التفت حمزة على صوت سمية وهي تلقي السلام عليهم جميعاً. وعندما رأى عيناها ووجهها البريء، تاه فيهما. فأكملت سمية: "إزيك يا يحيي؟ أعرفك بـ مروة صاحبتي. أنا وضحي وسناء. هي كانت جاية تطمن عليهم." ابتسم يحيي قائلاً: "تشرفنا." ردت مروة بابتسامة مثله: "الشرف لينا أستاذ يحيي." وأكملت وهي تشير ناحية الواقف بجانبها، والذي لم ينطق بكلمة حتى الآن، بل كان يختلس النظر لـ سمية بين الحين والآخر دون أن يراه أحد: "أعرفك بـ أخويا حمزة."
انتبه حمزة عندما سمع أخته وهي تذكر اسمه. تحمحم حتى يقدر على التحدث، قائلاً: "أهلاً بحضرتك." فمد يده يصافح يحيي وأكمل: "حمزة كامل، محامي." رد يحيي: "أهلاً بيك تشرفنا. أنا يحيي الغمري، محاسب." وبعد ذلك، بدأ يحيي بتعريفهم على الواقفين معه: "سيف التوني، مهندس." مد سيف يده وصافحه. "الرائد وليد دسوقي." مد يده وصافحه هو الآخر. "وأخيراً، أعرفك بـ أخويا عمرو الغمري، رابعة كلية هندسة."
هنا نظرت مروة عندما سمعت اسم عمرو، فهي لم تنتبه له من أول المقابلة. وفي نفس اللحظة، كان ينظر لها عمرو وهو غير مصدق لرؤيتها أمامه. مد حمزة يده قائلاً: "أهلاً بيك يا عمرو. مروة أختي كمان في هندسة، بس الفرقة التانية. أكيد شوفتوا بعض." جاء عمرو ليرد ويقول نعم، أنه رآها كثيراً ويعرفها عن ظهر قلب، وكم تمنى أن يتحدث معها.
وعندما تشجع حتى يعرفها بنفسه، إلا ولاحظ تغير ملامح وجهها حينما تراه، عكس ما كانت تفعل عندما كانا يتقابلان في مسرح الكلية أو في ساحة الحرم الجامعي. كانت تبتسم له ابتسامة رقيقة فقط وهو يبادلها. ولكن بعد ذلك تغيرت كلياً، وبدأت عندما تراه تنظر في الاتجاه المعاكس له، أو تكشر في وجهه، ولم تعط له فرصة أن يعرف ما سبب التغير. ولكن نطقت مروة سريعاً رداً على سؤال أخيها: "لأ ما حصليش الشرف قبل كده. أول مرة أشوف حضرته."
ثم نظرت لـ عمرو بسماجة وقالت: "أهلاً وسهلاً يا باشمهندس عمرو." كاد أن يصرخ بها ويقول: "يالكِ من ماكرة! أحقاً لم تقابليني من قبل؟ من إذاً التي كنتِ تبتسمين له؟ لم تهتم مروة كثيراً لاندهاش عمرو، فوجهت حديثها لـ سمية: "سيمو، هقدر أشوف ضحى وسناء دلوقتي؟ أجابتها سمية: "للأسف لأ يا مروة. هما لسه جايين من المستشفى وأكيد تعبانين." فأكملت باقي حديثها وهي تنظر أمامها: "صح يا يحيي؟
أكد لها يحيي المعلومة بأنهم بالفعل نائمون من كثرة تعبهم. فقالت مروة: "خلاص مافيش نصيب أشوفهم النهارده. نستأذن إحنا، وإن شاء الله هاجيلهم وقت تاني. أنا خلاص عرفت الطريق." فوجهت حديثها لـ أخيها الذي لم يعرف ما يحدث له إلى الآن في حضور تلك الواقفة، رغم عدم اهتمامها بكلمة أو حتى نظرة: "مش عطلانة معايا يا حمزة؟ تحدث حمزة وهو ينظر لهم جميعاً بابتسامة صغيرة: "ولا عطلة ولا حاجة. كفاية اتعرفت على الرجالة المحترمة."
وأكمل بداخلة: "وشوفت القمر الهادي ده. بجد عيونك تسحر، بس يا ترى إيه سبب حزنهم كده؟ مش هسكت غير لما أعرف. أنتي خلاص لمستي قلبي من أول نظرة." خرج من صمته وقال: "طب أستأذنكم دلوقتي، وإن شاء الله أشوفكم قريب." تكلم عمرو هذه المرة: "ما ينفعش يا أستاذ حمزة. تيجي الحي وتمشي كده. لازم تشرب حاجة." عمرو كان يتحدث بصدق وفي نفس الوقت يريد أن يقف أكثر مع مروته التي شغلت باله منذ أكثر من سنة ونصف. أكد سيف على كلام عمرو وقال:
"ماينفعش تمشي يا أستاذ حمزة. اتفضل اقعد معانا، والآنسة مروة تروح مع الآنسة سمية البيت على ما تشرب قهوتك." اعتذر حمزة منهم لأنه على موعد باجتماع مهم بمكتب المحاماة خاصته يخص قضية سيترافع عنها بالمحكمة خلال يومين. تفهّم الموجودون واتفقوا على موعد آخر حتى يجلس معهم في حي الغمري. نظرت الفتاتان لبعضهما واتفقا هما الآخران أن يتقابلان هنا قريباً وتكون سناء قد تعافت، وضحى تكون أعصابها هادئة.
بعد ذلك استأذن حمزة بالرحيل هو وأخته مروة، وتحركا الاثنان تحت أنظار الجميع، وبالأخص عمرو، الذي يود أن يجري وراءها ويسألها: "ماذا حدث لتغيرك هكذا؟ ولكن لم يكن الوقت والمكان مناسبين. فصبراً أيتها المتغيرة، فأنا لم أصمت بعد اليوم، إلا وأرجع الابتسامة لكي التي كنت أراها على وجهك مثل سابق. فلو أنتي متقلبة المزاج، فأنا المزاج ذاته. ولم أتنازل عنكِ. **** عند غادة بالعمل.
كانت تحضر ورقاً مهماً فلديها اجتماع هي وبعض الموظفين مع رئيس مجلس إدارة الشركة وصاحبها في نفس الوقت، المهندس كريم. بدأ الاجتماع، وكان من ضمن الحضور الأستاذ سامي، محاسب قديم بالشركة. بدأت المناقشات بين الجميع في مناقصة جديدة سوف تدخلها الشركة قريباً. شردت غادة وتذكرت عندما كانوا مجتمعين في السابق ومعهم يحيي. ندمت للحظة بأنها السبب بترك يحيي للعمل.
ولكن سرعان ما تجاوزت الندم عندما تكلم الجانب الشرير بداخلها قائلاً: "ماذا بكِ أيتها البلهاء؟ إلى الآن تدافعين عنه؟! هو خائن وانتهى الأمر." خرجت من شرودها على صوت الأستاذ سامي وهو يستأذن من المهندس كريم ليرد على هاتفه، فهاتف يهتز بجيبه للمرة الخامسة على التوالي، لكونه صامتاً مثلما يفعل دائماً بأي اجتماع. ولكن اليوم زوجته مصرة أن يجيب عليها، وهذا يقلقه للغاية. استأذن من المهندس كريم ليرد، فسمح له.
خرج سامي من غرفة الاجتماعات، ضغط على زر القبول، فأتته صوت زوجته وهي تبكي وتقول: "الحقني يا سامي، شذى أغمي عليها، وبقالي أكتر من نص ساعة بفوق فيها ومبتردش عليا، ونفسها ضعيف أوي. مش عارفة أعمل إيه." وبدأت تبكي بانهيار. هنا سامي لم يقدر على الوقوف، فقدماه لم تتحملا بعد سماع ما قالته زوجته. فاستجمع قواه رغم خوفه حتى يمد زوجته بها، قائلاً:
"مني اهدئي، شذى بنت. هتكون بخير. أنا هتصل على الدكتور عصام حالاً وهخليه يبعتلك عربية إسعاف، وأنا هحصلكم على المستشفى. تمام حبيبتي؟ خليكي قوية عشان بنتنا الوحيدة. يلا هقفل معاكي وهكلم الدكتور." أغلق سامي مع زوجته، وهو لم يقدر على الاتصال، فيداه ترتعشان من القلق والخوف، وقلبه لديه إحساس لم يريد تصديقه، إلا وهو فقدان فلذة كبده قريباً. نظر لأعلى وهو يبكي، يناجي ربه بأن يشفي ابنته.
تحكم بأعصابه أخيراً واتصل على الطبيب المعالج لشذى وأخبره على ما حدث لها. وأتاه رد الطبيب بكل ما سيفعل. ثم أغلق سامي الهاتف، وبعد ذلك دلف غرفة الاجتماعات مرة أخرى، ولكن بحالة صعبة للغاية. وقف الجميع عندما شاهدوا تغير وجهه وعيونه المليئة بالدموع. قص عليهم ما سبب تغير حالته، طمأنه الجميع ودعوا لابنته بالشفاء، ثم سمح له المهندس كريم بالذهاب فوراً لابنته، وأكملوا الاجتماع بدونه وسط تأثر لحالة زميلهم سامي. ****
بعد أكثر من ثلاث ساعات، ذهب سيف إلى منزله وكان جالساً مع والدته وأخيه يوسف. وتجلس أيضاً رنا ابنة هنا. حكى لهم ما قاله الطبيب وماذا حدث لسناء بعدها. وبعد ذلك دلف لغرفته بعدما أخذ حماماً دافئاً حتى يستريح جسده من إرهاق الأيام السابقة، وبالأخص اليوم، ففي حياته كلها. ما زالت السيدة محاسن والدة سيف جالسة مع يوسف تبكي على حال سناء وتقول:
"قلبي عليكي يا بنتي، الله يكون في عونك. إحساس صعب أوي يكون شخص كله حيوية ونشاط ومرح، ومرة واحدة ما يقدرش يتحرك ولا يمشي." ثم رفعت كفيها أمام وجهها تدعو الله أن يزيل هذه المحنة على خير، ويقوي ولدها على ما هو قادم ويرزقه صبراً على صبره. قام يوسف من مجلسه مقبلاً رأس والدته، ثم مسك كف يديها، مربتاً عليها بحنان حتى تتوقف عن البكاء، قائلاً:
"ماما حبيبتي، كفاية عياط، أنتي تعبانة، وبعدين سيف بيتقوى بيكي، وكمان سناء بتحبك وأكيد محتاجاكي جانبها." جرت عليها رنا أيضاً لتحتضنها وهي تبكي، فهي تحب والدة سيف كثيراً. ربتت الحاجة على ظهرها لتهدئها وهي ما زالت في حضنها. مسحت والدتها عينيها قائلة: "كلامك صح يا بني، بس كنت ماسكة نفسي قدام أخوك بالعافية. مصدقت قام، بس خلاص مش هعيط تاني، وهقف جانبهم وإن شاء الله سناء هتتعالج وتقوم بالسلامة." رد يوسف بابتسامة هادئة:
"هي دي سونه القوية اللي دايماً بتدعمنا وتقف جانبنا في الوقت الصعب." ربتت والدته بكف يديها على وجنته وقالت: "حبيبي يا يوسف، متحرمش منك ولا من أخوك يارب." حاول يوسف أن يدغدغ رنا حتى تكف عن البكاء، فهم يحبونها. وبالفعل توقفت رنا وبدأت تضحك. وضحكت والدته أيضاً على ضحك وابتسامة رنا البريئة. ثم وجهت حديثها لـ يوسف قائلة: "صحيح، طمني على إيناس. هي عاملة إيه؟ بقالي كذا يوم ما سمعتش صوتها." تنهد يوسف كأنه يخرج شيئاً ثقيلاً
على صدره: "إيناس بخير يا ماما، بس مشغولة اليومين دول عشان عندها امتحانات. ادعيلها حبيبتي." دعت والدتها لها بالتوفيق والنجاح، وبعدها لمست على رأس يوسف بحنان وقالت: "طب أنت إيه اللي مضايقك حبيبي؟ وضع يوسف رأسه على صدر والدته وقال: "مش عارف يا ماما. عمي فتحي بقى له كام يوم، كل ما إيناس تكون قاعدة معانا وتقوم،
يوصيني ويقولي: 'خد بالك من إيناس، أوعي تزعلها. هي بتحبك، مش هيكون ليها حد غيرك، خليك ليها الأب والأخ والسند. ولو زعلتها، فهمها براحة، ما تخليهاش تنام زعلانة. هي قلبها أبيض. دي أمانة وبوصيك عليها.' ولما سألته بتقول كده ليه يا عمي، رد وقال: 'الأعمار بيد الله يا بني، وإيناس بنتي طيبة وما تعرفش أي حاجة عن الحياة. غيري وأنت بعدي، أوعدني إنك تصونها، وما تقولهاش حاجة من اللي قولتهولك.' جيت أقوله: 'طب قولي فيك إيه؟
رد وقال: 'من غير أسئلة، أوعدني.' قلت له: 'أوعدك يا عمي إني عمري ما أزعلها.' لقيته ابتسم وقال: 'الحمد لله، أنا كده ارتحت.' وشوية وإيناس جات وقعدت معانا، وفضل يضحك ويهزر معاها وهي كانت بتضحك من قلبها." أحست والدته بأن سيحدث شيء لأستاذ فتحي، ولكن لا تود أن تقلق ولدها، فكفى حالته هذه. فقالت: "ما تقلقش يا يوسف، ده شيء طبيعي أي أب بيوصي زوج بنته عليها. سيبها على الله، واللي رايده ربنا هيكون، كل خير بإذن الله تعالى."
هدأ يوسف قليلاً بعدما قص لوالدته عما داخل صدره، مقبلاً يديها قائلاً: "يارب متحرمش منك أبداً يا ست الكل." ابتسمت والدته، ولكن بداخلها خوف على ما هو قادم. استأذنت رنا ونزلت شقة جدها فضل، وبعد ذلك دلف كل من يوسف ووالدته غرفته حتى يستريحا قليلاً، لعل النوم يخرجهما عما هما فيه. **** طرقت رنا على باب شقتهم. فتحت والدتها هنا، فرأت وجه ابنتها حزيناً وبه بقايا دموع في عيونها. نزلت هنا لمستوى ابنتها بقلق وسألتها:
"ماذا حدث لكل هذا؟ قبل أن تجيب رنا، أتت جدتها نجاة بلهفة لتعرف هي الأخرى ما بها. قصت رنا وهي تبكي عما سمعته بأعلى في شقة سيف عن ما يخص سناء. نظرت هنا ونجاة لبعضهما بابتسامة شماتة على ما وصلت إليه سناء. ربتت نجاة على كتف ابنتها وقالت: "مبروك نونتي، الحكاية الماسخة قربت تخلص. حضري نفسك حبيبتي." تركت هنا ابنتها دون أن تهدئها وتحتضنها، ووقفت حاضنة والدتها وهي في غاية السعادة قائلة:
"يارب يا ماما يارب. ياااه امتى يجي اليوم ده وأكون مـ... لم تكمل كلمتها عندما ضغطت نجاة على يديها لتكف عن الحديث أمام ابنتها. بدأوا يتحدثون بصوت ضعيف حتى لا تسمعهما رنا. غضبت منهما كثيراً لعدم اهتمامهما بحزنها وبكائها. فتركتهما ودلفت غرفة نادين خالتها الحنونة عليها. رأت نادين مظهر رنا، تركت ما بيديها وجرت عليها واحتضنتها بخوف وسألتها بقلق: "لما الحزن هذا؟
فنادين تحب رنا كثيراً ودائماً ما تتابع سلوك وتعليم وتغير أسلوب رنا عكس هنا ونجاة. فهما لم يكونا منتبهين على ذلك، بل كل ما يشغل بالهما هو أن سيف يترك سناء، وكيف يرجع لهنا. أجابتها رنا لماذا تبكي: أولاً لحزنها على ما حدث لسناء، فهي تحبها. وثانياً لعدم اهتمام والدتها لها عندما قصت إليها ما حدث ولم تواسيها.
أدخلتها نادين في حضنها ثانياً وواسيتها، ولكن لمتها أيضاً على نقل ما حدث في شقة سيف، وقالت لها أن هذا الشيء غير محبوب، فقد نهى عنه الله عز وجل في كتابه العزيز، ورسولنا الكريم في أحاديثه الشريفة. أحست رنا بخطئها رغم عمرها القليل، واعتذرت من خالتها ووعدتها أن لم تعدها مرة أخرى. فوضعت نادين قبلة على وجنتها لتفاهمها بذلك، وحضنتها وهي تفكر: "ما هذا الذي تفعله مع والدتها؟
المفروض عليها أن تكون قدوة لها ولأختها وابنتها. هي تود أن تواجه والدتها عما تفعله في كل شيء، بالخصوص موضوع فيديو صاحب الشركة التي كانت تعمل بها، التي أكدت لها أنه بحوزتها وهو ليس له وجود من الأساس. ولكن خالد طلب منها عدم فتح ذلك معها حتى تخرج من بيت والدها وتسكن بيتها معه على خير." تنهدت نادين بحزن ودعت الله أن يحنن قلب والدتها عليها ويهدي أختها وترجع عما تفعله بحالها. ****
دقت الساعة الـ 5 وكان يقف شهاب أمام ورشة الأسطى صالح، والد رودينا. تقدم منه شهاب، فكان الأسطى صالح جالساً على كرسي خشبي وأمام طاولة صغيرة عليها كوب شاي، وبيده شيشة ينفث منها دخاناً وهو شارد. ألقى شهاب السلام عليه، فانتبه إليه ورد السلام قائلاً له: "اتفضل اقعد." بالفعل جلس شهاب وسأله: "تشرب إيه؟ شكره شهاب بأنه لا يريد شيئاً. فتحدث: "خير يا عمي حضرتك طلبت مني أجي لوحدي."
تحمحم صالح حتى يخرج الحديث من فمه، فهو محرج للغاية، ولكن ابنته أهم من أي شيء. "بص يا ابني، أنا مش هطول عليك في الكلام، وقبل أي حاجة عارف إنك مالكش ذنب." أوقفه شهاب قائلاً: "ممكن يا عم تدخل في الموضوع؟ أنا مش فاهم حاجة، ذنب إيه اللي ماليش فيه؟ حد وصلك عني حاجة غلط؟ ياريت توضحلي أكتر." أخذ صالح نفساً طويلاً من شيشته ثم أخرجه وقال: "أنا عرفت إن أبوك وأمك الله يرحمهم ماكنش ليه حد." رد شهاب:
"طب ما ده إحنا عرفناه لحضرتك أنا والمعلم علي." أكمل صالح: "بس اللي ما تكلمتوش عنه إنهم تربية ملاجئ، يعني ما يعرفوش أهلهم ولا أصلهم، وتربوا واتجوزوا في الملجأ." غضب شهاب من حديث الأسطى صالح، فمهما كان حبه لابنته في قلبه، ولكن طريقة حديثه عن والديه المتوفين أزعجته كثيراً. فأكمل: "وده يقل منهم إيه؟
لأ هما اختاروا حياتهم ولا كانوا عاوزينها تكون كده، بس ربنا اللي جعل حياتهم كده، والله أعلم ظروف أهلهم إيه. بس اللي مستغربله، ليه حضرتك رابط اللي هما عاشوا زمان بيا وبحياتي دلوقتي؟ تحدث صالح بكل هدوء وقال: "المثل بيقول 'على الأصل دور'، وده من حقي. حط نفسك مكاني، لو أنت عندك بنت وجالها عريس مالهوش أهل، هترضي بيه؟ هنا هب شهاب من مكانه غاضباً، فكرامته وكرامة والديه قد جرحت أكثر من اللازم، قائلاً:
"ياما ناس ليهم أهل وما يعرفوش حاجة عن التربية والأصول، وياما ناس تربية ملاجئ لكن بيفهموا الصح من الغلط، وبيفرقوا الحلال من الحرام، وبيصونوا بنات الناس كويس. عموماً، بشكر حضرتك على المقابلة. بالنسبة لنسب حضرتك، ميلزمنيش، لأن أهلي مهما كان اللي عاشوا، يكفيني سيرتهم اللي كل حي الغمري بيتكلم عنها، وده الأهم عندي." بعدها ترك الأسطى صالح دون أن يسلم عليه، فهو لم يستحقه من الأساس.
خرج شهاب من حي رودينا وهو لم يقدر على التنفس، فقد أغضبه والدها كثيراً. أخرج زفيراً قوياً من صدره لعل ينتظم التنفس ويهدأ قليلاً. وبعد ذلك أخرج هاتفه من جيبه لتتصل على رودينا. ضغط على زر الاتصال، ثواني وردت عليه، فقال لها: "بدون مقدمات، رودينا أنتِ عاوزاني ولا لأ؟ فأتته رد رودينا: "شهاب أنااا... صرخ بها بصوت عالٍ: "ردي عليا آه ولا لأ." صمتت ولم ترد. "أفهم من كده إنك موافقة على كلام والدك؟ رد عليه قائلاً:
"كلام بابا صح ومقدرش أغلطه. هو أدرى بمصلحتي." "ياااه يا رودينا، كنت مستعد أحارب الدنيا كله لو قولتي 'عاوزاك'. لكن شكلي معرفتكش كويس. أنا بحيلك من أي ارتباط بينا وبقولك شوفي حياتك زي ما والدك شايفها ليكي، وانسى حد قابلتيه اسمه شهاب، لأني من اللحظة دي نسيتك." بعدها أغلق هاتفه وتحرك من مكانه، ولكن لا يعرف إلى أين ذاهب. وكان يحدث حاله قائلاً: "ما ذنبي إني مات أبوي معاً لما كنت صغيراً؟
ما ذنبي إني لا أعلم أين عائلتي وبقيت في الدنيا يتيماً؟ ما ذنبي إني عشت بالحياة مهموماً وحيداً؟ ما ذنبي إني أحببتك حب صدقاً وبه مشاعر دفينا؟ ما ذنبي إني تمنيتك تكوني زوجتي وعوضي عن أيامي المريرا؟ ولكن رغم كل ذلك لن أنكسر أبداً وسأعيش حياتي بمفردي وأجعلها أيام سعيدة." أتى عليه الليل وهو يجوب الشوارع، ولم يرد على الاتصالات الآتية إليه من أصدقائه والمعلم علي والحاجة اعتماد.
ذهب أخيراً إلى الحي وهو متخذ قراراً الذي سيكون سبباً في تغير مستقبله. **** في المساء، داخل مكتب صلاح مكرم.
يجلس شاهين أمامه، فهو حضر إليه منذ قليل، وكان صلاح يتحدث بهاتفه. مرت دقائق وأغلقه، ثم ابتسم لـ شاهين معتذراً عن موعد أمس الذي ألغاه، كما ادعى بأن زوجته تعبت بسبب ما حدث لولدها. ولكن في الحقيقة حدث شجار كبير بينهما، فهي تريد منه أن يتركها هي وابنها الصغير ليعيشا بعيداً عنه حتى لا يصبح مارك مثله ومثل أخيه. وتريد أيضاً أن يبعد عن ماجد حتى تقدر على إصلاح ما أفسده.
رجع صلاح من تذكر ما حدث ليلة أمس التي انتهت بتركه الفيلا وذهابه لأحد الفنادق الذي يمتلكها داخل العاصمة. على صوت شاهين يقول له: "ألف سلامة على مدام حضرتك. طب كنت عرفت السبب عشان أكون جنبك يا كينج، افرض كنت محتاج حاجة." شكره صلاح قائلاً: "لو كنت احتجت حاجة إنت أول واحد هكلمه. خلينا في موضوعنا."
"حوار ماجد انتهى من أساسه. الولد اللي ماجد ضرب عليه نار، قال في التحقيق أن ماجد ما قصدش يضربه وكان بيفرجه على المسدس. بس اللي مستغربله، هو قال كده ليه؟ يعني محدش راح من عندي وقاله يقول كده وهندفعك." رد شاهين وهو يضحك بتهكم: "الأشكال دي عارفة هي بتعمل إيه. أكيد عارف مين حضرتك وهتدفع كام، عشان كده اختصر الطريق وخلص بسرعة. ناس ما بتضيعش وقت." ضحك صلاح وقال:
"إنت مشكلة يا شاهين. بس تعرف لو ما كانش عمل كده، كنت هبعتك أنت ليه، لإنك تعرفه." استغرب شاهين قائلاً: "أنا أعرفه إزاي يا كينج؟ أنا آه مسحت الفيديوهات من كاميرات النادي، بس ما أخدتش بالي مين اللي كان واقف مع ماجد بيه." أكمل صلاح: "التحريات اللي جاتلي عنه بتقول أن اسمه مينا جرجس وشهرته أوبرا، وساكن في حي الغمري. مش ده برضه الحي اللي كنت عايش فيه؟ ضحك شاهين وقال:
"هو يا كينج، حي الغمري اللي له قيم ومبادئ. ودلوقتي أقدر أقولك هو محبش يقول إن ماجد بيه ضرب عليه نار ليه." رد صلاح: "ليه؟ أجابه شاهين: "خوف على البنت اللي كان بسببها المشكلة، إن تيجي سيرتها في القضية. أصل ده عرف سكان الحي، البنت خط أحمر وسيرتها أهم من الشخص نفسه." رد صلاح باستهزاء: "تصدق حبيت الحي." ثم ضحك الاثنان معاً. توقف صلاح عن الضحك وسأل شاهين: "أخبار شغلنا إيه؟ العروسة وصلت لعريسها؟ تكلم شاهين بجدية:
"العروسة في الطيارة دلوقتي، وعريسها اللي هيدفع مهرها في استقبالها في مطار أوروبي يا كينج." أشعل صلاح سيجارته وهو فخور بـ شاهين قائلاً: "الجماعة مبسوطين منك ومن شغلك اللي كل مادا بتثبت لهم إنك قد المسؤولية في تهريب الآثار، أو في دخول الممنوعات بأنواعها جوه مصر من غير ماحد يحس. وفكرة فتح معرض السيارات كستارة لشغلنا أحيك عليها. إنت هيكون ليك مستقبل عظيم معانا يا شاهين." سعد شاهين من كلام صلاح وقال:
"يكفيني كلام سعادتك وإعجاب الكبار بشغلي، وأنا مش عاوز حاجة غير رضاك ورضا البشوات عليا." بعد ذلك أكملوا اجتماعهم الذي به كل ما هو سيء ويضر البلد وشعبها. **** اقتربت الساعة من الثانية صباحاً. داخل غرفة سناء، فهي ما زالت نائمة بسبب الأدوية التي أخذتها بالمستشفى وحقنة المخدر التي أعطاها لها الطبيب. البيت بأكمله به سكون لنوم الجميع.
فاقت سناء ولم تجد سيف بجانبها، فآخر شيء تتذكره أنها كانت ترتعش بعد سماعها من الطبيب وسيف ماسك يديها. جاءها إحساس بأن سيف تركها ولم تراه مرة أخرى. صرخت بصوت عالٍ وهي تنادي عليه: "ســـــــــيف... صاح كل من بالمنزل على صوتها، فكانت سحر أختها الكبيرة نائمة بجانبها، ولكنها قامت قبل ثوانٍ لتدخل الحمام. أتى الجميع لغرفتها وهي ما زالت تصرخ وتنادي على سيفها.
حاولت سحر أن تهدئها ولكنها لم تقدر. فدلف والدها يتحدث معها حتى تصمت قليلاً، فهذا خطأ عليها. ولكنها بكت وقالت: "سيف سابني يا بابا عشان مش همشي تاني. أنا مقدرش أعيش من غيره. كلميه يخليه ما يسيبنيش يا بابا أبوس إيدك." لم يتحمل والدها هذا، فأحس بعجزه أمام ضعفها. فهو دائماً يدعمها ويجعلها قوية وتواجه أي شيء دون خوف. ولكنها الآن خائفة وتحتاج دعمه حتى يقوى هو.
بكى بشدة، فدموعه لم يراها أحد من قبل، حتى زوجته أم أولاده. ولكن حالة ابنته تبكي الحجر. حاول تهدئتها وأكد لها أن سيف لن يتركها، ولكنه ذهب ليستريح من تعب الأيام السابقة. لم تصدق سناء حديث والدها، فأمسكت والدتها يديها وقالت: "سنسن حبيبتي، الوقت متأخر وهو بقاله كذا يوم ما نامش. الصبح أول ما النهار يطلع هكلمه ييجي، ماشي حبيبتي." صرخت سناء قائلة: "أنتِ بتضحكي عليا؟ هو قالكم متقولوليش كده؟ وبدأت تبكي من جديد.
انهار والدها بداخلها أكثر، وكل ما عليه يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. الطف بنا يارب وعدي كربنا على خير." أسكتتها سحر قائلة: "خلاص يا حبيبتي، هتصل بيه حالاً. اهدي أنتي بس وأنا هكلمه من بره خلاص." ردت سناء وهي تبكي: "لأ كلميه هنا." بالفعل اتصلت عليه سحر. رد سيف من أول جرس وتكلم بخوف: "بعد رد السلام قائلاً: سناء فيها حاجة يا أم أسر؟ جاءت لتطمئنه، ولكن صوت سناء كان الأسرع قائلاً: "سيف أنت عاوز تسيبني؟
أنا أموت من بعدك." انتفض سيف من مكانه وارتعب قلبه من صوت حبيبته، ولكن لم يفهم ماذا تقول. فسحر حاولت الابتعاد عنها حتى تقدر على التحدث معه. "أم أسر، قوليلي سناء مالها وبتقول إيه؟ تكلمت سحر وهي تبكي: "سناء بقالها نص ساعة بتعيط وبتنادي عليك وتقول إنك سيبتها عشان عشـ... لم تقدر أن تكمل من حزنها. تكلم سيف: "أبوس إيدك كملي، سناء فيها إيه؟ أنا أعصابي باظت." أكملت سحر:
"سناء بتقول إنك سبتها عشان مش هتقدر تمشي تاني على رجليها." تنهد سيف، فأخيراً فهم سبب بكائها والمناداة على اسمه، فقال: "طب اديها الفون وأنا هلـبس وجايلكم على طول، بس استأذن لي عمي." نظرت سحر لوالدها تفعل مثلما طلب سيف منها. رد والدها: "طبعاً، يشرف في أي وقت، ده بيته يا بنتي." سمع سيف رد حماه، ثم سمع صوت قطته الذي لم يفكر في لحظة عما تتحدث عنه وهي تحدثه: "سيف أنت فين ومشيت ليه؟
أنا محتاجالك. قطتي اللي وقعت قلبي. أنا جاي حالاً. تحبي أجيب لك إيه معايا؟ "عاوزاك أنت وبس." كان هذا رد سناء، بعدها توقفت عن البكاء عند سماع صوت سيف، حبها الذي أصاب قلبها بعشقه الأبدي. فأكمل سيف: "يعني ولا حتى شيكولاتة بالبندق؟ ضحكت سناء والدموع بعينها: "لأ عاوزاك أنت." قهقه بصوت عالٍ قائلاً: "هي دعوة محاسن اللي بتدعيها لي دايماً وتقولي 'روح يا ابني يجعلك سناء تحبك وتعشقك أكتر من أي حاجة في الدنيا'." ردت عليه:
"وأكتر بكتير. يلا تعالي متتأخرش." رد سريعاً: "مسافة السكة يا قطتي." أغلق معها الهاتف وأحس بألم في قلبه بسبب حزن حبيبته. فمن اليوم كل كلمة ستقال أمامها ستفسرها بعكس معناها، فالفترة القادمة ستكون صعبة للغاية. دعا ربه أن يقويه على ما هو آتٍ ويتم شفاء حبيبته على خير. قام من مجلسه ثم دلف للحمام حتى يستعد للذهاب إلى قطته الشقية كما يلقبها. **** في منزل أمل وسامر. أمل ما زالت نائمة بعدما أخذت علاجها منذ ما يقرب من 3 ساعات.
أما سامر لم ينم حتى الآن برغم تأخر الوقت، فدلف لغرفة مكتبه وأخذ كتاباً من مكتبته الخاصة عن طب العظام ليقرأ فيه قليلاً حتى يشغل وقته لحين يأتي النهار ويذهب لعمله بالمستشفى. وأثناء وهو مندمج في القراءة، سمع طرقاً على باب مكتبه. أغلق الكتاب وهو مبتسم وقال: "ادخلي يا مولتي، هي عادتك دي مش هتغيرها." فُتح الباب وكانت الطارقة فاتن، قائلة:
"ده إني يا دكتور، شوفت نور الأوضة جايد، جولـت أعملك كوباية قهوة تعدل مزاجك. أنا عارفة إنك بتحبها مظبوط." كل هذا ولم يرد عليها سامر، بل مهزولاً لجرأتها، كيف تدخل عليه الغرفة في وقت متأخر كهذا. فقام سامر من مكانه متجهاً إليها وهو في قمة غضبه، قائلاً: "إنتي عاوزة إيه بالظبط؟ وإيه اللي مصحيكي لغاية دلوقتي؟ مراتي وأمي نايمين والمفروض أنتي كمان نايمة، وميصحش الوقفة اللي وقفتها دي." "خبر إيه عاد يا دكتور؟
إني لاجيتك لسه صاحي، جولـت لتكون عاوز حاجة. إني بس اللي نفسي أعرفه، أنت بتعامل أكده ليه؟ ده أنا بتمنى رضاك." كانت تتكلم وهي تتحرك في اتجاهه، ورفعت يديها لتلمس يده، ولكن كان هو الأسرع وبعد عنها وقال: "بجد إنتي حرباية بتتلون، كل شوية بلون. عاوزة مني إيه؟ حاولت معايا زمان ومعرفتيش توقعني في مشاكل عشان أتجوزك، جاي دلوقتي عاوزة تعيدي الحوار تاني؟
انسي. مجرد تخيلك أن أفكر فيكي استحالة يحصل. أمل عندي بالدنيا، ولا يمكن أخونها أو أحرجها. عارفة ليه؟ لأن أمل في قلبي من ساعة ما تولدت وحبها بيكبر وهي بتكبر، ومافيش يوم تخليت حد غيرها في حياتي. فعشان كده ريحي دماغك وعيشي لابنك أو ارجعي لجوزك، أحسن ليكي."
كل هذا وفاتن تبكي من حديث سامر، فهي تعشقه حد الجنون. أما هو لم يعير لها أي اهتمام، فهي دائماً تحاول لعل وعسى يغير رأيه بها، لكن مهما قال ستظل تحاول أن تكسب قلبه ولن تتراجع أبداً. أخرجها من شرودها صوته وهو يقول: "اتفضلي اخرجي من هنا، ويا ريت الكام يوم اللي فاضلين رجلك متعتبش المكتب ولا تتكلمي معايا، أحسن مش هيحصل لك طيب." التفتت لتخرج دون رد عليه، ولكن تحدثت بداخلها وعيناها تخرج شراً وحقداً قائلة:
"ماشي يا دكتور سامر، إن ما خليتك تندم على كل كلمة قولتهالي مبقاش إني، وأمل اللي فرحتلي بيها دي هخليك تطردها بيدك من هنا." أغلق سامر باب مكتبه وراءها بكل ما أوتي من قوة. ارتعبت هي من صوته. **** انتهى الليل وأتى صباح يوم جديد على الجميع. كانت ضحى ما زالت نائمة، فهي قامت لتصلي الفجر، وبعد ذلك ذهبت لشقة سناء حتى تطمئن عليها. فتحت لها سحر وطمأنتها. كانت ستدلف ضحى لسناء، ولكن عندما علمت بوجود سيف معها بالغرفة،
أحرجت أن تذهب إليها وقالت: "سآتي إليها بعد الظهر." تحركت إلى شقتها لتكمل نومها. ضحى وهي ما زالت نائمة على فراشها، كأنها تجري من أحد، وبدأ صوتها يعلو وتقول: "يحيي الحقني." قامت مفزوعة من ذلك الكابوس على يد والدتها وهي تقول: "ضحى حبيبتي مالك؟ فوقي يا قلب ماما." أخذ صدرها يعلو ويهبط بخوف، فاحتضنتها والدتها على دلوف والدها للغرفة بقلق بعدما سمع صوت وحيدته قائلاً: "ضحى مالها يا نادية؟ بتعيط ليه؟
أجابته نادية وهي ما زالت تحتضن ابنتها برعب من مظهرها: "معرفش يا محسن، دخلت أشوفها صاحية ولا لأ، لقيتها نايمة وعمالة تتكلم وبتنادي على يحيي وتتقلب كتير." ربتت نادية على ظهر ابنتها لتهدئ. خرجت ضحى من حضن والدتها ووجهها خائف. اقترب منها والدها ولمس على رأسها وقرأ آيات من القرآن الكريم حتى يحصنها من أي مكروه. ابتسمت ضحى حتى تطمئن والديها عليها، قائلة: "أنا خلاص حبايبي بقيت أحسن. كان كابوس وحش وراح لحاله."
جلس والدها بجانبها وسألها: "ماذا الذي رأيته في منامك ليخيفك هكذا؟ قصت عليه ضحى بأنها كانت تمشي في طريق طويل وبجانبها يحيي، وجاء شخص أمسك يديها وأخذها وجرى بها من أمام يحيي، ويحيي لم يفعل شيئاً، بل كان ينظر لها دون أي رد فعل، فأخذت تنادي عليه وهو لم يجيب. فسره والدها بأنها تخاريف أحلام ليس إلا، ولكن كان قلقاً من هذا المنام. دعا الله أن يحفظ ابنته ولا يحزن قلبها أبداً. شردت ضحى قليلاً وهي تحدث حالها قائلة:
"خفت كثيراً من منامي، يمكن في لحظة تهدم كل أحلامي وتكون ليس موجوداً في حياتي حبيبي الغالي. فكيف أعيش دونك يا كل أمالي؟ أدعوا الله أن يكون حلماً عادياً ليس له أي معاني، ولكن لن أخفي عليك سراً، أنا خائفة أن يتحقق وأبقى وحيدة بغير أماني، فأنت الأمان وأنت الحياة وأنت كل جميل في كياني."
فانتبهت لوجود والديها معها، فقامت من فراشها وفطرت معهما، ثم بعد ذلك توجهت مرة أخرى حتى تطمئن على سناء، وأخذوا يتناولون مع بعضهم أحاديث كثيرة، وانتهى اليوم على ذلك. **** في صباح اليوم التالي. اتفق سيف ويحيي بأن يذهبا ليروا شقة في إحدى العمارات بإحدى المناطق الراقية حتى يبدأوا في فتح شركة خاصة بهم، مكتب هندسي للبناء والاستشارات الهندسية.
وبالفعل أعجبتهم الشقة واتفقوا على كل شيء ومضوا العقد، على أن من غداً يأتوا العمال حتى يحضروا المكتب ويجعلوه جاهزاً للعمل به. **** في الشركة التي تعمل بها غادة. أتاها اتصال من زميلها سامي بأن طفلته شذى قد توفيت أمس باكر. فطلب منها أن تبلغ المهندس كريم ومكتب شؤون الموظفين. استغربت غادة وحزنت كثيراً، فشذى عانت وقت طويل في مرضها هذا رغم صغر عمرها.
أغلقت معه الهاتف، ثم نفذت كل ما طلبه منها سامي، واتفقت مع زملائها ليذهبون اليوم بعد ساعات العمل لمنزل سامي حتى يواسوه في فقيدته الغالية. بعدما جلس الجميع مع سامي، بدأ يرحل زميل تلو الآخر، ولكن بقيت غادة آخر المتواجدين بناءً على طلب من سامي وزوجته، لأنها تعرف والدة شذى عن قرب. لم تستغرب من طلبهم هذا. تحمحم سامي حتى يبدأ الحديث مع غادة قائلاً:
"غادة، أنا عاوز أتأسف لكِ على حاجة عملتها في حقك وندمت عليها، وأتمنى تعذريني لما تعرفي السبب وتسامحيني." نظرت غادة لـ سامي وبعده زوجته مستغربة حديثه، فرأت مني تبكي بشدة، فسألته: "ماذا يعني بهذه الكلمات؟ أجابها سامي وهو يحاول إخراج الحديث من فمه قائلاً: "إنـ.. أنا.. اللي مضيتك على ورقة فاضية وسط أوراق جبتهالك، مش يحيي. وده مقابل مال عشان...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!