قامت أمل مفزوعة من فراشها بعدما فتح يحيي باب غرفتها بعنف دون استئذان. تحدث بنبرة صوت غاضبة وهو موجه لها شاشة هاتفه مردفًا: "ممكن أفهم إيه ده؟ نزلت أمل من فراشها واتجهت إليه وهي مرتعبه، وقلبها ينتفض وعقلها يتساءل بخوف: "ماذا رأى في هاتفي ليغضب كل هذا الدرجة؟ تحدث يحيي مرة أخرى وهو على نفس حالته ونفس صوته الغاضب: "أحب أسمع صوت حضرتك مش سكوتك، انطقي يا أمل! فاقت أمل من حيرتها على وضع أخيها متسائلة هي الأخرى:
"في إيه يا يحيي اللي مخليك متنرفز كده؟ في حاجة حصلت بينك وبين سامر؟ أجاب يحيي وهو يهدئ من حاله: "أنا أصلاً ما لحقتش أرن عليه." تحركت أمل خطوتين لتقف أمام يحيي مباشرةً، واضعة يدها على كتفه تربت عليه ليهدأ من انفعاله هذا، فحدثته بحنو: "أومال متعصب كده ليه يا يحيي؟ مش من طبعك تكلمني كده، طمني حبيبي فيك إيه؟ استغفر ربه بهدوء ثم أردف قائلاً: "اتفضلي موبايلك واقرأي الرسالة ديه."
ضغط يحيي على الرسالة وهو يعطي لها الهاتف، ففتحت دون قصد ولم يلاحظ عما فعله. فتحدث قائلاً: "ممكن تشرحيلي معنى إيه الكلام اللي ضحى كاتباه ده؟ تقصد مين؟ فأخبرت أمل ما قرأته. نظرت أمل للهاتف بعيون جاحظة مما قرأته، فسألته بقلق: "أنت قرأت الرسالة كلها؟ حرك رأسه بالنفي. اطمأنت أمل كثيراً فأقسمت بداخلها أنها ستنتقم منه عوضاً عن دقائق الرعب الذي عاشتها بسببه. "والمطلوب مني إيه دلوقتي؟ تحدث يحيي وهو يضغط أسنانه ناطقًا بغيظ:
"أمـــــــــل اختصري وقولي بسرعة، أنا شياطين الدنيا بتتنطط قدامي حالاً." "ياريت تتكلمي، أنا مش ناقص حرق أعصاب." انتبهت أمل على وضع أخيها فحدثت حالها قائلة: "لما كل هذا الغضب؟ هو لم يقرأ الرسالة كاملة." فتذكرت آخر كلمة قرأها: "بحب اخوكي". فتحت فمها من المفاجأة غير المتوقعة عندما اتضح لها كل شيء. فأخيرًا قد بدأت تفهم أن أخاها يكن لـ ضحى شيئًا بداخله. فرحت بشدة فتحدثت بصوت منخفض كثيرًا: "معقول يحيي بيحب ضحى؟
يا فرحة قلبي." وهي شارده تحدثت حالها في نفسه، أمسكه من كتفيها مردفًا: "أنتي بتسرحي في إيه؟ انطقي يا أمل، أنا صبري بدأ ينفذ." "خلاص خلاص هتكلم أهوه، عايز تعرف إيه وأنا أقولك." ترك يحيي كتفيها متحدثاً: "عرفيني الرسالة ديه مقصود بيها إيه؟ "أمل بالله عليكي اتكلمي، أنا دماغي مش مبطلة تفكير وحوارات كلها أسوأ من بعض." فأمسك يداها سائلاً: "ضحى في بينها وبين عـ……" لم يكمل باقي جملته عندما أخبرته أمل:
"لا يا يحيي، ضحى عمرها ما فكرت فيه، هو بالنسبة لها أخوها مش أكتر، وهو بيبادلها نفس الشعور." هدأ كثيراً من حديث أمل، فأكمل مستفسراً: "طب أحكيلي من الأول وقوليلي الرسالة ديه مقصود بيها إيه؟ اردفت أمل بجدية: "للأسف ما أقدرش أقولك حاجة غير إن الرسالة ديه مش مقصود بيها عمرو، وما ينفعش أقول حاجة أكتر من كده. ضحى هتزعل مني، أنت يرضيك يحصل كده؟ أمسك يد أخته مستعطفًا إياها: "طب ولو قولتلك عشان خاطر أخوكي حبيبك؟
أمل أنا مش هعرف أنام هغير لما توضحيلي كل حاجة، ارجوكي." لم تستحمل أمل مظهر أخيها التي تراه لأول مرة هكذا، وأتاها إحساس قوي أن أخاها يحب ضحى. ولكن هي خائفة لو علمت ضحى ماذا ستفعل معها؟ "يحيي مش هقدر." أحس يحيي بحيرتها ففكر لثواني فـ أردف إليها قائلاً: "طب بصي هقولك على فكرة، أنا هسألك وأنتي تقولي آه أو لأ، تمام؟
بعد تفكير للحظات بينها وبين ذاتها، سمعت شيئ بداخلها يحدثها بأن تخبره كل شيء، لعل الله يجعلها سببًا لتقربهما لبعضًا، وهذا ما تتمناه ضحى أيضًا. فقالت: "تمام، أنا موافقة. اسأل وأنا هقولك على طول يا حبيبي." تنفس يحيي بارتياح لتفهم أخته: "بصي حبيبتي، الرسالة ديه مقصود بيها أنا؟
أجابته أمل بسيل من الاعترافات دون توقف. فأن أتى أحد ليمنعها من الحديث لم يقدر، حتى أن جاءت أتت ضحى بذاتها. فهي حافظة ذلك السر منذ سنوات ولم تنطق به نهائيًا، مراعية مشاعر صديقتها، فهي أقسمت عليها بأن لا تخبر أحد مهما كان. ولكن يحيي يظهر في عيونه حب وحديثه صدق في كل حروف يخرج من فمه.
"من الآخر كده، ضحى بتحبك ومش من دلوقتي، ده من زمان أوي. بس هي كانت خايفة لو أنت عرفت تتضايق منها وتبعد عنها، وأنت بالنسبة ليها النفس اللي بتتنفسه والحياة الحلوة اللي بتعيشها."
جلس يحيي على فراش أخته بعد ما سمع كل هذه الاعترافات من أمل التي لم تترأف بحاله وأخرجت كل ما في جوفها مرة واحدة. ولكن لا يهم، المهم أنها أخبرته أن ضحى، بل شمس حياته، تحبه مثلما يحبها. لا لا، أنا لا أحبها، أنا أعشقها. لو أعلم يا شمسي بما في قلبك اتجاهي، كنت لم أتركك لحظة واحدة. جلست بجانبه أمل منادية عليه بقلق حتى ينتبه إليها ويطمئنها عليه: "يحيي، يحيي، روحت فين؟ انتبه إليها وتحدث بابتسامة قائلاً:
"معاكي يا أحلى وأغلى أخت في الدنيا." ابتسمت له واردفت قائلة: "ده من أمتي الجمال ده يا يحيي؟ أنا منكرش إنك معايا أخ بجد وبتحبني، بس إيه الفرحة اللي في عيونك ده لدرجة ديه بتحبها؟ طب فين ده من زمان؟ ديه البت بتحبك حب." نظرت لأعلى: "سامحني يارب إني قولتهاله، بس أنا ضميري إنكم تكونوا مع بعض." فأكملت مستفسرة: "إلا تعالي قولي، أنت ليه ما اعترفتش بحبك ليها من بدري، ليه هاه؟ و روحت خطبت تنكه هانم الليدي غادة؟
قالتها وهي تقلد غادة بطريقة حديثها معها ومع عائلتها. قهقه يحيي بشدة على أسلوب أخته، فصمت لـ ثواني وتحدث بحزن: "كنت خايف." نظرت له أمل متسائلة: "من إيه يا حبيبي؟ "ومن أمتي وأنت بتخاف؟ أنا اللي بشوفه منك طول عمري إن خوفك من الله وحده، حتى بابا عمرك ما خوفت منه، بتحترمه وبتقدره، وبابا عودنا كلنا على كده." تنهد يحيي مرادفًا:
"للأسف خوفت أنها تكون بتحب حد تاني. خوفت لأهلها يفهموا دخولي بيتهم غلط، يعني أن كنت ببص لـ بنتهم واحترمتش حرمة البيت، مش عارف يا أمل أنا تفكيري وقف من كتر القلق والخوف. وأول ما ماما اتكلمت معايا في موضوع أن أخطب، كان نفسي أقولها ضحى، بس ما نطقتش. وتاني يوم أول واحدة قابلتها في الشغل كانت غادة، معرفش ليه جه في بالي كلام ماما على الخطوبة. لما رجعت قولت لكم عليها، مع أن ما لاقيتش الفرحة في عيونكم، بس كنت خلاص كلمت غادة تحدد ميعاد مع أهلها، وأدينا مخطوبين بقالنا تلات شهور. بس الصراحة فترة ما يعلم بها إلا ربنا."
"طب وأنت مستحملها ليه ده كله؟ واضح من كلامك إنك ما حسيتش من ناحيتها بـ حاجة." وقف يحيي من مجلسه مكملاً حديثه: "شكلها قربت وكل حاجة هتكون أحسن." نظرت أمل إليه باستغراب عما قاله: "يعني إيه؟ مش فاهم؟ ربت يحيي على وجه أخته بحنو قائلاً: "ما تشغليش بالك يا مولي، المهم ما تعرفيش ضحى إني عرفت حاجة، وزي ما خبيتي عليا هتعملي معاها كده." وقفت أمل مصطنعة الجدية: "قصدك إيه؟ أكون عميل مزدوج؟
لاااااااا دي مش أخلاقي. أنا هرن عليها حالا وهحكي ليها كل الحوار اللي دار بينا ديـ……" لم تكمل حديثها عندما سمعت يحيي يقول: "طب اعمليها يا أمل، وأنا أدخل لبابا حالا وأقنعه أنه يأجل فرحك لبعد العيد. تعرفي إزاي؟ أقوله يابابا أنا مش هقدر أقضي شهر رمضان من غير مولي حبيبتي، البيت هيكون وحش من غيرها ومش هنعرف ناكل وهي مش معانا."
كان يتحدث وهو يغيظها. أما أمل فلم تقدر عن التلفظ بشيء، فهي تعلم جدًا أن يحيي عنده القدرة على إقناع والده. ولكن بعيدًا عن أي شيء، دائمًا رأي يحيي يكون صحيحًا. هذا كان حوار أمل مع ذاتها. ثم تحدثت بشرز: "والمطلوب إيه حضرتك؟ كانت تهتف وهي ضاغطا على أسنانها بضيق. وضع يحيي يده على كتفها قائلاً لها: "أختي الشطورة المطيعة، مولي القمر. بصي ياقلب أخوكي أنا ولا كأن عرفت حاجة، تمام؟ أجابت أمل:
"تمام. بس كده. مش طلب منك حاجة تانية دلوقتي، بس هحتاجك بعدين معايا." احتضنته أمل أخيها بسعادة مردفة إليها: "يارب أشوفكم مع بعض وأنتم متهنيين يا قلب أختك أنت." "طب يا مولتي كملي نومك وأنا هدخل أنام عشان صلاة الجمعة ولازم أصحى بدري." "تمام حبيبي." فسألته وهي تغمز بعينيها: "هتقدر تنام على كده؟ ضربها بخفة على مؤخرة رأسها: "ما تتلمي يابت. وعرفتي الحاجات ديه منين؟ تحدثت أمل بألم مصطنع:
"اااااه، إيدك تقيلة. محدش قالك إني مخطوبة وعندي مشاعر وكده؟ والأهم إن شاء الله هتجوز قريب." "ماشي يا أمل، فلتي من تحت إيدي." فضحكا سوياً وقبل رأسها مردفًا إليها: "ربنا يتمملك على خير يا حبيبة أخوكي." احتضنته أمل ثم الدعاء مرة أخرى: "الله يسعدك ويتمم فرحتك مع حبيبة قلبك ضحى." "آمين." و من ورائها تركها واتجه إلى باب الغرفة ليخرج منه، فتذكر شيئ فرجع ثانيًا متحدثًا بتساؤل: "صحيح، كنتي عايزة ضحى وسناء ليه انهاردة؟
كانت أمل قد جلست على فراشها تستعد للنوم: "أبداً، ده أنا اقترحت على ماما نروح شاليه السخنة ومعانا البنات عشان نظبط شوية حاجات للفرح." كانت تجيبه وهي محرجة مع احمرار وجهها، ففهم يحيي ما هذه الأشياء، فسكت حتى لا يزيد من إحراجها. "تمام حبيبتي، ربنا يسعدك. وهتروحوا امتى؟ هتفت أمل بكرا بإذن الله: "ماما هتكلم خالتو نادية وخالتو سميحة وتقولهم، وعلى بعد بكرة هنروح." ألقى يحيي قبلة لها في الهواء مردفًا:
"تصبحى على خير يا أجمل عروسة." ابتسمت أمل على سعادة أخيها وأنت أهل الخير يا حبيبي. دلف يحيي غرفته وهو السعادة غامرة عليه. هو يريد الآن الاتصال بـ ضحى ليخبرها ما بقلبه. "بحبك يا شمسي يا حلم عمري." ولكن كيف يحدث ذلك؟
فبالتأكيد لم أقدر على إخبارها كل هذا إلا بعدما انتهيت بالارتباط من غادة وأتقدم لها حتى لا أتجاوز حدى معها. فليس من حقي أن أتحدث معها بتلك الكلمات النابعة من قلبي إلا عندما نكون مرتبطين رسميًا، وأيضًا في حدود المسموح به. وعندما يحدث ذلك وتكون حلالي وفي بيتي سأخبرها كل ما يحل لي دون الخوف من شيء يغضب الله.
أثناء حديثه من ذاته تذكر حديث أخيه عمرو وهو يتحدث معه بأن ضحى طلبت منه يضيفه في جروب الواتس تتحدث معه بأمر يخص فرح أمل. سعد كثيرًا لتذكره هذا الحديث وأنه سبب مقنع ليتصل بها الآن. نظر لساعة هاتفه وكانت العاشرة والنصف، فحدث حاله: "أيمكن أن تكون نائمة؟
فتوجه إلى شباك غرفته الذي يطل على شباك غرفته ضحى. الفارق فقط غرفة يحيي بالدور الرابع بشقة أبيه وغرفته ضحى بالدور الثاني. فألقى نظرة حتى يطمئن أنها مازالت مستيقظة أم لا. فحمد ربه عندما رأى الغرفة مضيئة. أمسك هاتفه واتصل على رقمها دون تردد، وكان قلبه يدق مثلما يدق جرس الاتصال، منتظرًا لسماع صوتها كشخص في عز فصل الصيف يتمنى أن يسقيه ليروي ظمأه، فاشتياقه لها مثل فصل الصيف وحديثها مثل الماء المثلج في الذروة.
أما ضحى عندما رأت اسمه يزين هاتفها، رقص قلبها مع دقاته. يا الله، هذا حلم أم حقيقة؟ يحيي القلب يتصل بي. أين أنت يا سناء لتقولي لي ماذا أفعل؟ هل أتركه يدق وأغلق الهاتف أم أفتح الاتصال وأسمع صوته الذي عندما أسمعه أشعر بسعادة الدنيا كلها؟ ودون قصدي وهي تنظر للهاتف وتحدث ذاتها، ضغطت على زر فتح المكالمة. فاضطر للتحدث. أردفت قائلة وهي مخجلة للغاية: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته." رد عليها السلام ثم أكمل حديثه:
"آسف لو صحيتك من النوم وازعجتك." هتفت مسرعة: "أبداً، ما فيش إزعاج. أنا لسه ما نمتش، كنت بقرا في المصحف، ولسه مصدقة قبل اتصالك بثواني." سعد كثيرًا لالتزامها مثلما تفعل من صغرها قائلاً: "تقبل الله منا ومنك." كان هذا حديث ضحى إليه. يحيي لا يعرف بماذا يخبرها أو بماذا يبدأ الحديث. نسي ما رتب ليحدثها به حتى يسمع صوتها. قلقت ضحى لعدم تحدثه، فنادت عليه: "يحيي، خير مالك فيك حاجة؟ فاق أخيرًا من حيرته:
"أنااا كويس جداً، ما فيش حاجة. المهم أنتي كويسة؟ أجابته ضحى مستغربة حديثه: "أنا بخير الحمد لله." تذكر أخيرًا ما كان يحضره ليتحدث معها به: "عمرو قالي إنك كنتي عاوزاه يضيفني معاكم في جروب الواتس عشان نتكلم على حاجات نعملها مفاجأة لـ أمل في الفرحة." هتفت ضحى فهي الأخرى تجاهد في خروج الحديث من فمها. هي تريد سماع صوته فقط لا غير، فهذا يكفي لها:
"فعلاً قولته كده لأني عايزين نفرحها أنا وسناء، بس الصراحة لازم مساعدتكم لو ممكن." تحدث حاله بقلب ينبض عشق: "ده إنتي تأمرني. ده أنا فرحان إنك عايزة تشاركيني معاك. بجد يا ضحى أنا سعيد أوي لما عرفت إنك بتحبيني زي ما بحبك، بس اصبري هعوضك وهعوض نفسي عن كل الوقت اللي قلوبنا كانت بتتعذب فيه بالبعد." تحدثت ضحى قائلة: "يحيي، روحت فين؟ إيه كلامي ما عجبكش؟ عمومًا خلاص كأني ما قولتش حاجة و……" أسكتها يحيي سريعًا:
"إيه يا بنتي فهمتي إيه؟ أنا بفكر بس هنعملها إيه؟ ادي كل الحكاية. بلاش التسرع والحكم من غير ما تسمعيه." هنا أحست ضحى أن يحيي يلمح لشيء، ولكن هي لا تعرفه. فلم تريد أن تفكر في شيء، فهي سعيدة الآن لسماع صوته وهذا يكفيها. انتبهت لـ حديثه: "إنتي عندك أفكار ولا عاوزانا نشوف مع بعض؟ أجابت قائلة: "أمل من فترة كانت قايلالي على حاجات نفسها تحصل في فرحها، فـ أنا حبيت نحققه ليها. إيه رأيك؟ هتف يحيي دون وعي: "حبيبتي!!!!
فتحمحم حتى يصلح ما قاله سريعًا: "قصدي معاكي. شوفي نتجمع أمتي كلنا على جروب الواتس ونبدأ نجهز مع بعض. عقبالك." أردفت ضحى دون تركيز: "أنا وأنت إن شاء الله." قالتها بتلقائية لم تقصدها، ولكن هو أمن وراءها ما أكد على دعواتها هو وهي أي زوج وزوجة. فـ العباد عليه الدعاء والله عز وجل عليه تدبير الأمر. هتف مردفًا: "اتفقنا. بس صحيح عمرو ما ضفنيش معاكم، أصله نايم من بدري وشكله نسي. ضفيني أنتي." "أسيبك تنامي، تصبحي على خير."
أردفت وهي تقاوم حالها كي لا تخبره، ألا يغلق الهاتف بينهما، ودعنا نتحدث حتى ننعس مثلما أقرأ في قصص الحب. تحدث إليه علقها قائلاً: "هو لا يحبك، ما الذي تفعليه الآن؟ يحيي ليس من حقك لأنه ببساطة مرتبط، وهذا أكبر دليل لـ حبه له." تحدثت بقلب مكسور، فعقلها حديثه صحيح: "تمام، هضيفك حالا. فـ أكملت حديثها: وأنت من أهل الخير." أغلقا اثنيهما، ولكن كلا منهما مازال ممسكًا بيده هاتفه ويتأمله به بكل حب.
احتضنت ضحى الهاتف وتذكرت طلبه منها بأنها تضيفه بجروب الواتساب. فعلت مثلما أخبرها. أتت إليه الرسالة علمًا بأنه قد أضيف للجروب. داخل عليه فوجده باسمه: "بنات حارتنا". فأبتسم لعلمه بأن أخيه عمرو هو من اسمه ذلك. ولكن ما أزعجه أنه لم يجد رسائل في الجروب، فهو كان يريد أن يعرف بماذا كانوا يتحدثون. ولكن صبرًا يحيي. ماذا بك يا رجل؟ الجروب أنشئ اليوم فقط. فلم يدار بهما حوار لتنزعج كل هذا. فإذا تحدثوا، كان يدار مثلما أخبرتك ضحى.
انهى الحديث مع ذاته وجلس على فراشه وأدخل نفسه تحت الغطاء استعدادًا للنوم، لـ يصحو على آذان الفجر ليصليه ثم يستريح قليلاً استعدادًا لـ صلاة الجمعة. بمنزل محسن والد ضحى. يجلس وهو وزوجته في غرفة نومهما يقص عليها ما دار بينه وبين الحاج رشاد والحاج سمير والمعلم علي بخصوص سفر ضحى لخالتها بالإسكندرية أثناء ذهابهم لأداء عمرة شهر رمضان المبارك. تحدثت نادية متسائلة:
"طب هينفع يا محسن أننا نسيبها هنا لوحدها من غيرنا في أيام زي ديه؟ "ياريت كان ينفع تيجي معانا، بس للأسف أنت عرفت متأخر بسفرنا والطيران الفترة اللي هنسافر فيها ما فيش تذاكر. والله على عيني إني أسيبها لوحدها." أجاب محسن بهدوء، فهذا صفة من طباعه ويحب أن يفكر قبل أن يتحدث كثيرًا:
"يانادية، أولاً: هي مش هتكون لوحدها، إنتي عارفة الكل بيحبها وبي اعزها إزاي. ثانيًا: هي اللي مش عايزة تروح عند خالتها وحابة تحضر رمضان هنا، وأنتي عارفة أنا مقدرش أقولها روحي غصب عنك. إحنا مالناش غيرها، ومن بعد موت أختها والفترة اللي عاشتها واللي حصلها مش هينفع أجبرها. أنا ما صدقت ترجع زي ما كانت، حبيبتي. وبعدين ضحى هادية وروحها خفيفة، يعني مش هتكون تقيلة على حد. هي مش صغيرة، وسناء والحاجة أم سعد مش هيسبوها لغاية ما نرجع بالسلامة."
تذكرت نادية الفترة المؤلمة التي عاشها اثنيهما وقتما توفت ابنتهما رضوى، تؤام ضحى، أمام عيونها، عندما كانا يؤديان امتحان آخر العام الدراسي للصف الثاني الإعدادي. وبعد فترة من بدء الامتحان، انتهت رضوى من الإجابة لكل أسئلة امتحان الجبر، فسلمت ورقتها وخرجت من اللجنة ونزلت بفناء المدرسة قبل نزول أختها بربع ساعة لتنتظرها، وبعد ذلك يذهبا سوياً إلى المنزل لتغيير ملابسهما، ثم يصطحبا بعدهما ومعاهما سناء، فهي تصغرهما بعام واحد وانتهت من امتحانها أمس وتنتظرهما بالمنزل لـ يتنزهن ثلاثتهن في حي قريب لهن به محلات للملابس الجاهزة، ثم يذهبن إلى إحدى مطاعم التيك أواي
(الأكل السريع) بعد ذلك يتجهن إلى منزلهن مثلما يفعلن كل عام في آخر يوم في امتحاناتهن. ولكن هذا العام غير كل الأعوام السابقة. خرجت ضحى من لجنتها وهي شبه منزعجة من امتحان الجبر، فكان صعب للغاية، ولكن بفضل الله أجابت جميع الأسئلة. وأثناء نزولها قابلت صديقتها رودينا وصديقة رضوى أيضاً ومعها في نفس اللجنة. تحدث إليها قائلة: "رودي، ما تعرفيش رضوى لقيتها فين؟ روحت لجنتها ملقتهاش." أجابت رودينا:
"هي خلصت من ربع ساعة وسلمت ورقتها وقالتلي هستنى ضحى تحت في حوش المدرسة." شكرتها ضحى، وأكملت نزولها حتى تصل لأختها، فلم تجدها مثلما قالت صديقتهما. فاتجهت إلى خارج المدرسة لعلهاتها تجدها. بالفعل وجدتها، ولكن كان وجهها غاضب بشدة. جرت ضحى إلى أن وصلت إليها وفي قلبها خوف لا تعرف لما هذا الخوف. فتحدثت معها بقلق: "ريري حبيبتي مالك؟ في حد زعلك؟ طب حليتي وحش؟ ردي عليا وطمنيني حبيبتي." لم تجب رضوى على حديث أختها،
ولكن كل ما قالته: "والله لأعرف مقامه وأخلي باباه يتصرف معاه." أكملت ضحى حديثها: "رضوى، فهميني مين ده اللي بتتكلمي عنه؟ ردي عليا." وفي تلك اللحظة أثناء حديثها معها، تقدمت رضوى بخطوات سريعة بعيدًا عن ضحى لتعدي الطريق وتذهب للمكان الذي تقصده.
كانت ضحى بعيدة عنها قليلاً، فأتت سيارة مسرعة عكس الاتجاه، صدمت رضوى وأوقعتها أرضًا غارقة في دمائها. ولم يقف سائق السيارة بل انطلق مسرعًا أيضًا ولا كأنه اصطدم بأحد، مما جعل رجلًا كان مار بسيارته أن ينطلق وراءه، وللأسف لم يلحقه. كل هذا حدث في بضع ثوانٍ، وضحي لم تفهم أي شيء، كأنها داخل حلم تريد أن أحدًا يوقظها منه. أتت جميع المارة من كل اتجاه، وخرج المدرسين والطلاب من المدرسة، وضحي على حالها. هزتها صديقتها رودينا قائلة:
"ضحى، فوقي. رضوى بتموت." استوعبت هي أخيرًا ووضحت لها صورة أختها وهي واقعة على الأرض بعدما كانت الرؤية مشوشة. جريت عليها وهي تنادي باسمها وحملتها بين ذراعيها، لكنها لم تقدر، فجلست أرضًا رافعة رأس أختها على قداميها: "حبيبتي فوقي، فوقي عشان خاطري. أنا ماليش غيرك. رضوى كلميني، ردي عليا، ما تسيبنيش، أنا مش هعرف أعيش من غيرك."
ما تتحدث رضوى إلا بضع كلمات بسيطة بصوت ضعيف والدموع غارقة وجهها، لا يسمعها إلا القريب منها، وكانت ضحى الأقرب إليها، فكان يتواجد تجمع كبير. "ضحى، أنا بحبك وبحب ماما وبابا، ادعيلي دائمًا." فبدأ صوته يتقطع وينزف جسدها بغزارة. "أنا شوفته وهو بيخبطني." تحدثت ضحى وسط دموعها: "هو مين يا رضوى؟ قولي حبيبتي." لم تقدر رضوى على الحديث مرة أخرى من شدة الألم والضيق، فطلبت ضحى منها أن تقلل في الحديث حتى لا تبذل مجهود.
"طب اهدى، أنتِ ما تتكلميش كتير. الإسعاف على وصول وفي حد جري ورا العربية." ضحي لم تجد رد فعل منها، فنادت عليها: "رضوي، خليكي معايا ما تسيبنيش لوحدي." وبدأ تضرب على صدغها برفق تطلب منها التحدث إليها، فلم تجب عليها ثانيًا وإلى الأبد.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!