت إنك ورا الاتصالات اللي بتجي لي، وإن وجودك في حي الغمري لهدف معين بتنفذه لصالح حد بعينه. أنا بقى عاوز أعرف هو مين بالظبط؟ وليه بيعمل كده؟ فور يحيي كف يده وضربه بوجهه لعدم تحدثه، فأردف قائلاً: انطق يالا.
دخل أحد الواقفين من سكان الحي، وكان يحمل سلاح أبيض ووضعه أمام وجه الشبح بجانب إمساكه من مقدمة ثيابه، وتحدث بصوت مرتفع قائلاً: عنك إنت يا أستاذ، أنا عارف الأشكال الضالة ديه كويس. فوجه حديثه إلى الشبح مهدداً إياه: رد على الأساتذة وإلا هندمك على وشك لما أزينه لك بخط يمين وخط شمال، ساعتها تخاف تبص في المرايا عشان ما تشوفش خلقتك. هنا انهار الشبح وتحدث وهو يبكي هاتفاً:
ما أقدرش أقول أي حاجة لأني هموت لو نطقت بكلمة أو هتحبس باقي عمري. مال على يد يحيي ليقابلها حتى يعفو عنه، ولكن ابتعد يحيي سريعاً وتحدث ناهياً أي محاولة منه لكسب استعطافه: ما أنت لو ما نطقتش دلوقتي برضه الرجالة اللي واقفة مش هيسموا عليك. انقذ نفسك واتكل. أحس الشبح أن لا مفر غير نطق الحقيقة وعليه بالاسراع بها وإلا سيفقد حياته في الحال، فمهما كانت قوة شاهين وجبروته لم تنجده الآن.
عدد الأشخاص كبير وهو بمفرده، وبذلك وضعه ضعيف أمامهم، فأحكم عقله وتحدث أخيراً قائلاً: خلاص هتكلم. ثم نظر لـ يحيي مردفاً: بس قبل ما أقول أي حاجة، عاوزك توعدني يا أستاذ يحيي إنك مش هتأذيني وهتسيبني أمشي من هنا. خرج يحيي زفيراً قوياً يهدئ حاله من الغضب الذي بداخله، ثم استغفر ربه وأردف قائلاً: أوعدك لو قلت الحقيقة مش هاذيك وهسيبك تمشي. خرج يحيي زفيراً قوياً يهدئ حاله من الغضب الذي بداخله، ثم استغفر ربه وأردف قائلاً:
أوعدك لو قلت الحقيقة مش هاذيك وهسيبك تمشي. هنا تحدث شاب من المتواجدين بالشقة قائلاً: نستأذن إحنا يا أستاذ عشان تتكلموا براحتكم، بس هنفضل بره لو احتجتونا هتلاقونا. بالفعل خرج الجميع، ولكن مازالوا بالمكان، يوسف ومينا وعمرو وسيف بطلب من يحيي. جلس مينا أمام الشبح فهتف بجدية قائلاً:
اتفضل اتكلم، إحنا سامعينك، بس بحذرك لو خبيت الحقيقة ولعبت علينا هتندم. إنت شوفت بنفسك الشباب اللي واقفين بره مستنين إشارة من يحيي وهيقوموا معاك بالواجب. تحدث الشبح بندم شديد مردفاً: من غير ما تقول يا مينا، أنا زهقت من اللي بعمله ده، لأني بجد حبيتكم زي أهلي، بس هقول إيه؟ حكم القوي. تدخل عمرو لكزه بكتفه وهو يتفوه بضيق:
إخلص يا شبح، بلاش تضيع وقت وشغل المسكنة ده. إنت لو فعلاً حبيتنا كنت جيت قلت لنا الحقيقة واحنا كنا هنعرف نحميك كويس. يلا انطق بسرعة. تألم الشبح من كتفه وتحدث وهو يدلكه: عندك حقك يا بشمهندس في كل كلمة قلتها، وعشان كده أنا هتكلم واللي يحصل يحصل. اللي خلاني أعمل كده هو الباشا، قصدي شاهين ابن المعلم علي. صعق الجميع مما قاله الشبح. فبرغم علم يحيي بحقد شاهين اتجاهه منذ الصغر، لكن لم يأت بباله أن هو من يفعل ذلك به.
أمسك مقعد خشبي وجلس بجانب مينا موجهاً حديثه إلى الشبح قائلاً: براحة كده، واحدة واحدة، احكي لي الموضوع من الأول. فجلس سيف وعمرو أيضاً، أما يوسف وقف خلف مقعد الشبح، فالجميع يريد معرفة لما فعل شاهين كل هذا. بدأ الشبح حديثه قائلاً: حاضر يا أستاذ يحيي، اللي تأمر بيه هعمله. أول الحكاية، أنا اتعرفت على الباشا شاهين في الحجز جوه القسم، يومها كان معاه مشكلة وأنا كمان، وبعدين...
بعد مرور ساعتين، قد انتهى الشبح من إخبارهم بكل شيء طلبه منه شاهين، غير ذلك لا يعلم عنه شيئاً آخر. وقف يحيي من جلسته، والجميع ينظر إليه بصمت منتظرين قراره على ذلك الشبح الذي كان ينتفض رعباً خوفاً أن لم يفِ بوعده ويتركه لمن بالخارج ليقضوا على حياته. تحرك يحيي ذهاباً وإياباً وهو يدلك رأسه بإصبعيه، فما سمعه ليس بالهين. فوقف عن الحركة مرة واحدة ونظر إلى الشبح سائلاً: هو شاهين مكانه فين دلوقتي؟
وقبل ما تفكر تكذب عليا بحذرك عشان ما ترجعش تندم. أقسم الشبح بأنه ليس لديه أي معلومات أخرى تخص شاهين، مثل مسكنه أو مكان عمله أو أين يتواجد حالياً، هو يهاتفه ويبلغه بما يريده فقط ولم يخبره بأي شيء آخر. وبالنسبة لأرقام هواتفه لم تكن ثابتة لأنه يغيرها باستمرار حتى لا يتمكن أحد من إيجاده مهما كان. أحس يحيي بصدق حديثه لأنه بوضع لم يفعل غير ذلك. فذهب لجلسته ثم أمسكه من ذراعه رافعاً إياه لأعلى ليقف أمامه وتحدث قائلاً:
أنا صدقت كلامك ومش هاذيك. عموماً، قدامك يومين تلم حاجتك وتبلغ المعلم علي إنك هتسيب القهوة عشان مسافر بلدكم لأنك هتستقر هناك وسط أهلك. بس لو ما عملتش اللي قلت لك عليه ونطقت بحرف واحد لحد وبالأخص شاهين عن اللي حصل النهارده وإني عرفت إنه ورا كل اللي بيحصل، ما تلومش إلا نفسك، لأن ساعتها هاجيبك ووقتها هتشوف اللي عمرك ما توقعت تشوفه مني. أنا أخذت صورة من بطاقتك وهبلغ عنك، وإنت زي ما قلت، عليه قضايا بالهبل، والأحسن انفد بجلدك وامشي من هنا وانسى إنك شفت حد فينا في يوم من الأيام.
هز الشبح رأسه وهو يلتقط أنفاسه ويزيل دموعه، فقد انتهى ذلك الفيلم المرعب الذي عاشه حوالي ثلاث ساعات، فتحدث قائلاً: هعمل كل اللي طلبته وهمشي من هنا في أقرب وقت. مع إني كنت أتمنى أعيش وسطكم، بس أنا مستاهلش العيشة النضيفة ديه. وقف الجميع من جلسته وهم ينظرون له بإستحقار، لأنهم كانوا يتعاملون معه كأنه واحد من سكان حي الغمري. هتف يحيي قائلاً: يلا يا شباب، ما بقاش له لازمة وجودنا هنا. تحدث سيف بضيق سائلاً:
يعني بعد اللي قاله ده كله هتسيبه كده؟ أجاب يحيي قائلاً: هو كان بينفذ اللي بيطلب منه، يعني زي ما بيقولوا عبد المأمور، فمشكلتي مش معاه وحقي عند شاهين ولازم آخده منه. يلا مش عاوز أضيع وقت هنا أكتر من كده. بالفعل تحرك الجميع إلى الخارج. أما الشبح جلس بقوة على المقعد وهو حزين، فكم تمنى أن يقضي بقية حياته وسط حي الغمري الذي يسكن به أناس لم يرَ بجمال قلوبهم وصفائه، ولكن هو أخطأ وعليه تحمل أخطائه.
شكر يحيي الشباب المتواجدين بانتظاره على وقفتهم معه، ثم أبلغهم بأنه أعطى مهلة إلى الشبح لمدة يومين حتى يرحل من الحيين ولم يعود إليهما ثانياً. وبعد خروجهم من حي غنيم نهائياً، توجها كلاهما إلى وجهته، بينما يحيي ويوسف توجها إلى المكتب الهندسي ليباشرا العمل المتبقي اليوم. دلف يحيي إلى مكتبه، ثم أخرج هاتفه من جيبه بعدما جلس خلف مكتبه الخشبي واتصل على وليد ليخبره بما علمه من الشبح. أجاب وليد على المهاتفة قائلاً:
السلام عليكم، يحيي عامل إيه؟ رد يحيي السلام مكملاً أنه بخير، فسأله إذا كان لديه وقت ليتحدث معه قليلاً. أخبره وليد بأنه على وشك الدلوف لاجتماع عاجل بالمديرية، ولكن لديه بعض الوقت ويمكنه سماعه. فتحدث يحيي بالمختصر بأنه علم أن شاهين هو من وراء الاتصالات التي تأتي إليه ويريد معرفة مكانه بالضبط.
استغرب وليد بما فعله ذلك الشاهين، ولكن لم يعلق، فقد بدأ دلوف زملائه الضباط وبعض من الرتب الكبيرة قاعة الاجتماعات، فأردف ليطمئنه قائلاً: أخلص الاجتماع، وإن شاء الله كل اللي أنت عاوزه هعمله لك، بس تحكي الأول بالتفصيل، تمام؟ هتف يحيي سريعاً حتى لا يكن سبباً في تعطله مردفاً: تمام يا وليد، هنتظر تليفونك لما تخلص. ثم أغلقا كلاهما الاتصال.
فتح يحيي ذلك البرنامج الموضوع بهاتفه ليطمئن من خلاله على شمس حياته، فوجدها تجلس أمام البحر رغم ظلامه تشكي له من معشوق عينيها مثل عادتها. ثم نظرت إلى السماء المعتمة التي بها بعض النجوم تضيئها كأنها تبعث لها باقة أمل. وتجلس بجوارها والدتها وخالتها أيضاً يطلبان منها أن تتناول سندويتش الجبن، فهي لم تأكل شيئاً منذ الصباح. هزت رأسها بالرفض، فلم يوجد لديها شهية لتناول الطعام. ومازالت تنظر إلى السماء
تحدث النجوم دون صوت قائلة: ألم يكفيك يا وجع المي؟ ألم تقدر شوقي واشتياقي؟ ألم ترَ عذابي وأحزاني؟ ألم ترحل وتتركني لحالي؟ فقد فاض بي التحمل وأريد أن أرمي بأحضان حبيبي الغالي. كأن استمع يحيي لتلك الكلمات التي قالتها، فوجهها يخبره دائماً عما بداخلها، فتحدث هو الآخر ليهدأ من ضربات قلبه السريعة لرؤيتها، فكم اشتاق إليها قائلاً: ها قد اقترب موعد لقائنا يا ساكنة الروح.
وظل ينظر لها ما يقرب من ربع ساعة وهو يتحدث من هاتف مكتبه مع أحد الحراس المتواجدين لحمايتها بالشاليه المقابل ليتفقد أحوالها على مدار اليوم. وبعدما أخبره الحارس بما كانت تفعله بجانب مطمئنته بأن الأمور تسير بشكل طبيعي ولم يوجد شيء يدعي للقلق. أنهى يحيي الاتصال، ثم لمس الشاشة بأصابعه التي تظهر وجهها الباكي وكأنها أمامه وهو يزيل دموعها المتساقطة كالؤلؤ، قائلاً: أقسم لكِ غالية قلبي إني لم أجعلها تزور عيناكِ مدى الحياة.
ثم أغلق الهاتف بعدما أشبع عينه من حبيبة قلبه. *** مازال وليد ومن معه من القيادات يجلسون داخل الغرفة المغلقة على طاولة الاجتماعات، ورئيس الجهاز يترأس الطاولة ويجلس بالمقدمة. أما القائد المسؤول عن العملية يلقي عليهم آخر المعلومات التي وصلت إلى الجهاز عن مهربي الآثار لخارج البلاد. وأثناء تحدثه إليهم، وقف من جلسته وتحرك ناحية الشاشة المعلقة بنفس المكان وعرض عليها بعض الصور الفوتوغرافية التي بعثتها له من شخص موثوق به.
قد التقطت لأفراد من تلك العصابة بشكل واضح، وكان من بينهم شخص بملامح واضحة للغاية هو شاهين العلي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!