فرحت ضحى كثيراً عندما رأت ابتسامته، فحدثت نفسها قائلة: بحبك يا يحيي. خرجت سعاد من المطبخ ووراها أمل ويليها سناء، مرحبات بضحى. فاقتربت والدة يحيي متحدثة: حبيبة قلبي، القمر عندنا. ثم احتضنتها بحنو. وأكملت حديثها وهي ممسكة بيد ضحى: تعالوا يا حبايبي نقعد جوه. فدلفوا جميعاً غرفة المعيشة ومعهم يحيي. تساءلت الحاجة سعاد: عاملة إيه يا دودي؟ أجابتها ضحى برقتها المعهودة وخجلها أيضاً لوجود ذاك العاشق مثلها تمام:
الحمد لله بخير يا خالتي. فتذكرت ما أخبرتها به والدتها، فقد أنستها عيون يحيى كل شيء. ماما بتسلم عليكي على حضرتك وباعته معايا صنية جلاش ليحيى عشان عارفة إنه بيحبه. ابتسمت الحاجة سعاد عندما وجهت عينيها ناحية يحيي أثناء حديثها مع ضحى، فرأت بعينيه سعادة وهو ينظر إليها لم ترها من قبل. تفت لتجيب ضحى: تسلم إيد ماما وإيدك يا قمر، عقبال ما نفرح بيكي وبـ عريسك عن قريب يارب.
فألقت نظرة جانبية على ولدها، وجدت ملامحه قد تغيرت للضيق عند سمع والدته تدعو لها بالزواج. حس بداخلة بخوف لمجرد فكرة أنها تكون لغيره. هو لم يكن إنسان غدار بالنسبة لـ غادة، ولكن هي لم تريد إكمال الخطوبة، والدليل على ذلك عدم احترامها لأي اتفاقات بينهما. هو يرى أنه يطلب منها شيئاً مستحيلاً، بل كان يطلب منها أشياء تستنتج منها خوفه عليها، وهذا يحسب له.
مثل تغير طريقة ملابسه، فيجب أن يغطي جسمها بالكامل ويكون فضفاضاً، وأن تخبره عندما تخرج وعندما تعود إلى المنزل. فهذا أمر طبيعي يحدث بين أي اثنين مخطوبان. ولكن للأسف غادة متكبرة ولم تقبل بهذا، ولا تحب أحد يتحكم بها. ولعدم تنفيذ ملاحظاته لها، لذلك متوقع في القريب العاجل أن تنتهي العلاقة بينهما. فاق من شروده وحديث ذاته على صوت شمس وهي تتحدث مع والدته: ماما بتقول لحضرتك لو عايزها أي حاجة كلميها وهي هتجيلك على طول.
تفت سعاد بشكر وامتنان: متحرمش منها أبداً، طول عمرها أصيلة هي وأم سعد. تحدثت سناء بضحك: ماما طلعالي يا خالتو. قهقه الجميع على مزحة تلك السنسن. وبعدما هدأت والدة يحيي من الضحك تحدثت قائلة: يارب أفرح بيكم كلكم يا بنات. آمنوا جميعاً وراءها. هتفت أمل وهي توجه الحديث لـ ضحى: تعرفي يا دودى ماما عاملة أكلة أنتي بتحبيها أوي، بس البت سنسن لأ. شمّت ضحى بتلقائية لتلك الرائحة التي وصلت لأنفها قائلة: استني هقول أنا.
ابتسم يحيي على طريقتها التي يحبها كثيراً. فأجابت ضحى سريعاً بعد معرفتها بالرائحة: الله، قلقاس ده أنا بعشقه، ياااه، بقي لو معاه رز أبيض. يا سلاااام. أحرجت عما تفوّهت به أمام يحيي الناظر إليها والابتسامة ظاهرة على ثغره. ثم تحولت ملامح وجهه للنقيض، ولم تعرف لما. مححت ضحى حتى تقدر على مواصلة الحديث بهدوء، فنظراته التي تغيرت فجأة تسببت بفوضى بداخلها. تسلم إيدك يا خالتي، الريحة تجنن. هتفت سعاد بشكر: تسلمي حبيبتي.
ولكن يحيي كان بعالم آخر يتحدث سائلاً حاله: ماذا قالت تلك الجالسة أمامي؟ تعشقه. آآآخ، لو بيدي يا شمسي لكنت عاقبتك على هذه الكلمة التي تفوهتي بها الآن، ولكن صبراً أيتها المشاغبة لقلبي، ستحاسبين عليها في يوم من الأيام. وظل يختلس بعض النظرات إليها دون أن يلفت النظر إليه. ردفت سناء وهي متصنعة الحزن: كده يا سوسو، بتعملي قلقاس وأنتي عارفة أنه مش بيحبها. ضحكت سعاد على مظهرها ثم تحدثت بجدية: ما أقدرش على زعل الجميل.
أنا عاملة طاجن لحمة في الفرن يستاهل بقك يا روحي. فأكملت حديثها وهي تقف من جلستها: يلا يا بنات عشان تتغدوا مع يحيي، هو لسه جاي وما تغداش. فوجهت حديثها لـ ضحى: أنتي ويحيي تاكلوا قلقاس بتحبوه زي بعض بالرز، وسنسن تاكل طاجن اللحمة. هتفت ضحى سريعاً فهي لم تقدر على ذلك: شكراً يا خالتي، إحنا أكلنا قبل ما نيجي على طول. فنظرت لـ سناء حتى تتأكد على حديثها: صح يا سنسن؟ تفاجأت سناء من حديثها ولم تعرف بماذا تجيب؟
فهي لم تراها من الأساس تناولت أي شيء منذ كانت تتواجد معها بمنزلها لقلقها الشديد على تأخير يحيي بالعمل. بينما دلفت والدة ضحى عليهما الغرفة أكثر من مرة حتى يتناولان معاها الطعام، فأخبرتها ضحى كذباً بأن سناء أحضرت لها شوكولاتة وأكلتها بأكملها مما جعلها تشعر بالشبع، لذلك ستنتظر مجيء والدها حتى تتناول معه الطعام. بل بالاصح، عندما تطمئن على يحيي، وكان هذا منذ ساعات كثيرة.
أضطرت سناء توافقها الحديث حتى لا تحرجها أمامهم، فقد فهمت لما تقول ضحى ذلك لأنها خجلة من وجود يحيي. آه آه فعلاً حصل، أكلنا قبل ما نيجي على طول. مرة تانية يا خالتي إن شاء الله. تنفس ضحى بارتياح لتفهم سناء لها وخروجها من ذلك المأزق. أما يحيي فقد انزعج كثيراً لعدم موافقتها على تناول الطعام معه، واستنتج بأنها لا تريد الجلوس معه. تحدثت أمل لوالدتها وهي تقف من مجلسها: اقعدي انتي يا ماما وأنا أجهز الأكل ليحيي على السفرة.
حالتحدث يحيي وهو ينهض من مكانه ويتجه لخارج الغرفة: خلاص يا أمل، ماليش نفس، أنا هنام شوية، عندي تمرين في الجيم وسيف هيعدي عليا يصحيني. نظر للجميع مردفاً: عن إذنكم. أحست والدته تغيره، ولكنها لم تعرف السبب. انزعجت ضحى من ذلك، فهي يتواجد معها في نفس المكان ولا تريده أن يذهب للنوم، هي تتمنى أن يجلس معها أكبر وقت لتشبع منه. وانزعجت أكثر لعدم تناوله الطعام، لكن ما عليها فعله، ولست من حقها أن تقول له لا تنام وتناول الطعام.
لكنها أتتها فكرة قبل أن يخرج من الغرفة، فوافقت سريعاً وأردفت قائلة: يحيي، ما دُقتش الجلاش ليه؟ كده ماما هتزعل، دي عاملاه لك مخصوص. أحس أنها تريد مصالحته، لما هذا الشعور لا يعلم. ولكنه سعد كثيراً، فهو لا يريد أحزانها مهما كان، فأجابها مبتسماً: تصدقي نسيت خالص. وبعدين أنا ما ينفعش أزعل من خالتي نادية. فصمت لثواني وحدث ذاته مكملاً: ولا بنتها والله.
بالأسفل يجلس الحاج رشاد ومعه الأستاذ محسن، كما أتى إليهما الحاج سمير، ثم انضم إليهم المعلم علي صاحب المقهى، فهم جميعاً أصدقاء رغم فارق السن بينهم وكبار الحي أيضاً. فعندما يتواجد نزاع بين أحد وآخر من سكان الحي، يأتون إليهم لحله. بالأخص الحاج رشاد وابنه يحيي، هما أكثر اثنين يرضى الجميع بحكمهما، فدائماً يكون الحكم متفق عليه طرفي النزاع. بدأ الحديث في هذا المجلس الحاج رشاد مردفاً:
خير يا أبو ضحى، كلمتني وقلتلي نتجمع خير، طمني، قلقتني. فالحاج رشاد خائفاً أن يكون محسن يريد تجمعهم لإخبارهم بحضور عريس لخطبة ابنته. وكان يحدث ذاته قائلاً: تكلم يا محسن، تكلم يا رجل، قبل أن ينفذ صبري من الانتظار من وقتما حدثتني في الهاتف. تحدث محسن أخيراً: والله يا جماعة أنا مجمعكم النهارده وعارف إنكم هتفرحوا لفرحي.
بعد هذه الكلمات دب القلق أكثر بقلب الحاج رشاد، ولكن لم يظهر عليه ذلك، فهو رجل حكيم ورزين ويعرف جيداً التحكم في أفعاله، ولم يتسرع مهما تطلب الأمر. فأكمل محسن حديثه: إن شاء الله أنا وأم ضحى هنطلع العمرة السنة دي. اختاروني بقرعة عمرة رمضان في الشغل، عقبالكم وتكون حج بإذن الله. طبعاً أنتم عارفين إن ضحى مش هينفع تكون معانا. هنا تنفس الحاج رشاد الصعداء عندما علم سبب تجمعهم الآن، وحمد الله وشكره كثيراً دون أن يلاحظه أحد.
أخرج زفيراً بعد قلقه كل هذه المدة. بارك الحاج رشاد لـ محسن وكل ما كان معهم بالمجلس الحاج سمير والمعلم علي. فتحدث المعلم علي مستفسراً: ونويت السفر امتى على خير يا أبو ضحى؟ أجاب الأستاذ محسن: بعد فرح أمل بحوالي أسبوع وهنقعد عشر أيام بإذن الله. تحدث الحاج رشاد مردفاً: ما تقلقش على ضحى، هتكون في عينينا كلنا، كأنك موجود يعني، ما تشلش هم أي شيء. هتف محسن بوضوح:
الصراحة يا حاج، اتفقت أنا ووالدتها إنها تروح عند خالتها مديحة في إسكندرية بدل ما تحضر رمضان لوحدها. هنا تحدث الحاج سمير معاتباً: ده كلام يا محسن، يعني إيه هتحضر رمضان لوحدها، أومال إحنا روحنا فين؟ أنت كده بتشتمنا يا راجل. وأكمل مؤكداً: هي ضحى مش زي سناء، وبعدين أم سعد هتاخد بالها منها، هتخاف عليها زي والدتها بالظبط. ومن الآخر كده، أنا لا يمكن اسمحلك توديها عند خالتها واحنا موجودين. تدخل المعلم علي في الحديث قائلاً:
وأنا رأيي من رأي الحاج سمير والحاج رشاد، إحنا كلنا هناخد بالنا من ضحى، هي زي ولادنا، ولا إيه يا حاج رشاد؟ ابتسم الحاج رشاد بداخلة، فهو بالفعل كان سيحكي كل هذا، ولكن الحاج سمير والمعلم علي تحدثوا في كل شيء. والذي أسعده أكثر هو الترابط المتواجد بين سكان حي الغمري، كأنهم عائلة واحدة لا يتركوا بعضهم في أي مناسبة تحدثت لشخص بينهم. فأجاب على حديث المعلم علي: أكيد طبعاً كلامك صح وأنا معاك فيه يا معلم. هتف محسن سريعاً:
وأنا ما أقدرش أكسر لكم كلمة، بس أنتم عارفين إنها ممكن تتأثر في غيابنا، فقولنا خالتها هتعوضها عننا شوية. كل هذا والحاج رشاد يستمع أكثر مما يتحدث، ولما لا، فهو قد اطمئن ليكن ما يكون بعد ذلك. ولكن هو أيضاً لم يقبل أن تذهب ضحى لأي مكان، فهم بالفعل عائلة واحدة، حتى لم يكونوا إخوة بالدم أو أقارب، ولكنهم عائلة بطيلة العشرة والود والاحترام والحب الذي لا يقدر بثمن. تحدث الحاج رشاد بتساؤل: طب ضحى رأيها إيه؟ أجاب
محسن برفض ضحى لذلك القرار: مش عاوزة تسيب البيت، بتقولي ما تخافش عليا يا بابا، أنا هكون براحتي هنا وسط أهلي، وبعدين مش هحس بشهر رمضان غير معاهم، عن أي مكان تاني، لغاية ما تيجوا بالسلامة. أحس الحاج رشاد من حديث ضحى أنه يوجد سبب آخر لعدم ذهابها، سبباً قوياً للغاية، ولكن لا يهم معرفته، الأهم ستكون أمام أعينهم، وبالأخص يحيي.
فالحاج رشاد يحفظ ولده أكثر مما يتخيل، فقد أحس أنه يميل لـ ضحى ويتواجد لها شيء بقلبه، ولكنه تسرع وارتبط بـ غادة. هو لم يكن لها أي مشاعر. تساءل حاله مستفسراً ويود أن يجيبه مردفاً: ماذا فعلت بـ حالك بني؟ ولكن لا يهم، سوف يعينني الله على حلها، فثقتي بالله كبيرة.
فبعد الانتهاء زواج أمل بمشيئة الله، سأجلس معه ونتحدث بكل وضوح حتى أعرف ما يدور بداخله، فكل ما يهمني في الحياة أن يكونوا أبنائي في سعادة وراحة بال، وبالأخص ابن عمري يحيي. بعدما اطمئن الحاج رشاد، نادى شهاب الذي يعمل بمقهى المعلم علي، فطلب منه أن يحضر للجالسين معه ما يريدون شرابه. ولكن بداخله كان يريد أن يخبر شهاب أن يوزع شربات على حي الغمري بأكمله، لأنه لا يوجد شيء كما كان في باله عن ضحى. سنتوقف قليلاً لنتعرف على شهاب.
هو من أبناء الحي، يتيم الأبوين من عمر السبع سنوات، كان في الصف الثاني الابتدائي، وقد اعتنى به المعلم علي وزوجته السيدة اعتماد، قاما اثنيهما بتربيته وسط أبنائهما واهتموا به حتى كبر. فحقاً ليس الأبوه من أنجبوا فقط، ولكن من راعوا وعلموا أيضاً. فهم كان له خير عوض عن أهله، وهو كان لهم أيضاً خير عوض عن ابنهما شاهين الذي ترك المنزل بعدما تعرف على أشخاص غير صالحين، المتعرف عليهم بالأخلاق السيئة والسلوك الغير سوي.
فقد توفي والدا شهاب أثناء تأدية عملهما في بلدية الحي، تما كانا ينظفان أحد شوارع منطقة قريبة من حي الغمري، أتى أتوبيس نقل مدرسي بسرعة رهيبة، فلم يتحكم السائق في عجلة القيادة والفرامل أيضاً حتى يوقف سيره، فاختلت إطارات الأتوبيس وانحرفت عكس الاتجاه، ففقد السائق السيطرة عليه تماماً وحاول جاهداً الابتعاد عنهما، ولكن كان للقدر رأي آخر، اصطدم الأتوبيس بهما، مما أدى لوفاة الأم في الحال.
أما الأب فقد حدث له إصابات خطيرة أدت لدخوله العناية المركزة وتوفي بعد زوجته بخمسة عشرة يوماً. وتركا شهاب وحيداً بلا مأوى ولا أهل من دمه، فوالديه لم يكن لها عائلة لأنهما تربيا في أحدى دار رعاية الأيتام. ولكن من سيترك شهاب وحيداً؟ فمن الأساس كانت ترعاه السيدة عنايات بائعة الخضار في الحي لحين عودة والديه من العمل، وكانت مرحبة بذلك لأنه طفلة تجلس وسط أولادها ولم يفتعل أي مشاغبات معهم.
ولكن بعد وفاة والديه لم تقدر على تلبية متطلباته، فلم يكن لديها المال لهذا، فهي تربي عدد من الأبناء وزوجها يعمل باليومية. فلذلك أخذه المعلم علي وعاش في منزله وسط أبنائه وكبر بينهم. وكان شهاب يلقب المعلم علي بـ بابا وزوجته السيدة اعتماد بـ ماما. وأثر المعلم علي على تكملة دراسته. ولكن عندما أتم شهاب سن أحد عشر عام، طلب من المعلم علي أن يعمل معه في المقهى، ولكن المعلم رفض بشدة وأخبره أن يتعلم ولا يهتم أي شيء آخر.
وكان هذا أيضاً رأي السيدة اعتماد. شهاب الآن بالسنة النهائية بمعهد سياحة وفنادق بجانب عمله بالمقهى، حتى يساعد المعلم علي وبنفس الوقت يصرف على حاله. فكفى عليهما كل ذلك العمر. رفض المعلم وزوجته هذا، ولكن أصر شهاب بشدة إلا يعيش بمفرده ويبعد عنهما. أضطرا اثنيهما على موافقته لأنهما لم يقدرا الابتعاد عنه. بداخل شقة الحاج رشاد، استأذنت الحاجة سعاد من الفتيات لتستريح بغرفتها مثل عادتها بعد الغداء.
أما عمرو فلم يراهما، فقد دلف غرفته قبل أن يأتيان لينام لأنه متعب للغاية، رغم أنه كان يود مجالستهما، فهو يتعامل معهما مثل أخواته وهما يعزونه كثيراً. بينما يحيي الذي دلف غرفته ليغفل قليلاً مثلما أخبرهم، ولكن لن يفعل ذلك لأنه لم يقدر على النوم، وشمس حياته تجلس بنفس المكان وهو ليس بجانبها.
ظل يفكر فيها فترة طويلة، ثم تنهد وحاول كثيراً النوم، فلديه اليوم تمرين قاسٍ بالچيم ويجب عليه أن يريح جسده ويصفي ذهنه حتى يحسن الأداء ويكون راضياً عن حاله. فهو يحب الرياضة كثيراً، وكذلك صديق عمره سيف، اللذان لم يفترقا أبداً إلا ساعات قليلة في اليوم. فهما صباحاً في العمل ومساءاً يتدربان في الچيم، وقليلاً ما يجلسان مع والده أمام المخبز. وبعد تفكير كثير، نام يحيي في سبات عميق. تجلس أمل بغرفتها ومعها ضحى وسناء.
تحدثت سناء بتساؤل: كنتي عايزانا في إيه يا مولي؟ صحيح. وقفت أمل وتحركت ناحيتهما. فهي كانت تجلس على مقعد التسريحة وهما يجلسان على فراشها، فجلست بجوارهما وتحدثت: يا خبر، الكلام خدنا ونسيت خالص. فأكملت بتوتر: بصوا بقي، أنتم عارفين إني ماليش أخوات بنات ولا أصحاب غيركم، ورغم إني أكبر منكم بس عمري ما حسيت إن في فرق سن بينا، وكأننا في عمر واحد تمام. تحدثت ضحى بقلق: في إيه يا مولي؟ ليه المقدمة دي كلها؟
أنتي أختنا الكبيرة وصاحبتنا القريبة اللي لما بنحتاج ليها بنلاقيها دايماً جنبنا، وبعدين أنتي كاتمة أسرارنا كمان. فضحكن ثلاثتهن. أمل تعلم بتفاصيل حب ضحى ليحيي، ولكن ضحى طلبت منها عدم الإفصاح له ولا لأي أحد. فهمت أمل الأمر، تخبر أخيها خوفاً على مشاعر صديقتها، بجانب تخوفها الكبير أن علم يحيي بذلك يعنفها وتنتكس مثل ما حدث معها وقتما توفت شقيقتها رضوى.
فمن وقت ما علمت أمل بحب ضحى لأخيها، تدعو الله عز وجل أن تكون من نصيبه يحيي لأنه يستحقها مثلها تمام. أكملت ضحى حديثها: اتكلمي على طول حبيبتي، إحنا سامعينك. أخرجت أمل ضغطاً وأجابت سريعاً حتى تقلل من توترها هذا: من الآخر كده، أنا عايزاكم معايا وأنا رايحة الشاليه بتاعنا في السخنة عشان أعمل كل مستلزمات فرحي، طبعاً فاهمين قصدي، هما ٣ أيام مش أكتر، هكون أنا وماما بس. ها، قولتوا إيه؟ نظرت لها سناء متصنعة الغضب:
يا شيخة حرام عليكي، أنا قلقت، قولت في حاجة خطيرة حصلت، ده أنا رُكبي خبطت على الجيران من الرعب. ظل الفتيات يضحكن على حديث سناء. هتفت ضحى بهدوء: ما فيش مشكلة طبعاً، هنكون معاكي في أي مكان وأي وقت، طالما عايزانا، هو إحنا نقدر نقول لا لعروستنا الجميلة. بس خالتي سعاد تكلم ماما وخالتي سميحة وهما عمرهم ما هيرفضوا. احتضنتهما أمل بحب وتحدثت مردفة: متحرمش منكم يا قمرات، عقبال ما أفرح بيكم وزي ما أنا نفسي. فغمزت لـ ضحى وابتسمت.
تحدثت سناء بغير العادة: يارب يارب يارب، ويرزقني أنا كمان باللي يحبني وأحبه. انتبهت اثنتهما إليها عما تفوهت به، فقامت أمل ويليها ضحى وتحركا باتجاهها وهي مازالت جالسة على الفراش، فرجعت للخلف قائلة: فين يا بنات؟ أنا قولت حاجة غلط؟ استهدوا بالله. وقفا الاثنين أمامها كأنهما يحققان معها مثلما يفعل وكيل النيابة. تحدثت أمل وهي تنظر لها باستغراب: قولي كده تاني اللي قولته. فنطقت سناء بخوف مصطنع: اللي هو إيه يا سادة الظابط؟
أكملت ضحى: هو في حاجة إحنا ما نعرفهاش يا سنسن ولا إيه؟ أجابتها سناء بتهكم: ياختي اسكتي، هو أنا بروح في حتة من غيركم ولا بعمل حاجة أنتم ماتعرفوهاش، كل الحكاية إني حبيت الحب بسببك أنتي وأمل، الله يسامحكم، بس هو مين أو فين ماعرفش، أنا بدعي ربنا يرزقني بـ واحد ابن حلال وأحبه ويحبني ويخاف عليا، بس كده. جلستا أمل وضحي بجوارها رافعتان اثنتهما أيديهن أمام وجوههن داعين الله أن يرزق صديقتهما من يسعد قلبها ويكون زوج صالح.
فأكملت ضحى دعاءها دون أن يسمعها أحد، أن يجعل الله يحيي من نصيبها. ودعت أمل أيضاً الله أن يتم زواجها هي وابن عمها وحبيب عمرها سامر على خير. وبعد نصف الساعة التي خصصت لهما من والدتهما، تحركا اثنتهما ثم دخلت كل منها لشقتها. أتى المساء وقد استيقظ يحيي وجاء إليه سيف وذهبا سوياً لصالة الجيم. وبعدما جلسا أمام المخبز بجوار الحاج رشاد، ذهب سيف إلى منزله.
ثم صعد يحيي هو ووالده شقة العائلة، وبعدما تناولوا عشاء خفيف، دلف الحاج رشاد غرفة نومه ومعه زوجته. ودلفت أمل غرفتها أيضاً. أما عمر فقد أفاق ليأكل ثم غفى ثانياً من شدة إرهاقه. دلف يحيي هو الآخر غرفته ليستريح، ولكن المه ساقهُ بشدة فلم يقدر على النوم، فخرج من غرفته وذهب إلى غرفة أمل وطرق الباب مستأذناً للدخول. فآتاه صوت أمل تسمح له بالدخول بعدما اعتدلت من نومتها: ادخل يا يحيي. تحدث وهو يظهر على وجهه الألم:
مولي، ممكن فونك أكلم سامر أسأله على اسم كريم باسط للعضلات أحسن اللي عندي خلص ونسيت اسمه ورجلي وجعاني من التمرين وفوني فاصل بشحنه. تحدثت أمل بقلق وهي تتحرك من فراشها: سلامتك يا حبيبي، خد الفون أهو واتكلم براحتك. فكملت حديثها بحب أخوي: طب أعملك حاجة حبيبي؟ أجاب يحيي سريعاً: متحرمش منك حبيبتي، أنا هسأله وهتصل على الصيدلية تبعتهولي، نامي انتي ما تقلقيش. أخذ يحيي الهاتف سائلاً بإستفسار: مولي، سامر نبطشي يصحى عشان مقلقهوش؟
أجابته أمل: آه حبيبي، وبعدين في أي وقت كلمه ولا يهمك، الله مش أخويا ولا إيه؟ ضحك اثنيهما وتحدث يحيي: تصدقي صح، وبعدين بردو هو زي ابن عمي. فأكمل يحيي: الرمز يا ست البنات عشان أفتحها. أخبرته أمل الرقم، أخذ يحيي الهاتف وخرج من الغرفة حتى لا يزعج أمل باتصاله، فجلس على الأريكة في بهو الشقة، فاتحاً الهاتف بحثاً عن رقم سامر. فأتى إشعار رسالة من ضحى لـ أمل على موقع الماسنجر ظهراً على شاشة الهاتف من أعلى تقول بها
(يعني لازم تفضحيني وتقولي إني بحب أخوكي……) ولم يظهر باقي الرسالة. انتفض يحيي من مجلسه دون أن يكمل اتصاله بـ سامر وذهب مسرعاً لغرفة أمل التي قامت مفزوعة من فراشها بعدما فتح يحيي باب غرفتها بعنف دون استئذان وتحدث بنبرة صوت غاضبة وهو موجه لها شاشة الهاتف مردفاً: ممكن أفهم إيه ده.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!