الفصل 39 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
21
كلمة
6,815
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

أطلقت فاتن صرخة مدوية استمع إليها جميع من بالدار وهي تنادي باسم ولدها قائلة: معتـــــــــز. بدأ الجالسون بالدار التوجه إلى غرفة فاتن المتواجدة بالطابق الثاني وقلوبهم خائفة لسماعهم نبرة صوتها وهي تنادي على ولدها. أول من وصل إلى الغرفة كانت شقيقتها الصغرى فريال، التي بدورها صرخت لما شاهدته، فمعتز موضوع على قدم والدته لا يحرك ساكن. توجهت لهما سريعاً وجثّت على ركبتيها وهي تهتف وتتساءل بخوف شديد: ماله معتز يا فاتن؟

ما بيتحركش ليه؟ انطقي يا خيتي. لم تجب فاتن عليها، بل كل ما تفعله تحدث ولدها وهي ماسكة وجهه بكفيها كأنه يجلس أمامها فاتح العين. أما هي فعينيها غارقة بالدموع التي تتساقط على وجهها وتصرخ باسم معتز بين الحين والآخر، وهي تردف قائلة: جوم يا ضي عيني، يلا مشان تتسبح ونروحوا سوا عند جدتك ناهد. جوم يا معتـــــــــز. جوم يا ضنايا، ما تهملش أمايتك لحالها. ثم تصمت لحظات قليلة وتتحدث ثانياً:

طب انجول لك نروحوا نلعبوا عند المراچيح زي ما جولتلي عَشيه امبارح. يلا يا ولدي، يلا يا حبيبي، يلا يا معتـــــــــز. دلف والداها ومعهما حفيدتهما منه، ابنة فهمي وحكمت، التي عندما رأت ما يحدث، ركضت سريعاً إلى والدها لتخبره بما يحدث. اقتربت والدة فاتن من حفيدها الغالي وأخذته من بين يديها وهي تعنف ابنتها معتقدة أنها ضربته وهو لم يجيب عليها غضباً من والدته مثلما يفعل معها دائماً. زعلتيه ليه يا حزينة على عمرك؟

هو إنتي حيلتك غيره يا جويه. ثم قبلت جبين معتز متحدثة إليه قائلة: جول لجدتك حبيبتك يا زيزو عملت لك إيه، وإني عنضرُبها لك يا غالي.

انتظرت ليجيبها ولكن لم تجد إجابة. تساءلت بقلب مرتجف لإحساسها بأن حدث شيء مريب ترفض تصديقه. فوضعته على الفراش ومسكت ابنتها من كتفيها رافعة إياها لمستواها، وفاتن لن تعترض، فلم يكن لديها مقاومة، فقد خارت قواها وبقيت جسداً بلا روح ولا إحساس، لعلمها بالكارثة التي لحقت بها عندما رأت تلك الزجاجة الملعونة على الأرض مكان ولدها. بدأت والدتها تهزها بشدة وتعنفها بغضب قائلة: عملت إيه في ولدك يا فاتن؟ معتز ما بينطقش ليه؟ اتكلمي.

لم تتحدث فاتن، بل الدموع تتدفق من عينيها كالشلال دون صوت. ثوانٍ ورفعت يديها لتظهر للحضور سبب صمت ولدها قائلة: معتز شرب من الجزازة دي. سألتها والدتها لتستفهم: ودي جزازة إيه؟ انطجي. ابتعدت فاتن يد والدتها وتحدثت بصراخ: ما عرفاش، ما عرفاش. أنا عايزة ولدي يجوم، الحجني يا بوي. تحدث ناجي والد فاتن بعدما كان صامتاً كل ذلك الوقت لصدمته الشديدة، فأردف وهو يخرج هاتفه من جلبابه قائلاً:

حاضر يا بتي، هكلم الدكتور عاصم ييجي من المستوصف حالاً. ولكنه لم يقدر على جلب الرقم من الهاتف، فـ يديه ترتعشان من الخوف أن يكون قد أصاب حفيده مكروه، فهو يحبه كثيراً لتقربه الشديد لقلبه عن باقي أحفاده. وأخيراً تشجع ودق على الطبيب حتى يأتي سريعاً لإنقاذ معتز.

وصلت منه إلى دار جدها حسن ودقت الباب بقوة. فتحت لها شقيقتها الكبرى ميادة وجاءت لتعنفها عن تلك الضوضاء التي تحدثها، إلا وبترت حديثها عندما رأت هيئة شقيقتها الصغيرة. فكانت منه تلهث من كثرة الركض وعينيها حمراء من كثرة البكاء. أمسكتها ميادة بقلق وسألتها: مالك يا منه؟ جولي لي فيكي إيه. مسحت منه عينيها وسألتها على والدها، أين تجده. أخبرتها ميادة أنه بغرفته يبدل ثيابه حتى يذهب إلى عمله بالأرض.

جاءت لتصعد منه إلى أعلى إلا وكان يترجل سامر الدرج وبيده والدته وراءهما أمل. فبعدما تناولوا الفطور تحدث ثلاثتهم وتصافوا كلياً، وبعد ذلك ترجى سامر من والدته أن تذهب معه الآن إلى والده لتطلب منه العفو وينتهي هذا الخصام. وافقت ناهد دون كلمة اعتراض واحدة. شاهد سامر وجه منه الباكي، فترك يد والدته. أمسكتها أمل وأكملت الترجل لأسفل وأجلستها على الأريكة.

بعدما هبط سامر الدرج مسرعاً إلى منه سائلاً عن حالتها تلك، في نفس الوقت كان يهبط والديها ووراءهما أنعام وزوجها مجدي. حاوط الجميع سامر ومنه وهو يستفسر منها، فأخبرته بما حدث في دار جدها ناجي. خرج الجميع من الدار متوجهين إلى وجهتهم، ما عدا ناهد وأمل، فقد طلب سامر منهما الانتظار بالدار حتى يتفقد ما يحدث ثم يأتي ليطمئنهما. جلست والدته بالدار رغم عنها.

أما جمال الصغير ابن أنعام ومجدي الغمري، ذهب إلى القاعة الشرقية ليخبر جده حسن وخاله شادي عما حدث، فذهبا اثنيهما أيضاً إلى دار ناجي. وصل الجميع إلى هناك وفتحت لهم فريال باب الدار وهي منهارة من البكاء. بعد السلام ومعرفة ما حدث، صعدوا لأعلى، وقتما كان الطبيب عاصم يتفحص الصغير ومعه فاتن ووالديها، فهم ينظرون إليه بترقب حتى ينهي ما يفعله ويطمئنهم.

أمسك الطبيب الغطاء الموضوع على جسد الصغير، ساحباً إياه على وجهه، والتف إليهم وتحدث بتأثر قائلاً: البقاء لله. الولد توفي من حوالي نص ساعة. صرخة فاتن وهي تتحرك ناحية ولدها الراقد بسلام. أما والدتها تبكي وهي تنعي فقيدها المحبوب لقلبها. بينما والدها أول شيء قاله والدموع تغرق وجهه: إنا لله وإنا إليه راجعون. تزامن ذلك مع دخول من بالخارج، التي توقفت أقدامهم عن الحركة ارتعاباً مما استمعوا إليه.

تقدم سامر من الطبيب وعرفهُ بذاته طالباً منه أن يفحصه ثانياً. فعقله لم يصدق ما يراه. أكد له الطبيب بأنه توفي بالفعل ويجيب عليه إبلاغ الشرطة فوراً. ثم بعد ذلك نقله إلى المستشفى لتشريح الجثمان، لأن وفاة الصغير ليست طبيعية وفيها شبه جنائية. وما جعله يتأكد من هذا عندما أخبره الجد أنه تناول شيئاً من زجاجة صغيرة. كرر الطبيب التعازي ثم تحرك إلى الخارج ومعه مجدي زوج أنعام. ليتصل على الشرطة وينتظر مجيئها.

تجلس فاتن على الفراش وهي تحضن ولدها وتقبله بشغف وتتحدث معه كأن لم يتواجد أحد معهم. تقدمت منها حكمت زوجة أخيها حتى تأخذه منها، فما تفعله لن يهدئ نار فراقه بل يزيده. فحدثتها بصوت ضعيف بسبب بكائها: جومي يا فاتن، جومي. عتعذبي ولدك وحالك إكده، هو دلوجيت بين أيادي ربنا. جومي حبيبتي، البكي على الملاك ده مش صُح. هو راح للي خلقه أحن منيك عليه. جومي يا خيتي.

لم تجب فاتن بكلمة، كأن الزمان توقف أمام عينيها. فلم تسمع أحد ولا ترى إلا ولدها الفقيد. حاولت أنعام أيضاً معها فلم تلتفت إليها وبقيت على ما تفعله. تأثر سامر من حالتها، فمهما كان هي أم وفقدت عزيز عينيها. فأقترب منها لعلها تخضع لحديثه، فأخاها فهمي ووالدها يوقفان بجانبها يطلبان منها النهوض، ولكنها لم تستجب لحديثهما. أردف سامر قائلاً: قومي يا فاتن، ما ينفعش اللي بتعمليه ده. سيبيه مرتاح، عياطك ده هيعذبه وهو ما يستاهلش كده.

هنا انتبهت فاتن لمن يتحدث إليها، فصوته وصل لأذنيها كآلة تنبيه لإفاتها. نظرت له أولاً ثم وضعت ولدها بلطف شديد على الفراش وقامت من مجلسها ووقفت أمامه وتحدثت إليه بوجه غاضب قائلة: ما عايزشي أعرف من اللي اتسبب في موت ولدي يا دكتور سامر. تزامن حديثها مع دخول الحاج حسن الغمري وشادي إلى الغرفة، لكن لم يتحدث أحد، فالجميع انتبه إليها بتأهب ليعرف بماذا ستخبره؟ مكملة حديثها: اللي جتل معتز هي مراتك أمل. جحظت عين سامر لما سمعه،

وعقل يتساءل: ماذا تقول تلك التائهة؟ وما دخل زوجتي بوفاة ولدها؟ ضحكت فاتن بألم والدموع ما زالت تنسكب من عينيها، هاتفة بغل محفر بأعماق قلبها منذ سنين عدة نحو زوجته: أيوه مراتك السبب، مش عشان خدتك مني. استغرب سامر من طريقتها وحديثها، هذا هو يعلم شعورها اتجاهه، ولكن ليس الوقت مناسباً ولا المكان لتحكي تلك المساخات. إنما الأهم الآن يريد أن يعرف ما المقصود بذكر اسم أمل.

وقف فهمي شقيقها بجانب سامر متحدثاً إليها وهو ينظر لها حتى يجعلها تصمت عن حديثها المبهم، مردفاً بصوت مرتفع قليلاً مع مراعاة حالتها: خبر إيه يا خيتي؟ اتچنتي إياك؟ وإيه حديتك الماسخ ده عاد؟ خليني في اللي حُصل لولدي. أوقفه سامر عن باقي حديثه رافعاً يده أمام وجهه كإشارة ليصمت، وهو ناظر في عين فاتن الواقفة أمامه قائلاً: مش فاهم قصدك، وضحي لي كلامك أكتر.

هنا قد وصلت للتو ناهد وأمل أيضاً لعدم تحملهما الانتظار، فقرروا الذهاب حتى يطمئن قلوبهما. وقف اثنيهما على مقدمة الغرفة دون أن يراهما أحد، فالجميع يستمع ويشاهد ما يحدث بالداخل، فحديث فاتن أرغمهم على ذلك. أكملت فاتن حديثها وهي تنظر لسامر ولم تعِ لوجود أحد معهم. مراتك اللي خلتني أعمل أكده. ما هي لو ما كنتش اتچوزتك ما كنش حُصل كل ده واصل، وكان لساته معتز عايش وسطنا.

أحس سامر بأن وراء حديثها سر يخصه هو وزوجتك، فأحب أن يجاريها في الحديث بعدما التف لمن معه بالغرفة مشاوراً لهم أن يستمعوا دون التفوه بكلمة. ولكنه لم ير هاتين اللتان تقفان بعيداً عن الأنظار، وذلك بطلب من ناهد لأمل ليعرفان ماذا يحدث بالضبط. أما فاتن فكانت غائبة عن الواقع، لذلك لم تلاحظ ما فعله سامر. فسألها بهدوء دون أي انفعال حتى تقص له كل ما فعلته: احكي يا فاتن، إنتي عملتي إيه؟ وصلنا للي إحنا فيه دلوقتي.

بدأت تحكي بصوتها المبحوح من كثرة البكاء: لما عرفت إن مراتك حبلى، قعدت أفكر كيف أخلص منها هي واللي في حشاها. جات في بالي بت صاحبتي اسمها حُسنة، بتشتغل ممرضة مع دكتور المركز. روحت حداها واتحدت معاها كأني رايحة صدفة وفتحنا حديث كتير وجبت سيرتك وإني لسه عنحبك ونفسي ترجع لي، بس إزاي ومراتك حبلى؟ ياريت لو فيه حاجة تبعدكم عن بعضيكم. وسألتها: عندكش حل؟

ردت وقالت لي: لو سقط وحصل حاجة، ما تخليهاش تخلف تاني، أكيد عيفكر فيكي. قعدت أنا وهي نفكروا هنعملها كيف. ديفي الآخر قالت لي على دوا بياخده الحبالة اللي عيالهم بيموتوا وهما لسه جوه بطن أمهم، لاجل ينزلوا. ولو خدته واحدة حبلى وما فيهاش حاجة، تسقط طوالي. وعرفتني أحوط منه إزاي مشان يعمل مفعول.

أخدت من يدها الدوا وروحت الدار وقعدت أفكر هتجمع مع مراتك كيف في مكان واحد. تعبت من التفكير وروحت على دار عمتي ناهد، لاقيتها بتقول إنها مسافرة حداك، فرحت جوي، قولت لحالي: هي دي فرصتي. اتمسكنت للعمة إني نفسي أروح أزور بيت أولياء الله. راحت جالت لي: تعالي معايا. سافرت حداكم وجرّيت انتجم لجربها مينِك وشوفها وهي عتتعذب قصادي زي ما إني عتعذب في بعدك عني.

المتواجدين بالمكان في قمة الذهول مما اعترفت به فاتن الآن. أما سامر فالصورة وضحت له كلياً وعلم كيف فقدت زوجته جنينهم. بينما أمل تستمع وهي جاحظة العينان اللتان تنصب منهما أنهار من الدموع بصمت على طفلها التي كانت تتمنى رؤيته، ولكنه فارقها دون أن تحمله بأحضانها بسبب إنسانة حقودة لا تعرف شيئاً عن الأمومة وليس لديها رحمة بالآخرين.

سألتها والدة زوجها وطلبت منها أن تهدأ وتتمسك لحين ترجع إليها. فوضعت أمل يدها على فمها حتى لا تخرج صوتاً، ولكن شهقتها المكتومة جعلت قلبها يتمزق من الحزن، لأنه يريد الصراخ بأعلى صوت. دَلفت ناهد إلى الداخل وتقدمت من بين الحضور حتى وصلت لوقوف فاتن، التي لم تراها لتركيزها الشديد بعيون سامر. رفعت ناهد يدها لأعلى ثم أنزلتها بقوة على صدغ فاتن، التي جعلها تتأرجح إلى الوراء وتفزع من شدته. ثم وضعت ناهد سبابتها بوجهه قائلة:

بجي إنتي يا بت امبارح تتضحكي علي إني وتخليني أزعل مرات ولدي وأجولها حديث جاسي مشان غرضك العفش زي حالك. منك لله يا فاتن يا بت أخوي، منك لله على جلبك اللي كله كره وغل. منك لله على ظلمك لولدي ومراته. أنعام بتي جالت لي: يا ميتي ديه لو فيها الخير ما كانت اتطلجت من أبو ولدها، بس إني اللي زعجتلها وجلتلها: اجفلي خشمك. أتاري بت بطني فاهماكي زين وأني طلعت عامية على أفعالك السو.

بس هرجع وأجول: اللهم لا شماتة، وإن ربك بالمرصاد. وشربتي من نفس الكاس يا واكلة ناسك. إنتي اللي جتلتي ولدك يا قاتلة، وجلبتي ولد ولدي. أمسكه شقيقها فهمي وأنهال عليها بالضرب والسباب، إلا وأمسكته والدته وحلفته بأن لا يضربها ثانياً. فكفي ما ستمر به عندما تفيق من غفلتها عما فعلته.

بينما والده ناجي طلبه منه أن يأخذها إلى غرفة أخرى ويوصد عليها الباب بإحكام حتى تأتي الشرطة، فمهما كان هي أخطأت ويجب معاقبتها هي ومن تحالف معها. ولكن الشرطة حاضرة واستمعت لاعترافاتها بالكامل. وسط كل هذا لم يلاحظ أحد تلك الواقفة بالخارج التي لم تعد قدماها تتحملها أكثر من ذلك، فوقعت أرضاً غائبة عن الوعي. فصدمتها اليوم تجعلها لا تريد العيش بتلك العالم المخيف.

رآها أحد العساكر الواقفين على مقدمة الغرفة فجرى للداخل ليبلغ الضابط، فسمعته ناهد التي بدورها دبت على صدرها لمعرفتها بمن هي، منادية باسمها: أمــــــــــل. هنا فاق سامر عند سماع اسم غاليته وجرى قبل الجميع فوجدها منبسطة على الأرض. مال عليها بقامته حاملاً إياها ونزل بها الدرج حتى يخرج من تلك الدار التي بداخلها شخصية لا يريد أن يراها ولو بمنامه.

ولكن أوقفه الطبيب عاصم حتى يسعفها، ربما تكون تأذت من شيء لا يمكن الانتظار عليه. خضع سامر لحديثه ووضعها على أقرب أريكة حتى يطمئن، فقلبه لم يتحمل صدمة أخرى اليوم، فكفي ما سمعه. وبعد حوالي ساعة ونصف، أخذت الشرطة فاتن إلى النيابة ليبدأ التحقيق معها، كما تم استدعاء الممرضة حسنة التي لا تمس لهذا العمل بأي صلة. فدائماً يطلقون على مهنة التمريض ملائكة الرحمة، ولكن تلك الغير حسنة لا تعرف شيئاً عن الرحمة ولا حسن الخلق.

كما أتت الإسعاف لحمل الصغير إلى المشرحة ليتم تشريحه حتى يتضح سبب الوفاة. تجلس ضحى مع والدتها وخالتها يشاهدون ثلاثتهم التلفاز بعدما تناولوا الفطور من حوالي ساعتين، ولكن ضحى تنظر إليه بعقل شارد، فهي تفكر بمن أحيا الحب بقلبها ثم سلب منه الحياة بكل بساطة. حاولت خالتها مديحة أن تخرجها من حالة الصمت الحزين هذا، فتحدثت بحنو سائلة إياها: ها يا دودي، تحبي تأكلي إيه على الغدا؟ لم تجب ضحى لعدم سماعها ما قيل.

لكزتها والدتها لتنتبه عليها، فأخبرتها أن خالتها تحدثها. اعتذرت ضحى لها، فكررت خالتها السؤال لتفهمها الوضع. أجابت ضحى بيأس وإحباط: أي حاجة يا خالتي، أنا أصلاً ما ليش نفس. ثم وقفت من مجلسها متحدثة إلى والدتها قائلة: ماما بعد إذنك، هخرج أقعد قدام البحر شوية. رفضت نادية الخروج لارتفاع درجة الحرارة في هذا الوقت، فالشمس في قمة ذروتها، ولكن ضحى طمأنتها بأنها ستجلس تحت المظلة ولم تبق هناك وقت كبير.

وجهت مديحة الحديث لشقيقتها مطالبة منها السماح لضحى بالخروج. أومأت نادية بالموافقة لرؤية وجه ابنتها الحزين. أخذت ضحى قبعتها وهاتفها وخرجت بالفعل من الشاليه، فهي تريد الجلوس بمفردها مع كاتم أسرارها التي تبوح له عما يتعب قلبها دون خجل منه. فجلست على المقعد الخشبي، واضعة هاتفها على الطاولة التي تعلوها مظلة، ثم نظرت أمامها بسكون تام، كأنها تشكي لبحر همومها بصمت، لعل وعسى تستريح ولو قليلاً.

فبدأت تحدث حالها كأن مدمر قلبها يجلس أمامها، فهي لن تتخيل يوماً أن يفعل معها ذلك، قائلة: عمري إني كنت أصدق حبي يخلص جوه قلبك. رغم إنك كنت حلمي اللي حلمته، مجاش في بالي لحظة يتحقق. بس بردو هفضل أحبك وهعيش لوحدي على عهدك. أصل مهما قابلت في حياتي، قلبي هيعصي يحب بعدك. أتمنى لك حياة سعيدة مع اللي اختارها قلبك. داخل الشاليه ما زالت نادية ومديحة تجلسان على الأريكة. تحدثت والدة ضحى بشرود مردفة:

يا عيني عليكي يا بنتي، فرحتك دايما ناقصة. كل ما تحبي حاجة تروح من إيدك. يارب الصبر والعوض من عندك. فانتبهت على حدث شقيقتها وهي تردف قائلة: مش لو كانت بنتك وافقت على وليد ابني كان أحسن لها من اللي هي فيه دلوقتي. طول عمره شاريها وبيحبها، بس هقول إيه؟ وافقت على اللي وجع قلبه. لم تتوقع نادية تلك الكلمات تخرج من فم شقيقتها، فهي تعلم جيداً رأي ضحى في طلب يدها لوليد قبل قدوم يحيى لخطبتها، بأنه بمثابة أخيها تمام.

فضلت نادية الصمت، ولكنها عاتبتها بعينيها. أحست مديحة بخطأها عما تفوهت به، فقامت من جلستها وتحركت ناحية شقيقتها وجثّت أمامها وأمسكت يديها معتذرة لها على ما اردفته قائلة: حقك عليا يا نادية، مش قصدي أزعلك. يمكن ما عرفتش أعبر على اللي عايزة أقوله، ما إنتي عارفاني مدب في كلامي على طول. فبكت مديحة لدموع نادية التي تنسكب من عينيها غارفة وجهها. أردفت نادية وهي تبكي بحزن شديد:

لما عرفت إن جوازة ضحى خلاص انتهت، إنتي أول واحدة جات في بالي. كان نفسي أرمي في حضنك وأشكي لك وأقول لك أد إيه قلبي وجعني على بنتي، عشان عارفة إنك أكتر حد في الدنيا هتحس بيا وعمرك ما هتعيريني بحاجة حصلتلي أو أتكلم معاكي فيها، لأني لما بقولك حاجة كأني بتكلم مع نفسي. ما إنتي أختي اللي دايماً بحكي معاكي وبتشيلي سري جواكي وعمرك ما خرجتي حاجة ما بينا لحد. بس إنتي انهارده جرحتني أوي يا مديحة.

بدأت تشهق نادية من كثرة البكاء. وقفت مديحة من مكوثها وجلست بجانبها محتضنة إياها، مربتة على ظهرها بحنو معتذرة عما صدر منها. وأخذت تقبل رأسها ووجنتها حتى تصفح عنها وتكف عن البكاء قائلة: واحنا لسه زي ما كنا، أنا آه الكبيرة، بس غلطت واجب عليا أتأسف لك، وإنتي غصب عنك لازم تسامحيني. عشان إحنا أخوات وحبايب، صح يا أختي. ضحكت نادية على طريقتها، فمهما حدث بينهما لم يتخاصما وقتاً كبير ويتصلحان سريعاً.

تحدثت مديحة وهي مبتسمة مردفة مثلما يقولان عند انتهاء الخصام بينهما: يعني صافي يا لبن؟ أجابتها نادية بوجهها البشوش دائماً: حليب يا قشطة. فأمسكت مديحة كف يد شقيقتها لتحثها على الوقوف قائلة: يلا يا نونا نعمل حواوشي اسكندراني للبت ضحى، أنا عارفة إنها بتحبه من إيدي، وكمان هعملها رز بلبن بالقشطة والمكسرات، تنسيها يحيى وحي الغمري كله. ضحكا سوياً، فاحتضنا بعضهما مرة أخرى ثم توجها اثنيهما إلى المطبخ ليحضرا وجبة الغداء.

بينما ضحى جالسة بالخارج تفكر في معذب قلبها، فمن كثرة اشتياقها له أمسكت الهاتف كي تتصل عليه لتستمع لصوته فقط ثم تغلق الهاتف سريعاً. ولكنها تذكرت إحدى تعليمات والدها ألا وهي عدم الاتصال بأحد من هاتفها. حاولت ما عرفت السبب، ولكنه أخفى عنها الحقيقة لأنه خوفاً أن يصل إليها ذلك الرجل البغيض. فتحجج بأن من المفترض عليها منع المحاكاة مع أي شخص يذكرها بشيء من الماضي حتى تنسى ما حدث لها وتفكر بحياتها الجديدة.

تركت الهاتف على الطاولة وهي تزفر بضيق، فكان هذا الاتصال يهدئ من اشتياقها ولو قليلاً، فهي إلى الآن لم تقدر على نسيانه ولا يساعدها قلبها على كرهه. لحظات بسيطة ودق هاتفها من تطبيق الواتساب باتصال مكالمة فيديو، وكانت من ابن خالتها وليد. ضغطت على زر بدء المكالمة، فظهر أمامها وحدثها وهو مبتسم قائلاً: صباح الخير يا ضحى، عاملة إيه؟ أجابته ضحى بوجه بائس خالٍ منه الحياة: الحمد لله بخير، أديني عايشة وخلاص.

تغيرت ملامح وليد رافضاً لهجة اليأس هذه، وتحدث بمزاح حتى يخرجها من تلك الحالة: يا بختك! ده أنا عايش بردو بس مطحون. أجي لك نحوط وخلاص على مطحون ونرميهم البحر. فتأوه بألم بعد هذه الكلمات ممن يجلس بجانبه، ولكن لم يظهر بشاشة الهاتف، مردفاً: آه يا جدع، إيه قطر معدي. سألته تلك البائسة بقلق رقيق مثل عادتها: أنت كويس يا وليد؟ فيك حاجة؟

أجاب ذاك المتألم وهو يوجه نظره لهذا الغيور على حبيبته، الذي بدوره نظر له بغضب محركاً كف يده مثل السكين أمام رقبته كتحذير له ألا يجمع حاله مع شيء يخص شمسه، مردفاً: لا أبداً، ده واحد غتت بيهزر معايا، بس هزاره تقيل زي دمه. زارت وجه ضحى ضحكة لم تزورها منذ وقت طويل، تاه بها ذلك العاشق المتيم، فهو يراها دون أن يراه، ولكن حزن على شحوب وجهها بسبب الخذلان الذي أحاط بها من أقرب إنسان لها في الدنيا.

لام حاله كثيراً، ولكنه ما فعله هذا خوفاً عليها، فمن الممكن كان رأى حلاً آخر، لكن الوقت لم يسعفه لذلك اختار أول اقتراح لعقله ألا وهو بعدها عن حي الغمري للحفاظ عليها ليس إلا. فحدث ذاته وهي ينظر لعيناها بشاشة الهاتف قائلاً: البعد لم يقاس بالمسافات، إنما يقاس بعدد الألم والأهات.

بعد ذلك تنهد بضيق أحسه وليد، الذي حاول إنهاء الاتصال الذي أجبره عليه يحيى ليطمئن على حبيبته وجهاً لوجه، فقد أتى وليد إليه بالشركة حتى يحصل منه على بعض المعلومات التي تخص ذلك الشاهين، فوليد كلف من حوالي شهرين هو وزملائه آخرين من محافظات مختلفة بعيدة عن محيط شاهين وأعوانه في جمع معلومات عنهم جميعاً حتى لا يلفتوا الأنظار إليهم. فالقضية سرية للغاية وكبيرة جداً لأن بها أشخاص ومسؤولين مهمين في البلاد.

ولكن يحيى أمسك يده حتى لا يغلق الاتصال، لأنه لم يشبع عيناه من حضورها ولن تستمتع أذناه من عذب صوتها. وبرغم كل هذا محكم داخل شاشة، ولكن أفضل بكثير من عدمه. تفهم وليد طلبه وأكمل المكالمة، سائلاً إياها لماذا تجلس في هذا الوقت هكذا. جاءت لتتحدث ولكن توقفت كلماتها عندما سمعت صوت آخر بجانب وليد، ومن غيره سيف التوني. فقد دلف إليهما للتو ولم يعلم بأن ضحى تتحدث على الهاتف، فأردف بمزاح:

والله عال يا سيادة الرائد، قاعد هنا مع الأستاذ وسيبني هناك لوحدي؟ هو إحنا مش أصحاب ولا عشان هو نسـ... لم يكمل سيف باقي حديثه بسبب هذا الشيء الذي أخذه يحيى من على سطح مكتبه ليلقيه عليه، ولكنه تفاداه وقفز لبعيداً عنه متحدثاً بصياح غاضب مصطنعاً إياه: أنت اتجننت يالا؟ تحدث يحيى إليه دون صوت مشيراً بيده بأن ضحى تستمع إليه لوجودها على هاتف وليد. خبط سيف على مقدمة رأسه لسرعته، فوضع يده على صدره معتذراً ليحيى.

ولكن ضحى لم تمر لسماع صوت سيف مرور الكرام، فأحسنت أنه أتاها من السماء حتى تطمئن على يحياها منه وليكن ما يكون. فتحدثت سريعاً سائلة: وليد، مش ده صوت سيف؟ لم يعرف بماذا يجيب، فأضطر أن يخبرها الحقيقة: آه هو، أصل أنا عنده في المكتب الهندسي عشان واحد صاحبي عنده أرض عاوز يبنيها. في الآخر طلعوا صحاب، فكانوا بيهزروا مع بعض. فطلبت ضحى من وليد أن تحدث سيف. صدموا ثلاثتهم، لم يتوقعهم هذا، ولكن تحمحم وليد وحدثها بتساؤل: خير؟

عاوزاه ليها؟ أخبرته ضحى دون تفكير: عايزة أطمن على سناء. عادي يعني. أومأ وليد لها دون صوت وطلب من سيف أن يتقدم ليحاكيها، كل هذا بعدما حرك يحيى رأسه بالموافقة. بالفعل تحرك سيف وجلس بجانب وليد، فظهر لها بوجه مبتسم متحدثاً بهدوء: إزيك يا ضحى؟ عاملة إيه؟

أجابته وعيناها تتراقص من السعادة لتحقيق طلبها بالاطمئنان على حب طفولتها وزوجها رغم أنف الجميع، وهو بالاخص، ولكن لابد السؤال أولاً على صديقتها، وبعد ذلك تسأل عن معذبها حتى لا ينكشف اشتياقها له. فاردفت قائلة: الحمد لله، أنا بخير. طمنيني على سنسن عاملة إيه دلوقتي؟ أردف سيف قائلاً: يارب دايماً بخير.

فأكمل حديثه: سناء أحسن كتير، بدأت من كام يوم جلسات العلاج الطبيعي والحمد لله النتيجة حلوة والدكتور طمنا إن شاء الله قريب هتمشي زي الأول. سعدت ضحى كثيراً لهذا الخبر المفرح، فحمدت ربها وطلبت منه إخبار سناء بأنها تتمنى لها الشفاء العاجل وقريباً ستكون بجانبها. ابتسم يحيى على تغير حالة زوجته، ولكن وقفت ابتسامته عندما سمع باقي حديثها، سائلة سيف بتوتر قائلة: سيف، هو يحيى عامل إيه؟ طب هو كويس؟ فبدأت تبكي من قلبها قبل عينيها،

هاتفة: أنا مش قادرة أصدق أنه خلاص ما بقاش جنبي. مش قادرة أصدق أنه سابني. طب يقول لي الأول أنا غلطت في إيه؟ طب لو عملت حاجة ضيقته كان اداني فرصة أتأسف له، لكن ينهي اللي بينا في لحظة. حتى لو حب واحدة غيري يقول لي، بس ما يسبنيش كده. يحيى بالنسبة ليا مش مجرد شخص هتجوزه وخلاص. يحيى النفس اللي بتنفسه عشان أعيش. هو الحياة الحلو اللي بتمنى أكون جواها. هو كل شيء بحبه في الدنيا. مكملة بإستعطاف:

سيف، ارجوك لو تعرف حاجة، ريح قلبي. أنا هتجنن، مش عارف إزاي في يوم وليلة قدر يبعد عني. مش معقول كل اللي بينا يروح في لحظة. هنا لم يقدر يحيى على سماع أكثر من ذلك، فهو أحس الآن بعجز شديد وسأل حاله: كيف لي أن أترك شمسه هكذا؟ كيف أتت لي القدرة على إبعادها عني كل تلك المدة؟ بدأت أعصابه تتشنج من كثرة الغضب على حالها. فتحدث سيف إليها سريعاً حتى يلحق صديقه ويهدئه، فحالته تلك لم يراها من قبل قائلاً:

ضحى، حقيقي مش عارف السبب. يحيى بقى له فترة كبيرة متغير أوي وبسيط جداً. لو اتقابلنا في الشغل ما بنشوفش بعض زي الأول. بس أوعدك قريب هقعد معاه وهحاول أكلمه في موضوعكم. بس ارجوكي ما تزعليش نفسك واعتبري اللي إنتي فيه دلوقتي فترة استجمام وصدقيني هتعدي على خير إن شاء الله. بعتذر منك عشان عندي عميل سايبه من نص ساعة في مكتبي، عن إذنك. أمسك وليد الهاتف محاولا إنهاء المكالمة، فبالفعل حالة يحيى صعبة للغاية، فاردف قائلاً:

طب أنا هقفل دلوقتي يا ضحى عشان صاحبي خلص اجتماعه مع المهندس وعاوز يمشي. هكلمك تاني، سلام. أغلق سريعاً هو الآخر وحاول هو وسيف محادثته، ولكن يحيى قد بدأ في تكسير كل شيء متواجد أمامه على سطح مكتبه، فتركاه اثنيهما يفعل ما يريد لعله يخرج كل ما يضيق صدره وبعد ذلك يهدأ. بالفعل حدث ما توقعه، ولكن كان كف يد يحيى ينزف دماً بغزارة، رغم ذلك لم يحس الألم.

أمسك سيف علبة المناديل الملقاة أرضاً واخرج منها كمية كبيرة ثم وضعها على كف يحيى حتى يقف الدماء. واتصل وليد على دكتور جراح ليأتي على الفور، ربما كف يده يحتاج إلى جراحة سريعة. كل ما يدار حول يحيى لم ينتبه إليه لأنه شارد من الألم، ولكن ليس من يده، بل كان يتألم من قلبه، فهو أقوى وأعمق بأضعاف مضاعفة. تحدث سيف بقلق متسائلاً: يحيى، أنت كويس دلوقتي؟ أجابه وهو شارداً للأمام دون هدف:

طول ما هي بعيدة عني أنا مش كويس. وطول ما أنا مش عارف مين اللي عاوز يفرق بينا مش كويس. وطول ما أنا مش عارف يبعـ.... أوقف يحيى حديثه عندما استمع لهاتفه يدق. تحرك ناحيته فوجده يوسف. ضغط على زر بدء المكالمة سريعاً: يوسف، طمني. في أخبار جديدة؟ أردف يوسف قائلاً: الحمد لله، مسكنا أول طرف الخيط. الرسالة اللي جات لك من يومين على موبايلك ومكتوب فيها: "أنا عرفت إنك هتطلق ضحى، كده أثبت لي إنك راجل بجد وأخدت حقك منها".

لما رجعت الرسايل تاني لفت انتباهي إنها من رقم عادي، بس طريقة كتابة الرسالة لنفس الشخص اللي بيكلمك من الرقم السري. تواصلت مع صديق ليا شغال في نفس شركة الخط، بس لقيت الرقم مش متسجل. ولحسن حظنا شحن الخط انهارده وصديقي عرف اتشحن منين. الغريب في الأمر إنه تم شحنه من مكان في حي الغمري على بليل. هعرف المكان بالظبط، ما تقلقش يا يحيى، إن شاء الله هنعرفه هو مين قريب أوي. ثم بعد ذلك أغلق اثنيهما.

بدار حسن الغمري بأحدى الغرف، مستلقية أمل على الفراش ما يقرب من الساعتين وسامر يجلس على الأريكة المقابلة لها. حركت رموش عينيها أولاً ثم فتحتها وأغلقتها عدة مرات، وبعد ذلك أخرجت صوتاً ضعيف تنادي على باسم زوجها. فز سامر ورقد إليها مسرعاً وجلس بجانبها، ثم أمسك يدها مقبلاً إياها وتحدث بحنو ظاهر بصوته: مولي، قلقتيني عليكي. طمنيني، حاسة بحاجة تعباكي حبيبتي. بكت أمل لتذكرها ما قالته فاتن، فتساءلت بحزن شديد:

سامر، قول لي الحقيقة، اللي أنا سمعته صح؟ فاتن هي السبب في مو... لم تستكمل باقي سؤالها، فوضع سامر كفه يده على فمها مردفاً: شششش، ما تتكلميش تاني في الموضوع ده حبيبتي. لو كان لينا نصيب فيه، كان دلوقت معانا، بس ربنا أراد يحصل كده وهي هتاخد جزاءها. وابنها الله يرحمه، ربنا حب يكون مكانه في الجنة أفضل من حياته معاهم. توجعت أمل على موت الصغير، فأخذها بأحضانها حتى تهدأ. فربت على ظهرها وحدثها بأذنها قائلاً:

مش كفاية عياط يا مولي، كده النون اللي في بطنك هيزعل منك ويقول ماما نكدية. خرجت أمل من حضنه بوجه مبهم. ابتسم سامر وأومأ برأسه عدة مرات وتحدث وعيونه تكاد تدمع من سعادته قائلاً: أيوا يا أمل، إنتي حامل في أول الشهر التاني. شوفتي ربنا بيحبنا إزاي، وحب يعوضنا في نفس اليوم اللي عرفنا فيه الحقيقة. بكت أمل ثانياً، ولكن هذه المرة بسعادة لا توصف ووجه مبتسم كشروق الشمس بعد غياب من غيوم دامت وقت طويل.

حمدت ربها كثيراً، ثم ارتمت بأحضان زوجها متحدثة بفرحة غامرة: آه يا سامر، الحمد لله فعلاً ربنا بيحبنا. ألف شكر يا رب على نعمتك وكرمك علينا. يارب تم فرحتنا على خير. فطالعها بعدما بارك لها سائلاً إياها: تحبي نقعد هنا ولا نسافر القاهرة؟ أجابته سريعاً: عايزة أسافر دلوقتي، مش حابة أقعد هنا. أرجوك يا سامر. ربت على ظهرها وتحدث بتأكد:

نص ساعة وهنكون في الطيارة. أنا عارف رأيك وجهزت كل حاجة بعد ما سألت الدكتور اللي كشف عليكي وطمني وعشان أتأكد أكتر، كلمت الدكتور مالك وأكد لي قدام هنسافر طيران إن شاء الله مافيش قلق حبيبتي. يلا عشان تجهزي نفسك. في المساء، داخل مركز للعلاج الطبيعي بأحد الغرف، بعد انتهاء التمرين كان يخرج سيف وهو ممسك بيد سناء، فاليوم موعد جلستها وهو يأتي معها دوماً. وصلا إلى السيارة وفتح لها الباب ثم أجلسها برفق مغلقاً بابها بهدوء.

وبعد ذلك التف وجلس أمام عجلة القيادة سائلاً إياها: تحبي تروحي فين يا سنسن؟ أجابت سناء بتلقائية: عايزة أروح عند مامتك، نفسي أقعد معاها شوية. وبعدين أقعد في أوضتك، ممكن ولا مش هينفع؟ ابتسم سيف مردفاً: ده بيتنا هينور وسونه هتفرح أوي أوي. تحبي نجيب أكل من بره نفسك فيه؟ أصل الصراحة مش عارف ماما عاملة أكل إيه. رفضت سناء شراء أي شيء من الخارج لعدم وجود شهية للطعام الآن، وإن أحبت أن تأكل ستتناول ما يتواجد بالمنزل.

وافق سيف وتحرك بالسيارة إلى وجهته. بعد حوالي نصف ساعة كان يصف سيارته أمام المنزل ثم ترجل منها وتحرك ناحية جلوس سناء فاتحاً الباب، ساندًا إياها وتحركا إلى مداخل المنزل. دلفا اثنيهما ثم طلبت منه سناء أن يسبقها إلى أعلى حتى يبلغ والدته بحضورها. رفض سيف ذلك، ولكنها صمتت على ذلك، تقبل هو حتى لا تغضب وتحرك بالفعل.

أما هي بدأت تسند على الحائط وتتحرك بتأنٍ حتى وصلت إلى باب شقة نجاة، التي من وقتما حدث خلاف بينها وبين زوجها باتت تقيم بالمسكن بمفردها. جاءت سناء لتلمس الباب إلا وفتح وظهر منه شخص لم تتوقع وجوده بالداخل، والتي بالمقابل نظرت لها الأخرى بقلق فتحدث قائلة: سناء. انتهى البارت التاسع والثلاثون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...