الفصل 42 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الثاني والأربعون 42 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
21
كلمة
6,798
وقت القراءة
34 د
التقدم في الرواية 88%
حجم الخط: 18

التقطت صور فوتوغرافية لأفراد تلك العصابة بشكل واضح، وكان من بينهم شخص بملامح واضحة للغاية، هو شاهين علي الدالي. **قبل يومين من ذلك الاجتماع** بإحدى محافظات الصعيد، داخل منزل والد شريف الذي يعمل صحفي بجريدة الحقيقة، مع صبري أشرف.

يجلس شريف بجانب والده، لليوم السادس على التوالي، يحدثه بأن الدار لم تعد آمنة حتى يبقى بمفرده. لقد بعث والده، إخوته ووالدته من ثلاثة أيام إلى دار خاله بقرية أخرى بعيدة. أما هو، فرفض ترك والده لأنه لم يرد أن تبقى الدار خالية. فأخبره شريف بأنه كل فترة سيأتي إلى الدار ليطمئن على وضعها.

اقتنع والده أخيراً وقرر الذهاب إلى دار شقيقه بمنطقة أخرى لم يكن بها شيء مثل ذلك. جهز شريف احتياجات والده بحقيبة سفر، وأحضر سيارة وتحرك بالفعل إلى دار عمه. أكثر الديار خلت من سكانها بسبب تلك الحرائق التي تحدث يومياً بدار أو اثنتين أو ثلاثة على مدار اليوم، وأحياناً بنفس الوقت. كثرت الأقاويل بين سكان القرية بعدما احتاروا ولم يجدوا سبباً مقنعاً لما يحدث بقريتهم.

قد أتت الشرطة أكثر من مرة، وبعد التحقيقات لم تجد مبرراً لما يحدث بالقرية، فقيدت المحاضر ضد مجهول. بينما تحدث شخص من بينهم مبيناً أن ما يحدث بالقرية يدل على أنها تسكن بداخلها أرواح شريرة هي من تفعل بهم هذا. ربما تأذت من أجدادهم في السابق، واتت تلك الأيام لتنتقم من أحفادهم.

تحدث شخص آخر وأبدى رأيه بأن عليهم جلب شيخ قوي ومتمكن في تلك الأمور حتى يخرجهم من هذه الكارثة التي حلت على قريتهم. فالقرية شبه مهجورة من ترك العائلات لديارهم بسبب رعبهم الشديد لما يحدث، بجانب حرق عدد كبير منها، فباتت القرية كمدينة الأشباح. أيقن الجميع بحديث ذلك الشخص، فلم يجدوا سبباً مقنعاً غيره. فطلبوا من الأخير أن يحضر لهم شيخاً فقيهاً ويكن موثوقاً به، لعل الله يجعله سبباً لإخراجهم من تلك الكارثة.

أتى الليل على تلك القرية المنكوبة، وجاء الشيخ بالفعل، ودلف أحد الديار المحترقة ومعه بعض من سكان هذا الدار، وباقي المتضررين من القرية ينتظرون بالخارج. وضع الشيخ يده على أحد الجدران وتحدث بهمهمات دون أن يسمعه أحد، ثم بدأ ينتفض بقوة مما أثار رعب المتواجدين معه. فخرج مسرعاً من الدار وهم وراءه. فأحضروا له كوباً من الماء، فبعدما ارتوى منه هدأ قليلاً عما كان عليه.

وعندما سألوه ما حدث له، أخبرهم بأن الدار، بل القرية بأكملها، يسكنها جن قوي ولم يخرج منها ببساطة. فزع الجميع مما استمعوا إليه، فطلبوا منه أن يجد لهم حلاً. فقال لهم الحل الوحيد حتى يقدر على إخراجهم أن يترك الجميع القرية لمدة أسبوعين، ومن المحتمل أكثر حتى يتأكد من زوالهم منها إلى الأبد. وافق الجميع دون مجادلة، وبدأوا بالفعل إخلاء ديارهم حتى ينعموا بالاستقرار، فقد أهلكوا مما يحدث لهم يومياً.

أثناء هذا، كان شريف قد أوصل والده إلى دار عمه. وبعدما جلس معهم ما يقرب من الساعتين، تذكر حقيبته التي تركها بدارهم، فبها أوراق مهمة تخص عمله. وقف واستأذن من الجالسين حتى يجلبها، فيجب عليه السفر إلى القاهرة غداً لأن إجازته قد انتهت ولديه أعمال ضرورية بالجريدة. بعد وقت ليس كبير، وصل شريف ودلف إلى الدار وتحرك للطابق العلوي، ثم اتجه ناحية غرفته لأخذ الحقيبة منها. فأقترب من شباك الغرفة بعدما استمع لصوت أحد يتحدث بالأسفل.

فتح الشباك قليلاً فوجد أحد جيرانه يتحدث مع شخص آخر يعرفه أيضاً، ورجلان غريبان عن القرية. فأتـاه الفضول ليعرف بماذا يتحدثون، فتفوه جاره قائلاً: "اديني عملت اللي الباشا طلبه مني. يكـش يديني اللي باجي من قرش" يتحدث الآخر قائلاً: "واني بردك أقنعتهم إن النجع مسكون زي ما قالي بالملي. وجبت الدجال فواز وعمل اللي عليه بأمانة" هنا تحدث ذلك الدجال فواز بتفاخر كأنه فعل شيئاً تكرمه عليه الدولة: "إيه رأيكم باللي قولته؟

"كلايتهم صدقوا إن صح في جن بالنجع واديهم هيلموا كراكيبهم وهيغـ،،ـوروا من اهنه على ما نخلصوا الحفر ونطلع الآثار." وضع كرم، رجل شاهين الأول والمسؤول عن إدارة تلك المهزلة اللا أخلاقية، يده على فم ذلك الدجال وتحدث بغضب شديد مردفاً: "اتكتم خالص. أنت عاوز تودينا في داهية ولا إيه؟

ما تنطقش بكلمة عن الحفر قدام حد ولا حتى مع نفسك. خلي الأيام اللي قاعدين فيها هنا تعدي على خير وبعد كده كل واحد فينا يروح لحاله كأننا ما شوفناش بعض خالص." مكملاً بتحذير شديد اللهجة: "الباشا بتاعنا لو سمع كلمة من اللي قولتها دلوقتي هيوديك ورا الشمس. أنت أو أي حد منكم سامع منك ليه." كل ذلك وشريف يستمع لهم بذهول. فهذا الحوار الذي يحدث بأسفل داره كبير، لم يختص على سرقة قريته فقط، بل سرقة وطن بأكمله.

حاول شريف تهدئة حاله قليلاً ليعرف المزيد من المعلومات، لربما يقدر على إحباط تلك العملية الوضيعة. تحرك شريف بخطوات هادئة ناحية حقيبته وأخرج منها آلة التصوير (الكاميرا) الخاصة به، ثم رجع إلى الشباك مرة أخرى ليلتقط بعض الصور لهؤلاء الأشخاص، فلابد من محاسبتهم على ما يفعلونه ببلدهم. أقفل فلاش الكاميرا حتى لا ينتبهون إليه، وساعده على توضيح الصور تلك الإنارة الموضوعة على عمود مقابل داره، وبدأ في أخذ صور لهم. ولكنه توقف عند

سماع شخص من الغرباء يقول: "الباشا وصل. ما حدش يفتح بُقُه بكلمة. اسمعوا وبس. تمام." هز ثلاثتهم رؤوسهم بالموافقة بصمت. ظهر ذلك الباشا بوضوح لـ شريف، الذي نظر إليه بتدقيق كأنه يتذكر ملامحه، فأحس أنه رآه من قبل، ولكن متى وأين؟ لا يعرف.

فتحدث شاهين الملقب بالباشا وهو يشكرهم على ما فعلوه اليوم، فهذا إنجاز وتوفير لوقتهم الثمين. ثم أخرج من جيبه نقوداً كثيرة أعطاها لهم كدفعة من حسابهم الذي اتفق معهم عليه لمساعدته في تلك المهمة، وأكد لهم أن باقي المبلغ سيصل لهم بعد انتهاء العملية مباشرةً. فرحوا ثلاثتهم بما قاله وفعله، ونسوا أن ما يفعلوه لا يسمى غير خيانة لأهاليهم ولوطنهم.

هنا تذكر شريف، بعدما عصر رأسه من التفكير بذلك الشخص. فقد رآه يوم حادث مينا عندما كان يدافع عن ليزا من المدعو ماجد داخل إحدى النوادي. في ذلك اليوم، بعث الأستاذ صبري أشقر، والد ليزا، شريف إلى النادي الذي حدث به محاولة الاعتداء من ماجد على ابنته، وانفذت على يد مينا. ليعرف ما يدور بالمكان وهل علم أحد بهوية ابنته.

في ذلك الوقت، رأى شريف، شاهين ومعه عدد من الأشخاص ذات البنية القوية، وهم يمحون أي آثار للحادث بجانب مسح كاميرات المراقبة التي ظهر بها ماجد وهو يعتدي على مينا. أغلق شريف كاميرته وخرج من الغرفة حتى لا يسمعه أحد ممن بالأسفل، وأمسك هاتفه واتصل على أستاذ صبري وأبلغه بكل ما سمعه، وبعث له الصور بعدما أخبره عن هوية ذلك الشخص. فعلم أستاذ صبري أن رجل الأعمال صلاح مكرم، والد ماجد، هو من وراء كل هذا.

فأغلق مع شريف وهاتف سيادة القائد المسؤول عن تلك القضية وأبلغه بكل شيء. هنا قد انتهى قائد المهمة شرح جميع المعلومات التي وصلته مع توزيع صور أفراد العصابة على الحضور. كما حدد رئيس الجهاز مع القيادات مراقبة تلك الخارجين عن القانون حتى يبلغهم بساعة الاقتحام والقبض عليهم.

خرج وليد من غرفة الاجتماعات واتصل على يحيي ليطمئنه أنه بالقريب العاجل سيخبره بمكان شاهين الذي يستحقه، ووقتها سيقدر على رفع قضية لمحاكمته على ما فعله معه ومع زوجته. **بعد مرور يومان من مقابلة عادل بمحامي والده** هاتفه وحدد معه ميعاداً باللقاء غداً داخل مكتبه. أتى النهار سريعاً، واقترب الموعد، وعادل الآن جالس أمامه. تحدث المحامي شرف وهو يخرج أوراقاً من درج مكتبه قائلاً: "اتفضل يا بشمهندس عادل امضي على الكام ورقة دول."

نظر عادل له مصطنعاً عدم الفهم، فتحدث بتساؤل: "ورق إيه اللي أمضي عليه؟ ياريت توضح كلامك يا متر." التف المحامي شرف من خلف مكتبه الخشبي وجلس على المقعد المقابل لـ عادل مردفاً: "مبروك يا عادل. بعد امضيتك ديه هتكون أملاك والدك كلها باسمك. لا يمكن حد يقول غير كده. الورق كله سليم مية في المية."

اضطر عادل أن يبتسم ويظهر سعادته حتى لا يشك بأمره، وبدأ يجاريه في الحديث، فهو يسجل هذا الحوار من خلال تطبيق مسجل الصوت الموجود بهاتفه. فتحدث قائلاً: "معقول يا أستاذ لحقت تخلص الإجراءات كلها خلال يومين؟ استغرب شرف بعملية لأنه أمر معتاد عليه في مجال عمله: "طبعاً يا عادل. أنا ليا رجـالتي في الشهر العقاري اللي بيخلصوا لي كل شغلي في دقايق. وبعدين كله بتمنه. هما ماشيين بمبدأ فلوسك حاضرة تحت أمرك."

ثم وقف من جلسته وتحرك ناحية المبرد الصغير المتواجد بركن في الغرفة وأخرج منها علبتين من العصائر المعلبة، فوضع واحدة أمام عادل طلباً منه أن يرتشف منها. وأثناء تحركه من جلسته، استغل عادل ذلك ووضع إمضته على الورق. رفض عادل تناول علبة العصير متحججاً بأنه لم يقدر على ارتشافها. ابتسم شرف بسماجة وتساءل بمكر: "يا ترى يا باشمهندس أتعابي هتكون كاش ولا نسبة من أملاك الوالد؟ فأكمل معتذراً مردفاً: "آسف قصدي أملاكك."

أخبره عادل وهو يغلق الأوراق ويضعها بجيب جاكته بوضوح تام: "لا كده ولا كده." ما زالت الابتسامة مرسومة على وجه شرف لعدم فهمه المقصد، فأكمل سائلاً: "أومال هاخدها إزاي؟ أجاب عادل وهو يقف من جلسته قائلاً: "مش هتاخد حاجة أصلاً." جحظت عيون شرف وتحدث غاضباً: "يعني إيه الكلام ده؟ أنت فاكر نفسك تقدر تضحك عليا؟

لا يا حبيبي أنا من بكرة هلغي كل حاجة والورق اللي معاك تبله وتشرب ميته. مش شرف حافظ اللي يتنصب عليه. دي شغلتي من وانت عيل بتلعب بالعربية أم ريموت اللي باباك جابهالك عشان نجحت في ابتدائي." ثم خبط بيده على سطح مكتبه بغضب شديد وأكمل قائلاً: "فوق لنفسك واعرف أنت بتلعب مع مين. أنا شرف حافظ." صفق عادل بيداه وتحدث بهدوء مميت مردفاً:

"برافو يا متر. أبهرتني بجمال أدائك الممتع. بس أحب أعرفك ولا شعرة في راسي اتهزت من كلامك. لأنك بكل بساطة جبان وما تقدرش تعمل حاجة. عارف ليه؟ عشان الحوار الشيق ده متسجل كله وهطلع بيه حالاً على مكتب النائب العام. طبعاً بما إنك محامي مخضرم عارف باقي الإجراءات اللي هتم." تحرك شرف ناحية عادل وتحدث بصوت عالٍ قائلاً:

"التسجيل ده أعمل له لحن ونازله أغنية على سي دي وكل شوية أسمعها عشان ما تنساش خيبتك. لأن النائب مش هيعترف بيه قدام مافيش أمر من النيابة بتسجيله." خبط عادل بيده على مقدمة رأسه فتحدث بخيبة أمل: "اإزاي فاتتني حاجة زي كده؟ فعلاً النيابة مش هتاخد بيه." ابتسم شرف بشماتة واضحة وطلب من عادل إعطائه الأوراق التي أخذها. أدخل عادل يده لكي يخرجها، ولكن توقف عن إخراجها وابتسم هو الآخر وتحدث بثقة قائلاً:

"بس ممكن أستغل التسجيل بطريقة تانية." تغيرت ملامح شرف وظهر عليها القلق، فأردف سائلاً: "يعني إيه؟ فأكمل حديثه بتلعثم قائلاً: "وبعدين أنا ممكن آخد موبايلك حالاً وأكسره." قهقه عادل بشدة ثم تفوه بجدية وهو يخرج هاتفه من جيبه: "عاوز تاخده اتفضل. بس أحب أقول لك معايا موبايل تاني مفتوح فيه الاتصال مع صديق مخلص ليا بيسجل الحوار كله على الهوا." أخرج الهاتف الآخر بالفعل ثم ضغط على زر مكبر الصوت (الاسبيكر)

فاتحاً إياه، فأردف لصديقه سائلاً باستفسار: "الصوت واضح عندك يا سامح؟ أخبره الأخير بتأكيد: "واضح جداً يا هندسة." فواصل عادل حديثه مع شرف بعدما شكر صديقه، واضعاً هاتفيه بجيبه قائلاً:

"أنت ما تعرفش السوشيال ميديا بأنواعها ولا إيه يا متر. طب أنا هكسب فيك ثواب وأقول لك. فيه برامج معينة في القنوات الخاصة بتحب النوعية دي من الفضايح. ده غير إن ممكن أنزل التسجيل على النت والناس تشيره على صفحاتها. عاوز أقول لك فيه أشخاص أكل عيشها من فيديوهات الفضايح دي. يلا ربنا يرزق الجميع." تملك الخوف من شرف، لكنه ادعى غير ذلك، بينما فهم عادل حالته من طريقة حديثه:

"أنا مش خايف من كلامك ده لأن ولا أي حاجة هتحصل من اللي في دماغك. وحتى لو نزلت زي ما بتقول هطلع وأكذب والموضوع مع مرور الوقت هيموت وبعدها الناس هتتلهي في قصص تانية. يعني كل اللي بتعمله ده ولا ليه أي تلاتين لازمة." هتف عادل بتهكم:

"فعلاً باين إنك مش خايف. عموماً أجرب ونشوف. بس ساعتها أتمنى ما حدش من ضحاياك يظهر ويحكي عن بلاويك معاه. وحتى لو ما حدش اتكلم، كفاية الشوشرة على سمعتك. شوف أنت بقى في بلدنا الأخبار بتوصل في ثواني والكل بيتكلم بعدها بدقيقتين. ده غير التأليف والإخراج والآراء والانتقادات اللي هتشوفهم." جلس شرف ووجهه يصُب عرقاً، أخرج منديل من جيبه وبدأ في إزالته بيد مرتعشة، فأردف سائلاً: "أنت عاوز مني إيه بالظبط؟

وقف عادل أمامه ناظراً له بقوة قائلاً:

"عاوز تسيب الشغل عند والدي وتنسى إنك عرفتنا من الأساس. لأنك فعلاً ما تستحقش ده. وكفاية إخلاص عمي حسين ليك اللي بالمقابل خونته وبهدلت أسرته. وكمان أتمنى تشتغل بأسلوب نضيف وتتعلم من اللي حصل بينا. يمكن ربنا حب يديك إنذار عشان تتراجع عن أفعالك المنحطة اللي بتؤذي بيها ناس ضعيفة وتاخد حقهم وتديها لناس قوية وللأسف بتكون شبعانة بس جواهم جشع ومرض وحب تملك الدنيا. فاكرين نفسهم هيعيشوا مش هيموتوا ولا هيتحاسبوا على أفعالهم."

هنا لم يقدر شرف على التحدث أكثر من ذلك، فقد أهلك بالفعل من شدة توتره والخوف الذي تملك منه، فتحدث باختصار: "حاضر يا باشمهندس حاضر." تحرك عادل ناحية الباب وفتحه ليغادر المكتب والمكان بأكمله، ولكن التفت إليه قبل رحيله مردفاً: "ياريت متحاولش تتصل بوالدي لأن ساعتها هتندم أوي."

ثم أغلق الباب وراءه بقوة. فمن شدة الصوت جعل جسد شرف يهتز، الذي بدأ بفك ربطة عنقه لشعوره الشديد بالاختناق، محاولاً مسك سماعة هاتف المكتب لكي يستدعي سكرتيرته لتحضر له بخاخته الخاصة من درج مكتبه. **في صباح اليوم التالي** ذهب عادل إلى حي الغمري باكراً بعدما هاتف يحيي وأبلغه بأنه يريد لقاءه هو ووالده الحاج رشاد مع زوجة عمه وابنتيها لأمر ضروري.

وعندما اجتمعوا، أخبرهم عادل بما حدث بالأمس مع المحامي شرف، ثم أعطى لزوجة عمه ورقة مسجلة بالشهر العقاري بها جميع أملاك عمه التي أخذها والده، وهذا المحامي عنوة. فبذلك قد رجع الحق لأصحابه. سُر الجميع مما فعله، واكتملت سعادتهم عندما استأذن عادل من الحاج رشاد بأنه يريد عقد القران غداً على حبيبة عمره. ثم بعد ذلك سيأخذ أسرة عمه من هنا إلى بيته الجديد. نظر الحاج رشاد إلى السيدة عايدة وغادة، فسألهما عن رأيهما.

هزت غادة رأسها بالموافقة، وكذلك والدتها، ولكنها طلبت من عادل بأنها لا تريد الذهاب إلى أي مكان تسكن به، بل تريد الذهاب إلى منزلها هي وابنتها ريم، فهذا ما تبقى لها من ذكري زوجها الراحل، الذي بداخله ذكرياتهما منذ يوم دخولهما إلى مسكن الزوجية معاً. حاولا عادل وغادة إقناعها بالذهاب معهما إلى المنزل الجديد، لكنها أصرت على رأيها.

رحل عادل من حي الغمري بعدما صافح يحيي والحاج رشاد بسعادة كبيرة، وبالمقابل بادلاه كلاهما مثلها، ثم أخبر الحاضرين بأنه سيأتي غداً بعد صلاة المغرب ليتمم تلك المناسبة السعيدة. تحرك عادل ذاهباً إلى منزل والده وأعطى له عقد تنازل موثق به جميع أملاكه، مثلما فعل مع أسرة عمه. وهو يخبره بما حدث من وقتما قابل أسرة عمه إلى ذهابه لمحاميه عديم الإخلاص، وأخيراً الاتفاق على عقد قرانه بـ غادة. غضب والده بشدة واتهمه بالخيانة.

ثار عادل كثيراً وحدث والده بلهجة لم يتحدث بها من قبل: "أنا كده خنت؟

بالعكس، أنا صلحت اللي حضرتك عملته بعد ما اتفقت مع واحد خسيس على مرات أخوك وبناتها الأيتام اللي من لحمك ودمك ورميتهم في الشارع. ونسيت أخوك اللي ما كانش لك غيره وكل همك شغلك وتكبير ثروتك وبس. فتكبر إزاي بسرعة وبطريقة سهلة ومش متعبه غير إنك تاخد ورثهم وخلاص. لكن هما يروحوا فين يعيشوا إزاي، حاجة ما تشغلكش. حتى البيت اللي ساترهم أخدته والناس الغريبة عنهم هما اللي صانهم وحافظوا عليهم. بس هقول إيه، هي دي شغلتك في الحياة تذل غيرك وتجبرهم على عيشة مش عايزنها. المهم إنك تكون مبسوط ومرتاح. عموماً ده كله انتهى ومش هيحصل تاني. لإن سكوتي عليه كان أكبر غلط مني. لكن خلاص هصلح غلطتي ومن النهارده مش هتقدر تجبرني أو تجبر حد فينا على أي حاجة تاني."

صفعة قوية سقطت على وجه عادل من والده، مع خروج شهقة عالية من والدته التي عندما رأت ذلك جرت باتجاه عادل ووقفت أمامه حتى لا يفعل والده هذا مرة أخرى، فحدثته بتحذير ودموعها تتساقط من عينيها: "أوعى تفكر تلمس ابني تاني. أنا استحملت منك كتير. لكن توصل إنك تمد إيدك عليه مش هسمح لك. أنت سامع؟ رفع يده ثانياً وكاد يصفعها، ولكن في لمح البصر حركها عادل ليقفها خلفه، فسكنت الصفعة على وجهه مرة أخرى.

تحمل عادل الألم وحدث والده برجاء ألا يؤذي والدته، فهو لم يقدر أن يرى ذلك. بدأ والده يكسر كل شيء أمامه ليفرغ غضبه. تركه عادل وكذلك والدته يفعل ما يريده. وبعد وقت قليل هدأ، ثم جلس على الأريكة وهو يتنفس بصعوبة من إجهاد ما فعله. جلس عادل مقابل له وأخبره بأنه غداً سيتزوج من ابنة عمه، ويريد أن يذهب معه ويعتذر من أسرة شقيقه ليبدأوا صفحة جديدة وينسوا الماضي جميعاً.

احتدم والده بشدة وأمره أن ينسى تلك الزيجة وإلا سيغضب عليه مدى الحياة. تفوه عادل بكل هدوء وأخبره بأنه لم ولن يتنازل عن وجود غادة بحياته مرة أخرى، فكفى ما أضاعه كل تلك السنين الماضية دونه. تحدثت والدته إليه وهي مبتسمة بأنها ستذهب معه. فأردف والد عادل موجهاً الحديث لزوجته: إن ذهبت مع ولدها ستخرج من هذا المنزل بلا عودة.

نظرت إليه بتحدٍ وأعلمته بأنها هي من تريد هذا منذ زمن بعيد، وها قد أتى الوقت المناسب. فوجهت عينيها لـ عادل وأخبرته بأنها ستحضر حقيبتها لتأتي معه ولن ترجع لهنا مرة أخرى. ثم تحركت لتفعل ما قالته. حزن عادل من قسوة قلب والده بجانب رأسه اليابس الذي لا يرى في الحياة غير ادخار الأموال فقط، ولم يعلم عن أشياء بالحياة تسمى الرحمة والحب ودفء العائلة.

وبعد نصف الساعة، أخذ عادل والدته ورحل من منزل والده، الذي دلف لغرفته وهو حزين بعدما أخبرته زوجته بأنها تريد تركه من وقت كبير. **عصر اليوم التالي** داخل منزل الحاج رشاد، الجميع يرتب حاله، وكذلك بعض سكان الحي لحضور حفل عقد قران غادة وعادل بإحدى المساجد الشهيرة بمحافظة القاهرة. فهذه رغبة العروس أن يكون الزفاف دون حفل بقاعة مناسبات بفندق فخم أو نادي كبير، بل يقتصر بالمسجد فقط. ثم بعد ذلك يذهبان إلى مسكن ارتباطهما الأبدي.

وقبل موعد عقد القران بساعة ونصف، أتى عادل ومعه والدته لأخذ غادة وأسرتها. الذي دلف إلى داخل الشقة ليأخذ محبوبته حتى يستكمل توثيق حقه بأنها له وليست لغيره لآخر العمر. فرآها تطل عليه كالأميرات اللاتي يحكي عنهن في قصص الأساطير. بفستانها الستان أبيض اللون الذي بعثه لها عادل مع صديقه طارق منذ أكثر من أربع ساعات.

كما يوجد على رأسها تاج رفيع به لؤلؤات صغيرة رقيقة للغاية يحتل أسفله حجاب نفس لون الفستان. هي ولأول مرة بعمرها تغطي رأسها، لذلك قد نوت ألا تنزعه عنها طيلة حياتها، فقد لبسته عن اقتناع شديد والحمد لله. أما وجهها، فزينته ببعض مساحيق التجميل الهادئة بمساعدة سناء، التي علمت بحقيقة الانفصال المزيف بين يحيي وضُحى من سيف، الذي اضطر لذلك بعدما رآها متعبة من بُعد صديقتها عنها. وكان معها أيضاً إيناس وسمية.

بينما عادل يقف أمامها بوسامة شديدة، يرتدي بذلة كلاسيكية سوداء اللون وقميصاً باللون الأبيض. مثل الفارس الشجاع الذي أقسم أن يحارب العالم حتى ينعم بحضن معشوقته، الذي تمنى أن حبه ينصب داخل قلبها لتبقى له ليس لغيره.

ارتسمت ابتسامة انبهار على وجه عادل من جمالها الهادئ، مع ابتهاج قلبه لرؤيته لها بغطاء الرأس هذا الذي زادها حسنًا وروعة. فحاول منع حاله حتى لا يجري عليها ويدخلها بأحضانـه ويحكي لها عن مدى سعادته بها واشتياقه لها. وعندما رأت والدة عادل، غادة بتلك الهيئة الخاطفة للأنظار، أطلقت زغرودة عالية لتعبر بها عن مدى سعادتها بهم. بدلتها والدة غادة بزغرودة أقوى، فهذا اليوم من أجمل الأيام بحياتهما.

باركت لهما والدة يحيي وكذلك والدة سناء، اللتان لم تتركاها منذ أمس، فقد احتفلا بليلة الحنة داخل الشقة. غادة وأسرتها ومعهما بعض من نساء وبنات الحي، فقد دعتهن الحاجة سعاد حتى يشاركوا الفرحة معهم. وبعد الانتهاء من احتفالهم هذا، أمسك عادل يد غادة وتحرك إلى الخارج وسط مباركات من الحاضرين، فاتحاً باب سيارته الأمامي وأجلس عروسه لتكن بجواره. أما والدته ووالدة غادة وشقيقتها، جلسوا بالخلف.

ثم بعد ذلك استقل هو الآخر السيارة ليقودها إلى المكان الذي سيلتقطون به بعض من الصور الفوتوغرافية لتلك المناسبة الرائعة مع أشهر مصممي التقاط الصور المسمى بالفوتوسيشن. فقد جهز عادل منذ الصباح كل ما يخص تلك المناسبة السعيدة بمساعدة صديقيه طارق وسامح.

بينما يحيي ووالده وباقي المدعوين سيذهبون إلى المسجد مباشرةً بعد ساعة من تحرك عادل من الحي. وكان من ضمن الحضور الأستاذ محسن، والد ضحى، الذي انتهى من ارتداء ثيابه وترجل لأسفل حتى يجتمع الجميع ثم يتجهوا إلى المسجد. أثناء جلوسه أمام مخبز الحاج رشاد بمفرده، آتاه اتصال فيديو من ابنة قلبه ضحى، ففتح الاتصال وقام من جلسته يسيراً إلى الأمام قليلاً.

وأول ما رآها ظاهرة في شاشة هاتفه، ابتسمت عيناه، فكم اشتاق إليها ولصوتها. فحدثها بكل حنان أبوي قائلاً: "حبيبة بابا وحشتيني." تنفـت ضحى بلـ،،ـوم وعتاب: "قصدك بابا اللي نسي حبيبته ده كله وما جاش شافها." فأكملت بضيق: "بابا أنا زهقت وعايزة أرجع، وكفاية كده. حضرتك والبيت وسناء ويحـ.. قصدي والحي وكل حاجة وحشتني." ثم بدأت في البكاء، فهي لم تريد الذهاب إلى منزلها، بل تريد رؤية معذبها.

فكرت ضحى بجدية منذ خمسة أيام ونوت وقتما تعود إلى حي الغمري ستذهب إلى يحيي مباشرةً وتسأله: لمـا تركتني؟ فالأمر قد حسم والقرار اتخذ بعدم التنازل عن يحياها مهما حدث، فهو حب طفولتها وصباها بل عمرها بأكملها. أسكتها والدها الذي تأثر بشدة قائلاً: "طب عشان خاطر بابا بطلي عياط. بصي استحملي عشر أيام كمان وإن شاء الله هتلاقيني عندك وهقضي يومين معاكم وبعدين نرجع بيتنا. خلاص حبيبة بابا." تحدثت ضحى بحزن بعدما توقفت عن البكاء:

"عشر أيام كتير أوي يا بابا. أنا قربت على شهر هنا. الظاهر كده بقيت أنت كمان مش عاوز تشوفني." يهتف والدها بتأكد بعدما فهم مقصدها: "أبداً حبيبتي، الحكاية إن عندي جرد زي كل شهر وأنتِ عارفة أنا بكون مشدود إزاي. بس أوعدك أول ما أخلص هحجز التذكرة وأجي أقضي معاكي كام يوم حلوين. هخليكي تحكي عن جمالهم عشر سنين قدام." مكملاً بمداعبة لصغيرته الوحيدة: "ممكن بقى بنوتي الحلوة تفك التكشيرة عن وشها عشان مش لايق على القمر يزعل خالص."

ابتسمت ضحى من كلمات والدها الذي دائماً يحدثها بها وقتما يراها حزينة، فواصلت حديثها بمشاكسة خفيفة مثل عادتها قائلة: "بس بقى يا محسن أحسن نادية تسمعك وتعمل لنا حكاية. ما أنت عارفها بتغير مننا إزاي." قهقه والدها على حديثها بجانب سعادته لتغير حال ابنته مردفاً: "تصدقي كلامك صح. كويس إنها مش سمعانا أحسن كانت هتقول... فصمت عندما رأى زوجته واقفة خلف ضحى تكمل باقي جملته:

"أومال ما بسمعش أنا كمان الكلام الحلو ده ليه يا محسن أفندي؟ يضحك ثلاثتهم على ذلك الحديث، فدائماً يحدث ذلك بينهم ولكن بحب شديد. جاء ليجيب عليها إلا واستمع لصوت آتٍ من خلفه يحدثه: "عم محسن، الحاج رشاد والأستاذ يحيي مستنين حضرتك عشان كتب الكتاب قرب يبدأ." كان هذا صوت حمص، صبي المخبز. تفوه الأستاذ محسن مبلغاً إياه بأنه سيأتي في أقل من ثلاث دقائق. تحرك حمص ليخبرهما.

ثم التف والد ضحى لينهي الحديث معهما، فوجد الدموع تتساقط من عيون وحيدته بينما زوجته الذهول مرسوماً على وجهها بحزن كبير. اهتز قلبه رعباً عليهما وتساءل بخوف: "في إيه؟ مالكم عاملين كده ليه؟ تحدثت نادية بريبة سائلة: "كتب كتاب مين يا محسن؟ هنا اتضح له الأمر بأن سبب تغيرهما هذا سماع حديث حمص. فحمد ربه وتحدث إليهما: "ده كتب كتاب بنت يتيمه والحاج رشاد جمع رجالة الحي عشان نقف جنبها هي والدتها. ادي كل الحكاية."

نطقت ضحى بتلعثم وهي تزيل دموعها بعدما اطمأن قلبها: "بابا هو حضرتك بتشوف يحيي؟ قصدي أتكلم معاك على موضوعنا أنا وهو يعني؟ طب قال لحضرتك سبب بعده عني؟ أراد والد ضحى أن ينهي حديثه مع ابنته لأنه لم يعرف بماذا يجيب، فقد أبلغه يحيي صباح اليوم بالهاتف بأنه يريد أن يجلس معه ليسرد له المستجدات عن ذلك المتصل الغامض حتى يحددوا الخطوات القادمة. فتحدث قائلاً:

"حبيبة بابا لما آجي لكم هقعد وأحكي معاكي بالتفاصيل عشان ماينفعش نتكلم في موضوع زي ده بالموبيل ولأني كمان مستعجل دلوقتي. تمام حبيبتي." تنفـت ضحى بقلة حيلة لعلمها الشديد بأنها مهما تساءلت وحاولت مع والدها الآن لن يجيبها، فأضطرت أن ترضخ لطلبه وأردفت قائلة: "تمام يا بابا. بس على شرط تكلمني كل يوم لغاية ما تيجي إسكندرية بالسلامة."

وافقها والدها على ذلك الشرط، فاغلق معها المكالمة، ثم اتجه لوقوف يحيي ومن معه ذاهبين إلى المسجد المقيم به عقد القران. قبل أن يحدث هذا بحوالي نصف ساعة، كان الشبح واقفاً داخل المقهى ومعه المعلم علي، قبل رحيله لعقد القران. أبلغه بأن اليوم آخر عمل له هنا بالمقهى، بل آخر يوم بالمحافظة بأكملها. فقد أخبره كذباً أن والده مريض كثيراً ويريد الذهاب إلى قريته ليكن بجواره، لربما يتوفى دون رؤيته فيندم فيما بعد.

تأثر المعلم علي بحديثه متفهماً موقفه، فبعد الوالدين لا شيء بالحياة له قيمة. فأخرج من حافظته الجلدية نقوداً كثيرة، معطياً إياها وحدّثه بصدق شديد إن أحب الرجوع إلى العمل بالمقهى مرة أخرى سيجد وظيفته بانتظاره. وبعد وقت قصير تصافح كلاهما وذهب الشبح متجهاً إلى حي غنيم الذي يسكن به بعدما ذهبوا الجميع ليحضروا تلك المناسبة حتى يأخذ أشياءه المتواجدة بالشقة، وبعد ذلك يترك الحي مثلما أمره يحيي.

دلف إلى شقته، فأتاه اتصال من شاهين يتساءل عن أحوال حي الغمري، بجانب إن علم بمكان تواجد ضحى أم لا. حدثه الشبح بغضب شديد مبلغاً إياه بأنه من هذه اللحظة لن يخبره بشيء ولن يعمل معه ثانياً، لأنه سيترك الحي ويرحل. استغرب شاهين من جرأته، ولكنه حاول أن يكون متمسكاً وبهدوء شديد سأله عن تغيره المفاجئ هذا. تلجلج الشبح ولم يعرف بماذا يجيب، فقد حذره يحيي بعدم إخبار شاهين معرفته بأنه هو من وراء ما يحدث له.

فاتى برأسه موقف سيف وإيناس معه داخل المكتبة، فأخبره بما حدث ذلك اليوم بجانب نظرتيهما له المليئة بالشك. تحدث شاهين بصوت غاضب: إن لم يتراجع عن حديثه المبهم هذا سيعاقبه عقاباً شديداً ألا وهو إدخاله السجن. تلـفـت الشبح دون خوف بأنه لا يقدر على فعل شيء، فبعد خروجه من الحي لم يعرف له مكان ولن يستدل له على العنوان، ومن المحتمل ترك البلد نهائياً.

فأغلق الهاتف دون السماع لرد شاهين عليه، ثم أخرج شريحة الاتصال منه كاسراً إياها، وبعد ذلك ألقى بالهاتف أرضاً ضاغطاً عليه بقدمه عدة مرات. فبتلك الهيئة لا يمكن لأحد استخدامه ويصعب على أي شخص إصلاحه. وبعد ذلك بدأ في لملمت ما يخصه بالشقة، تاركاً إياها إلى الأبد. نظر شاهين إلى هاتفه بعدما أغلق الشبح الاتصال بوجهه دون خوف. فأقسم أنه سينتقم من الأستاذ فتحي وابنته، فهذه ليست المرة الأولى يكن أحد منهما سبباً بإغضابه.

التفت لجانبه نظراً لـ كرم، مطالباً منه تجهيز سيارة لنقلهما إلى محافظة القاهرة ليلاً مع اختيار طريق آمن ذهاب وإياب حتى لا يراهما أحد. **قبل بدء مراسم عقد القران** طلبت غادة من الحاج رشاد أن يكون وكيلها، كما طلبت من يحيي يمضي على عقد الزواج كشاهد أول. بينما طلب عادل من طارق أن يكون شاهداً ثانياً على العقد. بعد مرور ساعة من الاحتفال والمباركات من الجميع، طلبت غادة من عادل أن يحضر يحيي كما اتفقا سوياً.

بالفعل تحرك عادل إليه وأتى يحيي معه ذاهبين إلى غادة الواقفة بإحدى زوايا المسجد. وقف ثلاثتهم، فبارك يحيي لها مرة أخرى متمنياً لهما السعادة، داعياً الله عز وجل أن يرزقهما الذرية الصالحة. أومأت له غادة بابتسامة مزيفة من شدة توترها، رغم محاولات عادل بعدم ذلك، ولكنها لم تقدر على التغلب من هذا الشعور. أحس يحيي بشيء غير واضح بها، فتساءل بقلق: "في إيه يا غادة؟ فلم تجب، بل ملأت الدموع عينيها ثم بدأت في البكاء.

اشتد القلق أكثر، فوجه نظره إلى عادل سائلاً بترجٍ: "طمني أنت لو سمحت." تحمحم عادل مردفاً: "أنا ما أقدرش أقلل من الموضوع أو أكبره. بصراحة أنت اللي تقيم ده." تشوش يحيي من كلمات عادل لعدم فهمه معانيها، فتحدث بهدوء لإحساسه باضطرابهما: "طب ممكن أفهم براحة عشان بجد مش قادر أركز في ولا كلمة اتقالت. مكملاً بحيرة: وبعدين أنتم متوترين كده ليه؟ محسسني إن في مصـيبة، لا قدر الله." هنا نطقت غادة وهي مازالت تبكي قائلة:

"أيوة في مصيبة. أنا عملتها أذيتـك بيها. بس صدقني كنت مغيبة وما عرفتش أو ما فهمتش وقتها إنها لعبة قذرة واتلعبت عليا. ليه ومن مين بجد ما أعرفش." "من فضلك احكي يا غادة. بس ما تعيطيش. وزي ما عادل قال أنا اللي هقيم إذا كان يستاهل ولا لا." كان هذا رد يحيي عليها. مسحت غادة بعضاً من دموعها، ساحبة نفساً عميقاً ثم أخرجته بهدوء حتى تقدر على المواصلة لتوضيح الأمر، فالوقت ضيق للغاية. "يحيي أنا السبب إنك تخسر شغلك مع كريم."

يُدير يحيي رأسه بأصبع يده اليسرى، كأنه يريد استيعاب ما سمعه، فتساءل مستفسراً: "يعني إيه الكلام ده؟ ممكن توضحيه؟

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...