الفصل 31 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
16
كلمة
9,413
وقت القراءة
48 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

تحدث سامي بصعوبة وهو يجيب على سؤال غادة.

"أنا امضيتك على ورقة فاضية وسط أوراق جبتهالك. مش يحيي. وده مقابل مال عشان أعالج بنتي شذي الله يرحمها. من الكانسر اللي كان عندها في الدم. عارف إني غلطت وظلمت. ناس مالهمش ذنب. بس أنا أب. وصعب عليا أشوف بنتي بتموت كل يوم بالبطيء. مكانش قدامي حل غير إني أوافق على العرض اللي اتقدملي. من غير ما أفكر. الشيطان وسوسلي. إن ده هو الصح عشان شذي. مع إن في نفس الوقت صوت جوايا قالي لا إنت كده هتأذي غيرك. لكن حزن قلب أب. مش في إيده حاجة هو اللي أجبرني أسمع لشيطاني. سامحيني يا غادة. بعتذرلك وأنا ندمان. يمكن لو كنت رفضت كان زمان شذي معانا دلوقتي."

نزلت دموع سامي. بحرقة قلب أب فقد ابنته الوحيدة. التي عاشت السنين القليلة من عمرها في ألم وصراع مع هذا المرض اللعين. استغفر ربه كثيراً وأكمل. "سامحني يارب أنا راضي بقضائك. غصب عني أب اتحرم من نور عينه." اشتد سامي في البكاء وزوجته مني التي لم تتوقف دموعها لحظة. بل تزيد. غادة صامتة مستمعة فقط. لا تعرف ماذا تقول. فـ حالة سامي وزوجته صعبة للغاية. وهي لم تقدر على معاتبته.

"ولكني ظلمت شخص لا ذنب له في كل هذا. وتسببت في تركه لوظيفته. وهو لم يرتكب أي خطأ في حقي." لمت نفسها كثيراً. لأنها لم تفكر جيداً في حديث ذلك الرجل الغامض. الذي أتاها وقص عليها حوار زائف لا أساس له من الصحة. وصدقته دون الرجوع للتحقق من ذلك الأمر. تهكمت على غبائها وقالت لـ حالها.

"حكمتي على يحيي. ظُلماً. لأنك رأيتي حبه لزوجته. فانتقمتي منه لتبردي نار قلبك من عادل. الذي عاش حياته وتركك للماضي والألم. ولكن يحيي. لم يكن له يد. فيما أنتِ فيه أيتها الشريرة. الآن يجب عليكي أن تصلحي ما أفسدتيه بيدك. سامي أذاكِ بالفعل ولكن ليس بنفس درجة أذاكِ ليحيي. ساعدني يا الله. حتى أقدر على إرجاع حق يحيي مني. فـ ذلك شيء صعب للغاية. ولكن لابد الإسراع به. فكلما مر الوقت دون كشف الحقيقة. الإحساس بالذنب يكبر ويزيد. وأنا لم أقدر على حمله."

خرجت من تفكيرها. على صوت مني زوجة سامي. وهي تقول. "سامحي سامي يا غادة. هو بيتعذب من يوم ما خلاكي تمضي." نظرت لها غادة. بلوم قائلة. "إنتي كنتي عارفة وما قولتيش ليا. مني ده إحنا أصحاب وعشرة عمر." حركت مني رأسها بالنفي. ودموعها لم تتوقف.

"صدقيني يا غادة. أنا معرفتش. وقتها أنا عرفت قبل ما شذي تموت بيوم. وإحنا واقفين ورا إزاز أوضة العناية. وشذي حبيبتي محطوطة على الأجهزة. لا حول لها ولا قوة. لقيت سامي بيعيط بصوت عالي. أول مرة يعملها. حاولت أهديه. وأقوله ادعيلها يا سامي. هي بين إيدي ربنا. خليك أقوى من كده. أنا ماليش غيرك. لقيته بيقولي. أنا ظلمت ناس. وربنا أكيد بيعاقبني. استغربت من كلامه. وسألته قصدك إيه. حكالي إن في يوم جاله واحد. عند باب الشركة وطلب منه

يقعد في كافيه عشان عاوز في شغل. وهيجي له منه فلوس كتير. وللأسف عشان مرض شذي. اللي كان عندها عاوز فلوس كتير. وإحنا ماكنش معانا حاجة غير مرتب سامي. والمستشفى المتخصصة لمرضها ادتنا معاد بعيد. لأن عدد الأطفال المريضة زي شذي كتير جداً. لقي إن ده حل جه في وقته. ووافق بدون تردد. أنا لمته كتير وكنت عاوزة أسيبه وأمشي. لكن تعب بنتي خلاني عاجزة إن أعمل أي رد فعل. أنا عارفه أنه غلط في حقك. إنتي ويحيي. بس هو ماكانش عارف إن هيحصل

ده كله. سامحيه يا غادة. هو أب وكان ده طوق نجاة ليه. عشان ينقذ بنته. سامحيه عشان ضميره يرتاح. مش عارف ينام. وعاوز يروح لـ يحيي يعتذر منه."

ردت غادة سريعاً. "يحيي أنا اللي هطلب منه يسامحني. لأن أنا اللي أذيته. سامي أذاني أنا. وأنا سامحته عشانك وعشان شذي الله يرحمها. بس اللي طلباه منه يجي معايا نحكي لـ المهندس كريم. صاحب الشركة كل اللي حصل معانا. من الراجل الغامض ده ضد يحيي. أما أنا ربنا يقويني وأعرف أعتذر لـ يحيي. وأتمنى يقبله مني." ابتسمت مني وكذلك سامي. على مسامحة غادة له. فأحس سامي كأن جبل ثقيل كان على كتفيه ولكن بحديث غادة زال للأبد. رد سامي قائلاً.

"شوفي الوقت المناسب وأنا هروح معاكي لـ المهندس كريم." قامت غادة من مجلسها لتستعد للرحيل. وقف سامي وشكرها وكذلك فعلت زوجته. ثم احتضنتها. رحلت غادة من منزلهم. وهي تفكر من أين تبدأ وتحكي وتتأسف لـ يحيي على كل ما حدث له بسببها. نظرت إلى السماء تدعي ربها أن يساعدها في ذلك الأمر فهو شيء صعب كثيراً.

يجلس الآن عادل مع دكتور النساء والتوليد الخاص بزوجته سارة داخل عيادته يتحدثان بشأن العملية التي أجريت لزوجته منذ أكثر من شهرين بإحدى الدول الأوروبية. تحدث عادل لـ الطبيب وهو حزين. بعدما استمع إليه قائلاً. "يعني أفهم من كلام حضرتك دلوقتي إن أنا وسارة مافيش عندنا مشكلة في الإنجاب. لكن لا يمكن نخلف وإحنا مع بعض." صمت قليلاً وأكمل بأمل. "طب مافيش احتمال يحصل حتى ولو واحد في المية." حرك الدكتور رأسه بيأس وقال.

"فعلاً اللي فهمته صح يا أستاذ عادل. وللأسف مافيش أي بوادر أمل ظهرت في نتيجة التحاليل بعد العملية إن ممكن يحصل حمل. إحنا عملنا جميع المحاولات اللي ممكن تؤدي إلى الحمل من علاج لحقن لعمليات جراحية. ولكن إرادة الله فوق كل شيء. وبعد كده يجي السبب العلمي لمنع الإنجاب بينكم. يسمى عدم توافق كيمياء الجسم." نظر عادل باستغراب. كعلامة تدل أنه غير مستوعب لحديثه. فأكمل الطبيب.

"أوضح لحضرتك. إحنا بنعمل أبحاث من سنين حوالين موضوع عدم الإنجاب بين أي زوجين رغم إن مافيش أسباب عضوية تمنع ده. نتيجة الأبحاث أثبتت إن لكل جسم كيمياء وعدم حدوث حمل ده يدل إن كيمياء الزوج غير متفقة مع كيمياء الزوجة. ولكن لو اتجوز كل واحد منهم من شخص تاني ممكن ينجب. لو مافيش أسباب تمنع الإنجاب عندهم." رد عادل وهو مازال حزين على ما سمعه من الطبيب. "وحضرتك بلغت سارة بكل ده." تحدث الطبيب وهو متأثر.

"مدام سارة جاتلي من حوالي 10 أيام. وبلغتها كل اللي قولته لحضرتك. انهارت جداً وبعد نص ساعة هديت. وأول حاجة طلبتها مني إن أعملها العملية الأخيرة تاني. شرحتلها بكل بساطة إنها لا يمكن تخلف منك مهما أخدت علاج أو عملت عمليات لأن حملها منك شيء يستحيل يحصل." "طب رد فعلها كان إيه؟ " كان هذا سؤال عادل لـ الطبيب. أجابهُ الطبيب.

"سكتت شوية واستغفرت كتير. وبعد كده قالتلي. أنا مش هقدر أقوله نتيجة العملية والتحاليل ولا كل اللي كلمتني فيه. ياريت تبلغه بنفسك. هو جاي مصر بعد 10 أيام. كلمه في الفون وخليه يجي من المطار عليك. وفعلًا كلمتك وحضرتك مشرفني النهارده." تكلم عادل بحيرة. "طب حضرتك شايف أفتح الموضوع معاها النهارده ولا لسه نفسيتها تعبانة." تحدث الطبيب بكل ثقة.

"أنا متأكد هي اللي هتفتح معاك الموضوع أول ما تشوفك. لأنها عارفة إنك قاعد معايا دلوقتي. وعموماً صدمتها قلت كتير عن الأول. مدام سارة بتحبك جداً بدليل حزنها أول ما عرفت النتيجة." وقف عادل ومد يده وسلم على الطبيب وشكره على اهتمامه لتوضيح كل هذه الأمور. رد الطبيب بابتسامة هادئة. "مافيش شكر بينا وأنا موجود في أي وقت تحتاجني فيه."

ترك عادل العيادة. واستقل سيارته وتحرك بها وهو يفكر كيف ينسى سارة حزنها عن الأيام السابقة. وكيف يعوضها في الأيام القادمة. فـ الآتي صعب جداً عليهما. سارة رقيقة وحساسة كثيراً. هي لم تغضبه في يومًا منذ أن دخلت حياته بل كانت تفعل أي شيء لإرضائه وإسعاده. دعي الله أن يلهمه الصالح لهما ويقدر على محو كل الحزن من قلبها. خرج من تفكيره على صوت هاتفه وضع سماعة الهاتف بأذنه قائلاً. "السلام عليكم." رد الطرف الآخر.

"السلام. وأخيرًا سمعت صوتك يا عادل. ده أنا بقالي كتير بحاول أكلمك يا جدع." ابتسم عادل رغم حزنه وقال. "طارق أخبارك إيه. وحشني يا راجل. أنا فتحت الفون من غير ما أعرف مين. حقك عليا. أنت عارف لما بكون في ألمانيا الشركة والدراسة هناك بتاخد كل وقتي." تحدث طارق. "ولا يهمك المهم سمعت صوتك بس. من نبرة صوتك حاسس إن فيك حاجة. طمني عليك يا صاحبي." أخرج عادل تنهيدة من صدره تدل على وجع وحزن بداخله. فقال.

"كلامك صح يا طارق. في موضوع خاص بـ سارة محزني جداً." رد طارق سريعاً. "خير يا رب. طمني." أكمل عادل. "مش هعرف أحكيك في الموبيل. أنا لسه راجع النهارده من ألمانيا وفي طريقي للبيت. هرتب أموري وأتصل عليك نتفق على ميعاد نتقابل فيه." تحدث طارق. "الوقت اللي يناسبك يا عادل كلمني ونتقابل. طب أسيبك دلوقتي ومنتظر منك مكالمة." كاد يغلق طارق. فـ أوقفه عادل سائلاً. "هو يحيي عامل إيه." أجابه طارق.

"يحيي بخير. كان خلاص هيتجوز من حوالي شهر بس للأسف حصل حادثة لـ سناء أخت مراتى. ضحى مرات يحيي. فـ الفرح اتأجل." هنا أوقف عادل سيارته مرة واحدة وقال. "بتقول ضحى مرات يحيي. طب إزاي وإيه الحادث ده. أنا مش فاهم حاجة." بدأ طارق يقص عليه تفاصيل الحادث وأنهى حديثه قائلاً. "اللي عرفته كمان إن يحيي بيحب ضحى من وهما صغيرين. وضحى زيه بس محدش اعترف لـ التاني. وربنا أراد إنهم يكونوا من نصيب بعض في الآخر. ربنا يسعدهم."

عادل لم يعرف بماذا يجيب على حديث طارق. فـ صمت لـ ثواني وشارد قليلاً وهو يحدث حاله قائلاً. "ما هذا اليوم الغريب. فـ به حزني على سارة. وبه أيضاً سعادتي بأن غادة لم تتزوج حتى الآن. يا الله يسر لي كل ما هو قادم. فـ قلبي يخبرني أنه خير. فـ أنت تعلم ما بالغيب وما بداخلي لا أحد غيرك. فلا تجعلني سببًا في حزن سارة وابعث لي حلاً يرضينا جميعًا يا رب العالمين." نادى عليه طارق قائلاً. "عادل روحت فين. أوعى تكون نمت."

فـ ضحك طارق بصوت عالٍ. انتبه عادل وقال. "معاك يا طارق. بس سرحت شوية." قلق طارق على صديقه. فـ تسأل بخوف. "طمني عليك يا صاحبي. أنا افتكر إنك عارف إن خطوبة يحيي وغادة انتهت من فترة." تكلم عادل بضيق.

"للأسف يا طارق. أنا بعيد عن غادة من يوم ما عرفت إنها وافقت على الخطوبة. وقولت لنفسي كفاية حزنها أكتر من كده وأسيبها تعيش حياتها. يمكن لما أشوفها مبسوطة أرتاح. بس لا أنا ارتحت ولا هي مبسوطة. وقلوبنا تعبت من البعد زيادة. ادعي لي يا طارق أخرج من الحيرة والضياع اللي أنا فيهم على خير." تأثر طارق من حديث عادل. فهو أقرب صديق لقلبه. بل الوحيد أيضاً بحياته.

"بدعيلك يا عادل إن ربنا يرشدك لـ الصالح والخير. ليك وليهم. أسيبك يا صاحبي عشان ترتاح من السفرة وأشوفك على خير." أغلقا الاثنان سوياً. تحرك عادل بسيارته. متجهًا إلى منزله يدعو الله أن يمضي هذا اليوم على خير.

داخل غرفة مظلمة تجلس فتاة على فراشها وهي تبكي بشدة من آخر مرة تحدثت بالهاتف مع ساكن قلبها. فتحت والدتها باب الغرفة. دخلت لـ الداخل وهي حاملة صينية بها طعام. فوضعتها على الكومود. وبعدها جلست بجانب ابنتها وتحدثت معاها بقلب حزين.

"وبعدين معاكي يا رودينا. بقالك يومين مش بتتكلمي ولا مبطلة عياط ولا عاوزة تاكلي. إنتي شايفة إنك بكده هتحلي المشكلة. متخيلة أبوكي هيرجع في كلامه ولا يقولنا إيه اللي غير رأيه في شهاب. ولا فكرة يعني هتصعبي عليه ويرفض العريس اللي طلع لنا من تحت الأرض ده. لا كمان اللي مستغرباه إنه مقتنع بيه. مش عارفة ليه. ردي عليا يا بنتي. أنا قلبي وجعني بسببك." فـ ملست على وجه ابنتها بحنان ومسحت دموعها قائلة.

"رودي أنا ماليش حد في الدنيا غيرك إنتي وأخوكي رامي. عشان خاطري اتكلمي يا بنتي وريحي قلبي. كفاية عليا قسوة أبوكي اللي متغيرتش من يوم ما اتجوزته. وكل يوم أصبر نفسي وأستحمل وأقول بكرة يتغير. أنا ماليش حد أروحله. أبويا وأمي ماتوا. وإخواتي كل واحد فيهم عايش لنفسه ولبيته وأولاده ومحدش بيسأل عليا غير في المناسبات وفي التليفون كمان. أنا دلوقتي مش عاوزة حاجة من الدنيا غير سعادتك إنتي وأخوكي. لإنهن عوضي عن كل اللي شفته في حياتي. يا نور عيني."

بعد حديثها هذا بكت أم رودينا بحرقة. على كل ما مرت به في حياته. والأكثر على حال ابنتها الذي تحول في يوم وليلة. فرودينا كانت منذ أكثر من يومين طائرة من السعادة عندما أتى شهاب هو وعائلته لخطوبتها. وكان والدها الأسطى صالح مرحبًا بهم كثيراً. وأيضًا أعجبته شخصية شهاب وأحب اعتماده على ذاته دون المساعدة من أحد.

لم تقدر رودينا على الصمت بعدما رأت دموع والدتها وهي تترجاها أن تتحدث معاها. لأن عدم التكلم يمكن أن يؤذيها وحالتها تؤدي للاكتئاب. وهذة ما تخشاه والدتها. تحدثت رودينا وهي تشهق من كثرة البكاء. "أنا بموت يا ماما. شهاب خلاص مش راجع تاني ولا هشوفه تاني. أنا مش عارفة أفكر ولا أحلم من غيره. أنا رتبت حياتي الجاية معاه. هو. هو وبس. ليه بابا يعمل معايا كده. ليه يجبرني إن أرد عليه وأحزنه عشان يبعد عني وإلا هيطلقك."

صمتت قليلاً على البكاء وأكملت وهي مبتسمة. "شهاب. يا ماما إنسان جميل وأخلاق ومحترم. شهاب. يشرف أي حد يعرفه." فـ أمسكت يد والدتها وهي تحدثها.

"شهاب يا ماما حنين أوي. الحنية اللي بابا حرمني منها. حنية الأب. عارفة يا ماما شهاب كتير كان بينصحني كأنه أبويا. كان يقولي رودي بلاش تهزري مع زمايلك الشباب اللي في الكلية. والأحسن بلاش تعامل من أصله. حتى زمايلك البنات مش أي واحدة تقولي عليها صاحبتي. شوفيها الأول تنفع تكون صاحبتك ولا لأ." "رديت عليه وسألته؛؛ وديه اعرفها ازاي ياشيبو."

"رد وقالي.. شوفي طريقة كلامها تفكيرها أسلوبها في الرد هزارها مع زمايلها. لأن ده كله عنوان أخلاقها وتربيتها." كانت والدتها تستمع إليها والدموع مالئة عينيها ووجهها مبتسم. مازالت رودينا تتحدث عن شهاب. "تعرفي يا ماما من يوم ما عرفته مطلبش مني حاجة أندم عليها. وكان كل كلامه معايا خوف ونصايح وتعليم. يعني أنا حسيته هو اللي أبويا مش الأسطى صالح اللي على طول يزعق ويشخط ويضرب." فـ بكت من جديد وأكملت.

"أنا شعوري دلوقتي بعد بُعد شهاب عني كأن أبويا سابني لوحدي في بيت كله ضلمة ومشي من غير ما أعرف راح فين ولا راجع إمتى." ارتمت في حضن والدتها وهي مازالت تبكي. "ادعيلي يا ماما أقدر أعيش وأكمل حياتي. مع إني حاسة إن روحي راحت معاه من آخر مرة كلمني في الفون." ربتت والدتها على ظهرها وهي داخل أحضانها قائلة. "بدعيلك يا بنتي يريح قلبك ويرزقك براحة البال ويجعل حياتك الجاية أحسن من اللي راحت."

بدأت رودينا تقلل من بكائها بعد دعوات والدتها وحدثت حالها. "سامحــ حبيبي ـــــيل. أعلم أن مشواري معك سينتهي سريعًا. فأنا شبه فاقدة لـ الحياة لعدم وجودك. أعرف أنها ستكون أيام صعبة أمر به دونك. لكن سـ أدعو الله ليل نهارًا أن أراك من بعيد حتى أشبع عيني بحضورك. سيظل حبك ماضيًا وحاضري ومستقبلي. لأن قلبي لم يعرف حبيب غيرك. ولن يفتح إلا لك حتى وإن مت وحيدًا مهمومًا. سامحــ حبيبي ـــــني."

بعد ذلك نامت رودينا في حضن والدتها بعدما رقتها الرقية الشرعية. فأخرجتها من حضنها ووضعت جسدها على فراشها ودستها بالغطاء. ثم ملسّت على شعر ابنتها وقالت. "يارب عدي الأيام الجاية على خير."

وصل عادل لـ منزله وهو متوتر. لأنه لا يعرف كيف يخفف على سارة تلك الصدمة التي أحزنته أكثر منها. أخرج المفتاح من جيبه وفتح باب شقته ودلف لـ الداخل. فـ نظر بتلقائية وجد سارة جالسة على إحدى كراسي السفرة الموضوعة مقابل باب الشقة. وهي مرتدية ثياب أنيقة. كأنها تنوي الخروج. ابتسم عادل في وجهها وهو يقترب منها وقال. "قاعدة كده ليه يا سارة. إنتي خارجة ولا إيه." ردت عليه بـ ابتسامة جميلة. "حمد الله على سلامتك." فـ قبلته في وجنته.

"أنا مستنياك الأول وبعدين هنزل." استغرب عادل من هدوئها. رغم انتفاخ عينيها من بكاءها الشديد وآثار الدموع على وجهها. فـ أحب أن يهدئ من توتره قليلاً فقال. "طب هدخل آخد شاور عشان مش متحمل الهدوم اللي عليا. وارجعلك." فتحرك من مكانه بالفعل. ولكن وقف مرة واحدة عندما رأى حقيبتان من الملابس موضوعة بالجانب. رجع إليها مرة أخرى قائلاً. "شنط إيه ديه يا سارة. إنتي مسافرة ولا إيه."

حمحمت سارة حتى تقدر على التحدث. فهي لم تكف عن البكاء منذ أبلغها الطبيب بنتيجة العملية. واليوم زاد حزنها لـ قرارها بالانسحاب من حياة عادل. وبذلك القرار. فاليوم آخر مرة تراه عن قرب. فقد فكرت كثيراً وأقنعت نفسها أن لا فائدة من وجودها بحياته بل ستكون كـ حمل ثقيل عليه. فقالت بصوت منكسر. "عادل أنا عاوزة أطلق." صعق عادل من طلبها هذه الذي لم يخطر في باله من لحظة ما عرف بنتيجة التحاليل فقال.

"سارة إنتي بتقولي إيه. طلاق إيه اللي بتتكلمي عنه. عدم الإنجاب مش نهاية العالم. إحنا بينا عشرة واحترام متبادل." تتحدث سارة بدموع وصوت حزين. "مش كفاية ياعادل العشره والاحترام. مش كفاية. كان ممكن ينفع لو كان بينا حب. هي كلمة من حرفين لكن معناها كبير. أما حالتنا ديه قدام مافيش حب يبقى الانفصال أسلم شيء. أنا أشهد لك إنك عمرك ما زعلتني وكنت ونعم الزوج ومحاولتش تجرحني في كل مرة يفشل فيها الحمل. بس برضو عمرك ماحبتني."

تكلم عادل حتى تهدئ. فهي تتحدث بقلب حزين محطم فاقد الأمل وكل ما هو جميل بالحياة. "مين قالك كده يا سارة. إنتي عارفة معزتك عندي وعمري ما فكرت إن لو ماخلفناش يبقى لازم أسيبك." ابتسمت سارة بألم وقالت.

"أنا مش زعلانة إنك مش قادر تقول بحبك. لإنك إنسان صادق وأنا بحترم ده فيك. أنت بتعزني بتحترمني بتقدرني. لكن بتحبني لا. الحب هو أساس أي علاقة بين زوجين. لإن مهما مر عليهم من مشاكل حبهم هو اللي بيصلحهم على بعض. أياً كان مين اللي بيبدأ بالصلح. أنا مش بلومك يا عادل. لإن الحب مش بإيدينا وماينفعش يطلب. الحب لازم يكون نابع من جوانا من القلب."

تحدث عادل حتى يزيل أفكارها هذه. فهو لا يريد الانفصال بالفعل. فعدم الإنجاب ليس بيديها بل نصيب من عند الله. فقال. "سارة أنتِ بتتكلمي كده ليه. أنا مش هسيـ... قطعته سارة قائلة. "طب مش حرام عليك تسيب غادة. وإنتوا بتحبوا بعض." جحظت عين عادل مما تفوهت به سارة. فأكملت سارة. وهي تظهر ابتسامة صغيرة على فمها رغم جرح قلبها.

"ما تستغربش يا عادل. أنا عارفة إنك بتحب غادة وهي زيك بالظبط. أنا عرفت متأخر بس مينفعش أنكر الحقيقة. حاولت عادل أن ينفي حديثها ويقول لم يحدث ذلك. ولكن لم يقدر على إخراجها من قلبه. لأن هذه فعلاً الحقيقة. هو لم يحب امرأة غير غادة. أخرجته سارة من حيرته وقالت.

"عادل أنت آه ما حبيبتنيش. وده مقدرش ألومك عليه. بس أنا حبيتك. وده ما تقدرش تكذبني فيه. لإن حبي لك حقيقة وعمري ما هيتغير. ولا هقدر أمحيه من قلبي بسهولة. طبعاً أنت عاوز تعرف أنا عرفت إزاي بحبك لـ غادة." قالت له وقلبها يتقطع. وأكملت. "بس تعالي نقعد على الكنبة أحسن. مش قادرة أقف." تحدثت بضحك لتتشجع حتى تخرج باقي الحديث الذي يحرقها بالداخل. وتزيل أيضاً توتر عادل الظاهر على وجهه. بالفعل جلسوا فقالت سارة.

"ممكن طلب صغير بعد إذنك. متقطعنيش وسيبني أتكلم للآخر. وبعد كده اتكلم إنت." وافقها عادل على ما قالته. بدأت سارة تقص عليه متى وأين وكيف عرفت بحبه لـ غادة.

"فاكر يا عادل لما كنا في عيد ميلاد بنت أختك سهام. لما دخلت عليك البلكونة ولاقيت غادة معاك في اليوم ده. استغربت تغير ملامحك لما غادة قالت إن زميل ليها عاوز يخطبها. بس مفسرتهوش إنها غيرة منك عليها. بصراحة ما جاش في بالي أصلاً. وقولت لنفسي يمكن مش عاجبك العريس. لإن حسيت من اهتمامك بـ بنات عمك إنك بتعتبرهم زي أختك الصغيرة راندا. وبعد حوالي أسبوع من المقابلة ديه كنا نايمين. ومرة واحدة صحيت على صوتك وأنت نايم بتنادي على

حد. افتكرتك بتصحيني عاوز حاجة أجبهالك. لاقيتك بتتكلم وبتقول ماتسبنيش يا غادة. أنا بحبك ولا يمكن أحب غيرك. عشان خاطري ما توافقيش. أنا أموت لو حصل. فضلت أعيط وأنا بسمعك وأنت بتعترف بحبك ليها. ما بقتش عارفة أعمل إيه ولا أقول إيه. لكن كل تفكيري إنك هتسبني خلاص. مسحت دموعي وصحيتك وقولتلك عدل دماغك. لإنك بتتألم وأنت نايم. فـ طلبت مني تجبلك مياه. شربت ونمت تاني. فضلت أفكر أقولك اللي حصل ولا أتجاهله وأكمل حياتي عادي وأنسيك

حبك القديم. وأخيراً قررت أسعى في موضوع الإنجاب. يمكن ده اللي يخليك تحبيني وتنسي غادة. طبعاً ده كان أنانية مني. ويمكن ربنا جازاني بعدم الإنجاب منك عشان كده. بس خلاص أنا فقت وهصلح غلطي. يمكن متأخر. بس المهم إنه حصل. بعتذرلك يا عادل. لإن تقلت عليك وبقولك عيش حياتك مع الإنسانة اللي بتحبها. حارب عشان حبكم يعيش واتحدى الدنيا كلها. الحب صعب تلاقيه بالسهل. والأصعب إنه يتنسي بسرعة. يعني فيه أمل تراجع غادة ليك. أنا حاولت أكسب

حبك وفشلت. لكن إنت ماتيأس. وإن شاء الله ربنا هيجمع بينكم قريب. سامحني يا عادل."

وقف عادل مقبلاً رأسها وقال. "سارة إنتي إنسانة جميلة. وقلبك أبيض. وطول عشرتنا مع بعض مزعلتنيش ولا حاولت تضيقيني. مع إن أنا اللي زعلتك وجرحتك بدون قصد." صمت لـ ثواني وقال. "سارة... أنا اللي بطلب منك تسامحيني على أي شيء صدر مني زعلك. لو احتاجتيني في أي وقت. أنا موجود." ابتسمت سارة وقالت.

"أنا خلاص يا عادل بعد الطلاق هسافر أمريكا وأعيش مع ممدوح أخويا وأولاده. عاوزة أبدأ حياة جديدة. يمكن ألاقي فيها السعادة اللي حرمت نفسي منها." وبعد ذلك وقفت واحتضنته قائلة. "أشوف وشك بخير يا عادل. أنا هروح بيت بابا لغاية ما تخلص إجراءات الطلاق."

حرك عادل رأسه بالموافقة وهو حزين. ولكن هي قررت وانتهى الأمر. تحركت سارة واتجهت إلى حقائب ملابسها لتحملها وتخرج من الشقة إلى الأبد. ولكن يد عادل كانت الأسرع. فحملهم. اعترضت سارة ولكن عادل أصر على توصيلها بنفسه إلى منزل والدها. فهذه أقل شيء يقدمه لها. تحرك الاثنان وخرجا من الشقة. ولأن كانت سارة تختلس النظر لـ عادل دون أن يراها وهي تقول لـ حالها.

"أعرف إني لن يكن لي نصيب أكمل حياتي معاك. أعلم إني لن يكن لي حبًا أبدًا في قلبك. أعرف إني لن تظهر شمسي في سماء حبك. ولكن رغم كل ذلك لم تأتي يومًا وجرحتني بشيء. لإنك رجل عظيم بقلب جميل." في المساء. كان يحيي يهاتف ضحى ليطمئن عليها وهو يقود سيارته متجهاً لـ حي الغمري. فطيلة الأيام الماضية كان مشغول عنها. في تحضير وتجهيز المكتب الهندسي هو وسيف. فقال. "شمسي قوليلي عاملة إيه النهاردة. حقك عليا مقصر معاكي بقالي كام يوم."

تحدثت ضحى بصوتها الهادي. "أنا بخير حبيبي طول ما أنت بخير. وبعدين إنت مش مقصر معايا ولا حاجة. إنت بتأسس مستقبلك اللي هو مستقبلنا. وأنا مراتك وواجبي أقف جنبك وأشجعك مش أزعل منك. بدعيلك يا يحيي تكون خطوة خير وتعويض عن أي حاجة زعلتك." تكلم يحيي وهو سعيد من حديث زوجته الرقيقة التي مهما غاب عنها تختلق له ألف عذر ولم تغضب لغيابه عنها. "طب أحبك أكتر من كده إيه. ضحى إنتي كل حاجة حلوة في حياتي. الله يحفظك ليا."

ردت ضحى وهي مبتسمة. "ويبارك لي في حياتك ويديمك في قلبي يارب." أَمَّن يحيي وراءها ثم سألها. "عاوزة حاجة أجبهالك وأنا جاي. قدامي ربع ساعة إن شاء الله وأوصل البيت." دعت له أن يحفظه من كل مكروه وقالت بعد ذلك إنها لا تريد شيئًا غير رؤيته. ابتسم يحيي على رقتها ودعواتها الجميلة مثلها. كاد أن يغلق معها ولكن افتكر شيئًا فقال. "ضحى صحيح عندك حاجة بكرة." أجابته. "لا ما عنديش حاجة. بتسأل ليه. جاي عندنا." قالتها بسعادة. رد يحيي.

"اصل كنت عاوز منك خدمة. أنا رايح أشتري حاجات للمكتب وعاوزك معايا. ينفع." ردت ضحى سريعاً. "طبعاً ينفع. المشوار الساعة كام." وبعد أن عرفت الوقت أغلقا الهاتف معاً على موعد باللقاء غداً. ولكن يحيي حدث حاله بعدما أغلق مع شمسه وهو يوصف حبها لنفسه.

"حبي ليكي حب أساطير. حبي ليكي حب براحة العبير. حبي ليكي حب مالهوش مثيل. حبي ليكي حب يدرس لأي جيل. حبي ليكي حب لا يعرف المستحيل. فـ يا حبيبة قلبي ويا ملاكي الجميل. إذا أخطأت في حقك سامحيني. فـ أنا يحياكي يا شمسي الأصيل."

في شقة أمل وسامر. كانت تضع أمل آخر طبق أتت به من المطبخ على السفرة. وفاتن وراءها حاملة صينية بها أكواب العصير. وضعتها هي الأخرى وبدأت في توزيعها على الجالسين. وكان في انتظارهم سامر ووالدته والصغير معتز ابن فاتن. جلست أمل على يمين زوجها. وحماتها مقابل لها يليها فاتن وابنها. كانت تنظر فاتن. لـ سامر وأمل بكل كره وحقد. فمن آخر مرة تحدثت فيها سامر معها بداخل مكتبه. وهو لم يعطي لها أي أهمية ولا يوجه لها حتى كلمة واحدة.

وهذا ما أشعل النار بداخلها. وجعلها تزيد من جرعات ذلك العقار المسموم الذي أخذته من صديقته حسنة التي تعمل ممرضة داخل مستوصف البلد بعيادة النسا والتوليد. فأخبرتها تلك الملعونة بأن تضعه لها في مشروب لـ ثلاث مرات فقط على فترات متتالية. وكل مرة سبع نقاط. فـ هذا كفيل على إجهاض طفل بعمر الولادة. ولكن غل وشر تلك المدعوة فاتن جعلها تسقي أمل ذلك العقار خمس مرات حتى تتخلص منها ومن جنينها في أسرع وقت.

فاقت فاتن من شرودها بل حقدها على صوت هاتفها. فقامت من مجلسها واتت به من داخل غرفة الجلوس. ووقفت بعيداً عن مجلسهم بقليل. وكان المتصل والدتها السيدة نرجس. ضغطت فاتن على زر الاتصال وقالت. "اتوحتشك جوي جوي يا ماي." ردت والدتها من الطرف الآخر. "اتوحتشيني كيف يا وعرة. طول عمرك جويه وتعملي اللي في راسك. بجا تدلي مصر غصب عني وتجعودي كده. كلاته. يا ما نفسي أخنقك بـ إيدي التنين."

فاتن لم تظهر على وجهها ما تقوله والدتها بل تبتسم وترد بكلمات أخرى. "كلياتنا بخير يا ماي. معتز والدكتور وعمتي." وأكملت بغل. "أمل بردك بخير. أه رحنا السيدة زينب والحسين ولسه هنروح على بكرة كمان. السيـ... صمتت فاتن وصدمت عندما سمعت تهديد والدتها لها وهي تقول.

"أوعي تفكري يا فاتن إني ماعرفش إنتي عايزة إيه. صوح. خليكي خابرة زين. لو عملتي حاجة لـ أمل إني اللي هجفلك. وهقول لـ أبوكي وأخوكي على اللي بتعمليه كلاته. اجفلي معايا واجبري عمتك ناهد إنكم تتدلوا البلد بحجة أبوكي وإني اتوحشنا معتز. اعملي حسابك تكوني بكرا في البلد. كيف حليها لوحديكى." ثم أغلقت السيدة نرجس الهاتف في وجه ابنتها دون أن تسمع منها الرد. فـ أكملت فاتن المحادثة وكأن لم تغلق والدتها الهاتف في وجهها.

"حاضر يا ماي. هتحرك بكرة الصبح أول ما يوصل مغاوري السواق. إني عارفة إنتي وأبويا روحكم في معتز وهو كماني زيكم. حاضر يا ماي. هسلم لك عليهم كلهم. سلام يا غالية. سلام يا ماي."

مثلت فاتن كأنها تغلق الهاتف. ثم اتجهت إليهم وجلست على السفرة مرة أخرى بوجه مبتسم كأن لم يحدث شيء. ولكن بداخلها بركان غاضب من والدتها. فهي كانت تريد أن ترى أمل هي تفقد جنينها الأول حتى تتشفى بها كي تهدئ نار غيرتها. فهذا العقار المسموم لا يتسبب في الإجهاض فقط. بل سيؤثر على الإنجاب عموماً عند أمل. ويمكن أن يؤدي إلى العقم مع الجرعات الزائدة.

أفاقت فاتن من سعادتها الداخلية عندما تذكرت آخر كلماتها. مثل ما قالته لها صديقتها حسنة الممرضة غير الأمينة على مهنتها التي تعمل بها. أخرجتها من سعادتها صوت عمتها ناهد وتساؤل أمل. أما سامر لم يهتم بحديثها بالهاتف من الأساس. فحدثتها عمتها قائلة. "خير يا فاتن. أمك مالها." ردت فاتن. "أبداً يا عمتي. أماي عايزاني أدله البلد. أصلها اتوحشت معتز هي وأبويا." تحدثت السيدة ناهد.

"اتصدقي عمك حسن بردك كلمني وجالي أدله البلد. عشان ميعاد للمحصول جرب ولازم أعاود." وأكملت وهي تنظر للجالسين أمامها. "ربنا يجعل حفيدي وش الخير." رد سامر وأمل معاً بسعادة. "يارب يا ماما." أكملت أمل بحب وطيبة. "ليه يا ماما إنتي وفاتن عاوزين تمشوا. هو إنتوا لسه قعدتوا. وبعدين إنتوا قلتوا هتقعدوا أسبوع. والأسبوع فاضل عليه كام يوم. عشان خاطري أنا وسامر خليكم." ضحكت السيدة ناهد وقالت بمشاكسة. "يعني ما زهجتيش مني يا أمل."

ردت أمل سريعاً لتنفي. "أبداً يا ماما. ده إنتوا قعدتكم حلوة." أكملت السيدة ناهد بحب. "وإنتي كماني قاعدتك ما يتشبعش منها أصل."

كان الاثنان سامر وفاتن لم يعجبهما هذا الحديث بين أمل والسيدة ناهد. فـ سامر يريد ذهاب فاتن سريعاً لأنه كاره وجودها من أول يوم أتت به. أما فاتن لا تريد سماع عمتها وهي تتحدث مع أمل بهذه الحنية. بل تريد حنية عمتها وحب سامر لها وحدها. ولكن التي تقف لها في ذلك هي عدوتها أمل. دعت في صمت أن تنزاح أمل من طريقها عن قريب. فـ أكملت السيدة ناهد. "إن شاء الله نيجي وإنتي جاية بالسلامة ومعاكي ولدك الغالي." ضحكت فاتن بداخلها وقالت.

"يبجي مش هتيجي واصل يا عمه." أكملوا الطعام جميعاً. وبعد الانتهاء قامت أمل حتى تغسل الصحون وتحضر الشاي. ولكن دلفت فاتن وراءها إلى المطبخ وطلبت منها الجلوس بالخارج معهم لـ تستريح قليلاً بحجة أن وجهها يبدو عليها التعب والارهاق. رفضت أمل ولكن فاتن صممت. وبعدما جهزت الشاي أحضرت كوبين لبن دافئ لـ معتز طفلها والآخر لـ أمل. ثم أخرجت تلك الزجاجة الصغيرة ووضعت منها السائل الشفاف وتحدثت وهي تقلبه.

"هو مش لازم المرة دي بس ما يغلاش عليكي يا غالية." ثم ضحكت بتشفٍ وغِل. وبعد ذلك خرجت بصينية المشروبات إليهم. انتهى الليل وأتى نهار يوم جديد. وبالفعل جاءهم السائق مغاوري. مثلما أخبرها والدتها بماذا قالت لـ عمتها. تحركوا بالسيارة بعدما أودعهما أمل وسامر. حان ذهاب سامر للمشفى التي يعمل بها. وكانت أمل تضع له الفطور على السفرة. ولكنها ليست طبيعية. ماسكة أسفل بطنها بسبب الألم الشديد. لححظها سامر وسألها ماذا بكي. أجابته.

"لا شيء. إنه ألم بسيط ولا يوجد قلق منه." فأكمل سامر. "طب لو حسيتي بحاجة مش طبيعية اتصلي عليا وأنا أجلك فوراً." أومأت له بالموافقة. دقائق وخارج سامر من الشقة. وبدأت أمل تنهار من الألم. فأخذت علاجها ودلفت غرفة النوم لعلها تنام ويذهب التعب وتأخذ قسطًا من الراحة.

داخل كلية الهندسة. تقف مروة مع زميلتان مقربتان لها بالكلية. هيام ومي. يتحدثن عن مادة لديهن صعبة للغاية ستكون محاضرتهما القادمة. بعد تساؤلات بينهما تركتهم مي وذهبت لتشتري شيئًا من كافيتريا الكلية. وبقيت مروة وهيام وقفان بمكانهما يكملان باقي حديثهما. فقالت مروة. "ياااه يا هيام لو نلاقي حد من الفرقة الرابعة ولا حتى التالتة يرضي يشرحولنا المادة الرخمة ديه. ده حتى الدكتور مش عارفة أفهم منه. بجد قلقانة."

هنا سمعت الفتاتان صوت وراءهما يقول. "طب ما أنا موجود أهو. عاوزين تفهموا إيه وأنا أشرحلكم." التفت الفتاتان ليروا من يتحدث. فـ ابتسم لهما وقال. "أيوة زي ما بقولكم. عمرو الغمري في الخدمة. ده إحنا حتى بقينا معارف ولا إيه يا آنسة مروة." وبعدها نظر إليها نظرة غيظ عما فعلته معه عندما كانت بـ حي الغمري. نظرت مروة لـ عمرو باستغراب. ماذا يقول هذا؟

أما هيام. فكانت تتمنى أن تنشق الأرض وتخفيها. عندما رأت عمرو الغمري بجانبها وقريب منها بهذا الشكل. وفي نفس الوقت سألت نفسها. لماذا يتكلم عمرو مع مروة هكذا؟ أهما يعرفان بعضهما من قبل؟ فكيف ومتى؟ أيمكن أن تكون مروة أخبرته عما حكايته لها عنه؟ هنا خافت هيام بل ارتعبت. فاقت مروة سريعاً عندما جاءت صديقتها مي ولكزتها قائلة. "يلا يا بنات المحاضرة قربت تبدأ والدكتور على وصول. ابتسم عمرو. وأكمل بتأكيد.

"عمومًا وقت ما تعوزيني هتلاقيني. سلام يا قمرات." وتركا مروة وهيام حائران كل منهما في اتجاه. فـ مروة حائرة وحدثت حالها. "كيف لشخص مثل عمرو بخفة ظله وحديثه الممتع الشيق بالنسبة لي عند سماع صوته عن قرب أو بعد يسعد قلبي. ولم أحس أنه إنسان حقير مثلما أخبرتني هيام. يا الله ساعدني. فأنا بحاجة إليك لأعرف هل إحساسي صادق أم لا."

أما هيام فـ حائرة كثيراً. أن ينكشف أمرها وتعرف مروة الحقيقة. وهذه سيجعل مظهرها سيئ أمام الجميع وعمرو الغمري بالأخص. فهي تحاول من فترة بعيدة. أن تقترب منه ولكنه لم يهتم بها نهائياً. فلاحظت نظراته لـ مروة. وكذلك سعادة مروة عندما تراه. فقررت أن تحكي قصص بالكذب عنه لـ مروة. وبذلك تبعد عنه ويكون لها فقط.

كانا يتمشيان الاثنان بجانب صديقتهما الثالثة وهما في طريقهما لـ قاعة المحاضرات. ولكن لم يتحدثا معاً. استغربت مي حالهما فتحدثت بصوت عالٍ. "روحتوا فين يا بناااات المحاضره بدأت وحضراتكم سرحانين فوقه. يلااا عاوزين ننجح." ضحكوا الثلاثة ودخلوا المحاضرة.

صعد يحيي لـ شقة ضحى. وكان جالس مع والديها يحتسي الشاي. وضحي ترتدي ثيابها لـ تذهب معاه ليشتروا مستلزمات لـ المكتب الهندسي. بعد حوالي عشر دقائق خرجت ضحى من غرفتها كـ أميرة بفستانها وحجابها. ابتسم يحيي. فـ هي حقاً جميلة ورقيقة. أما والدتها ووالدها فدعوا الله أن يحفظها ويسعد قلبها. وقفت أمامهم وهي خجلة للغاية. فـ نظرات يحيي لها وترتها كثيراً. أحس يحيي بـ كسوفها. فـ أحب أن يهدئ من توترها. فـ سألها.

"هو الفستان لونه أوف وايت ولا بيج." ردت ضحى سريعاً. "أوف وايت طبعاً. ده باين أوي يا يحيي." أكمل يحيي. "بتكلمي جد. فـ نظر لـ والدة ضحى وقال. أومال ليه يا خالتو بتقوليلي بيج. أحرجتيني مع ضحى." ضحكت الحاجة نادية وقالت. "هو أنا فتحت بوقي أصلاً." وابتسم الأستاذ محسن على مشاكسة يحيي لـ ضحى. فهو يعلم أن يحيي يحاول تهدئة ضحى من توترها. فقال. "ربنا يسعدكم يا بني." فـ أكملت ضحى. "بجد أوف وايت يا يحيي."

وقف يحيي وهو يضحك. فـ استأذن من حماها بالذهاب. فسمح له. وكذلك ضحى فعلت مثله. ثم تحركوا لـ باب الشقة ليتوجهوا لأسفل. فـ نظر يحيي إليها قائلاً. "يلا يا شمسي. ده أنا شكلي هتعب معاكي بس على قلبي زي العسل. أنا عارف إنه أوف وايت بس بهزر معاكي حبيبتي." ابتسمت ضحى إليه وقالت. "يارب يديم عليك الابتسامة وراحة البال العمر كله حبيبي." نزلا بالفعل واستقلوا السيارة وتحركوا إلى خارج الحي.

داخل السيارة شغل يحيي الكاسيت على أغنية بات يسمعها يومياً تقريباً منذ أن كانت معاه ضحى بنفس السيارة وهم ذاهبون لـ شاليه السخنة مع والدته وأمل وسناء. كانت ضحى تنظر من شباك السيارة عندما صعد صوت الأغنية. ابتسمت ونظرت لـ يحيي تتذكر نفس اليوم مثله. فقالت وهي تصفق بـ يدها. "الله يا يحيي. أنا بحب الأغنية ديه أوي." ابتسم هو الآخر وقال. "هتصدقي لو قولتك أني حبتها من يوم ما عرفت إنك بتحبيها. وحفظتها عشانك كمان."

سعدت ضحى من حديث يحيي كثيراً فقالت. "تعرف يا يحيي إن حبيت المسلسل التركي اللي معمول عليه الأغنية وخلاني نفسي أروح تركيا بجد. الأغنية تحفة والمسلسل روووعة بحب جدااا." ابتسم يحيي. ثم ضغطت على زر تعليت الصوت وبدأ هو وضحى يغنون مع الأغنية. "يا ناس شوفوا حلاوته يا ناس. ده يتباس مين غيره ده يتباس." وظلوا الاثنان يغنون مع الأغنية إلى أن أتى لـ يحيي اتصال. أغلق الكاسيت ورد على هاتفه. قائلاً. "السلام عليكم."

"أه أنا يحيي الغمري." صمت قليلاً. "خلاص تمام. أنا في الطريق. شكراً لحضرتك." أغلق الهاتف واستغفر ربه. قلقت ضحى. من تغيره. فـ سألته. "خير يا يحيي. في إيه." رد يحيي. "الراجل اللي كنت رايح آخد منه الحاجة للمكتب. للأسف عربيته عطلت وهو بيجيبها من بور سعيد. فـ بيعتذر لي وبيقولي لو ينفع أروح له هناك. وفعلاً أنا محتاج الحاجات ديه بكرة ضروري." تحدثت ضحى بهدوء. "طب وإيه المشكلة." تكلم يحيي. "يعني مش هتضايقي لو روحنا."

نظرت له بـ استغراب. "هضايق ليه. كفاية عليا أن هكون معاك الوقت ده كله." أمسك يحيي يدها مقبلاً إياها وقال. "ده أنا اللي كفاية عليا وجودك جانبي."

ثم شغل الكاسيت مرة أخرى على نفس الأغنية وغنى سوياً معها. وبعد ساعتين تقريباً كان يحيي بداخل مدينة بور سعيد. المدنية الباسلة. نزل من السيارة وأنزل ضحى أيضاً بعدما ركن السيارة بساحة الانتظار. وقف يحيي أمام مطعم أسماك مشهور بالمدينة يسمى مطعم ابن حميدو للمأكولات البحرية. فـ أمسك يد ضحى و دخل الاثنان معاً. سألته ضحى. "لما نحن هنا."

أجابها بأن الرجل سيأتي هنا ليأخذ منه الأشياء الخاصة للمكتب. وبالفعل أكملوا دخولهم لـ الداخل وجلسوا. وبعد ذلك أتاهم النادل وسألهم بعدما أعطاهم قائمة المأكولات الخاصة بالمطعم. اختار الاثنان وذهب النادل. وجاء بعد حوالي ربع ساعة. أنزل الطلبات على الطاولة وتركهم. تحدثت ضحى قائلة. "تعرف يا يحيي أنا كان نفسي آكل سمك هنا من فترة. وقولت لبابا. قالي أول ما آخد إجازة هنيجي." نظر إليها وهو يمثل الزعل وقال.

"عارف يا شمسي عشان كده جينا انهارده. أنا مش مستني حد ولا حاجة. أنا جيت هنا عشانك. ونفس الوقت زعلان منك عشان المفروض تقوليلي نفسك في إيه. مش أنا جوزك حبيبك بردو. لما تكوني عايزة حاجة تطلبها مني." ابتسمت إليه وقالت. "حقك عليا بس مكنتش عاوزة أعطلك." تكلم يحيي بصدق. "لو ورا الدنيا كلها أفضل لك مخصوص يا شمسي." ردت ضحى. وهي طائرة من السعادة. "متحرمش منك أبداً حبيبي."

أكملوا الطعام. وبعد الانتهاء منه توجهوا لغسل أيديهم. ثم اتجهوا لـ الطاولة مرة أخرى. ثواني واستأذن يحيي من ضحى بأنه سيأتي بشيء من السيارة. بعد حوالي خمس دقائق رجع يحيي وجلس على الطاولة مرة أخرى. وأتى بعده النادل مرة ثانية. ولكنه يحمل تورته صغيرة بها شمعة واحدة على هيئة قلب. وضعها أمامهما على الطاولة وقال بكل احترام. "كل سنة وأنتم طيبين يا أفندم." شكره يحيي. وعلى وجهه ابتسامة صغيرة. أما ضحى لم تفهم شيئاً فقالت.

"يحيي باين الجرسون اتلخبط وجاب لنا التورتة بالغلط." ابتسم يحيي وامسك يدها الموضوعة أمامها وقال. "متلخبطتش ولا حاجة يا شمسي. التورتة ديه عشانا. زي النهاردة قلبي دق بحبك. ومن قبل ما أعترف لك كنت ناوي أول ما تكوني ليا نحتفل بالذكرى ديه مع بعض. يمكن تستغربي من كلامي بس عمري ما نسيت التاريخ ده."

"ضحى. بدعي ربنا تفضل منورة حياتي ودنيتي العمر كله. وأتمنى ربنا يقدرني وأقدر أسعدك وأكون سندك وحمايتك. ضحى بحبك ولا عمري هحب غيرك." ضحى لم تعرف بماذا تجيب عليه. كلمة سعيدة لم توصف إحساسها الآن. ولكن التي عرفت أن تقوله. "بحبك يا يحيي. وحياتي ابتدت من يوم حبك. دوب قلبي ويارب أعرف أكون الحبيبة والزوجة والأم لـ أولادنا زي ما أنت شايفني في بالك." نزلت دمعة من عينيها. فـ تحدث يحيي وهو يمسح هذه الدمعة قائلاً.

"ممنوع دموع تاني وبالأخص انهارده." ابتسمت ضحى وقالت. "حاضر يا يحيا القلب والعين." أحسوا بمن حولهم عندما صفق جميع الحاضرين وقدموا لهم التهاني. فصعدت أغنية داخل المطعم خاصة لهما. أسعدت يحيي وضحى. وهي أغنية (نصيبي وقسمتي)

. إلى أن انتهت الأغنية وانتهى يومهم الجميل المميز هذا. وبعد ذلك تحركوا بالسيارة للعودة لـ حي الغمري. الحي الذي ولد بداخله حبهما. وسوف يظل به لآخر العمر. كما تواعدوا بأن لن يحتفلوا بيوم ميلادهما بعد ذلك. بل سيحتفلون بهذا اليوم لأنه يوم ميلاد حبهما في قلوبهما الجميلة. فـ أمسك يحيي يد ضحى وهو يقود سيارته وقلبه يتحدث إليها قائلاً. "حضنك..... دفا وأمان.. حبــــك..... بحر حنان.. صوتـك..... ونس وسلام.. قلبــك.....

يعني الاطمئنان.. وجودك.... أهم من أي كلام.." داخل غرفة سناء. وهي جالسة على فراشها تتحدث في هاتفها مع سيف. "طب هتيجي انهارده ولا لأ. مش كفاية امبارح ما جيتش." رد عليها سيف. وهو داخل المكتب الهندسي وسط العمال قائلاً. "إنتي السبب إن ما جيتش امبارح. عشان نرفزتيني بسبب إنكم ما رحتوش جلسة العلاج الطبيعي." تحدثت سناء بحزن.

"تعبت يا سيف. جسمي كله بيوجعني أول ما بروح البيت بعد التمارين. وكمان السبب التاني إنك ما جيتش معايا زي كل مرة. قولت مش هروح من غيرك. وفضلت أعيط. وأنت كملت عليا واتخانقت معايا." عنف سيف نفسه عما حدث منه أمس. فـ هو يعلم حالة سناء جيداً. وكان يجب عليه أن يعاملها بـ أسلوب أفضل مما فعله. فقال.

"حقك عليا. أعصابي متوترة بسبب المكتب. عاوزه يخلص عشان نبتدي الشغل. أنا آسف يا سنسن. ونهارده هاجي أصلحك. بس يحيي يجي بالسلامة هو وضحى." سألته سناء. بـ استفسار. "يجوا منين." أجابها سيف. "يحيي خرج مع ضحى. عامل لها مفاجأة." فرحت سناء. ودعت ربها أن يسعد قلب صديقتها هي وزوجها. نظر سيف لهاتفه الذي أصدر صوت بأن الشحن أوشك على النفاذ. فـ حدث سناء قائلاً. "سنسن الفون هيفصل. هشحنه وأكلمك تمام." "تمام حبيبي. بس متتأخرش عليا."

ثم أغلقت سناء الهاتف. دقائق قليلة ورن هاتفها برقم غريب. استنتجت أنه سيف يحدثها من رقم آخر. فـ فتحت سريعاً قائلة. "سيف بتتكـ... صمتت عندما سمعت صوت آخر يتحدث ويقول. انتهي البارت الواحد والثلاثون ♡وبك القلب يحيا ♡ قراءة ممتعة

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...