الفصل 32 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
19
كلمة
9,632
وقت القراءة
49 د
التقدم في الرواية 67%
حجم الخط: 18

رن هاتف سناء برقم غريب. استنتجت أنه سيف يحدثها من رقم آخر بعد أن فرغت بطارية هاتفه من الشحن. وهي تحدثه، فتحت الاتصال سريعاً قائلة: "سيف أنت بتكـ... صمتت عندما سمعت صوتًا آخر يتحدث ويقول أشياء لم تقدر على تصديقها. ولكن فضلت أن تستمع ولن تغلق الخط رغم وجع قلبها من كل حرف تسمعه.

مر أكثر من ساعتين ونصف على هذا الاتصال القاتل لقلبها. وأيضًا على مهاتفة سيف لها. بقيت في غرفتها بمفردها، لا تريد أحدًا معها حتى والدتها. استغرب كل من في المنزل، أختها سحر وزوجات أخواتها، وبالأكثر والدتها التي أيقنت أن ابنتها بها شيء ولكنه غير عادي. اتصلت الحاجة سميحة على سيف لتخبره بما في سناء. ولكن أول ما ضغط على زر الهاتف، حدثها أنه قادم إليهم خلال دقائق. ففضلت ألا تقص عليه في الهاتف وتنتظر لمجيئه للمنزل.

بعد حوالي خمس دقائق، كان سيف يدق جرس الشقة. قامت تهاني زوجة سعد لتفتح الباب. فابتسمت ابتسامة ضعيفة له ثم طلبت منه الدلوف إلى الداخل. استغرب سيف منها، ولكن عندما تقدم أكثر للداخل رأى أم زوجته وأختها سحر. لن يقلوا عن تهاني شيئًا. فجمعهن جلسن بوجه غير معتاد. وجاء ليسألهن: "ما بكما؟ كانت تخرج هند زوجة سيد من غرفة سناء وهي تتحدث بحزن. ولم ترَ ذلك الواقف الذي لم يفهم شيئًا. وبيدها صنية طعام وتقول:

"بردو مش عاوزة تاكل يا ماما سميحة. أنا قلقانة على سناء أوي." ححظت عين سيف عندما سمع اسم "سنسنته الشقية" وبدأ يتضح له لماذا هن بهذا الوجه الحزين. فقال: "سناء مالها؟ حد يفهمني هي تعبانة؟ أجابته الحاجة سميحة وصوتها به حزن على صغيرتها التي تحولت حياتها المرحة إلى دموع وخوف طوال الوقت، قائلة:

"مش عارفه يابني. دخلت عليها الأوضة من حوالي ساعتين وشوية أنا ومرات أخوها، لاقيتها شرده وعينيها فيها دموع بس مش عاوزة تنزل. جريت عليها وسألتها مالك، قالتلي أنا كويسة بس سيبوني لوحدي ومحدش يدخل عليا لو سمحتوا. مردناش نتكلم معاها كتير، لأن حالتها ما كانتش هتسمح للمناقشة." فبكت الحاجة سميحة وهي تترجى سيف أن يحاول ويعرف ماذا حدث لها. ويخرجها منه أيضًا. مد سيف يده ليمسح دموع والدة حبيبته التي سكنت قلبه وفؤاده، قائلاً:

"ماتقلقيش يا ماما، هدخل حالًا وإن شاء الله هتكون حاجة بسيطة وتتحل بسرعة." وأكمل وهو يبتسم حتى يطمئنها: "وبعدين ممكن تكون بتدلع علينا عشان تعرف غلاوتها عندنا." كان يحكي بهدوء، ولكن بداخله قلق على محبوبته الشقية. فأنها حديثه: "استأذنكم هدخل لها." هزت الحاجة سميحة رأسها بإيماء والحزن كسي وجهها. تحرك بعدها سيف وهو خائف ولا يعلم لماذا هذا الخوف. طرق على باب غرفة سناء. أتاه صوتها وهي تتحدث بصوت عالٍ يغلبه البكاء، قائلة:

"لو سمحتوا محدش يدخل. عاوزة أقعد لوحدي ممكن ولا لا." دلف سيف سريعًا وأغلق الباب وراءه. وهو لم يهتم بما قالته، ولكن كل تفكيره الآن ماذا حدث لها لكل هذا الانفعال؟ اقترب منها، وهي جالسة على فراشها. ولم تلاحظ دخوله لشرودها مرة أخرى. مال على رأسها مقابلًا إياها. انتبهت لوجوده معها، فقال: "سنسن حبيبتي مالك؟ مين اللي مزعل قطتي أوي كده؟ قوليلي بس. ولو طلع أنا، هعاقب نفسي أشد عقاب. المهم ماتبقيش كده."

أمسك يديها مربتًا عليها حتى تهدأ. سحبت سناء يديها منه، وبدأت تتحدث بهدوء قائلة: "لو سمحت طلقني." نزل حديثها القليل على مسامعه، فأنكره. وحاول أن يسألها مرة أخرى، حتى ينفيه. ولكن ردها عليه أكد ما سمعه بالسابق. "بقولك يا باشمهندس سيف طلقني، وياريت يكون في أقرب وقت عشان أنا مش عاوزة اسمي يرتبط باسمك أكتر من كده. أظن بطلبي ده أكون حليتك من أي شيء ممكن يحسسك بالذنب من ناحيتي. واتفضل دلوقتي عشان عاوزة أنام."

كانت تتحدث والدموع تزلف من عينيها بغزارة. جلس سيف بجانبها على الفراش وتكلم بصوت ضعيف: "سناء انتي بتقولي إيه؟ وإزاي قدرتي تطلبي الطلاق بالسهولة دي؟ أنا عارف إني قصرت معاكي الفترة اللي فاتت وزعلتك امبارح، بس ده كله ما يوصلش إنك تقوليلي كده. حبيبتي حقك عليا، بس ارجوكي بلاش تكلميني بالطريقة دي ولا تقولي كده تاني." قاطعته سناء قائلة:

"ما كفاية كلام بقى. واتفضل خلص كل حاجة مع بابا وإخواتي. أنا خلاص مش عاوزاك في حياتي. ولو وجودك فيها هيكون سبب إن هفضل عايشة، أنا بقول لحضرتك أتمنى الموت ولا أكون معاك. ياريت متشيلش نفسك حاجة فوق طاقتها. وبالنسبة ليا ماتقلقش، هعرف أعيش. بس المهم حياتي ما تكونش أنت فيها. اتفضل عيش حياتك مع اللي بتحبهم. آه بشكرك على وقفتك جنبي، ربنا يجزيك عني خير."

سيف لم يستوعب كل هذا. أحس أنه كابوس سخيف يريد أن يستيقظ منه. فهي حبيبته سناء لم يخرج من فمها هذا الحديث السمج أبدًا. فهي تحبه كما يحبها تمامًا. ولكن من تكون هذه التي قدرت على إخراج ما سمعه؟ فاق من تفكيره على حديث سناء وهي توجه له باقي حديثها: "لو سمحت تخلص إجراءات الطلاق في أقرب وقت عشان أنا مش عـ... وقفت عن باقي حديثها وارتجف بداخلها عندما قاطعها سيف بصوت عالٍ وقال:

"ما سمعش كلمة طلقني دي منك خالص. ومش هحاسبك عليها دلوقتي. لكن لو اتكررت تاني وقتها هتلاقي رد فعل مني مش هيعجبك. أنا هسيبك دلوقتي، بس لو فضلت تقولي نفس الكلام هتشوفي وش تاني وساعتها هتندمي على كل حرف قولتي. أنا همشي عشان متعصبش عليكي لأن مش هسامح نفسي لو حصل. اهدي كده وهعدي عليكي بكرة." اقترب منها فـ رجعت للخلف نافرة منه. حزن سيف وقال: "لدرجادي مش حابة قربي منك؟ هتندمي يا سناء."

فخرج من غرفتها وأغلق الباب بقوة من شدة غضبه منها. بكت سناء بحرقة. فهي تحبه ولا تريد أن يحدث كل ما قالته. ولكن ما سمعته من هذه المكالمة كفيل لجعلها تقول له كل ذلك. فحدثت ذاتها قائلة: عزفت على وتر قلبي بحبك وسعدت روحي وحياتي بقربك بنيت أحلام وبيوت لأضمك وفي لحظة قطعت أو تاري وحزنت روحي وهدمت أحلامي بسبب خداعك يا أناني يا من عشت معاه أجمل أيامي ادعوا الله أن لا تعرف تحب بعدي وتنساني.

وبعد ذلك تذكرت ما حدث بتلك المحادثة الهاتفية قبل قليل. رن الهاتف ففتحت سناء سريعاً وسمعت محادثة بين سيدتين. وبرغم بُعد صوتهما عن الهاتف، ولكن كان واضحاً لها. فكانت تقول واحدة منهم: "بجد يا ماما مش عارفة أعمل إيه؟ سيف بقاله أسبوع بيكلمني كل شوية ويقولي بحبك ومش قادر أصبر على بعدك أكتر من كده، وامتى يجمعنا بيت واحد. ولما قولته طب ومراتك هتعمل معاها إيه؟

رد وقالي طبعًا هطلقها، دي أصلاً كانت خطوة غلط من البداية. وقالي كمان أنه اتسرع في كتب الكتاب وندم أكتر بعد حادثتها، ولولا كده كان زمانه سابها. بس ضمير بيوجعه شوية." فسمعت سناء الصوت الثاني يقول: "طب وإيه اللي يخليه مستني يا حبيبتي دام بيحبك أوي كده؟ رد الصوت الأول وهو لـ هنا:

"ما إنتي عارفة يا ماما سيف حبيبي قلبه طيب أوي ومش بيحب يجرح حد. طب تعرفي حاكالي امبارح أنه اتخانق معاها عشان مش عاوزة تروح تعمل علاج طبيعي وقالي كمان أنا عملت كده عشان هي اللي تطلب إننا ننفصل ومحسش بالذنب من ناحيتها، بس يا ريت لو عندها كرامة تطلبها هي. وبعد كده قالي سيبك من سيرتها اللي بتضايق وتعصب وتعالي أقولك على حاجة. تعرفي يا هنايا كل ما توحشيني بعمل إيه؟

برش على هدومي البرفان زي اللي كنتي بتحبيه عليا وإحنا مع بعض عشان بيفكرني بيكي وبأيامنا الحلوة. امتى بقي ترجع تاني يا هنايا؟ أنا مش عارفة أعيش من غيرك." رد الصوت الثاني وكان لـ والدتها نجاة:

"كلامه صح يا روحي. سناء خلاص بقت عرجة ومظهرها ما ينفعش زوجة لباشمهندس قد الدنيا زي سيف. وأكيد مافيش غيرك يليق بالمكانة دي. ده غير طبعًا شوقه ليكي اللي زاد عن الأول. يمكن زعل منك لما اتجوزتي. لكن خلاص باين من كلامه أنه مش قادر يستغني عنك. والدليل على كده إنه بيقولك برش البرفان اللي كنتي دايما بتحبيه عليه. يعني عاوزة إيه أكتر من كده؟ تعرفي وتفهمي إنه بيحبك إنتي." ضحكت هنا بدلع قائلة:

"شوفت وعرفت وفهمت يا ماما قد إيه بيحبني." فأكملت بخبث كأنها توصل رسالة: "تعرفي يا ماما أنا بعد الشر يعني لو مكان سناء، كنت انسحبت من حياة سيف من غير ما أقوله إني عرفت نيته من ناحيتها لو عندي كرامة. لأنه لو عرف إنها عرفت حقيقته، هينكر أكيد عشان هيخاف على مظهره قدام صاحبه وأهلها. إنتي عارفة يا ماما، سيف بيخاف على شكله أوي. فالانسحاب بهدوء هيكون أفضل شيء ليها أكتر منه." ردت نجاة:

"ياريت يا بنتي يكون عندها دم وتحس بتغيره وتطلب هي الانفصال أحسن لها." صمتت نجاة لثواني ثم قالت: "هو صحيح كنتي بترني على مين كل شوية وإيدك مشغول؟ تحدثت هنا بكل هدوء:

"كنت برن على الست سناء. أصل سيف قعد يتحايل عليا ويقولي كلميها عشان متحسش إن بينا حاجة. وأنا هحاول أبعد تفكيرها عنك ولو طلبت الطلاق هبين لها إني لسه عاوزاها لحد ما هي تصمم فـ هضطر أوافق في الآخر عشان نفسيتها، بكده أكون قدام الكل شاري للآخر وهي اللي باعت ومحدش يقدر يغلطني." ضحكت والدتها وقالت: "سيف راسم كل حاجة بالملي وعامل حساباته كويس. يلا يا بنتي ربنا يهنيكم ويبعد عنك الست سناء دي." فأكملت نجاة:

"إيه رايحة فين تاني يا هنا؟ ردت عليها: "هرن على سناء زي ما قالي سيف يا ماما مقدرش أرفض له طلبه." أغلقت سناء الهاتف سريعًا حتى لا تعرف هنا أنها سمعت كل ما دار بينها وبين نجاة. فاقت سناء من تذكار هذه المكالمة المشؤومة على صوت سيف وهو ما زال يتحدث بالخارج مع والدته بصوت عالٍ ويضرب باب غرفتها بكف يده قائلاً: "بتقوليلي طلقني يا سناء، مش هسمحلك. إنتي سامعة؟ مش هسمحلك تهدي حياتنا بإيديكي." حضنت سناء جسدها

وهي تبكي وتقول بصوت منخفض: "لما قربت مني كنت عاوزة أترمى في حضنك وأحكيلك كل اللي سمعته. بس لما شميت برفانك اتأكدت من كل كلمة قالتها هنا. أنا بكرهك يا سيف، بكرهك على قد ما حبيتك ومش عاوزة أشوفك تاني." ثم وضعت رأسها بين ركبتيها وزادت في البكاء الصامت.

بالخارج، حاولت والدة سناء وأختها سحر تهدئة سيف الذي جن من حديث تلك القاسية بلا رحمة على قلبه المسكين. هي لم تتحدث كثيرًا، ولكن كلماتها القليلة كانت كمصل سكين حاد خرق قلبه، ونزف وجعًا وحزنًا منها وعليها. هو يعلم جيدًا أنها غير واعية لما قالته، ولكن ليس مبررًا لتقوله من الأساس. لأنهما متواعدان مسبقًا عندما يغضب أحد من الآخر يحدثه بصراحة، ولكن لا يبعد عنه لأن بعده يعني عدم حبه.

هنا وقف نبض قلبه لثوانٍ قليلة وهو يواصل الحديث مع ذاته قائلاً: "أيمكن أن يكون قد زال حبي من قلبها الصغير؟

لا والله لن أجلك تخدعيني أيتها المكاره الحسناء. فأنا أول من علمتك تعرف الحب وحفظتك قصائد ودواوين الهوى. أنا أول من أمسكت بيدك وضعت قدمك على سلم العشق والغرام. أنا أول من عرفتي معاه ما معنى الحب والهيام. وتعلمت أنا معاك الحب الصادق والأمان. أنسي حبيبتي القاسية أن أتركك حتى وإن لا ترديني في حياتك. سأمحي لكِ ذاكرتك وأبدأ من أول وجديد تعليمك حروف الحب في بحر هوايا."

انتبه سيف على حاله عندما سمع جرس الباب يدق. صمت قليلاً ثم مسح على شعره بيده ليهدأ من انفعاله. وكان الطارق يحيي ومعه ضحى، اللذان وصلا للتو من بورسعيد. وهما صاعدان على السلم سمعا صوتًا عاليًا يخرج من شقة الحاج سمير. تلقائيًا جرى الاثنان ليطمئنا عليهم. فتحت سحر الباب وهي تبكي. احتضنتها ضحى بخوف. أما يحيي فتوتر ولا يعرف ماذا يفعل. استجمع قواه وسأل بقلق: "أم أسر في إيه؟ صوتكم عالي ليه؟ سناء فيها حاجة؟

ازدادت سحر بالبكاء وقالت: "سناء عاوزة تتطلق، وسيف هيجنن منها جوه." انصدم يحيي وضحي التي دلفت مسرعة لتطمئن على صديقتها. تحدث يحيي لسحر بهدوء حتى يقدر على استيعاب ما سمعه قائلاً: "ممكن بعد إذنك تندهيلي سيف من جوه." حركت سحر رأسها بإيماء. دلفت للداخل وحدثت سيف، وبالفعل خرج ليحيي دون تحدث أو اعتراض منه. نزلا سويا لأسفل ليتحدثا بمفردهما.

دَلفت ضحى لغرفة سناء وهي حزينة مما سمعته، ولكنها حزنت أكثر عندما رأت سناء شارده وتبكي بانهيار. جلست ضحى بجانبها فأدخلتها في حضنها مربتة على ظهرها قائلة: "اهدي يا سنسن، كله هيكون بخير بس كفاية دموع عشان خاطري. سيف هيتجنن بره." خرجت سناء من حضن ضحى وهي تصرخ بصوت عالٍ وتبكي في نفس الوقت. على أثره دلف كل من بالخارج، وهي تقول: "محدش يقول اسمه قدامي. هو بيضحك عليا ومش بيحبني." وأكملت بحزن شديد:

"أنا عمري ما وثقت في حد زيه ولا حبيت حد في حياتي قد إده. بس هو خان ثقتي وحبي وداس على قلبي برجله. مارحمنيش ولا عمل حساب لوجع قلبي. هو، هو عارف إني من غيره ضيع بس قلبه أسى عليا عشان خلاص مابقاش ليا مكان فيه." تأثر الجميع وبكوا على حالها. فتقدمت سحر منها ثم جثت على ركبتيها أمام أختها الصغيرة سائلة: "طب ممكن تقولنا سيف عمل إيه لكل ده؟ مش يمكن تكوني ظلماه ولا فاهمة غلط يا حبيبتي؟ تحدثت سناء بانكسار:

"مش هقول حاجة يا سحر غير إني خلاص مش عاوزة أفضل على ذمته." ثم دخلت في حالة بكاء شديدة. ربتت الحاجة سميحة على كتف سحر فـ انتبهت لوالدتها تشير لها بأن لا تزيد مع أختها في الحديث، فحالته لم تسمح بأكثر من ذلك. وقفت سحر متفهمة مقصد والدتها. أكملت الحاجة سميحة بصوت عادي: "يلا يا بنات نخرج عشان سنسن تنام." بالفعل تحرك الجميع للخارج. فمسكت سناء يد ضحى قائلة: "خليكي معايا ماتسبنيش." ربتت ضحى على يدها وبابتسامة هادئة:

"حاضر حبيبتي هقعد معاكي بس أطمن ماما إني وصلت." تحدثت والدة سناء: "خليكي معاها وأنا هروح أقول لنادية." حركت ضحى رأسها بالموافقة، وخرجت الحاجة سميحة كي تذهب لوالدة ضحى لتطمئنها على ابنتها. أما سناء فحدثت صديقتها قائلة: "تعالي اقعدي جنبي عاوزة أحوط دماغي على رجلك. نفسي أنام وأفصل على الدنيا كلها يمكن أهدأ شوية." فعلت ضحى مثلما طلبت منها. مرت دقائق ونامت سناء بعدما حدثت حالها وهي تشهق من كثرة البكاء قائلة:

يا من وجدت في عيونه الأمان أدعو الله أن يتم عليا نعمة النسيان. في نفس اللحظة كانت ضحى واضعة يديها على رأس سناء وتقرأ بعض الآيات القرآنية. ثم دعت الله أن يحفظ صديقتها ويمر هذا الكرب على خير قريبًا. بأسفل شارع الغمري. كان يجلس يحيي وسيف أمام مخبز الخبز بمفردهما يتحدثان في نفس الموضوع. ولكن سيف منفعل كثيرًا ويود يعرف ماذا حدث لـ "سنسنته". فهما كانا يتحدثان هاتفيًا قبل ذهابه إليها بوقت قصير.

بعد حديثهما هذا، اقترح يحيي على سيف ليتوجه إلى معرض حماه الحاج سمير ويحكي معه، لعل وعسى يجدوا حلاً لهذه المشكلة. وافق سيف، ولكنه طلب منه أن يذهب معه. ولكن يحيي رفض لأن ذلك أمر عائلي ولا يصح وجوده بينهم. وقف الاثنان من جلستهما وتوجه كل منهما لوجهته. اتجه سيف لمعرض الحاج سمير واتجه يحيي لشقة والديه.

بمنزل مروة. جالسة على مكتبها بغرفتها تذاكر هذه المادة الصعبة على الدفعة بأكملها. شردت قليلاً عند افتكارها بما حدث معها بالكلية اليوم، وبالأخص حديث عمرو الذي جعلها مبتسمة داخليًا، ولكن لم تظهر ذلك على وجهها. فحدثت حالها: كيف لشخص مثله لم يزعجها من أول يوم رأته فيه أن يكون بهذه الأخلاق السيئة، مثلما قالت عنه هيام. عند ذكر اسم هيام. فقالت لذاتها:

"هي لم تخبرني حتى الآن من تلك الفتاة التي فعل معها عمرو ذلك الشيء الشنيع. يجب علي الاتصال بها حتى أخرج من حيرتي. فقلبي يقول لي أن عمرو لم يفعل ذلك وعقلي يؤكد على حديث هيام. هي بالتأكيد لم تكذب، بل كانت تنبهني لمعرفتها بإعجابي بشخصية عمرو." أمسكت هاتفها الموجود على المكتب واتصلت على هيام. ثوانٍ وأجابتها هيام سريعًا مثلما تفعل دائمًا. "ميرو حبيبتي أكيد بتذاكري مادة الميكانيكا الصعبة، صح؟

أنا مش عارفة هنعمل إيه فيها يوم الامتحان." ردت مروة عليها وهي تضحك: "هيوما عرفتي إزاي إن بذاكر الميكانيكا؟ ده أنا بقى لي 3 ساعات فاتحة الكتاب ومش فاهمة حاجة خالص بجد قلقانة منها. بفكر أخلي عمرو الغمري يشرح لنا أحسن الوقت خلاص." ارتبكت هيام من حديث مروة، فردت بإنفعال: "عمرو الغمري بردو يا مروة بعد كل اللي قولته لك عليه؟ إنتي محتاجة إيه تاني تعرفيه عنه عشان تتأكدي أنه إنسان مش محترم."

استغربت مروة من هجوم هيام عليها بهذا الشكل. حاولت تهدئة نفسها ظنًا بأن سبب انفعالها خوف عليها ليس إلا. فأكملت مروة بهدوء فقلبها ما زال على رأيه: "هيام ممكن أسألك سؤال؟ اخفضت هيام من انفعالها قليلاً وقالت: "اتفضلي اسألي من غير ما تستأذني." تحدثت مروة: "مين البنت اللي حكتيلي عنها وعمرو عمل معاها كل ده؟ عاوزة أسألها على حاجة." هنا لم تعرف هيام بماذا تجيب؟ توترت كثيرًا، وبدأ الحديث يخرج من فمها بصعوبة. "خيـ خير يا مروة؟

عـ عاوزة تسألها في إيه؟ ردت مروة بكل هدوء: "أبدأ يا هيام كنت عاوزة أستفسر من حاجة." تحدثت هيام بخوف: "حاجة إيه؟ اسأليني يمكن أكون عارفها وأجاوبك." تكلمت مروة ببراءة: "هتعرفيها منين يا هيوما بس؟ هو إنتي كنتي معاهم؟ صمتت هيام لثوانٍ كي تفكر بماذا تجيب. فحديث مروة هذا سيكشف لعبتها، بل كذبتها عليها، فمن أين تأتي بفتاة تخبرها بما فعله عمرو. استغربت مروة من صمت هيام فـ نادت عليها: "هيام روحتي فين؟ أجابتها مسرعة:

"أنا معاكي يا مروة بس كنت يعني مش عارفة." قطعتها مروة بقلق وخوف عليها: "في إيه يا هيام إنتي تعبانة فيكي حاجة طمنيني عليكي." ردت هيام: "أنا بخير ماتقلقيش بس كل الحكاية إن البنت اللي عمرو بيهددها بالصور هي أنـ أنا... صدمت مروة من حديث هيام. هي لم تحكي لها بالتفاصيل عما فعله عمرو مع تلك الفتاة المسكينة، ولكن كل ما قالته أنه غير محترم ويبتز هذه الفتاة الحمقاء الذي أخبرها بحبه لها ثم جعلها تحبه دون إرادتها.

"إنتي يا هيام البنت اللي بتكلم عمرو وهو بيهددها بصورها؟ " هذا ما قالته مروة. "طب إزاي وصلتي لكده؟ وجبتي رقم عمرو منين؟ فهميني. بس عمرو الصبح ما حاولش يكلمك ولا بص عليكي حتى." حاولت هيام استعطاف مروة ومثلت أنها تبكي.

"غصب عني يا مروة صدقيني. هو اللي وهمني أنه معجب بيا، وأنا الصراحة صدقته، وبدأنا ناخد على بعض وبقي يسألني إنتي لابسة إيه، طب صوريلي نفسك، صوريلي إنتي قاعدة فين. وبعد كده بدأ يطلب حاجات أكتر، وكمان قالي أوعي تبيني لأي حد في الكلية إن في حاجة بينا، عشان سمعتك ولو حد عرف إنتي اللي هتندمي."

بدأت تمثل أنها لم تقدر على مواصلة الحديث في ذلك الموضوع. ولكن مروة طلبت منها أن تكمل، ودموعها تتساقط بصمت دون توقف، عما تسمعه. فبعد ما كانت تتمنى أن يكون كل ما قالته هيام عن هذه الفتاة وعمرو لم يحدث من الأساس. ماهو إلا افتراء منها عليه. ولكن بعدما عرفت شخصية هذه الفتاة تأكدت أنه حدث بالفعل. لأن هيام لم تكذب عليها أبدًا، فهي صديقتها المقربة لديها والمخلصة لها طوال السنوات الماضية. لتواجدهما معًا منذ الصغر.

بعد كل هذا، أنهى الاثنان الاتصال معًا، ولكن كل واحدة لديها شعور مختلف عن الأخرى. فـ مروة أغلقت بقلب حزين وحدثت حالها قائلة: عندما قابلتك أول مرة حفرت صورتك بذكرتي ولونتها أجمل الألواني وكتبت قصص وحواديت عنك في بالي ورسمت بيوت وأحلام معك في خيالي لكن في لحظة محيت صورتك ومسحت قصصك وشخبطت على رسماتي لأنك لم تعد بعد الآن فارس أحلامي.

أما هيام أغلقت بقلب يتراقص من السعادة. فبهذه المكالمة تخلصت من الكابوس الذي أرهقها كثيرًا. شردت هيام وهي تتذكر ما فعلته منذ ثلاثة أشهر تقريبًا. هي لم تعرف كيف تجعل مروة تكره عمرو الغمري بعدما رأت في عينه إعجابه بـ مروة، وقبل ذلك قصت مروة عليها بأن شيئًا ما يجذبها لـ عمرو. غارت هي مما سمعته ورأته، فأقسمت بينها وبين نفسها أن تجعلهما لا يسعدان ببعض أبدًا. ولكن كيف لا تعرف؟

في ذات يوم داخل الكلية كانت تقف هيام بمفردها خارج قاعة المحاضرات لغياب مروة لمرضها الشديد في هذا اليوم، لذلك لم تذهب للكلية. وصديقتها الثانية مي كانت تتحدث مع زميلة أخرى بعيدًا عنها. نظرت هيام للأمام بملل وهي تنتظر مي حتى تنهي حديثها ويذهبان سوياً. فوجدت مجموعة من الفتيات والشباب واقفين على شكل دائرة وأوسطهم عمرو الغمري. اتجهت إليهم حتى تراه أولاً، وثانيًا لتعرف بماذا يتحدثون.

في نفس الوقت كان يشرح عمرو لتلك المجموعة المادة الصعبة، فهو يفهمها جيدًا وتقديره بها دائمًا امتياز. منهم من استوعب سريعًا، ومنهم من قال نريد شرح المزيد. نظر عمرو في ساعة يده، فيجب عليه الذهاب الآن، لأن لديه مشوار مهم. فاقترح عليهم أن يأخذوا رقم هاتفه، وينشئ لهم جروب واتساب، لمن لديه سؤال يبعثه إليه وهو يجيب عليه.

وبالفعل دون الجميع الرقم على موعد بالاتصال به حتى يدخلهم ذلك الجروب. في نفس الوقت دونت هيام الرقم مثلهم، ولكن ليس لتكون معهم في جروب الواتساب بل لشيء آخر. عدى أسبوع على هذا الموقف، ولم تخبر مروة ومي بكل هذا، لغرض ما داخل عقلها. كانت تجلس هيام بغرفتها فـ أتتها فكرة ألا وهي الاتصال على عمرو. وبالفعل اتصلت عليه وأتاه صوته. في ذلك الوقت كان يجلس مع أصدقائه شهاب ومينا. قائلاً: "السلام عليكم." ردت السلام، فسألته:

"عمرو الغمري معاي؟ رد عليها: "أيوا أنا، خير حضرتك." فأكملت هي بارتباك: "أنا أنا... " وصمتت. قام عمرو من مجلسه وتحرك بعيدًا عن أصدقائه فقال: "ممكن أعرف حضرتك مين." أجابته سريعًا: "أنا واحدة معجبة بيك من زمان ومعرفتش أقولها غير النهارده." تغيرت ملامح عمرو وتكلم بغضب: "إزاي يا آنسة تسمحي لنفسك تقولي كلام زي ده؟ وبعدين من امتى البنت هي اللي بتقول للولد إنها معجبة بيه؟

إنتي كده بتقللي من نفسك وعيب أوي اللي بتعمليه. روحي شوفي مذكراتك ولا مدرستك ياشاطرة أحسن من الهبل ده." تحدثت هي بانزعاج منه ومن طريقة حديثه: "أولاً، أنا مش شاطرة ولا هبلة. ثانيًا، أنا مش في مدرسة أنا في كلية. يعني كبيرة وعاقلة، مش صغيرة ولا مراهقة، وفاهمة أنا بقول إيه كويس." رد عليها باستهزاء: "وكمان في كلية؟

ده كده أنيل. تصدقي لو كنتي في مدرسة كان ممكن ألاقي لك عذر، وأقول لسه صغيرة ومش عارفة الصح من الغلط. لكن حضرتك، طلعتي آنسة كبيرة والمفترض دماغك بتميز الأمور وأكيد عارفة إن ما فيش شاب بيحترم بنت بتعترف له بإعجابها أو حبها له. لأن الشباب مش بيحبوا النوعية دي من البنات. يا إما البنت بتقع في شاب شايفها سهلة فـ بيتسلى، أو شاب بيخاف ربنا فـ بينصحها، وأنا الحمد لله بتقي ربنا وبخاف منه. فـ لو سمحتي متتصليش عليا تاني لأني لو حصل هعرف عنوانك وهبلغ أهلك اللي المفروض تحترمي غيابهم قبل حضرهم."

فأكمل حديثه معها بتهكم: "يا، يا كبيرة." وبعدها أغلق الهاتف بوجهها. نظرت لهاتفها قائلة: "هتندم يا عمرو ومش هخليك تفرح بمروة أبدًا ولا هي كمان." ثم جاءتها فكرة ألا وهي إقناع مروة بأن عمرو مخادع وحقير.

أخذت أيام كثيرة تفكر كيف. إلى أن أتاه فكرة وهي أن تقول لـ مروة أن عمرو استدرج فتاة وجعلها تحبه حتى بدأت بتصوير نفسها بملابس بيتية وأخرى عارية، وبعد ذلك احتفظ بهم لديه. بدأ بابتزاز الفتاة، يا ترضخ له ولمطالبه أو يبعث صورها لأهلها. ابتسمت هيام وابت أن ترفع لذاتها القبعة لنجاح خطتها الشيطانية قائلة:

"سوري يا ميرو أصل الصراحة عمرو عجبني أوي من كتر ما بتتكلمي عليه قصادي، وأنا الصراحة لما حاجة تشغل بالي بفضل وراها لحد ما أوصلها." داخل معرض الموبيلياي. يجلس كلا من الحاج سمير، وأولاده سعد وسيد، وبجانبهم سيف بعدما قص عليهم كل ما دار بينه وبين سناء. تحدث سيد بتأثر: "طب والحل يا حاج؟ كده في حاجة مزعلة سناء وده غلط على نفسيتها وعلاجها، وشكلها مش عاوزة تقول لحد إيه هي. أنا خايف عليها تتنكس مننا وحالتها تسوء." الحزن يجوب

وجه والده وهو يتكلم بضعف: "أنا قلقان زيك يا بني وقلبي وجعني عليها. ياريت بأيدي حاجة أعملها. خايف أروح أتكلم معاها تتعب أكتر." ثم نظر للأعلى داعيًا الله عز وجل أن يفك كربهم هذا على خير وترجع ابنته لما كانت عليه. سيف لم يتحدث، بل يفكر في كل كلمة وحرف قالته تلك المجنونة. فما زال صوتها يسمعه بأذنه. "طلقني يا باشمهندس سيف."

وقف مرة واحدة يود يذهب إليها ويكسر عظامها وهو يحتضنها كعقاب لما قالته، وبالأكثر لاشتياقه لها ولحديثها الممتع الذي يفصله عن أي تعب بيومه بل بحياته كلها. لكنه تراجع، فقال: "استأذنكم أمشي عشان كان يوم متعب في الشركة." وقف سعد وأمسك بيده قائلاً: "اقعد رايح فين يا سيف، أنت هتطلع معانا عشان نشوف سناء. إيه اللي مزعلها منك أوي كده ونصالحكم على بعض." تنهد سيف بضيق وقال:

"للأسف يا سعد حالتها اللي شوفتها عليها، ماينفعش تتكلم معاها دلوقتي لازم نسيبها تهدأ بدل ما تتعب أكتر زي ما عمي قال." تكلم سيد: "طب إيه رأيكم نخرجها من البيت؟ مش يمكن عشان مابقتش تخرج زي الأول نفسيتها تعبت. أنا بقترح تيجي عندي البيت تقعد أسبوع يمكن يكون أحسن لها." تحدث الحاج سمير: "حل كويس يا بني. إيه رأيك يا سيف؟ مسح سيف رأسه بيده: "تمام يا عمي المهم نعمل أي حاجة عشانها." تكلم سعد: "يبقى تيجي عندي.

وأكمل بتأثر وتأنيب: سناء بقالها سنين ما دخلتش شقتي كـ تغيير. يارب بعد كده تكون أحسن." اقتنع الجميع بما قاله سعد ولكن ليس اليوم كي يحضر لها غرفة مناسبة. بالفعل استأذن سيف لحزنه الشديد وذهب لمنزله. صعد يحيي لشقة عائلته، وجلس معهم يتحدثون سوياً. ولكن كان يحيي مهمومًا لما حدث لسناء وسيف، ولكن لن يخبر والديه بما حدث. لاحظ والده الحاج رشاد شروده فسأله: "مالك يا يحيي في حاجة مضايقاك؟ أجابه سريعًا:

"أبدأ يا بابا ما فيش حاجة، شوية إرهاق من السفر مش أكتر." وقام من مجلسه يستأذنهم ليستريح قليلاً. لم يكمل حديثه لصعود صوت هاتفه. نظر به وكان المتصل سامر. ضغط على زر بدء المكالمة قائلاً: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. فين يا دك بقالنا كتير مش شايفينك." صمت قليلاً عندما أتاه صوت سامر وهو يتحدث بفزع قائلاً: "أمل بتضيع مني يا يحيي، ابني مات. أنا في مستشفى (...... تعالالي بسرعة أرجوك."

صدم يحيي لثوانٍ يستوعب ما يقال. فـ أمل ليست أخته فقط بل صديقته وأمه الصغيرة. كما يعلم جيدًا أن أمل كانت تعد الأيام والساعات على قدوم مولودها الأول لاشتياقها لرؤية ثمرة عشقها من زوجها الحبيب. فاق سريعًا وأجابه ليطمئنه: "مسافة الطريق وهكون عندك، ماتخفش إن شاء الله أمل هتكون بخير." عند ذكر اسم أمل، قاما والداه من مقعدهما بقلب خائف. فحدثه والده بهلع: "اختك فيها إيه يا ابني؟ أكملت والدته: "أمل مالها يا يحيي طمني."

حاول يحيي التماسك حتى لا يخبرهم بحالة أخته الخطرة. ولكن هما سمعوا المكالمة وانتهى الأمر. تحدث يحيي وهو يدلف داخل غرفته ليستبدل ملابسه ويأخذ مبلغًا من ماله الخاص لعل سامر يحتاج إليه: "أمل في المستشفى عشان ابنها مات في بطنها." هنا شهقت والدته برعب قائلة: "حبيبتي يابنتي يارب نجيها." أما والده فكل ما قاله: "إنا لله وإنا إليه راجعون." تحدثت والدته وهي تبكي: "أنا هلبس بسرعة يا ابني وجاية معاك." كادت أن تخرج

من الغرفة إلا وحدثها يحيي: "سامحيني يا ماما مش هقدر أستنى أكتر من كده. صحي عمرو من النوم وتعالوا ورايا." فاق عمرو في نفس الوقت وهو خارج من غرفته فرآهم مجتمعين في غرفة يحيي. تقدم منهم وهو مبتسم: "خير يا أهل الدار واقفين كده ليه؟ قطع باقي حديثه عندما رأى دموع والدته. اتجه إليها بقلق: "ماما في إيه؟ رد عليه يحيي بعدما انتهى مما يفعله: "اختك في المستشفى هات بابا وماما بالعربية وأنا أول ما أوصل هبعت لك اللوكيشن."

تحدث والده: "توكل على الله إنت يابني واحنا هنيجي وراك." وأكمل حديثه وهو يدعو الله: "يارب احفظ أولادي ونجيهم من كل سوء." تحرك يحيي بسيارته. وفي وقت قياسي كان يقف مع سامر أمام غرفة العمليات. أقل من ساعة كان بجانبهما عمرو ووالديه. وجاء أيضًا سيف ويوسف لمعرفتهما بما حدث. عندما اتصل سيف ليتحدث مع يحيي قليلاً فسمع نبرة صوته ليست طبيعية. حاول معه ليعرفه ما به حتى أخبره أخيرًا. فـ أتى إليه. الجميع في انتظار خروج أمل.

فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب واتجه لـ سامر. وضع يده على وجهه ويدعو الله أن يخرج زوجته بسلام. وبعد ذلك كل شيء يعوض. تحدث الطبيب: "عشان كده ما رضيتش أدخلك معانا العمليات شوفت أنت متوتر إزاي." نظر إليه سامر وقال: "كنت هكون أحسن من انتظاري بره يا دكتور. مالك بس طمني الأول أمل بخير." تدخل يحيي وعمرو معهما متسائلين أيضًا عن حالة أمل. تحدث الطبيب مالك بوضوح لمعرفته بهما مسبقًا:

"مش هكدب عليكم حالة مدام أمل إلى حد ما مستقرة. لكن الولد نزل متوفي ومشوه من المادة الفعالة اللي كانت موجودة بعلاجها. إحنا أخدنا منها عينة دم عشان نحللها ونعرف من أنه علاج بالضبط وكمان بعت للدكتورة هالة شوقي لأنها هي اللي كانت متابعة حالتها زي ما قلت لي يمكن تكون كتبت لها على علاج غير دول هو اللي اتسبب في كده. عموماً ماتقلقش يا دكتور سامر إن شاء الله هتكون بخير. وبالنسبة للرحم الحمد لله ما أضرش لدرجة تخوف بس المادة الفعالة ممكن تتسبب في تأخير الحمل لأن صعب يحصل دلوقتي خالص. في الأول والآخر كله بين إيدي الله عز وجل."

ردوا جميعًا: "ونعم بالله العلي العظيم." أكمل الدكتور مالك: "المهم نطمن عليها وبعد كده نبدأ في العلاج. ثم ربت على ذراع سامر قائلاً: الله يطمن قلبك على المدام ويعوضكم خير يا دكتور. هي في الإفاقة ربع ساعة وتخرج على غرفتها. ألف سلامة." شكره سامر. وكذلك أخواتها.

ثم تحرك الطبيب بعد ذلك. وانتظروا الثلاثة حتى خروج أمل. بجانبهم سيف وأخيه. أما والداهما جالسين على المقعد المقابل للعمليات. الحاجة سعاد تقرأ في المصحف الشريف، والحاج رشاد يردد الأذكار ويدعو الله أن يتم نعمة الشفاء على ابنته. فقد علموا ما قاله الطبيب. خرجت أمل على سرير متنقل وهي غير واعية بالكامل فما زالت تحت تأثير البنج.

استأذن سيف ويوسف للذهاب. فلم يجب عليهم الانتظار الآن. فالقادم خاص وعائلي. على وعد بالاتصال ببعضهم إن احتاج أحدًا للآخر. أمل وهي تدخل الغرفة كانت تتحدث: "الحقني يا سامر ابني بيموت الحقني." بكى كل ما كان بالغرفة على حديثها هذا. فـ تذكر سامر هذه الجملة التي كانت آخر شيء قالته أمل له بالهاتف حتى ينقذها هي وجنينها. قبل ساعات كثيرة.

فاقت أمل من نومها بعد حوالي أربع ساعات من ذهاب سامر لعمله، وكانت أفضل قليلاً عما كانت. وبدأت في تنظيف المنزل وعمل الطعام لزوجها وتحدثت معه في الهاتف. وقصت له ما أحدثته بالمنزل من وقت استيقاظها. وبعد ذلك هاتفها أكثر من مرة وآخر شيء أخبرته أنها تحس بألم أسفل بطنها.

فـ سألها عن أعراض معينة بعدما سأل صديقه الطبيب مالك المتخصص نسا وتوليد. فأمل اقتربت من الشهر السادس. فقالت له أنه يوجد بعض الأعراض مما ذكرها. فـ أمرها أن تتسطح على فراشها حتى يأتي للمنزل.

فعلت أمل مثلما طلب منها بعدما أخذت العلاج في موعده، ونامت مرة أخرى. وبعد ثلاث ساعات من النوم، فاقت على ألم شديد للغاية فحاولت دخول الحمام لأخذ شاور دافئ وبعد ذلك تناول مسكن لإزالة الألم. إلا ورأت ملابسها السفلية غارقة بالدم الذي يتساقط منها شكل رهيب. اتترعبت بشدة وأمسكت هاتفها وهي تحاول أن تتمالك أعصابها لـ تتصل على زوجها. الذي أول ما دق هاتفه ورأى اسمها فتح الاتصال سريعًا. فسمع صوتها وهي تقول:

"الحقني يا سامر ابني بيموت الحقني." فاق سامر من تذكار ما حدث، وهو ممسك يديها عندما سمع صوتها تتحدث: "أنا فين؟ مسح سامر على شعرها وهو يبتسم قائلاً: "إنتي معايا وبخير حبيبتي." تقدمت والدتها وقالت: "حمد الله على سلامتك يا بنتي." وبعد ذلك تقدم والدها وقال: "قدر الله وما شاء فعل. سلامتك بالدنيا حبيبتي." يليه عمرو مقابلاً يديها قائلاً: "مولتي حبيبتي قلقتيني عليكي الحمد لله إنك بخير."

وأخيرًا يحيي الذي نظر إليها دون صوت وكأنه يواسيها بعينه. نظرت لهم جميعًا برعب وخوف أن يكون ما ببالها حقيقي. حاولت الاعتدال من الفراش ولكن كان ألم العملية يمنعها من النهوض. ولكنها لم تعلم ما بها. فتحدثت بقلق مرعب: "أنا فيا إيه؟ مش قادرة أقوم. ومالكم كلكم بتتكلموا كده ليه؟ أنا كويسة وابني كويس." وجاءت لتضع يديها على باطنها، فـ أمسكها سامر قائلاً: "اهدي يا أمل مالناش نصيب فيه. الله يعوضنا المهم إنتي حبيبتي." صرخت أمل

بقوة وهي تضرب على باطنها: "متقولش كده سولي ما يقدرش يسيبني. هو عارف بحب قد إيه. لااااا يا سامر ارجوك قول ما حصلش، قول إنك بتضحك عليا، قول إني في حلم. طب اتكلم يا يحيي إنت عمرك ما بتكدب عليا." جلست والدتها بجانبها لـ تهدئها ولكن انفعالها وصدمتها بفقد جنينها كان أقوى وأصعب من أي شيء في حياتها.

ذهب عمرو سريعًا ليبلغ الطبيب بحالة أخته. جاء معه مسرعًا وممرضتين أيضًا. حاولوا معها لتهدأ. ثم أعطاها الطبيب حقنة منومة. وطمأن الحاضرين بأنها عندما تفيق ستكون أفضل عن ما كانت عليه لمعرفتها بما حدث لها. ما زال الجميع بالمستشفى مع أمل حتى أتى صباح يوم جديد. فلم ينم أحد منهم مطلقًا.

نظر عمرو في ساعتها فوجدها تقترب من السابعة صباحًا. قام من مجلسه واتجه إلى والدته التي تجلس على المقعد القريب من سرير ابنتها الغافية منذ أكثر من 5 ساعات كأنها تريد أن تبتعد عن الحياة حتى تنسى ما حدث. مال عليها وتحدث بصوت منخفض قليلاً: "ماما أنا لازم أمشي دلوقتي عشان ألحق أغير هدومي لأن عندي كذا محاضرة مهمة النهاردة أول واحدة هتبدأ الساعة تمانية ونص." ربتت والدته على كف يده الموضوعة على يديها وقالت

بصوت مبحوح من كثرة البكاء: "روح يا حبيبي ربنا يوفقك ويجعلك في كل خطوة سلامة." قبل رأسها قائلاً: "ويبارك لنا في عمرك وعمر بابا يا ست الكل." وأكمل حديثه: "إن شاء الله أخلص محاضراتي وأجيلكم على طول." هزت رأسها بإيماء وقالت: "بالسلامة يا ابني." خرج عمرو من الغرفة والمستشفى بأكملها لعل يكون اليوم بداية علاقة حب أو نهاية أمل ضائع.

اليوم الموعد المتفق عليه بين عادل ووالد سارة حتى يتم الانفصال دون فرض شروط من كلاهما. بل في هدوء تام مثلما طلبت سارة. أتى المأذون وبدأ في الإجراءات الورقية. ثم تحدث كمحاولة منه لإرجاعهما عن الطلاق. ولكن كان رد والدها: أن ينهي كل شيء بهدوء. لأن مسألة الرجوع، محالة كما قالت ابنته. أنهى المأذون بالفعل، وسلم عادل على جميع الحاضرين. ثم توجه إلى سارة قائلاً:

"سارة، أنا عمري ما هنسى عشرتك ولو طيبة قلبك بتمنالك السعادة في حياتك الجاية. لأنك بجد تستاهلي كل خير." ابتسمت سارة وتحدثت برقة كعادتها: "ميرسي يا عادل وأنا كمان بتمنالك حياة حلوة مع غادة. فـ أكدت عليه كأنها صيغة أمر: أوعي تسيب غادة تضيع من إيدك، دي حب عمرك وأكيد هي مستنياك تروح تخطفها على عش حبكم."

وأكملت بقلب موجوع لأنها ما زالت تحب عادل ولكن لم تظهر هذا، لأنه ببساطة لا فائدة من إظهاره. فقلبه يسكنه غيرها ولن يسمح بـ أخرى الدخول إليه مهما كانت. "عادل ارجوك خلي حد فينا يعيش سعيد أبدًا. إنت، مش يمكن أنا كمان ربنا يقابلني بشخص يحبني." حرك عادل رأسه بتأكيد: "أنا واثق من كده يا سارة لأن قلبك يستاهل حياة جديدة كلها حب ماينتهيش." وبعدها أكد عليها قائلاً: "سارة أتمنى لو احتاجتني تكلمني اعتبرني من النهارده أخوكي."

هزت رأسها بالموافقة. ولكن بداخلها تقول: "سيبقى الحزن ساكن قلبي مهما قلت زال لكنه ما زال داخلي." بعد ذلك ذهب من منزل والد سارة ومن حياتها كـ حبيب للأبد. وقف عادل أمام سيارته ثم استقلها عاقد النية للذهاب إلى منزل عمه حسين حتى يطلب منه يد ابنته غادة للزواج.

وأثناء سيره بالسيارة جاءت إليه مكالمة هاتفية من سكرتيرة شركته الموجودة بألمانيا تطلب منه المجيء اليوم للضرورة لحدوث بعض العوائق بالعمل وأخبرته أيضًا أنه تم حجز تذكرة طيران باسمه وكل ما عليه الذهاب للمطار الآن. بالفعل اتجه عادل لمطار القاهرة قائلاً لحاله: "هخلص اللي ورايا عشان أفضي لك يا حبيبتي وبعد كده مش هسيبك العمر كله بإذن الله تعالى." وبعدها انطلق بسيارته لوجهته وهو سعيد عما وصل إليه.

داخل كلية الهندسة. كانت تقف مروة ساندة على إحدى الحوائط وهي ناظرة على باب دخول طلاب الكلية كأنها تنتظر أحد بعينه. بعد ثلث ساعة كان يدخل من شغل بالها من أول يوم رأته فيه. ولكن بالأمس بعدما عرفت حقيقة، كرهته بشدة واتفقت مع قلبها بأنه لن يحبه ولا يفكر به مرة أخرى. فوضعت يدها على قلبها تحدثه كأنه شخص أمامها قائلة: "هو ده اللي اتفقنا عليه كده تخوني وتفرح أول ما تشوفه؟

تعرف أنا هعاقبك بس مش المرادي هسيبك تشبع روحك بوجوده وقربه منك بس بعد كده مش هخليك تلمحه، اتفقنا؟ عاوزة أسمع ردك." "تمام براحتك إنت اللي خسران." وقفت تنظر له وهو يحدث زملاءه ويظهر على وجهه الإرهاق الشديد. انتهى من حديثه فـ اتجه ناحية وقفتها دون أن يراها. فقالت بداخلها: "شكلك مش نايمة كويس." فأكملت بتهكم: "تلاقيك كنت بتسمع ضحية من ضحاياك الأسطوانة بتاعتك. هقول إيه، الله يسامحك." عدى عمرو بجانبها فـ انتبهت إليه.

ونادت عليه: "باشمهندس عمرو." كررت النداء مرة أخرى. وقف مكانه ورجع للخلف بوجه مبتسم قائلاً: "يااااه قد إيه كنت محتاج أشوفك جدًا بعد ليلة طويلة كلها تعب وحزن عشان أنسى وأبتدي يومي بطاقة جديد مليانة نشاط وحيوية. وده دائمًا إنتي اللي بتكوني سبب فيه يا ميرو. أنا لما بشوفك كأني روحي كانت غايبة عني ورجعتي بحضورك. ميرو أنا عاوز أقـ... لم يكمل حديثه عند تحدثت مروة بصوت عالٍ جعل كل ما كان بالمكان ينتبه إليهما.

"ميرو مين يا باشمهندس؟ أنا المهندسة مروة كامل. وبعدين مش أنا اللي هضحك عليها بكلمتين ولا أنا اللي هتعرف توقعها وتمسك عليها حاجة. أنا وقت اللزوم ببقى بميت راجل تقف قدام شاب واطي زيك بيلعب ببنات الناس ويوهمهم بحبه وبعد كده يساويهم على سمعتها وسمعة أهاليهم. فوق كده لنفسك واعرف مش كل اللي تعرفهم شبه بعض ولا كلهم شبهك وبحذرك أوعي تفكر تقرب مني ولا من أي قريب مني لأن ساعتها هتندم ندم عمرك. أتمنى تكون فهمت الرسالة كويس."

عندما قصت عليه كل هذا، تركته وتحركت بعيدًا عنه. حتى تقدر على تمالك أعصابها وتقدر على التنفس. وفي نفس الوقت لم تعرف ما الذي قالته لـ عمرو. هي لم تكن تريد أن تقول له ما قالته بل كانت ستتحدث معه بهدوء حتى يمسح كل صور هيام من هاتفه وينسى كل شيء يخصها. لامت نفسها كثيرًا بعدما رأت الكلية بأكملها شاهدت ما حدث بينهما. حاولت أن تخرج نفسها من عتاب حالها قائلة: "هو يستاهل أكتر من كده. يمكن يفوق وما يضحكش على بنات تاني."

ولكن حزن قلبها منها كثيرًا، ورفض مصالحتها. عنادها هي الأخرى ولم تهتم بأمره. أما عمرو الذي ما زال واقفًا بمكانه لم يتحرك. بل ينظر لأثرها وهي تختفي من أمامه. وهو عاجز عن نطق حرف يؤذيها أو يؤذيها. ولكن في نفس الوقت لم يقبل ما قالته عنه لأنها بذلك أساءت سمعته وسط الكلية وكرامته لم تسمح بهذا. دقائق وجاء حرس الكلية ليأخذوه لمكتب العميد بتهمة إحداث شغب داخل الحرم. فسأله: "مع من كانت تتشاجر حتى تتوجه معك للعميد؟

أجابهم بكل هدوء رغم غضبه من تلك المروة الظالمة: "معرفهاش أول مرة أشوفها." أكد عليه السؤال: "متأكد من كلامك؟ ممكن تشيل عقوبة اللي حصل لوحدك؟ إخفاؤك لشخصيتها مش هيفيدك." رد بنفس الإجابة: "معرفهاش أول مرة أشوفها، وياريت تاخدني على مكتب العميد لأني تعبان ومش قادر على المناهدة أكتر من كده."

بالفعل تحرك عمرو بجانبه الحرس. بعدما فرقوا تجمع طلاب الكلية الذين شاهدوا كل ما حدث بينه وبين مروة. ولكنه نبه عليهم قبل مجيء حرس الكلية عدم كشف شخصية الفتاة وأنهم جميعًا لم يروها من قبل. انتهت التحقيق مع عمرو فـ حذره العميد بأن لن يكرر ذلك مرة أخرى وإلا سيأخذ فصل عن الكلية شهرين. خرج عمرو من المكتب متجهاً لقاعة المحاضرات حتى يلحق المحاضرة التالية. ولكن بداخله بركان من هذه المروة. قائلاً:

"بعد كل اللي قولتي لو روحي فيكي مش عاوزك في حياتي وأنا هحاول أشيلك من قلبي." فنظر للأعلى يناجي ربه أن يساعده على هذا. داخل غرفة أمل بالمستشفى. كانت تجلس والدتها بجانبها تطعمها حتى تأخذ علاجها. فـ حالتها النفسية أفضل من أمس. أما يحيي ووالده وسامر كانوا بمسجد المستشفى يصلون صلاة الظهر. انتهوا من الصلاة وهم خارجين من المسجد. دق هاتف يحيي برقم الأستاذ حسين والد غادة. فتح الاتصال سريعًا قائلاً: "حبيبي بجد واحشني."

صمت فجأة عندما سمع من يتحدث قائلاً...... انتهى البارت الثاني والثلاثون.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...