الفصل 6 | من 48 فصل

رواية وبك القلب يحيا الفصل السادس 6 - بقلم زوزو مصطفى

المشاهدات
16
كلمة
5,597
وقت القراءة
28 د
التقدم في الرواية 13%
حجم الخط: 18

نادت عليها… رضوي خليكي معايا ما تسيبنيش لوحدي. بدأت تضرب علي صدغها برفق تطلب منها التحدث إليها فلم تجيب عليها ثانياً وإلى الأبد. فاقت نادية من تلك الذكريات الحزينه على موت حبيبة قلبها وبنت عمرها رضوي. مر على وفاتها خمس سنوات، ولكن الله كريم ولطيف بعباده، أنزل على قلبيهما هي وزوجها الصبر والسكينة، فحمدوا الله كثيرًا داعين إليه أن يبارك في ابنتهما ضحى ويحفظها إليهما من كل مكروه.

ضحى بعد حادث شقيقتها أمام أعينها حدث لها صدمة نفسية لمدة سبعة أشهر وأكثر، فكانت لم تتحدث نهائيًا ولم تنم إلا بعض ساعات قليلة. وكثيرًا ما تقوم من النوم تصرخ وتنادي باسم شقيقتها رضوي، ولن تتوقف عن كل هذا إلا بعد أخذ حقنة المهدئة. فسبحانه وتعالى ألهمه بمرض ضحى حتى يخفف عنهما موت رضوي، فاضطرت نادية أن تترك عملها وتساوي معاش مبكر لكي تراعي ابنتها الوحيدة. تحدث محسن مناديًا عليها: ناديه روحتي فين؟ أجابته

وهي تزيل دموعها الصامتة: معاك يا محسن، بس كلامك فكرني بيوم موت رضوي الله يرحمها وتعب ضحى الله يحفظها. فبكت بصوت عالٍ. يا نادية هي رضوي بتروح من بالي، دي معايا في كل لحظة، ده أنا ساعات بحسها بتكلمني وبلاقي نفسي برد عليها. وبعدين انتبه لـ نفسي أحسن حد من اللي قاعد معايا يفتكرني اتجننت.

ومين سمعك يا محسن، ده اللي بيحصل معايا لما بكون لوحدي، أنادي عليها وأسمعها بتقولي حاضر زي ما كانت بترد عليا وهي عايشة. وأرجع استغفر ربنا وأقرأ لها الفاتحة وأدعي لها بالرحمة ولينا بالصبر. ده إحنا ربنا رزقنا بيهم بعد عشر سنين جواز. ثم اعتدلت في جلستها وهي تتذكر الماضي بوجه مبتسم. فاكر يا محسن لما والدتك الله يرحمها قالتلك طلقها ده شكلك مش هتجيب منها ولاد؟ فاكر؟ تبسم محسن قائلاً:

ياااه يا نادية فات سنين كثير وأنتي لسه مانسيتيش. أمي ماتت من بعد ما ربنا كرمنا بالبنات بتلات سنين، وكانوا هما نور عينيها، ما أنا ابنها الوحيد على تنتين. صدقيني كانت بتحبك بس كان نفسها تشوف لي ولاد. انسى وسامحيها عشان خاطري. تفت نادية مسرعة:

أنا مسامحاها يا محسن من قبل ما تتوفى ومن قلبي صدقني. أنت عارف إني يتيمة من صغري ووالدتك اعتبرتها أمي، مهما كان يحصل بينا كنت بزعل شوية صغيرين وبعدين أروق بسرعة. بس موضوع الإنجاب ما كانش بإيدينا، دي حاجة من عند ربنا ووقت ما أذن حصل ورزقنا بأجمل بنتين. فاكر يا محسن يوم الولادة شكلهم كان حلو إزاي؟ كانوا قمرات.

كانت تتذكر نادية وهي مبتسمة وسعيدة والدموع تنزل من عينيها. فهي وزوجها عاشا أيام صعبة قبل حملها من كثرة الخلاف مع والدة زوجها وإقناعه بأن يتزوج عليها حتى ينجب، ولكن الله لم يرد أحزان قلب نادية وأحب أن يكافئها ويعوضها على صبرها وتحملها لما تسمعه يومياً، فرزقها بتوأم وكان أجمل عوض: ضحى ورضوى. تحدث محسن مردفًا:

ده كان أحلى يوم في حياتي. أنا عمري ما هنسى لحظة ما طلعوا ضحى الأول وقولولي مبروك. كان جسمي بيترعش وأنا بـخدها منهم. جات أمي بسرعة قالت لي هات البت أحسن توقعها وهي لسه حتة لحمة حمرا. ما رضيتش أسيبها. قولتلها خليها معايا يا أمي ما تقلقيش واخد بالي. ضحكت والدموع في عينيها وطبطبت على كتفي وقالت لي: أنا عارفة ياحبيبي إنك هتاخد بالك منها بس كنت بنبهك عشان تفوق ليها يا قلب أمك. ولسه بقول لهم أومال مامت البنت فين؟

قالوا لي لسه في نونو تانية شوية ونطمنك. أنا أول ما سمعت كده نزلت ساجد على الأرض بشكر ربنا على نعمته وضحى في إيدي ودعيت ربنا تخرجي بالسلامة انتي والنونو. وكانت أجمل نونو رضوى الله يرحمها ونلتقي بيها في الجنة بإذن الله. آمنت نادية وراءه قائلة: الحمد لله، إحنا مؤمنين بقضاء الله وأن شاء الله هي عروسة في الجنة. ويا رب يعوضنا في ضحى ونفرح بيها مع اللي يحبها ويقدرها.

قام محسن من جلسته وأحضر لها منديلًا من على التسريحة وأعطاها متحدثًا بعتاب: امسحي دموعك، كفاية كده. إنتي لسه قايلة إننا مؤمنين بقضاء الله. عياطك ده عكس كلامك. وبعدين الحمد لله ربنا كرمنا في ضحى بنوتة مؤدبة ومحترمة وبتصلي وحافظة قرآن وبتسمع كلامنا وعقلها كبير. عاوزين إيه تاني؟ نشفت دموعها وحمدت ربها: الف حمد وشكر. ربنا يبارك لنا فيها ويبعد عنها ولاد الحرام. اتجه محسن ناحية الفراش وهو يسحب الغطاء ليستعد للنوم مردفًا:

طب يلا ننام عشان نصحى بدري عشان صلاة الجمعة يا أم ضحى. وقفت نادية من جلستها متوجهة إلى الفراش، مدت بجسدها عليه لتنعس هي الأخرى قائلة: تصبح على خير يا حبيبي. أشرقت شمس يوم جديد على أبطالنا. فاقت ضحى من نومها من حوالي ربع ساعة وأدت الفريضة ثم خرجت من الغرفة باحثة عن والديها. فوجدت والدها يصلي صلاة الضحى، ووالدتها في المطبخ تحضر الفطور. توجهت إليها: صباح الخير يا نونتي. ردفت نادية قائلة: صباح الهنا على عيون ست البنات.

وضعت قبلة على وجنتها. تحدثت ضحى معاتبة: ماما إنتي نزلتِ تجيبي الفطار؟ طب ليه ما صحتنيش أنزل أنا حبيبتي؟ اتجهت نادية ناحية الموقد لتتابع ما تطهيه من طعام قائلة: أنا ما نزلتش يا دودي، ده بابا هو اللي جاب الفطار وقالي ما اصحكيش غير لما الفطار يجهز. شفتي بابا مدلعك إزاي؟ ردفت ضحى وهي مبتسمة: محسن مش بيحب يتعبني، ده قلبي من جوه والله. دلف محسن إليهما بعدما أنهى صلاته وسمع حديثهما قائلاً:

حبيبة بابا لو تحب تفطر في أكبر مطعم، عينيا ليكي حبيبتي. فوضع قبلة على وجنتها. حبيبي يا بابا، عارفة والله بس الصراحة أنا راسمَة على غدا بره قبل ما تسافروا مش فطار. تحدثت وهي تجري من المطبخ لبهو الشقة حاملة صحون الفطور، متصنعة الخوف.

اتجه والدها وراءها ويليه نادية وهي تضحك على حركات ابنتها. فكم هي سعيدة على رجوعها لطبيعتها بعد وقت كبير من مرضها، وكانت تحمل هي الأخرى بعضًا من الصحون التي وضعتهم على الطاولة، ودلفت المطبخ مرة أخرى لتأتي غيرهم وهي مستمتعة بالحديث بين ضحى ووالدها. فتح ذراعيه لابنته بعدما وضعت الصحون على الطاولة مردفًا:

تعالي حبيبتي، إنتي تطلبي وأنا عليا أنفذ. أوعي تتكسفي ولا تقلقي أبدًا. إنتي تقولي اللي نفسك فيه وأنا أنفذ من غير كلام. هو أنا عندي كام ضحى؟ شوفي عايزة تتغدي فين، ما يهمكيش من حاجة. احتضنت والدها وهي سعيدة بحديثه هذا: حبيبي يا بابا، الله يبارك لي في عمرك وما يحرمني منك يا رب. أتت نادية بآخر صحن وتحدثت بملامة مصطنعة: ياسلام ده وافق على طول؟ يا بختك يا دودي، يا ريت محسن كان أبويا أنا كمان. ابتسمت ضحى وهي

داخل حضن والدها ثم أردفت: عايزة إيه يا نونا؟ محسن أبويا أنا لوحدي. أخرج محسن ضحى من حضنه بعدما غمز لها بعينه وتوجه إلى نادية مقبلًا رأسها: طب ما أنا أبوكي وأخوكي وجوزك وعيوني ليكي، تحبي تروحي فين؟ صفقت ضحى مع صفير أيضًا وهتفت قائلة: سيدي ياسيدي على الحنية، أوعدنا يا رب. ضحك والداها على طريقتها التي يحبونها. فتحدثت نادية قائلة: ربنا يفرح قلبك بـ ابن الحلال اللي يستاهلك يا نور عيني.

جلسوا ثلاثة وتناولوا الطعام بين ضحك وحب وشقاوة ضحى التي لم تظهرها إلا أمام والديها وأصدقائها فقط، فهي بطبعها خجولة لحد كبير بعيدًا عن ما مرت به بعد وفاة شقيقتها. خرج يحيى من غرفته بعدما أدى فريضته، فوجد والده الحاج رشاد وأخيه عمرو في انتظاره على طاولة الطعام لتناولوا الفطور سويًا. أما والدته وأمل فما زالا يحضران الصحون من المطبخ. سحب يحيى المقعد الذي بجوار والده وجلس عليه وهو يلقي تحية الصباح.

ردوا عليه التحية بوجه مبتسم. ثم جلست أمل بجوار والدتها بعدما انتهت من وضع الصحون وبدأوا جميعًا تناول الفطور. تحدث عمرو بصوت منخفض وهو يقترب من أذن يحيى مردفًا: أهلاً وسهلاً بحضرتك، جاي متأخر عني وبرضه قعدت جنب الحاج. بالذمة دي مش كوسة في البيت ده؟

قهقه يحيى عما قاله عمرو ثم هتف بصوت عالٍ ليكبته عن الحديث، فهذه محاضرته اليومية من عمرو عن المقعد الذي بجانب والده. ولكن يحيى اليوم لم يقدر على محاورته لأنه ببساطة لم يأخذ كفايته من النوم بسبب ما علم به من أمل عن شمس حياته وكذلك حديثه معها بالهاتف. بتقول حاجة يا عمرو؟ عالي صوتك. تحدث والدهما بعدما ترك الجريدة من يده، فهذه عادته اليومية يقرأها وهو يتناول الفطور: خير يا ولاد، في حاجة؟

دس عمرو قدم يحيى حتى لا يتحدث، فهتف هو قائلاً: أبدأ يا بابا، كنت بقول ليحيى على الماتش اللي هنلعبه بعد صلاة الجمعة. نظر إليه يحيى وتحدث بصوت منخفض: الجبن سيد الأخلاق، أدام مش قد الكلام بتتكلم ليه؟ بابتسام يا يحيى، قابل بقى. فينا من كده. وبعدين ده مش جبن على فكرة، أنا بس مش عاوز أبوك ينكد عليا، ادي كل الحكاية. فأكمل عمرو بغيظ وهو يضغط على أسنانه: بس ماتقلقش، في أقرب فرصة هردها لك. ولا أقولك، في ماتش النهارده.

أردف يحيى مستفسرًا: إنت مخك ماله على الصبح يا أهبل؟ إحنا بنلعب في نفس الفريق ومعانا سيف. خبط عمرو على مقدمة رأسه متصنع النسيان: تصدق نسيت. تحدث يحيى مؤكدًا: كذاب مانسيتش، إنت ما تقدرش. ضحك عمرو مردفًا: بهزر معاك يا عم، إيه مابتهزرش؟ لا بهزر يا خفيف، بس انهارده مش فايق عشان ما نمتش كويس. قلق عمرو وتحدث بجدية: مالك يا يحيى؟ فيك حاجة؟ حاسس بحاجة؟ فـ عمرو يحب أخيه كثيرًا ويعتبره والده الثاني. حس يحيى

بخوف أخيه الذي يظهر بصوته: ما تقلقش، أنا بخير. توتر بس من الشغل مش أكتر. يومين كده و هاخد أجازة فرح أمل وهكون أحسن. أثناء حديثهما انتبهت أمل عليهما فوجهت الحديث ليحيى وهي تغمز له: إيه يا يحيى؟ نمت كويس امبارح؟ نظروا جميعًا ليحيى فـ تحدثت والدته بخوف: خير يا ابني، فيك حاجة؟ وترك والده ما بيده سائلاً بقلق: مالك يا يحيى؟ فيك إيه؟ طمني عليك.

ألقى يحيى نظرة تهديد لأمل كي تصلح ما أفسدته. فهمت هي مقصده، وإلا سينفذ ما قاله لها بما يخص تأجيل موعد زفافها إلى بعد انتهاء شهر رمضان المبارك. تحدثت أمل مسرعة حتى تتفادى تهديد يحيى: إيه يا ماما أنتي وبابا قلقته كده ليه؟ ده يحيى رجله شدة عليه من التمرين في الجيم، فسأل سامر على اسم كريم. بس كده.

فنظرت ليحيى فأومأ برأسه فقد أتمت المهمة بنجاح. ثم نظر إليها مضيقًا عينه بصمت محذرًا إياها بأن لا تتلاعب معه بتلك الطريقة مرة أخرى. أما والديه وعمرو حمدوا الله وشكروه كثيرًا، فهَدَأوا وبعد ذلك استكملوا تناول الفطور. نظرت أمل لصحنها ثم أكلت دون أن تتفوه بكلمة أخرى وتجنبت النظر ليحيى خوفًا من تهديداته. تفكير بداخلها: قريبًا سأتخلص من تهديدك أيها اليحيي، وقتها سأنتقم منك أشد انتقام. فـ مرة واحدة خرج صوتها

دون أن تشعر وهي تقول: يارب قدرني وأخد حقي. ولكن لن يسمعها أحد من الجالسين لعدم وضوح كلماتها. أما والدتها فقد سمعت همهمات لقريبها منها ولكن لم تفسره. فأردفت سائلة: بتقولي حاجة يا مولي؟ أجابت أمل بتلعثم خوفًا من يحيى: ده أناااا بببدعي لـ ييحيي يااا مااااما أان ربنا يسسسعده. ابتسمت والدتها بوجهها الطيب: يارب يا بنتي يسعد قلوبكم جميعًا.

انتهوا جميعًا من تناول الفطور وشربوا الشاي أيضًا، وكل منهم اتجه لغرفته يستريح قليلًا ثم يتجهزوا للخطبة ويليها صلاة الجمعة. داخل شقة الحاج سمير والد سناء، كان يجلس على طاولة الطعام وتجلس على يمينه الحاجة سميحة وبالجهة المقابلة تجلس سناء، وكانا ثلاثة يتناولون طعام الفطور أيضًا ما بين مناكفة سناء مع والدتها وخفة دمها التي يحبها والدها كثيرًا، وبين ضيق والدتها المصطنع إن لم تصمت ستجعلها تنظف الشقة بمفردها. تحدثت سناء

وهي تضع يديها على فمها: خلاص هسكت أهوه ياسمسم، ولو عايزة أعمل الشاي لوحدي أنا تحت أمرك. ياسلام ده إنتي مامتي حبيبتي. قهقه الحاج سمير بشدة على مشاكسة ابنته الصغيرة مع والدتها، فهي الأقرب لقلبه عن باقي أولاده ولها معزة خاصة، مردفًا: أوعي تخافي من حد يا سنسن، لو قالت لكِ اعملي الشقة أنا أبعت لكِ ثلاثة ستات ينضفوها بدالك. إحنا ما بنتهددش يا حاجة سميحة. جرت إليه سناء محتضنة إياه قائلة:

حبيبي يا حجوج، ربنا يبارك لي في عمرك. أيواااا كده لينا ضهر في البيت ده، يعني مش هنخاف من حد أبدًا. كانت تهتف وهي توجه الحديث لوالدتها، أما والدها يضحك من قلبه، فسناء الوحيدة التي تعرف كيف تخرجه من أي شيء يزعجه. وأخيرًا أردفت الحاجة سميحة قائلة: مش عايزة تقولي حاجة تانية يا بنت جوزي؟ نسيتي تقولي لها مثلًا يعني إني بنيمك من غير عشا وبطفي السجاير في جسمك وبغرقك مياه وبدخلك البلكونة في عز البرد؟

قولي يا آخرة صبري، قولي عشان أبوكي يعرف أنه جاب لك مرات أب وحشة. كانت تتحدث دون أن تظهر على وجهها أي ابتسامة ولكن بداخلها تضحك، فهي تحب المشاكسة اليومية مع حبيبة قلبها وآخرة صبرها سناء. كاد يسعل الحاج سمير من كثرة الضحك عليهما. فتوجهت سناء لوالدتها تحاول إرضائها: يا نهار أبيض يا سمسم، إنتي زعلتي؟ أنا ما أقدرش على كده، دي عنيا ليكي. تحبي أبدأ منين يا مرات أبويا؟

ضحكوا جميعًا ثم احتضنت سميحة ابنتها مقبلة وجنتها داعية لها بالسعادة والهنا في حياتها بأكملها. أمن الحاج سمير على دعوات زوجته مردفًا: اللهم آمين يا رب العالمين. مكملًا حديثه بعدما غمز بعينه لسناء: يعني كده ما بعتش حد ينضف الشقة؟ جرت الحاجة سميحة من مجلسها متحدثة بغضب مصطنع: طب ابقي اعملها يا حاج وأنا أدخلها لك البلكونة بجدار. ردف قائلًا وهو يضحك محتضن سناء:

قلبك أبيض يا حاجة، إنتي تأمري بس بلاش البلكونة دي، زي بنتك برد. أيوا كده، أنا عرفت نقطة ضعفك وكلمة السر بتاعتك بعد كل السنين. لو عايزة حاجة منك هقولها على طول، قابل بقى. كان هذا رد الحاجة سميحة كأنها تستحلف لها. أخرج الحاج سمير سناء من حضنه بطريقة مضحكة قائلاً: لا يا حاجة، ده إنتي حبيبتي. البت دي هي اللي عايزة توقع بينا. بقي كده يا حجوج بتبيع بنتك بالسهولة دي؟

يا عيني عليكي يا سنسن يا اللي مالكيش حد يزعل عشانك ويخاف عليكي. واثناء حديثهم المضحك والممتع بالنسبة لهم، دق جرس باب الشقة، فوجهت والدتها الحديث إليها: انجري يا بت وافتحي. نظرت سناء لوالدتها نظرة مصطنعة محملة بالانكسار: حاضر يا مرات أبويا، ما خلاص الحصانة اتشالت من عليا واللي كان كان. هتفت والدتها: اخلصي وافتحي يا آخرة صبري.

توجهت سناء للباب وفتحته، فوجدت أخاها الكبير سعد من الخارج، فهو يفتح معرض الموبليا يوم الجمعة وشقيقه سيد يوم الأحد وباقي الأسبوع اثنيهما معًا ووالدهما يتواجد بالمعرض وقتما يريد الذهاب إليه. عندما رأته سناء هتفت قائلة: اتفضل. دون إضافة كلمة أخرى وتاركة إياه متوجهة إلى طاولة الطعام وجلست لتأكل وتجاهلته تمامًا. أثر هذا غضب سعد فتحدث دون احترام لوالديه: يعني إيه اتفضل؟ هو ما فيش أدب؟ ما تتكلمش كويس بدل ما…

لم يكمل سعد باقي حديثه عندما سمع والده يتحدث بغضب عارم: إنت اتجننت؟ إزاي تكلم اختك بالطريقة دي وكمان قدامي؟ أومال لما أموت هتعمل فيها إيه؟ جرت سناء على والدها لترتمي في أحضانه وبكت من آخر كلماته مردفة بخوف حقيقي هي ووالدتها في وقت واحد: ألف بعد الشر عليك. مكملة هي: بابا عشان خاطري ما تقولش كده تاني، أنا ممكن أموت من غيرك. شدد والدها باحتضانها هتفًا: بعد الشر عليكي حبيبتي. حاضر مش هقول كده تاني بس ما تعيطيش.

فقبل وجنتها مربتاً على ظهرها حتى هدأت. لامت الحاجة سميحة والدها بنظرة عتاب، فهو يقصدها، فاتجه ناحية والدها ثم مال على يده مقبلًا إياها: آسف يا حاج، حقك عليا بس هي اللي ضيقتني بطريقتها معايا. سحب الحاج سمير يده قائلاً: إنت أخوها الكبير والمفروض عليك تكون سندها وظهرها من بعدي مش تعاملها كده. إيه يعني رفضت ابن أخو صاحبك؟ تقوم تعاملها بالطريقة الغبية دي؟ هتف سعد لوالده:

دي مش أول مرة يا حاج، ده عاشر عريس ترفضه. يعني الناس تقول عليها إيه؟ أجاب والده على حديثه بصوت غاضب: قصدك إيه؟ والناس مالها ومالنا؟ هو إنت مش عارف تربية أختك؟ ده المفروض اللي يجيب سيرة أختك بطريقة ما تعجبكش، تمسح بكرامته الأرض مش تيجي تلومها على رفضها. هو إحنا هنجوزها غصب عنها ولا إيه؟ وأثناء حديث الحاج سمير ولوالده سعد، خرجت سناء من حضن والدها متوجهة لغرفة نومها، فـ أدخلتها والدتها في حضنها ذاهبة معها متحدثة بحنو:

حبيبة ماما، ما تزعليش من سعد، هو بيحبك وخايف عليكي وعاوز يفرح بيكي بس هو عصبي شوية. تحدثت سناء وهي تشق من كثرة البكاء: لا يا ماما، هو مش بيحبني، هو بيكرهني عشان مش عايزة أتجوز ابن أخو صاحبه. أنا مالي، إنه عاوز يكبر شغله معاه يقوم يجوزني غصب عني واحد عمري ما شفته ولا أعرف عنه حاجة وهو زي. طب افرضي يا ماما ووافقت، مش هيكون الجوازة جوازة مصلحة؟ طب أبيه سعد ما فكرش إني ممكن ما نتفقش مع بعض فنطلق؟

أو مثلًا الشراكة بينه وبين وصاحبه تفشل فيجي ابن أخوه يطلقني، ماهو عارف الجوازة مبنية ازاي غير طبعًا كرامتي اللي هتتداس في الأرض قدامه لأني وافقت على الجوازة بالشكل المهين ده. وفي الآخر أيًا كان السبب اللي هيحصل منهم أنا اللي هخسر وهاخد لقب مطلقة. كده هيكون أبيه سعد مرتاح. ما زالت تبكي بشدة ووالدتها تستمع إليها ولم تقدر مغالطتها بكلمة، فحديثها صحيح بالفعل.

فـ سعد ذو الرأس العنيد الصلب، مهما تحدثت معه أخبرته أن يغير من طريقة تعامله مع شقيقته الصغيرة، لا يستمع لحديثه. تنهدت بصوت منخفض وهي تحتضن سناء: ربنا يهديك يا بني. ثم أكملت حديثها حتى تلهي سناء عن البكاء مردفة: أفضلي إنتي عيطي كتير وفي الآخر وشك يحمر ومش هتعرفي تروحي للخياطة مع ضحى بشكلك ده. فأكملت بمرواغة: أنا بقول بلاش تروحي بقى، مع إن الفرح قرب والفستان ممكن يطلع وحش عليكي والمعازيم يفضلوا يضحكوا.

مسحت سناء وجهها سريعًا مثل الأطفال قائلة: لا خلاص هسكت ومش هعيط تاني. قبلتها والدتها على وجنتها مردفة: شاطرة يا آخرة صبري. بالخارج ما زال الحديث قائم بين الحاج رشاد وولده سعد:

ياريت يا بني تغير طريقتك مع اختك عشان قلبي ما يغضبش عليك. شوف سيد أخوك الصغير بيعاملها إزاي وهي بتحبه اد إيه. أتمنى تاخد بكلامي وتعمل بيه عشان ما تندمش طول عمرك. مفاتيح المعرض افتح وأنا جاي وراك على ما أراضي أختك. الله يسامحك. كنا قاعدين بنضحك ومبسوطين وجيت إنت وقلبتها علينا، الله يهديك. تحدث سعد باعتذار: آسف يا حاج، عن إذنك هنزل أنا أفتح المعرض وأخلي الشباب يظبطوه قبل صلاة الجمعة عشان قرب.

نزل سعد ودلف الحاج سمير ليراضي ابنته وبعد ذلك يذهب إلى المعرض. تجمع سكان الحي في المسجد لسماع خطبة الجمعة ثم يؤدوا الصلاة. بدأ المصلين الخروج من المسجد بعد الانتهاء من الصلاة، كل منهم متجه إلى وجهته. تحرك المعلم علي ومعه شهاب وباقي العمال لفتح المقهى مرة ثانية، فجلس بعض المصلين على المقهى. اتجه الحاج رشاد وولداه إلى مخفر ومعهم العمال.

جلس أمام المخفر ومعه يحيى وعمرو، أتى إليهم الأستاذ محسن والحاج سمير ليجلسوا هم أيضًا مثلما يفعلون كل جمعة. دلف العمال إلى الداخل لاستئناف العمل، وكان ينتظر يحيى ومعهم عمرو صديقه سيف ليذهبوا إلى النادي الذي يقام به المباراة الأسبوعية لكرة القدم. هتفت الحاجة سعاد كلا من السيدة نادية والحاجة سميحة لتستأذنهما بذهاب ضحى وسناء معها ومع أمل إلى العين السخنة بالشاليه الخاص بهما لإجراء بعض مستلزمات الفرح.

فوافقا دون تردد، فهم بالفعل أسرة واحدة وبينهم ثقة لا حدود لها. أتى سيف صديقه يحيى وسلم على جميع الجالسين وأخذ يحيى وعمرو ذاهبين ليبدؤا المباراة. بعد ذهابهم بنصف ساعة نزلت ضحى وسناء ليجلبان بعض لوازم بيتهما وأيضًا ليذهبن للخياطة لتظبيط فساتينهن اللذان سيحضرن بهما فرح أمل. وبعد أن انتهين من شراء كل الطلبات ذهبن إلى الخياطة، وأثناء رجوعهما للحي ماشي وراءهما شابان يلقين عليهما بعض كلمات كي يتحدثن معهما.

أما ضحى وسناء لم تتحدثا والتزمت الصمت إلى أن دلفن داخل حي الغمري، ولكن ما زال الشابان وراءهما. فتقدم شاب منهما ووقف أمام الفتياتان وقال لهما: طب لازمت إيه المشي ده كله؟ أنا كنت عاوز أتكلم مع الآنسة. موجها حديثه لضحى. استفزت سناء لقفهما إجباريًا إلى جانب طريقته تلك، فتحدثت إليه بغضب: إنت إزاي تتجرأ وتوقفنا وتتكلم معانا؟ إنت مش محترم. امشي وخد صاحبك حالا من هنا أحسن مش هيحصل لك طيب. إنت فاهم؟ تقدم الشاب الآخر:

إنتي بتتكلمي كده ليه؟ هو عايز يكلمها هي وأنا عايز أكلمك إنتي. إيه رأيكم نخرج مع بعض؟ وأثناء حديث الشبان كان يخرج مينا من مستودع الفول الخاص به هو ووالده عم جرجس بعدما انتهى من بيع الفول بعربته المتواجدة أمام المستودع. فانتبه لصوت الشاب وهو يحدث فتاة، هو لم يرى وجه الفتياتان ولكن لم يعجبه أسلوب الشابين. فذهب إليهما ليتحدث معهما بأن هذا لا يصح منهما.

عندما اقترب مينا من وقفتهم اتضح له من يكونا تلك الفتيات، فغضب أكثر وهجم على الشبان واطرحهما ضربًا. واتى إليه بعضًا من شباب الحي ولكن لم يعرفوا ما السبب لتلك المشاجرة. تقدمت ضحى وسناء إلى منزلهما وهما مرتعبان وخائفان على مينا، فهو الذي أمرهما بالذهاب حتى لا يراهما شباب الحي ويعرفون السبب، خوفًا على سمعتهما.

ما زال الأستاذ محسن جالس مع الحاج رشاد، وعندما رأى ضحى وسناء الخوف ظاهر على وجههما اتجه إليهما سريعًا ليعرف ما بهما. وفي نفس اللحظة كان يخرج سعد من المعرض، فاتجه إليهما هو الآخر مسرعًا إليهما. قصت سناء لهم ما حدث بعدما تجمع عليهما الجالسين. فذهب سعد سريعًا لمينا ووراءه رجال آخرون حتى يلقوا ذلك الشبان درسًا على ما افتعلا.

أما الأستاذ محسن والحاج رشاد والحاج سمير والمعلم علي وجميع من تواجد وعلم بما حدث ذهبوا ليحلوا تلك المشكلة دون خسائر بعدما يعرفان الشبان خطأهما. كان يجري يحيى بالكرة وسط أرضية الملعب، فالمباراة على وشك الانتهاء، فأعطاها لأحد من الشباب معه. وهنا قد صفر الحكم بانتهاء المباراة لصالح فريق يحيى 1/3. وقف يحيى يحتفل مع فريقه إلا واتى صبي المخبز يدعى حمص. نادى عليه وهو يلهث من كثرة الجري قائلاً: أستاذ يحيى، أستاذ يحيى.

انتبه يحيى على الصوت فألتفت للوراء فوجد حمص يتجه إليه مسرعًا. خفق قلب يحيى خوفًا أن يكون قد أصاب والده مكروه، فتقدم هو الآخر من حمص ومعه عمرو وسيف سائلاً إياه بقلق مرتعب: إيه يا حمص؟ وشك عامل كده ليه؟ الحاج تعبان؟ أجابه حمص بالنفي وهو ما زال يلهث: الحاج رشاد بخير الحمد لله، بس في خناقة بشارع عند. تساءل عمرو بأهمية وهو يقف بجانب حمص ويحيى وسيف بالوراء يضعان أغراضهما سريعًا داخل حقائبهما: مين اللي بيتخانق في الشارع؟

أجاب حمص قائلاً: مينا ابن عم جرجس بيتخانق مع شابين كانوا بيعكسوا الآنسة ضحى والآنسة سناء. عندما سمع يحيى اسم شمسه ترك ما بيده وذهب مسرعًا إلى الحي دون أن يستمع لباقي الحديث. فجرى وراءه عمرو وسيف وتبعهما حمص وبعضًا من كانوا متواجدون معهم.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...